سائب خائر

سائب خائر
تو.683 م

هو أبو جعفر سائب بن يسار، شاعرٌ في عصر الخلفاء الرّاشدين. كان أوّل الأمر يشتغل بالتّجارة، إلاّ أنّه كان يقضي أوقات فراغه في الإستماع إلى النائحات في حفلاتهن الأسبوعية. ممّا حمله على ترك الإشتغال بالتّجارة إلى الإشتغال بالغناء. تقدّم فيه وأصبحت له شهرةٌ كبيرةٌ، جعلت عبد الله بن جعفر أحد أشراف قُرَيش أن يأخذه في خدمته.

إنّ الألحان الفارسية التي وُرِدَت إلى المدينة المنوّرة بواسطة أسرى الفرس أخذت تسترعي له الأسماع. فاستفاد سائب خائر من هذه الألحان فتعلّمها وغنّاها بشعرٍ عربيٍّ، فنال إعجاب الجمهور.

يُقال إنّ سائب خائر أوّل مُغنٍ عَزف على العود أثناء تأديته الغناء. كما إنّه أوّل من ابتكر الإيقاع المُسمى بالثّقيل الأوّل.

قُتِل في سنة 64 هـ، في عهد يزيد الأوّل في واقعة الحرّة.

مِن أشهر تلاميذه: عزّة الميلاء وابن سريج وجميلة ومعبد.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: كان سائب خاثر مولى بني ليث. وأصله من فيء كسرى، وأشترى عبد الله بن جعفر ولاءه من مواليه، وقيل: بل اشتراه فأعتقه، وقيل: بل كان على ولائه لبني ليث، وإنما أنقطع إلى عبدالله بن جعفر فلزمه وعرف به. وكان يبيع الطعام بالمدينة. واسم أبيه الذي أعتقه بنو ليث “يشا” .

قال ابن الكلبي وأبو غسان وغيرهما: هو أول من عمل العود بالمدينة وغنى به. وقال ابن خرداذبه: كان عبدالله بن عامر أشترى إماء صناجات وأتى بهن المدينة، فكان لهن يوم في الجمعة يلعبن فيه، وسمع الناس منهن، فأخذ عنهن. ثم قدم رجل فارسي يسمى بنشيط، فغنى فأعجب عبد الله بن جعفر به. فقال له سائب خاثر: أنا أصنع لك مثل غناء هذا الفارسي بالعربية، ثم غدا على عبدالله بن جعفر وقد صنع:

لمن الديار رسومها قفر

قال ابن الكلبي: وهو أول صوت غني به في الإسلام من الغناء العربي المتقن الصنعة. قال: ثم آشترى عبد الله بن جعفر نشيطاً بعد ذلك، فأخذ عن سائب خاثر الغناء العربي وأخذ عنه ابن سريح وجميلة وعزة الميلاء وغيرهم.

قال ابن الكلبي وحدثني أبو مسكين قال: كان سائب خاثر يكنى أبا جعفر، ولم يكن يضرب بالعود إنما كان يقرع بقضيب ويغني مرتجلاً، ولم يزل يغني. وقتل يوم الحرة. ومر به بعض القرشيين وهو قتيل، فضربه برجله وقال: إن ها هنا لحنجرةً حسنةً. وكان سائب من ساكني المدينة. قال ابن الكلبي: وكان سائب تاجراً موسراً يبيع الطعام، وكان تحته أربع نسوة، وكان أنقطاعه إلى عبد الله بن جعفر، وكان مع ذلك يخالط سروات الناس وأشرافهم لظرفه وحلاوته وحسن صوته. وكان قد آلى ألا يغني أحداً سوى عبدالله بن جعفر، إلا أن يكون خليفةً أو ولي عهد أو ابن خليفة؛ فكان على ذلك إلى أن قتل. قال: وأخذ معبد عنه غناءً كثيراً فنحل الناس بعضه إليه ، وأهل العلم بالغناء يعرفون ذلك. وزعم ابن خرداذبه أن أم محمد ابن عمرو الواقدي القاضي المحدث بنت عيسى بن جعفر بن سائب خاثر.

وقال ابن الكلبي: سائب خاثر أول من غنى بالعربية الغناء الثقيل؛ وأول لحن صنعه منه:

لمن الديار رسومها قفر

قال: قألفت هذا الصوت الفروح. قال وحدثني محمد بن يزيد أن أول صوت صنعه في شعر أمرىء القيس:

أفاطم مهلا بعض هذا التدلل

وأن معبداً أخذ لحنه فيه فغنى عليه:

أمن آل ليلى باللوى متربع

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن ابن الكلبي عن لقيط قال: وفد عبد الله بن جعفر على معاوية ومعه سائب خاثر فوقع له في حوائجه، ثم عرض عليه حاجة لسائب خاثر؛ فقال معاوية: من سائب خاثر؟ قال: رجل من أهل المدينة ليثي يروي الشعر. قال: أو كل من روى الشعر أراد أن نصله! قال: إنه حسنه. قال: وإن حسنه! قال: أفأدخله إليك يا أمير المؤمنين؟ قال نعم. قال: فألبسته ممصرتين إزاراً ورداء. فلما دخل قام على الباب ثم رفع صوته يتغنى:

لمن الديار رسومها قفر

فالتفت معاوية إلى عبدالله بن جعفر فقال: أشهد لقد حسنه! فقضى حوائجه وأحسن إليه.

لمن الديار رسومها قفـر       لعبت بها الأرواح والقطر

وخلالها من بعد ساكنـهـا      حجج مضين ثمان أوعشر

والزعفران على ترائبهـا       شرق به اللئات والنحـر

الشعر ينسب إلى أبي بكر بن المسور بن مخرمة الزهري، وإلى الحارث بن خالد المخزومي، وإلى بعض القرشيين من السبعة المعدودين من شعراء العرب. والغناء لسائب خاثر ثقيل أول بالسبابة عن الكلبي وحبش، وذكر أن لحن شمائب خاثر ثقيل أول بالوسطى، و وافق إسحاق في ذلك، وذكر أن الثقيل الأول لنشيط. وذكر يونس أن فيه لحناً لمعبد ولم يجنسه، وذكر الهشامي أن لحن معبد خفيف ثقيل، وأن فيه لابن سريج خفيف رمل.

أخبرنا أحمد بن عبيدالله بن عمار وأحمد بن عبدالعزيز الجوهري وإسماعيل بن يونس قالوا حدثنا عمر بن شبة حدثني قبيصة بن عمرو قال حدثنا محمد بن المنهال عن رجل حدثه، وذكر ذلك أيضاً ابن الكلبي عن لقيط قال: أشرف معاوية بن أبي سفيان ليلاً على منزل يزيد أبنه، فسمع صوتاً أعجبه، وأستخفه السماع فاستمع قائماً حتى مل، ثم دعا بكرسيي فجلس عليه، وأشتهى الاستزادة فاستمع بقية ليلته حتى مل. فلما أصبح غداً عليه يزيد. فقال له: يا بني! من كان جليسك البارحة؟ قال: أي جليس يا أمير المؤمنين؟ وأستعجم عليه. قال: عرفني فإنه لم يخف علي شيء من أمرك. قال: سائب خاثر. قال: فأخثر له يا بني من برك وصلتك، فما رأيت بمجالسته بأساً.

قال ابن الكلبي: قدم معاوية المدينة في بعض ما كان يقدم؛ فأمر حاجبه بالإذن للناس؛ فخرج الآذن ثم رجع فقال: ما بالباب أحد. فقال معاوية: وأين الناس؟ قال: عند ابن جعفر. فدعا ببغلته فركبها ثم توجه إليهم. فلما جلس قال بعض: القرشيين لسائب خاثر: مطرفي هذا لك – وكان من خز – إن أنت أندفعت تغني ومشيت بين السماطين وأنت تغني. فقام ومشى بين السماطين وغنى:

لنا الجفنات الغر يلمعن بالضحى        وأسيافنا يقطرن من نجدة دمـا

فسمع منه معاوية وطرب وأصغى إليه حتى سكت وهو مستحسن لذلك، ثم قام وأنصرف إلى منزله. وأخذ سائب خاثر المطرف.

أخبرني حبيب بن نصر عن عمر بن شبه عن الزبيري، وأخبرني أبو بكر بن أبي شيبة البزار قال حدثنا أحمد بن الحارث الخراز عن المدائني قال: قتل سائب خاثر يوم الحرة، وكان خشي على نفسه من أهل الشأم فخرج إليهم وجعل يحدثهم ويقول: أنا مغن، ومن حالي وقصتي كيت وكيت؛ وقد خدمت أمير المؤمنين يزيد وأباه قبله. قالوا: فغن لنا، فجعل يغني؛ فقام إليه أحدهم فقال له: أحسنت والله! ثم ضربه بالسيف فقتله. وبلغ يزيد خبره ومر به أسمه في أسماء من قتل يومئذ فلم يعرفه وقال: من سائب خاثر هذا؟ فقيل له: هو سائب خاثر المغني. فعرفه فقال: ويله!! ماله ولنا! ألم نحسن إليه ونصله ونخلطه بأنفسنا! فما الذي حمله على عداوتنا! لا جرم أن بغيه صرعه. وقال المدائني في خبره: فقال إن لله! أو بلغ القتل إلى سائب خاثر وطبقته! ما أرى أنه بقي بالمدينة أحد. ثم قال: قبحكم الله يأهل الشام! تجدهم صادفوه في حديقة أو حائط مستترأ منهم فقتلوه.

أخبرني أحمد بن عبدالعزيز قال أنبأنا عمر بن شبة قال! حدثني قبيصة بن عمرو قال حدثني حاتم بن قبيصة قال حدثني ابن جعدبة قال حدثني مويلك عن أبيه قال قال لي سائب خاثر يوم الحرة: هل سمعت شيئاً صنعته؟ فغناني صوتاً:

لمن طلل بين الكراع إلى القصر      يغيب عنا آيه سبل الـقـطـر

إلى خالدات ما تـريم وهـامـد         وأشعث ترسيه الوليدة بالفهـر

قال: فسمعت عجباً معجباً، ثم ذكر أهله وولده فبكى. فقلت له: وما يمنعك منهم؟ فقال: أما بعد شيء سمعته ورأيته من يزيد بن معاوية فلا! ثم تقدم حتى قتل.

أقفرمن أهله مصـيف           فبطن نخلة فالعـريف

هل تبلغني ديار قومي          مهرية سيرها زفيف

يا أم نعمان نـولـينـا            قد ينفع النائل الطفيف

أعمامها الصيد من لؤي        حقاً و أخوالها ثقـيف

الشعر لأبي فرعة الكناني، والغناء لجرادتي عبدالله بن جدعان، ولحنه من خفيف الثقيل. وفيه في الثالث والرابع ثقيل أول مطلق.