زكريا أحمد

زكريـا أحـمد

كان الشّيخ زكريا أحمد أشدّ كبار الموسيقييّن العرب تعصّبًا لعروبة موسيقاه، وأوضحهم في انتمائه المصري الأصيل. والده أحمد صقر، وكان من أنصار الحامولي. تزوّج من فتاةٍ من أسرةٍ تركيّةٍ، أنجبت له بنات، فيما الذّكور منها كانوا يموتون في أسبوعهم الأوّل، إلى أن رُزِقوا بزكريا بعد واحد وعشرين طفلاً ماتوا.

أرسل زكريا إلى كتاب الشّيخ نكلة قرب منزله. كان والده شديد الوله به ويخشى فقدانه. وكان الولد نبيهًا، سريع الحفظ، لكنه كان شقيًا أيضًا. وقد طُرِدَ من الكتاب حين عضّ الشيخ منصور الذي كان ينفض له فروته، -أيّ يضربه. فانتقل إلى الأزهر حيث أمضى سبع سنوات لم يُبدّل في أثنائها شيئًا من طباعه.

بدأ زكريا يطوفُ في الأرياف، يُسمِع الناس ويستمع إليهم. وأخذ يكتنزُ تراث الفلاّحين، وقد أخذ مع الوقت يعرض عن الغناء الدّيني ويُقبِلُ على الطّرب والموسيقى، حتّى يئس الشيخ درويش الحريري في تحفيظه القرآن، فحفّظه آيات معلومة تناسب احتفالات بعينها.

لحّن زكريا ثلاث وخمسين مسرحيةً غنائيّةً، وتراوح عدد ألحانه في كلٍّ منها، من ثمانية ألحان إلى اثني عشر لحنًا، إلاّ “دولة الحظ”؛ فكان له فيها سبعة ألحان. وبلغ عدد أغنياته المسرحية خمسمائة وثمانين لحنًا حتّى حظي الكثير منها بشهرةٍ واسعةٍ.

إن مسرحيات الشيخ زكريا كانت امتدادًا لتراث سيد درويش. فتضمّنت مسرحياته نقدًا عنيفًا وحكيمًا وتصويرًا للأوضاع الإجتماعية حينًا، ونقدًا هادئًا في أحيانٍ. واستخدم أسلوب تمثيل الممالك الخيالية لنقد السلطة. وزكريا كان متفوقًا على أقرانه في هذا الفنّ المسرحيّ، حيث كان غزير الألحان، سريعًا إذا شاء أو اضطرّ.

أمّا ظهور السّينما في المسرح الغنائي، فكان له أثر حاسم. ولم يكن زكريا استثناءً في انتقاله من العمل المسرحي الغنائي إلى العمل للسينما الغنائية. وقد اشترك في تلحين أغنيات سبعة وثلاثين فيلمًا، تضمنت إحدى وتسعين أغنية من ألحانه، اشتهر معظمها اشتهارًا عظيمًا.

طوّر زكريا أحمد في الغناء العربي الطقطوقة والدّور. ولعلّ في هذا دلالة أخرى على أصالته الفطرية. فأُعطِيَ أربعة أزجال وطُلب منهُ أن يلحّنها طقاطيق لشركة بطرس بيضا، واشترط على الشّركة ألا يلحّنها غيره. إلا أنّه انصرف منذ موت سيد درويش إلى المسرح الغنائي.

ولا شكّ في أن تطوير زكريا لشكل الطّقطوقة أرشد محمّد عبد الوهاب والقصبجي والسُّنباطي إلى التّوسع في ابتكار أشكالٍ للطقطوقة، حررّتهم في معالجة هذا النوع في أغنيات الأفلام التّمثيلية، ثم في الأغنيات المسرحية، والأغنيات الطويلة. أما موشّحاته وتواشيحه التي لم تغنها أم كلثوم فتكاد لا تُحصى. وهذا دليل على أنّ زكريا أحمد كان أغزر الموسيقييّن العرب تلحينًا في العصر الحديث، إذ قُدِّر عدد الأغنيات التي لحّنها بنحو 1070 أغنية. وقد بدأ يلحّن سنة 1916 على ما سلف.

في أواخر سنة 1953، أُصيب الشّيخ زكريا بالذّبحة الصّدرية الأولى. وكانت قضيّته مع الإذاعة وأم كلثوم قد وصلت إلى مرتبةٍ خطيرةٍ من العُنف والشدّة. وكان مرضه بالتمام في اليوم الثالث من كانون الأول/ ديسمبر 1953. كان الشّيخ حساسًا للغاية، لكن قليلاً من الإطراء الصادق يُغنيه عن ثروةٍ.

يمتاز زكريا أحمد دون غيره من الموسيقييّن العرب الكبار بمزاجه الخاص ذي المقوّمات المركّبة. وأول ما يخطر ببال مصنّفيه، أنه محافظ يعاند التّطوير والتّبديل. وهذا في الواقع تصنيف غير دقيق. فالشّيخ زكريا طوّر شَكلَيْن من أهمّ أشكال الغناء العربي. وأسهم في تطوير أشكالٍ أخرى، لكنّ تطويره لم يمسّ آلات الموسيقى العربية أو المقامات العربية أو الإيقاعات. فأسّس تطويره على ملامح عربيّةٍ أصيلةٍ. فحفظ المضمون وبدّل في الأشكال، مُنطلقًا من الأشكال الأصلية. ولذا قد يهمّ النّاس في جعله رجعيًا في الفن، وهو خلاف ذلك.

ظل زكريا في الواقع يؤلّف حتّى أخر عمره، وإن لم ينشر. وكان يعدل الأزجال التي لحّنها، ومنها أنه اقترح إبدال “أنا في انتظارك” من “أنا في استنظارك” فوافقه بَيرم. ولم يكن حسّه الشعري ضمانًا لانخراطه في مجموعة بيرم التّونسي وبديع خيري قلبًا وقالبًا فقط في هواهم السياسي والإجتماعي، بل كان هذا الحسّ الشّعري يُثري كذلك حسّه لإيقاع الكلمة والنّغمة حين يُغنّي.

وغناء الشيخ زكريا أحمد غناء مهم، على رغم جشّة صوته؛ بل كان غناؤه مدرسة لكثير من المطربين.

كان زكريا غزير الألحان. لم يكن متفوّقًا بالكثرة بل بالجودة أيضًا، لأنه كان يُؤثِرُ إنضاج العمل الوسيقي إنضاجًا صحيحًا، ولو اقتضى طويلاً. ولم يكن الشيخ زكريا ممّن أدركتهم لوثة عقدة الغرب. ولم يكن من أولئك الذين يؤمنون اليوم في مصر وغير مصر، أن العلوم الموسيقية هي العلوم الموسيقية الغربية وحسب. كان يعرف أنّ جهل الموسيقى، موسيقاه العربية وأصولها وجذورها، هو جهلٌ ولو امتلك علوم الغرب الموسيقيّة كلها.

إن العنصر الإنفعالي في موسيقى الشّيخ زكريا هو أعظم ما تتّصف به ألحانه من حيث المضمون. وهو يتبع في المعتاد، لتصعيد الإنفعال في ألحانه، أسلوب التّتالي، وهو أسلوب ترداد فقرة موسيقية على درجةٍ أعلى أو أخفض، مثنّى وثلاث، حتى بلوغ ذروة الإنفعال.