رياض السنباطي

ريـاض السـنباطي
1906- 1981م

ولد رياض السنباطي في بلدة فارسكور من أعمال دمياط بمصر لشيخ مقرئ تعوّد الغناء في الموالد والأفراح والأعياد الدينية في القرى والبلدات الريفية المجاورة. وتفتحت أذنا الفتى الصغير على أبيه يعزف على العود ويغني الغناء الأصيل والتواشيح الدينية. فلما بلغ التاسعة من عمره، ضبطه والده عند جارهم النجار، هارباً من المدرسة يضرب على العود. سمعه يغني أغنية الصهبجية: “ناح الحمام والقمري على الغصون”، فطرب لصوته، وقرر أن يصطحبه إلى الأفراح.

أخذ السنباطي يجول مع والده في الأرياف بعدما استقروا في المنصورة. وبدأ الفتى يشتد عوداً في الغناء، ويطول باعا في العزف، حتى لقب بـ” بلبل المنصورة” وهو لما يزل في الثانية عشرة من عمره.

كان السنباطي في السابعة عشرة من عمره حين مضى إلى القاهرة واستقر فيها. ولم يلبث أن دخل معهد الموسيقى العربية تلميذاً، فارتأى معلموه أن هذا الفتى الناحل يعلم من فنون والده أكثر مما يعلمون، وأنه يضرب على العود أحسن مما يضربون، فعينوه أستاذاً لتعليم الموشحات والعزف على العود في المعهد. وعُدّ بشبه إجماع في طليعة عازفي العود العرب، إن لم يكن أعظمهم. هناك كان رياض يلتقي أمير الشعراء أحمد شوقي والمطرب الشهير الذي كان يرعاه: محمد عبد الوهاب. ويروي السنباطي أن أول لحن وضعه ليغنيه هو قصيدة شاعر المنصورة الكبير على محمود طه: “يا مشرق البسمات أضئ سماء حياتي”.

قبل عام 1948 ظهرت ملامح التلحين بالأسلوب السنباطي المعتمد على الإيقاعات العربية الوقورة والبحور الشعرية التقليدية الفسيحة والكلمة الفصحى التي تقتضي في الإجمال لحناً مركزاً، والسكك المقامية الراسخة البعيدة عن المغامرة. أما مرحلة الكلثومي، فهي الخطيرة من عمر السنباطي. بدأت بلحن من أكبر ألحانه: “رباعيات الخيام”، التي يعدها ثالث الإثنين تحفة عمره، مثلما يحق لكل من السنباطي وأم كلثوم أن يعدها تحفة عمره. في السنة نفسها غنت له أم كلثوم قصيدة “النيل” التي قالت فيها إنها معجزة شوقي، وقال فيها عبد الوهاب إنها من أجمل ما وضع السنباطي من ألحان. وكرت سبحة الكلثوميات الكبيرة: يا ظالمني- وجددت حبك ليه- ذكريات. وفي سنة 1958 ظهرت مجموعة من الكلثوميات المشهودة التي أرست طابع الأغنية السنباطية المسرحية: أروح لمين- أنا لن أعود إليك- شمس الأصيل وعوّدت عيني وغيرها من الأغاني.

لم تكن القصيدة العربية وحدها هي التي وسمت ملامح نتاج السنباطي الكلثومي، وهي ملامح أثرت حتى في أغنياته الزجلية الكلثومية أيضا، بل اتخذت الأغنية الدينية والقصائد الوطنية مكانتها في تشكيل هذا الصرح. وكانت لأمير الشعراء الحصة الكبرى في اغنيات أم كلثوم الدينية من سلوا قلبي إلى نهج البردة المعارضة لبردة البوصيري.

لحن السنباطي الكثير من أغنيات أم كلثوم السياسية والوطنية، فبلغت ثلاثا وثلاثين، أشهرها نشيد “الجامعة” ونشيد “بغداد”، وقصيدة “النيل” وغيرها.

تأثر السنباطي بعبد الوهاب وبالقصبجي. وكان أثر زكريا أحمد فيه أقل بياناً. لكن السنباطي، ككل فنان عظيم حين ينضج ويشتد عوده، اختط لنفسه سبيلاً خاصة به، بدت واضحة على الخصوص في كلثومياته. فإيقاع لحنه اتخذ إيقاع البحور الشعرية العريضة التي استساغتها أم كلثوم، وإيقاع الكلمة العربية الفصحي ذات البيان والوقار. وكذا اتسمت بالوقار سككه المقامية التي تجنبت مغامرات التلوين غير المألوفة، وصاغت القفلات المسرحية صياغة متأنية تتصاعد تصاعداً مدروساً ينتزع الآه من القلوب، وأحياناً الطرابيش من الرؤوس. ولعل تمرّس السنباطي في أغنيات أم كلثوم المسرحية طوال عقود، جعله سيداً لا يجارى في هذا اللون. والخبراء يعلمون ما للغناء المسرحي من متطلبات دقيقة، هي الحد الفاصل بين الفشل والنجاح.

أما المضمون النغمي، فيرى نقاد كثر أن السنباطي اتخذ اللون الصوفي، فنسج منه قماشة ألحانه السنباطية الخالصة، وفصّل منه عشرات الأغنيات التي تسمعها فلا تخطئ فيمن لحنها.

لألحان السنباطي سمة أخرى هي أنه ينسج الأغنية من أولها إلى آخرها على مزاج واحد لا يفارقها. ولم يكن ذلك مسلك عبد الوهاب والقصبجي، في معظم ألحانهما، إذ انصرفا إلى التجديد. وثمة من يحب أن يضيف إلى ملامح الأسلوب السنباطي الخاص، المكوث على الطابع العربي الخالص، لا تخالطه بدعة ولا هرطقة.