دنانير

دنـانـير
تو.825 م

هي جاريةٌ لمحمّد بن كناسة، الشّاعر العبّاسي المعروف. وُلِدَت في الكوفة ونشأت في بيت مولاها، فتعلّمت الشّعر منه ثم باعها مولاها إلى يحيى البَرمكي، فكانت تُلقّب بالبرمكيّة. ولما وقعت نكبة البرامكة، أخذها الخليفة هارون الرّشيد. إلاّ أنّها لم تطب نفسها ولم تمل إليه لأنّها كانت تحبّ البرامكة حُبًا كبيرًا؛ فتركها الخليفة هارون الرّشيد وأطلق سراحها لتعيش أينما تُريد. فعاشت بعد البرامكة في دارٍ من دُورهم، لا تفرح ولا تطرب لعشقٍ أو لغناءٍ. وقد أحبّها شاعرٌ اسمه عقيد، فتقدّم لخطبتها، فرفضت. وبقيت كئيبةً وحزينةً إلى أن ماتت.

كانت مُغنّيةً رائعةً، شاعرةً، ذات ثقافةٍ عاليةٍ. تتلمَذَت على إبراهيم المُوصلي وابنه إسحق وابن جامع، حتّى أصبحت من المُغنّيات الذّائعات الصّيت. وقد ألّفت كتابًا في الأغاني، اسمه “مُجرّد الأغاني”.

وورد في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: كانت دنانير مولاة يحيى بن خالد البرمكي وكانت صفراء مولدة وكانت من أحسن الناس وجهاً وأظرفهن وأكملهن أدباً وأكثرهن رواية للغناء والشعر وكان الرشيد لشغفه بها يكثر مصيره إلى مولاها ويقيم عندها ويبرها ويفرط حتى شكته زبيدة إلى أهله وعمومته فعاتبوه على ذلك.

لها كتاب في الأغاني

ولها كتابٌ مجرد في الأغاني مشهور وكان اعتمادها في غناءها على ما أخذته من بذل وهي خرجتها وقد أخذت أيضاً عن الأكابر الذين أخذت بذل عنهم مثل: فليح وإبراهيم وابن جامع وإسحاق ونظرائهم.

أخبرني جحظه قال: حدثني المكي عن أبيه قال: كنت أنا وابن جامع نعايي دنانير جارية البرامكة فكثيراً ما كانت تغلبنا.

عرضت على الموصلي صوتاً لها فأعجبه

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي عن ابن شبة قال: حدثني إسحاق الموصلي قال: قال لي أبي: قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتاً اختارته وأعجبت به فقلت لها: لا يشتد إعجابك حتى تعرضيه على شيخك فإن رضيه فارضيه لنفسك وإن كرهه فاكرهيه فامض حتى تعرضه عليك. قال: فقال لي أبي: فقلت له: أيها الوزير فكيف إعجابك أنت به فإنك والله ثاقب الفطنة صحيح التمييز قال: أكره أن أقول لك: أعجبني فيكون عندك غير معجب إذ كنت عندي رئيس صناعتك تعرف منها ما لا أعرف وتقف من لطائفها على ما لا أقف وأكره أن أقول لك: لا يعجبني وقد بلغ من قلبي مبلغاً محموداً وإنما يتم السرور به إذا صادف ذلك منك استجادةً وتصويباً. قال: فمضيت إليها وقد تقدم إلى خدمه يعلمهم أنه سيرسل بي إلى داره وقال لدنانير: إذا جاءك إبراهيم فاعرضي عليه الصوت الذي صنعته واستحسنته فإن قال لك: أصبت سررتني بذلك وإن كره فلا تعلميني. لئلا يزول سروري بما صنعت. قال إسحاق: قال أبي: فحضرت الباب فأدخلت وإذا الستارة قد نصبت فسلمت على الجارية من وراء الستارة فردت السلام وقالت: يا أبت أعرض عليك صوتاً قد تقدم لاشك إليك خبره وقد سمعت الوزير يقول: إن الناس يفتنون بغنائهم فيعجبهم منه ما لا يعجب غيرهم وكذلك يفتنون بأولادهم فيحسن في أعينهم منهم ما ليس يحس وقد صوت

                  نفسي أكنت عليك مدعياً أم حين أزمع بينهم خنت!

                  إن كنت مولعةً بذكرهم فعلى فراقهـم ألا مـت!

قال: فأعجبني والله غاية العجب واستخفني الطرب حتى قلت لها: أعيديه فأعادته وأنا أطلب لها فيه موضعاً أصلحه وأغيره عليها لتأخذه عني فلا والله ما قدرت على ذلك ثم قلت لها: أعيديه الثالثة فأعادته فإذا هو كالذهب المصفى فقلت: أحسنت يا بنية وأصبت وقد قطعت عليك بحسن إحسانك وجودة إصابتك أنك قائدةٌ للمعلمين إذ قد صرت تحسنين الاختيار وتجيدين الصنعة قال: ثم خرج فلقيه يحيى بن خالد فقال: كيف رأيت صنعة ابنتك دنانير قال: أعز الله الوزير والله ما يحسن كثيرٌ من حذاق المغنين مثل هذه الصنعة ولقد قلت لها: أعيديه وأعادته علي مرات كل ذلك أريد إعناتها لأجتلب لنفسي مدخلاً يؤخذ عني وينسب إلي فلا والله ما وجدته فقال لي يحيى: وصفك لها يقوم مقام تعليمك إياها وقد – والله – سررتني وسأسرك فوجه إلي بمال عظيم.

اشتراها يحيى بن خالد

وذكر محمد بن الحسن الكاتب قال: حدثني ابن المكي قال: كانت دنانير لرجل من أهل المدينة وكان خرجها وأدبها وكانت أروى الناس للغناء القديم وكانت صفراء صادقة الملاحة فلما رآها يحيى وقعت بقلبه فاشتراها.

الرشيد يعجب بها فتعلم أم جعفر وتشكوه إلى عمومته

وكان الرشيد يسير إلى منزله فيسمعها حتى ألفها واشتد عجبه بها فوهب لها هبات سنيةً منها أنه وهب لها في ليلة عيد عقداً قيمته ثلاثون ألف دينار فرد عليه في مصادرة البرامكة بعد ذلك. وعلمت أم جعفر خبره فشكته إلى عمومته فصاروا جميعاً إليه فعاتبوه فقال: ما لي في هذه الجارية من أربٍ في نفسها وإنما أربى في غنائها فاسمعوها فإن استحقت أن يؤلف غناؤها وإلا فقولوا ما شئتم فأقاموا عنده ونقلهم إلى يحيى حتى سمعوها عنده فعذروه وعادوا إلى أم جعفر فأشاروا عليها ألا تلح في أمرها فقبلت ذلك وأهدت إلى الرشيد عشر جوارٍ منهن: ماردة أم المعتصم ومراجل أم المأمون وفاردة أم صالح.

وقال هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات: أخبرني محمد بن عبد الله الخزاعي قال: حدثني عباد البشري قال: مررت بمنزل من منازل طريق مكة يقال له النباج فإذا كتاب على حائط في المنزل فقرأته فإذا هو: النيك أربعة فالأول شهوة والثاني لذة والثالث شفاء والرابع داء وحرٌ إلى أيرين أحوج من أير إلى حرين وكتبت دنانير مولاة البرامكة بخطها.

أخبرني إسماعيل بن يونس عن ابن شبة: أن دنانير أخذت عن إبراهيم الموصلي حتى كانت تغني غناءه فتحكيه فيه حتى لا يكون بينهما فرق وكان إبراهيم يقول ليحيى: متى فقدتني ودنانير باقية فما فقدتني.

دنانير تصاب بالعلة الكلبية

قال: وأصابتها العلة الكلبية فكانت لا تصبر على الأكل ساعة واحدة فكان يحيى يتصدق عنها في كل يوم من شهر رمضان بألف دينار لأنها كانت لا تصومه وبقيت عند البرامكة مدة طويلة.

الرشيد يأمر بصفع دنانير حتى تغني

أخبرني ابن عمار وابن عبد العزيز وابن يونس عن ابن شبة عن إسحاق: وأخبرني جحظة عن أحمد بن الطيب: أن الرشيد دعا بدنانير البرمكية بعد قتله إياهم فأمرها أن تغني فقالت: يا أمير المؤمنين إني آليت ألا أغني بعد سيدي أبداً فغضب وأمر بصفعها فصفعت وأقيمت على رجليها وأعطيت العود وأخذته وهي تبكي أحر بكاء واندفعت فغنت: صوت

                   يا دار سلمى بنازح السند بين الثنايا ومسقط اللبد

                   لما رأيت الديار قد درست أيقنت أن النعيم لم يعد

الغناء للهذلي خفيف ثقيل أول مطلق في مجرى الوسطى وذكر علي بن يحيى المنجم وعمرو أنه لسياط في هذه الطريقة.

قال: فرق لها الرشيد وأمر بإطلاقها وانصرفت ثم التفت إلى إبراهيم بن المهدي فقال له: كيف رأيتها قال: رأيتها تختله برفق وتقهره بحذق.

خطبها عقيد فردته وبقيت على حالها إلى أن ماتت

قال علي بن محمد الهشامي: حدثني أبو عبد الله بن حمدون أن عقيداً مولى صالح بن الرشيد خطب دنانير البرمكية وكان هويها وشغف بذكرها فردته واستشفع عليها مولاه صالح بن الرشيد وبذل والحسين بن محرز فلم تجبه وأقامت على الوفاء لمولاها فكتب إليها عقيد قوله:

                  يا دنانير قد تنكر عقلي وتحيرت بين وعـد ومـطـل

                  شفعي شافعي إليك وإلا فاقتليني إن كنت تهوين قتلـي

                  أنا بالله والأمير وما آ مل من موعد الحـسـين وبـذل

                  ما أحب الحياة يا حب إن لم يجمع الله عاجلاً بك شملي

  فلم يعطفها ذلك على ما يحب ولم تزل على حالها إلى أن ماتت.