حُنين الحيري

‎حُنين الحيري
‎توفي 728 م

مغني عربي من القرن الثامن الميلادي ذاع صيته في زمنه و عد من كبار مغني عصره إلى جانب معبد و الغريض  وابن سريج. توفي المدينة المنورة.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: حنين بن بلوع الحيري مختلف في نسبه، فقيل: إنه من العباديين من تميم، وقيل: إنه من بني الحارث بن كعب، وقيل من قوم بقوا من جديس وطسم فنزلوا في بني الحارث بن كعب فعدوا فيهم، ويكنى أبا كعب، وكان شاعراً مغنياً فحلاً من فحول المغنين، وله صنعة فاضلة متقدمة، وكان يسكن الحيرة ويكري الجمال إلى الشأم وغيرها، وكان نصرانياً. وهو القائل يصف الحيرة ومنزله بها:

صوت

أنا حنينٌ ومنزلي الـنـجـف          وما نديمي إلا الفتى القصف

أقرع بالكأس ثغـر بـاطـيةً          مترعةٍ، تـارةً وأغـتـرف

من قهوة باكر التجار بـهـا          بيت يهودٍ قرارها الخـزف

والعيش غض ومنزلي خصبٌ      لم تغذني شقوةٌ ولا عـنـف

الغناء والشعر لحنين، ولحنه خفيف رمل بالبنصر. وفيه لابن المكي خفيف ثقيل قديم. ولعريب فيه خفيف ثقيل آخر عن الهشامي.

وقال وكيع في خبره عن إسحاق حدثني أبو بشر الفزاري قال حدثني بشر بن الحسين بن سليمان بن سمرة بن جندب قال: عاش حنين بن بلوع مائة سنة وسبع سنين، وكان يقال أنه من جديس؛ قال وقيل أيضاً: إنه من لخم، وكان هو يزعم أنه عبادي وأخواله من بني الحارث بن كعب.

غنى هشام بن عبد الملك في الحج

أخبرنا وكيع قال قال حماد حدثني أبي عن أبي الخطاب قال وحدثني ابن كناسة عن سليمان بن داود: مولى ليحيى، وأخبرني بهذا الخبر الحسن بن علي عن ابن مهرويه عن قعنب بن المحرز الباهلي عن المدائني قالوا جميعاً: حج هشام بن عبد الملك وعديله الأبرش الكلبي، فوقف له حنين بظهر الكوفة ومعه عوده وزامرٌ له، وعليه قلنسية طويلة، فلما مر هشام عرض له، فقال: من هذا؟ فقيل: حنين، فأمر به فحمل في محملٍ على جمل وعديله زامره، وسير به أمامه وهو يتغنى:

صوت

أمن سلمى بظهر الكو        فة الآيات والطـلـل

يلوح كما تلوح علـى         جفون الصيقل والخلل

– الصنعة في هذا الصوت لحنين ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه خفيف ثقيل ينسب إلى حنين أيضاً وإلى غيره – قال: فأمر له هشام بمائتي دينار، وللزامر بمائة. وذكر إسحاق في خبره عن أبي الخطاب أنه غنى هشاماً:

صوت

صاح هل أبصرت بالخب        تين من أسـمـاء نـارا

موهناً شبـت لـعـينـي            ك ولم توقـد نـهـارا

كتلالي البرق في المـز          ن إذا البرق استـطـارا

أذكرتني الوصل من سع         دى وأيامـاً قـصـارا

– الشعر للأحوص، والغناء لابن سريج ثاني ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. ونسبه ابن المكي إلى الغريض. وقال يونس: فيه لحنان لمالك ولم يجنسهما. وقال الهشامي: فيه لمالك خفيف رملٍ – قال: فلم يزل هشام يستعيده حتى نزل من النجف، فأمر له بمائتي دينار.

كان يغلي بغنائه الثمن

وقال إسحاق: قيل لحنين: أنت تغني منذ خمسين سنة ما تركت لكريم مالاً ولا داراً ولا عقاراً إلا أتيت عليه! فقال: بأبي أنتم، إنما هي أنفاسي أقسمها بين الناس، أفتلومونني أن أغلي بها الثمن!.

غنى في ظل بيت أبي موسى الأشعري

 أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه ومصعب بن الزبير عن بعض المكيين، وأخبرني به الحرمي بن أبي العلاء وحبيب بن نصر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمي مصعب قال حدثني شيخ من المكيين يقال له شريس قال: إن لبالأبطح أيام الموسم نشتري ونبيع إذ أقبل شيخٌ أبيض الرأس واللحية على بغلة شهباء ما ندري أهو أشد بياضاً أم بغلته أم ثيابه؛ فقال: أين بيت أبي موسى؟ فأشرنا له إلى الحائط؛ فمضى حتى انتهى إلى الظل من بيت أبي موسى، ثم استقبلنا ببغلته ووجهه ثم اندفع يغني:

صوت

أسعـدينـي بـدمـعةٍ أسـراب             من دموعٍ كثيرة الـتـسـكـاب

إن أهل الحصاب قد تركـونـي         مغرماً مولعاً بأهل الحـصـاب

فارقوني وقد علـمـت يقـينـاً            ما لمـن ذاق مـيتةً مـن إياب

سكنوا الجزع جزع بيت أبي مـو      سى إلى النخل من صفي السباب

كم بذاك الحجون من حي صـدق      وكـهـولٍ أعـفةٍ وشـبــاب

أهل بيتٍ تتايعـوا لـلـمـنـايا            ما على الموت بعدهم من عتاب

فلي الويل بعدهـم وعـلـيهـم           صرت فرداً وملني أصحـابـي

– الشعر لكثير بن كثير بن المطلب بن أبي وداعة السهمي. والغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لابن أبي دباكل الخزاعي ثاني ثقيل بالوسطى عن ابن خرداذبة – قال: ثم صرف الرجل بغلته وذهب، فتبعناه حتى أدركناه، فسألناه من هو، فقال: أنا حنين بن بلوع وأنا رجلٌ جمال أكري الأبل ثم مضى.

خاف أن يفوقه ابن محرز بالعراق فرده عنه

أخبرني الحسين بن يحيى قال قال حماد على أبي عن المدائني، قال: كان حنين غلاماً يحمل الفاكهة بالحيرة، وكان لطيفاً في عمل التحيات، فكان إذا حمل الرياحين إلى بيوت الفتيان ومياسير أهل الكوفة وأصحاب القيان والمتطربين إلى الحيرة ورأوا رشاقته وحسن قده وحلاوته وخفة روحه استحلوه، وأقام عندهم وخف لهم، فكان يسمع الغناء ويشتهيه ويصغي إليه ويستمعه ويطيل الإصغاء إليه، فلا يكاد ينتفع به في شيء إذا سمعه، حتى شدا منه أصواتاً فأسمعها الناس – وكان مطبوعاً حسن الصوت – واشتهوا غناءه والاستماع منه وعشرته، وشهر بالغناء ومهر فيه، وبلغ منه مبلغاً كبيراً، ثم رحل إلى عمر بن داود الوادي وإلى حكم الوادي، وأخذ منهما، وغنى لنفسه في أشعار الناس، فأجاد الصنعة وأحكمها، ولم يكن بالعراق غيره فاستولى عليه في عصره. وقدم ابن محرز حينئذٍ إلى الكوفة فبلغ خبره حنيناً، وقد كان يعرفه، فخشي أن يعرفه الناس فيستحلوه ويستولي على البلد فيسقط هو، قال له: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، قال: فهذه خمسمائة دينار عاجلة فخذها وانصرف واحلف لي أنك لا تعود إلى العراق؛ فأخذها وانصرف.

أخبرني عمي وعيسى بن الحسين قالا حدثنا أبو أيوب المدائني عن أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل قال: كان ابن محرز قدم الكوفة وبها بشر بن مروان، وقد بلغه أنه يشرب الشراب ويسمع الغناء، فصادفه وقد خرج إلى البصرة؛ وبلغ خبره حنين بن بلوع فتلطف له حتى دعاه؛ فغناه ابن محرز لحنه – قال أحمد بن إبراهيم وهو من الثقيل الثاني من جيد الأغاني -:

صوت

وحر الزبرجد في نـظـمـه       على واضح الليت زان العقودا

يفـصـل ياقـوتـــه دره           وكالجمر أبصرت فيه الفريدا

قال: فسمع شيئاً هاله وحيره، فقال له حنين: كم منتك نفسك من العراق؟ قال: ألف دينار، فقال: هذه خمسمائة دينار حاصلة عاجلة ونفقتك في عودتك وبدأتك ودع العراق لي وامض مصاحباً حيث شئت – قال: وكان ابن محرز صغير الهمة لا يحب عشرة الملوك ولا يؤثر على الخلوة شيئاً – فأخذها وانصرف.

خرج إلى حمص وغنى بها فلم يستطعم أهلها غناؤه

وقال حماد في خبره قال أبي حدثني بعض أهل العلم بالغناء عن حنين قال: خرجت إلى حمص ألتمس الكسب بها وأرتاد من أستفيد منه شيئاً، فسألت عن الفتيان بها وأين يجتمعون، فقيل لي: عليك بالحمامات فإنهم يجتمعون بها إذا أصبحوا فجئت إلى أحدها فدخلته، فإذا فيه جماعة منهم، فأنست وانبسطت، وأخبرتهم أني غريب، ثم خرجوا وخرجت معهم، فذهبوا بي إلى منزل أحدهم، فلما قعدنا أتينا بالطعام فأكلنا وأتينا بالشراب فشربنا، فقلت لهم: هل لكم في مغن يغنيكم؟ قالوا: ومن لنا بذلك؟ قلت: أنا لكم به، هاتوا عوداً فأتيت به، فابتدأت في هنيات أبي عباد معبد، فكأنما غنيت للحيطان لا فكهوا لغنائي ولا سروا به، فقلت: ثقل عليهم غناء معبد لكثرة عمله وشدته وصعوبة مذهبه، فأخذت في غناء الغريض فإذا هو عندهم كلا شيءٍ، وغنيت خفائف ابن سريج، وأهزاج حكم، والأغاني التي لي، واجتهد في أن يفهموا، فلم يتحرك من القوم أحدٌ، وجعلوا يقولون: ليت أبا منبه قد جاءنا، فقلت في نفسي: أرى أني سأفتضح اليوم بأبي منبه فضيحةً لم يتفضح أحدٌ قط مثلها. فبينا نحن كذلك إذ جاء أبو منبه، وإذا هو شيخ عليه خفان أحمران كأنه جمال، فوثبوا جميعاً إليه وسلموا عليه وقالوا: يا أبا منبه أبطأت علينا، وقدموا له الطعام وسقوه أقداحاً، وخنست أنا حتى صرت كلا شيءٍ خوفاً منه، فأخذ العود ثم اندفع يغني:

طرب البحر فاعبري يا سفينه        لا تشقي على رجال المدينة

فأقبل القوم يصفقون ويطربون ويشربون، ثم أخذ في نحو هذا من الغناء؛ فقلت في نفسي: أنتم ها هنا! لئن أصبحت سالماً لا أمسيت في هذه البلدة. فلما أصبحت شددت رحلي على ناقتي واحتقبت ركوةً من شراب ورحلت متوجهاً إلى الحيرة، وقلت:

ليت شعري متى تخب بي النا       قة بين السدير والـصـنـين

محقباً ركوةً وخـبـز رقـاقٍ         وبقولاً وقطـعةً مـن نـون

لست أبغي زاداً سواها من الشا     م وحسبي علالةٌ تكـفـينـي

فإذا أبت سالماً قلت سـحـقـاً         وبعاداً لمعشرٍ فـارقـونـي

غنى خالد القسري بعد ما حرم الغناء

أخبرني محمد بن مزيد والحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه، وأخبرنا به وكيع في عقب أخبارٍ رواها عن حماد بن إسحاق عن أبيه فقال: وقال لي إسحاق، فلا أدري أأدرج الإسناد وهو سماعه أم ذكره مرسلاً، قال إسحاق وذكر ابن كناسة: أن خالد بن عبد الله القسري حرم الغناء بالعراق في أيامه، ثم أذن للناس يوماً في الدخول عليه “عامة”، فدخل إليه حنين ومعه عودٌ تحت ثيابه، فقال: أصلح الله الأمير، كانت لي صناعةٌ أعود بها على عيالي فحرمها الأمير فأضر ذلك بي وبهم، فقال: وما صناعتك؟ فكشف عن عوده وقال: هذا؛ فقال له خالد: عن، فحرك أوتاره وغنى:

صوت

أيها الشأمت المعير بـالـده            ر أأنت المبرأ المـوفـور

أم لديك العهد الوثيق من الأي        ام بل أنت جاهلٌ مغـرور

من رأيت المنون خلدن أم من         ذا عليه من أن يضام خفـير

قال: فبكى خالد وقال: قد أذنت لك وحدك خاصةً فلا تجالسن سفيهاً ولا معربداً. فكان إذا دعي قال: أفيكم سفيهٌ أو معربد؟ فإذا قيل له: لا، دخل.

شعر هذا الصوت المذكور لعدي بن زيد، والغناء لحنين رمل بالوسطى عن عمرو. وقوله: المبرأ، يعني المبرأ من المصائب. والموفور: الذي لم يذهب من ماله ولا من حاله شيء، يقال: وفر الرجل يوفر. ولديك بمعنى عندك ها هنا.