جميلة

جميلة
تو.720م

هي إحدى جواري بني سليم، وزوجها من موالي الأنصار. تعلّمت الغناء عن جارها سائب خائر، وقد أتقنت الغناء إتقانًا تامًّا أعجب أستاذها؛ فذاع صيتها في المدينة المنوّرة حتى صار بيتها ناديًا للمُغنّين والموسيقييّن والشّعراء، أمثال ابن محرز وابن سريج ومعبد والغريض وعمر بن أبي ربيعة.

تُوفّيت في المدينة المُنوّرة، سنة 102 هـ.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: هي جميلة مولاة بني سليم ثم مولاة بطن منهم يقال لهم بنو بهز، وكان لها زوج من موالي بني الحارث بن الخزرج، وكانت تنزل فيهم، فغلب عليها ولاء زوجها، فقيل: إنها مولاة للأنصار، تنزل بالسنح وهو الموضع الذي كان ينزله أبو بكر الصديق، ذكر ذلك إبراهيم بن زياد الأنصاري الأموي السعيدي. وذكر عبد العزيز بن عمران أنها مولاة للحجاج بن علاط السلمي وهي أصل من أصول الغناء.

كانت أعلم خلق الله بالغناء: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن أبي جعفر القرشي عن المحرزي قال: كانت جميلة أعلم خلق الله بالغناء، وكان معبد يقول: أصل الغناء جميلة وفرعه نحن، ولولا جميلة لم نكن نحن مغنين.

كيف تعلمت الغناء: قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال حدثني رجل من الأنصار قال: سئلت جميلة: أنى لك هذا الغناء؟ قالت: والله ما هو إلهامٌ ولا تعليم ولكن أبا جعفر سائب خاثر كان لنا جاراً وكنت أسمعه يغني ويضرب بالعود فلا أفهمه، فأخذت تلك النغمات فبنيت عليها غنائي، فجاءت أجود من تأليف ذلك الغناء، فعلمت وألقيت، فسمعني موالياتي يوماً وأنا أغني سراً ففهمنني ودخلن علي وقلن: قد علمنا فما تكتمينا. فأقسمن علي، فرفعت صوتي وغنيتهن بشعر زهير بن أبي سلمى:

وما ذكرتك إلا هجت لي طربـاً        إن المحب ببعض الأمر معـذور

ليس المحب بمن إن شـط غـيره       هجر الحبيب وفي الهجران تغيير

صوت

نام الخلي فنوم العـين تـعـذير          مما ادكرت وهم النفس مذكور

ذكرت سلمى وما ذكري براجعها      ودونها سبسبٌ يهوي به المـور

الشعر لزهير. والغناء في هذين البيتين لجميلة فقط رملٌ بالوسطى عن حبش فحينئذ ظهر أمري وشاع ذكري، فقصدني الناس وجلست للتعليم، فكان الجواري يتكاوسنني، فربما انصرف أكثرهن ولم يأخذن شيئاً سوى ما سمعنني أطارح لغيرهن، ولقد كسبت لموالي ما لم يخطر لهن ببال، وأهل ذلك كانوا وكنت.

إجماع الناس على تقديمها في الغناء: وحدثني أبو خليفة قال حدثني ابن سلام قال حدثني مسلمة بن محمد بن مسلمة الثقفي قال: كانت جميلة ممن لا يشك في فضيلتها في الغناء، ولم يدع أحدٌ مقاربتها في ذلك، وكل مدني ومكي يشهد لها بالفضل.

وصف مجلس من مجالسها غنت فيه وغنى فيه مغنو مكة والمدينة: قال إسحاق وحدثني هشام بن المرية المدني قال حدثني جرير المدني – قال إسحاق: وكانا جميعاً مغنيين حاذقين شيخين جليلين عالمين ظريفين، وكانا قد أسنا، فأما هشام فبلغ الثمانين، وأما جرير فلا أدري – قال جرير: وفد ابن سريج والغريض وسعيد بن مسجح ومسلم بن محرز المدينة لبعض من وفدوا عليه، فأجمع رأيهم على النزول على جميلة مولاة بهزٍ، فنزلوا عليها فخرجوا يوماً إلى العقيق متنزهين، فوردوا على معبد وابن عائشة فجلسوا إليهما فتحدثوا ساعةً، ثم سأل معبدٌ ابن سريج وأصحابه أن يعرضوا عليهم بعض ما ألفوا. فقال ابن عائشة: إن للقوم أعمالاً كثيرةً حسنةً ولك أيضاً يا أبا عباد، ولكن قد اجتمع علماء مكة، وأنا وأنت من أهل المدينة، فليعمل كل واحد منا صوتاً ساعته ثم يغن به. قال: معبد: يا بن عائشة، قد أعجبتك نفسك حتى بلغتك هذه المرتبة! قال ابن عائشة: أو غضبت يا أبا عباد، إني لم أقل هذا وأنا أريد أن أتنقصك فإنك لأنت المفاد منه. قال معبدٌ: أما إذا قد اختلفنا وأصحابنا المكيون سكوتٌ فلنجعل بيننا حكما. قال ابن عائشة: إن أصحابنا شركاء في الحكومة. قال ابن سريج: على شريطةً، قال: على أن يكون ما نغني به من الشعر ما حكمت فيه امرأةٌ. قال ابن عائشة ومعبد: رضينا، وهي وأم جندب. فأجمع رأيهم على الاجتماع في منزل جميلة من غدٍ. فلما حضروا قال ابن عائشة: ما ترى يا أبا عباد؟ قال: أرى أن يبتدىء أصحابنا أو أحدهم. قال ابن سريج: بل أنتما أولى. قالا: لم نكن لنفعل. فأقبل ابن سريج على سعيد بن مسجح فسأله أن يبتدىء فأبى. فأجمع رأي المكيين على أن يتبدىء ابن سريج. فغنى ابن سريج: صوت

ذهبت من الهجران في غير مذهب         ولم يك حقاً كل هذا التـجـنـب

خليلي مرا بي علـى أم جـنـدب            أقض لبانات الفؤاد الـمـعـذب

فإنكما إن تـنـظـرانـي سـاعةً              من الدهر تنفعني لدى أم جنـدب

ألم ترياني كلمـا جـئت طـارقـاً            وجدت بها طيباً وإن لم تـطـيب

الشعر لامرىء القيس. ولابن سريج فيه لحنان ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى، وخفيف رملٍ بالسبابة في مجرى الوسطى جميعاً عن أسحاق وغنى معبد: صوت

فلله عينا من رأى من تـفـرقٍ             أشت وأنأى من فراق المحصب

علون بأنطاكيةٍ فـوق عـقـمةٍ              كجرمة نخلٍ أو كجـنة يثـرب

فريقان منهم سالكٌ بطن نـخـلةٍ            وآخر منهم جازعٌ نجد كبكـب

فعيناك غرباً جدولٍ في مفـاضةٍ           كمر خليجٍ في سنيحٍ مثـقـب

وغنى ابن مسجح: صوت

وقالت فإن يبخل عليك ويعتـلـل           يسؤك وإن يكشف غرامك تدرب

وإنك لم يفخر عليك كـفـاخـرٍ             ضعيفٍ ولم يغلبك مثل مغلـب

وإنك لم تقطع لـبـانة عـاشـقٍ             بمثل بكـور أو رواحٍ مـؤوب

بأدماء حرجوجٍ كأن قـتـودهـا            على أبلق الكشحين ليس بمغرب

يغرد بالأسحار في كـل سـدفةٍ            تغرد مياح الندامى المـطـرب

وغنى ابن عائشة: صوت

وقد أغتدي والطير في وكناتـهـا          وماء الندى يجري على كل مذنب

بمنـجـردٍ قـيد الأوابـد لاحـه              طراد الهوادي كل شأوٍ مغـرب

إذا ما جرى شأوين وابتل عطفـه         تقول هزيز الريح مرت بأثـأب

له أيطلا ظبيٍ وساقـا نـعـامةٍ             وصهوة عيرٍ قائم فوق مرقـب

وغنى ابن محرز: صوت زار معبد مالك بن أبي السمح، فقال له: هل لك أن نصير إلى جميلة؟ فمضيا جميعاً فقصداها، فأذنت لهما فدخلا، فأخرجت إليهما رقعت فيها أبيات، فقالت لمعبد: بعث بهذه الرقعة إلي فلان أغني فيها. فقال معبد: فابتدئي، فابدأت جميلة فغنت: صوت

إنما الذلفاء همي          فليدعني من يلوم

فغنى معبد:

أحسن الناس جميعا       حين تمشي وتقوم

فغنت جميلة:

حبب الذلفاء عندي       منطقٌ منهما رخيم

فغنى معبد:

أصل الحبل لترضى     وهي للحبل صروم

فغنت جميلة:

حبها في القلب داءٌ      مستكـينٌ لا يريم

طريقة واحدة الشعر للأحوص. وذكر ابن النطاح أنه للبختري العبادي. والغناء لمعبد، وله فيه لحنان خفيف ثقيل أول بالسبابة في مجرى البنصر عن ابن المكي، وثقيل أول بالوسطى عن عمرو. وذكر أحمد بن سعيد المالكي أن له فيه خفيف ثقيل آخر. وذكر حماد بن إسحاق أن فيه لمالك وجميلة لحنين وقالت لمعبد ولمالك: يغني كل واحد منكما لحناً مما عليه. فغناها معبد بشعر قال فيها الأحوص يصفها به، وكان معجباً بها، وكانت هي له مكرمة، وهو قوله:

شأتك المنـازل بـالأبـرق            دوارس كالعين في المهرق

لآل جميلة قـد أخـلـقـت             ومهما يطل عهده يخـلـق

فإن يقل الناس لي عاشـقٌ           فأين الذي هو لم يعـشـق

ولم يبك نؤباً على عـبـرةٍ           بداء الصبابة والمـعـلـق

في هذه الأبيات ثقيل أول بالخنصر في مجرى الوسطى، ذكر إسحاق أنه لعطرد، وذكر ابن المكي أنه لجميلة. وفيها خفيف رملٍ في مجراها، ذكر إسحاق أنه لعطرد أيضاً وعمرو، وذكر الهشامي أن الثقيل الأول لابن عائشة. وذكر حبش أن فيه خفيف ثقيل لمعبد وأن خفيف الرمل لمالك قال معبد: فسرت جميلة بما غنيتها به وتبسمت وقالت: حسبك يا أبا عباد! ولم تكنني قبلها ولا بعدها. ثم قالت لمالك: يا أخا طيئ هات ما عندك وجنبنا مثل قول عبد ابن قطن. فاندفع وغنى بلحنٍ لها، وقد تغنى به أيضاً معبدٌ لها. واللحن:

ألا من لقلبٍ لا يمـل فـيذهـل          أفق فالتعزي عن بثينة أجمـل

فما هكذا أحببت قد كان قبلهـا         ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل

فإن التي أحببت قد حيل دونهـا        فكن حازماً والحازم المتحـول

لحن جميلة هكذا ثقيل أول بالبنصر. وفيه ألحان عدةٌ مع أبيات أخر من القصيدة، وهي لجميل فقالت جميلة: أحسنت والله في غنائك وفي الأداء عنى. أما قوله: شأتك فأراد بعدت عنك. والشأو: البعد، يقال: جرى الفرس شأواً أو شأوين أي طلقاً أو طلقين. والمهرق: الصحيفة بما فيها من الكتاب، والجمع مهارق، قال ذو الرمة:

كمستعبرٍ في رسم دارٍ كـأنـهـا        بوعساء تنضوها الجماهير مهرق

الذلفاء التي شبب بها الأحوص: والعين أن تتعين الإداوة أو القربة التي تخرز ويسيل الماء عن عيون الخرز. فشبه ما بقي من الدار بتعين القربة وطرائق خروقها التي ذكرت ينزل منها الماء شيئاً بعد شيء. فأما الذلفاء التي فيها فهي التي فتن بها أهل المدينة. وقال بعض من كانت عنده بعد ما طلقها:

لا بارك الله في دار عددت بها        طلاق ذلفاء من دارٍ ومن بلد

فلا يقولن ثلاثـاً قـائلٌ أبـداً             إني وجدت ثلاثاً أنكد العـدد

فكان إذا عد شيئاً يقول: واحدٌ اثنان أربعةٌ ولا يقول ثلاثة.

مدحها ابن سريج فردت عليه مدحه ثم غنت وغنى هو ومعبد ومالك بشعر حاتم الطائي: قال ابن سلام حدثني جرير قال: زار ابن سريج جميلة ليسمع منها ويأخذ عنها. فلما قدم عليها أنزلته وأكرمته وسألته عن أخبار مكة فأخبرها. وبلغ معبداً الخبر. وكانت تطارحه وتسأله عن أخبار مكة فيخبرها. وكانت عندها جاريةٌ محسنةٌ لبقةٌ ظريفةٌ، فابتدأت تطارحها. فقال ابن سريج: سبحان الله! نحن كنا أحق بالابتداء. قالت جميلة: كل إنسانٍ في بيته أمير وليس للداخل أن يتأمر عليه. فقال ابن سريج: صدقت جعلت فداءك! وما أدري أيهما أحسن أدبك أم غناؤك! فقالت له: كف يا عبيد، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: “احثوا في وجوه المداحين التراب”. فسكت ابن سريج. وطارحت الجارية بشعر حاتم الطائي:

أتعرف آثار الديار تـوهـمـا            كخطك في رقٍّ كتاباً منمنمـا

أذاعت به الأرواح بعد أنيسها          شهوراً وأياماً وحولاً مجرمـا

فأصبحن قد غيرن ظاهر تربه         وغيرت الأنواء ما كان معلما

وغيرها طول التقادم والبلـى           فما أعرف الأطلال إلا توهما

قال: فحدثت أنه حضر ذلك المجلس جماعةٌ من حذاق أهل الغناء، فكلهم قال: مزامير داود! قال ابن سريج لها: أفأسمعك صوتاً لي في هذا الشعر؟ قالت: هاته، فغنى:

ديار التي قامت تريك وقد عفت        وأقوت من الزوار كفاً ومعصما

تهادى عليها حليها ذات بـهـجة         وكشحاً كطي السابرية أهضمـا

فبانت لطياتٍ لهـا وتـبـدلـت            به بدلاً مرت به الطير أشؤمـا

وعاذلتان هبتا بـعـد هـجـعةٍ            تلومان متلافاً مفيداً مـلـومـا

قالت جميلة: أحسنت يا عبيد، وقد غفرنا لك زلتك لحسن غنائك. قال معبد: جعلت فداءك! أفلا أسمعك أنا أيضاً لحناً علمته في هذا الشعر؟ قالت: هات وإني لأعلم أنك تحسن. فاندفع فغنى:

فقلت وقد طال العتاب عـلـيهـمـا        وأوعدتاني أن تبينـا وتـصـرمـا

ألا لا تلوماني علـى مـا تـقـدمـا        كفى بصروف الدهر للمرء محكما

تلومان لما غـور الـنـجـم ضـلةً         فتًى لا يرى الإنفاق في الحق مغرما

قالت جميلة: ما عدوت الظن بك ولا تجاوزت الطريقة التي أنت عليها. قال: مالكٌ: أفلا أغنيك أنا أيضاً؟ قالت: ما علمتك إلا تجيد الغناء وتحسن، فهات. فاندفع فغنى في هذا الشعر:

يضيء لنا البيت الظليل خصاصه           إذا هي ليلاً حاولت أن تبسـمـا

إذا انقلبت فوق الحـشـية مـرةً               ترنم وسواس الحلي تـرنـمـا

ونحراً كفاثور اللـجـين يزينـه               توقد ياقوتٍ وشذرٍ مـنـظـمـا

كجمر الغضى هبت به بعد هجعةٍ          من الليل أرواح الصبا فتنسـمـا

فقالت: جميلٌ ما قلت وحسنٌ ما نظمت، وإن صوتك يا مالك لمما يزيد العقل قوةً والنفس طيباً والطبيعة سهولة، وما أحسب أن مجلسنا هذا إلا سيكون علماً وفي آخر الزمان متواصفاً، والخبر ليس كالمشاهدة، والواصف ليس كالمعاين وخاصة في الغناء.

جمعت الناس في دارها وقصت عليهم رؤياها واعتزامها ترك الغناء فاختلفوا وخطب شيخ يحبذ الغناء فرجعت: أخبرني من يفهم الغناء قال: بلغني أن جميلة قعدت يوماً على كرسي لها وقالت لآذنتها: لا تحجبي عنا أحداً اليوم، واقعدي بالباب، فكل من يمر بالباب فاعرضي عليه مجلسي، ففعلت ذلك حتى غصت الدار بالناس، فقالت جميلة: اصعدوا إلى العلالي، فصعدت جماعةٌ حتى امتلأت السطوح. فجاءتها بعض جواريها فقالت لها: يا سيدتي، إن تمادي أمرك على ما أرى لم يبق في دارك حائطٌ إلا سقط، فأظهري ما تريدين. قالت: اجلسي. فلما تعالى النهار واشتد الحر استسقى الناس الماء فدعت لهم بالسويق، فشرب من أراد، فقالت: أقسمت على كل رجل وامرأة دخل منزلي إلا شرب، فلم يبق في سفل الدار ولا علوها أحد إلا شرب، وقام على رؤوسهم الجواري بالمناديل والمراوح الكبار، وأمرت جواريها فقمن على كراسي صغارٍ فيما بين كل عشرة نفرٍ جاريةٌ تروح. ثم قالت لهم: إني قد رأيت في منامي شيئاً أفزعني وأرعبني، ولست أعرف ما سبب ذلك، وقد خفت أن يكون قرب أجلي، وليس ينفعني إلا صالح عملي، وقد رأيت أن أترك الغناء كراهة أني يلحقني منه شيء عند ربي. فقال قوم منهم: وفقك الله وثبت عزمك! وقال آخرون: بل لا حرج عليك في الغناء. وقال شيخ منهم ذو سن وعلم وفقه وتجربة: قد تكلمت الجماعة، ولك حزبٍ بما لديهم فرحون، ولم أعترض عليهم في قولهم ولا شركتهم في رأيهم، فاستمعوا الآن لقولي وأنصتوا ولا تشغبوا إلى وقت انقضاء كلامي، فمن قبل قولي فالله موفقه، ومن خالفني فلا بأس عليه إذ كنت في طاعة ربي. فسكت القوم جميعاً. فتكلم الشيخ فحمد الله وأثنى عليه وصلى على محمد النبي صلى الله عليه وسلم ثم قال: يا معشر أهل الحجاز، إنكم متى تخاذلتم فشلتم ووثب عليكم عدوكم وظفر بكم ولا تفلحوا بعدها أبداً. إنكم قد انقلبتم على أعقابكم لأهل العراق وغيرهم ممن لا يزال ينكر عليكم ما هو وارثه عنكم، لا ينكره عالمكم ولا يدفعه عابدكم بشهادة شريفكم ووضيعكم يندب إليه كما يندب جموعكم وشرفكم وعزكم. فأكثر ما يكون عند عابدكم فيه الجلوس عنه لا للتحريم له لكن للزهد في الدنيا، لأن الغناء من أكبر اللذات وأسر النفوس من جميع الشهوات، يحيي القلب ويزيد في العقل ويسر النفس ويفسح في الرأي ويتيسر به العسير وتفتح به الجيوش ويذلل به الجبارون حتى يمتهنوا أنفسهم عند استماعه، ويبرىء المرضى ومن مات قلبه وعقله وبصره، ويزيد أهل الثروة غنًى وأهل الفقر قناعةٌ ورضاً باستماعه فيعزفون عن طلب الأموال. من تمسك به كان عالماً ومن فارقه كان جاهلاً، لأنه لا منزلة أرفع ولا شيء أحسن منه، فكيف يستصوب تركه ولا يستعان به على النشاط في عبادة ربنا عز وجل. وكلامٌ كثيرٌ غير هذا ذهب عن المحدث به، فما رد عليه أحد ولا أنكر ذلك منهم بشرٌ، وكلٌّ عاد بالخطأ على نفسه وأقر بالحق له. ثم قال لجميلة: أوعيت ما قلت ووقع من نفسك ما ذكرت؟ قالت: أجل وأنا أستغفر الله. قال لها: فاختمي مجلسنا وفرقي جماعتنا بصوت فقط، فغنت:

أفي رسم دارٍ دمعك المتـرقـرق      سفاهاً! وما استنطاق ما ليس ينطق

بحيث التقى جمعٌ وأقصى محسـرٍ    مغانيه قد كادت عن العهد تخلـق

مقامٌ لنا بعد العـشـاء ومـنـزلٌ        به لم يكدره عـلـينـا مـعـوق

فأحسن شيء كـان أول لـيلـنـا        وآخـره حـزنٌ إذا نـتـفــرق

فقال الشيخ: حسنٌ والله! أمثل هذا يترك! فيم نتشاهد الرجال! لا والله ولا كرامة لمن خالف الحق. ثم قام وقام الناس معه، وقال: الحمد لله الذي لم يفرق جماعتنا على اليأس من الغناء ولا جحود فضيلته، وسلامٌ عليك ورحمة الله يا جميلة.

وصف مجلس لها غنت فيه ورقصت وغنى المغنون ورقصوا: وقال أبو عبد الله: جلست جميلة يوماً ولبست برنساً طويلاً، وألبست من كان عندها برانس دون ذلك، وكان في القوم ابن سريج، وكان قبيح الصلع قد اتخذ وفرة شعر يضعها على رأسه، وأحبت جميلة أن ترى صلعته. فلما بلغ البرنس إلى ابن سريج قال: دبرت علي ورب الكعبة! وكشف صلعته ووضع القلنسية على رأسه، وضحك القوم من قبحأنا صلعته، ثم قامت جميلة ورقصت وضربت بالعود وعلى رأسها البرنس الطويل وعلى عاتقها بردةٌ يمانيةٌ وعلى القوم أمثالها، وقام ابن سريج يرقص ومعبد والغريض وابن عائشة ومالكٌ وفي يد كل واحد منهم عود يضرب به على ضرب جميلة ورقصها، فغنت وغنى القوم على غنائها:

ذهب الشباب وليتـه لـم يذهـب           وعلا المفارق وقع شيبٍ مغـرب

والغانيات يردن غيرك صـاحـبـاً         ويعدنك الهجران بعـد تـقـرب

إني أقول مـقـالةً بـتـجـاربٍ              حقاً ولم يخبرك مثـل مـجـرب

صاف الكريم وكمن لعرضك صائناً      وعن اللئيم ومثلـه فـتـنـكـب

ثم دعت بثياب مصبغة ووفرة شعر مثل وفرة ابن سريج فوضعتها على رأسها، ودعت للقوم بمثل ذلك فلبسوا، ثم ضربت بالعود وتمشت وتمشى القوم خلفها، وغنت وغنوا بغنائها بصوت واحد:

يمشين مشي قطا البطاح تأوداً     قب البطون رواجح الأكفال

فيهن آنسة الـحـديث حـييةٌ         ليست بفاحشةٍ ولا متـفـال

وتكون ريقتها إذا نبهـتـهـا         كالمسك فوق سلافة الجـريال

ثم نعرت ونعر القوم طرباً، ثم جلست وجلسوا وخلعوا ثيابهم ورجعوا إلى زيهم، وأذنت لمن كان ببابها فدخلوا، وانصرف المغنون وبقي عندها من يطارحها من الجواري.

لحنت قصيدة لعمرو بن أحمر بن العمرد في عمر بن الخطاب لحناً جميلاً، ونبذة عن ترجمة ابن أحمر: وحدثني أيوب بن عباية قال: كان عمرو بن أحمر بن العمرد بن عامر بن عبد شمس بن فراص بن معن بن مالك ابن أعصر بن قيس بن عيلان بن مضر من شعراء الجاهلية المعدودين، وكان ينزل الشأم، وقد أدرك الإسلام وأسلم، وقال في الجاهلية والإسلام شعراً كثيراً وفي الخفاء الذين أدركهم: عمر بن الخطاب فمن دونه إلى عبد الملك بن مروان، وكان في خيل خالد بن الوليد حين وجه أبو بكر خالداً إلى الشأم، ولم يأت أبا بكر. وقال في خالد رحمه الله:

إذا قال سيف الله كروا علـيهـم      كررت بقلبٍ رابط الجأش صارم

وقال في عمر بن الخطاب رضي الله عنه قصيدة له طويلة جيدة:

أدركت آل أبي حفص وأسرته      وقبل ذاك ودهراً بعده كلبـا

قد ترتمى بقوافٍ بينـنـا دولٌ        بين الهناتين لا جداً ولا لعبـا

الله يعلم ما قولي وقـولـهـم          إذ يركبون جناناً مسهباً وربـا

وقال في عثمان بن عفان رضي الله عنه:

حثى فليس إلى عثمان مرتجعٌ      إلا العداء وإلا مكنعٌ ضـرر

إخالها سمعت عزفاً فتحسبـه       إهابة القسر ليلاً حين تنتشر

وقال في علي بن أبي طالب رضي الله عنه:

من مبلغٌ مالكاً عني أبا حسـنٍ      فارتح لخصمٍ هداك الله مظلوم

فلما أنشدت جميلة قصيدته في عمر بن الخطاب، قالت: والله لأعلمن فيها لحناً لا يسمعه أحدٌ أبداً إلا بكى. قال إبراهيم: وصدقت، والله ما سمعته قط إلا أبكاني، لأني أجد حين أسمعه شيئاً يضغط قلبي ويحرقه فلا أملك عيني، وما رأيت أحداً قط سمعه إلا كانت هذه حاله.

صوت من المائة المختارة

يا دار عبلة من مشارق مـأسـل     درس الشؤون وعهدها لم ينجـل

فاستبدلت عفر الظباء كـأنـمـا       أبعارها في الصيف حب الفلفل

تمشي النعام به خـلاءً حـولـه       مشي النصارى حول بيت الهيكل

إحذر محل السوء لا تحلـل بـه      وإذا نبا بك منـزلٌ فـتـحـول

الشعر، فيما ذكر يحيى بن علي عن إسحاق، لعنترة بن شداد العبسي. وما رأيت هذا الشعر في شيء من دواوين شعر عنترة، ولعله من رواية لم تقع إلينا، فذكر غير أبي أحمد أن الشعر لعبد قيس بن خفاف البرجمي، إلا أن البيت الأخير لعنترة صحيح لا يشك فيه. والغناء لأبي دلف القاسم بن عيسى العجلي، ولحنه المختار، على ما ذكره أبو أحمد، من الثقيل الأول. وذكر ابن خرداذبه أن لحن أبي دلف خفيف ثقيل بالوسطى. وذكر إسحاق أن فيه لمعبد لحناً من الثقيل الأول المطلق في مجرى الوسطى، وأن فيه لأبي دلف لحناً ولم يجنسه. وذكر حبش أن فيه لابن محرز ثاني ثقيل بالوسطى. وأن لابن سريج في البيت الثاني ثقيلاً أول، وذكر ابن خرداذبه أن خفيف الثقيل لمالك، وليس ممن يعتمد على قوله. وقد ذكر يونس أيضاً أن فيه غناء لمالك ولم يذكر جنسه ولا طريقته.