بهيجة حافظ

بهيجة حافظ
1908- 1968م

نشأت بهيجة حافظ في في بيئة فنية نالت فيها قسطاً من الثقافة العلمية والفنية. فقد تلقت تعليمها ما بين مدرستي “الفرنسيسكان” الإيطالية و”الميردو ديوه” الفرنسية بالإسكندرية، ومن ثم حصلت علي دبلوم في الموسيقى من باريس في يناير 1930.

كان والدها إسماعيل حافظ باشا هاوياً للموسيقى، مارس تأليف الأغاني وتلحينها، وكان يعزف على العود والقانون والرق والبيانو، وكانت والدتها تعزف على الكمان والفيولنسيل، بينما أخوتها يعزفون على الآلات المختلفة، أما بهيجة فكانت تعزف على البيانو. ولقد كان للمايسترو الإيطالي “جيوفاني بورجيزي”، والذي كان يقود الفرقة الموسيقية بالإسكندرية، أثر كبير في حياة بهيجة حافظ، فقد كان يتردد على قصرهم في حيّ محرَّم بيك بحكم صداقته لوالدها، لذلك درست قواعد الموسيقى الغربية على يديه. وتقول بهيجة حافظ إنها بدأت تعزف على البيانو وهي في سن الرابعة، وإنها قد ألّفت أول مقطوعة موسيقية وهي في التاسعة حيث أعجب والدها بهذه المقطوعة وأسماها “بهيجة”. بعد ذلك ألّفت مقطوعتين، الأولى اسمها “من وحي الشرق” والثانية “معلهشي”.

بعد طلاقها من زوجها وبعد وفاة والدها، قررت أن تترك بيت الأسرة في الإسكندرية وتستقر في القاهرة لتبدأ صفحة جديدة من حياتها، تعتمد فيها على نفسها وتكافح في سبيل العيش والفن. فاشتغلت بالموسيقى وقامت بتدريس العزف على البيانو لبنات العائلات، ونسخ النوتة الموسيقية للفرقة الموسيقية بالقاهرة في مقابل جنيه واحد للصفحة الواحدة، هذا إضافة إلى الاستمرار في التأليف الموسيقي. وفي ذلك الوقت قامت بتسجيل مؤلفاتها الموسيقية لدى شركة “كولومبيا” بالإسكندرية، و “أوديون” في القاهرة، فاشترت منها شركة “كولومبيا” أربع مقطوعات، اثنتان منها “تانجو” والثالثة “فالس” أما الرابعة فهي “أنشودة إيطالية”. أما الشركة الثانية فقد اشترت مقطوعتين سجلتهما علي أسطوانة واحدة.

بعد أن نالت شهرة في عالم الموسيقى، كأول سيدة مصرية تقتحم هذا الميدان، نُشرت صورتها في مجلة “المستقبل” التي كان يصدرها إسماعيل وهبي المحامي شقيق يوسف وهبي، وقد نُشرت صورتها على غلاف المجلة، بالبرقع والطرحة، وكُتب تحتها عبارة “أول مؤلفة موسيقية مصرية”، حينها كان محمد كريم يبحث عن بطلة لفيلمه الأول زينب، بعد أن رفض يوسف وهبي قيام الفنانة “أمينة رزق” بالبطولة. عندها، لفتت فتاة الغلاف انتباه محمد كريم، فعرض عليها بطولة الفيلم، ورحبَّت بالعمل في السينما بالرغم من معارضة أسرتها الشديدة لدرجة أن شقيقتها وقفت في السرادق حينها تتلقى العزاء فيها.

لم تكتف بهيجة حافظ ببطولة الفيلم فحسب، بل قامت أيضاً بوضع الموسيقى التصويرية له والتي تتكون من اثنتي عشرة مقطوعة موسيقية. وقد قامت بدور زينب أمام سراج منير وزكي رستم ودولت أبيض وعلوية جميل وعبد القادر المسيري. ولأن هذا الدور يعتبر أول علاقتها بالتمثيل، فلم على دراية بكافة إمكانياته، خصوصاً بأن الدور لكونه صامتاً يحتاج، بل يعتمد على التعبير بالحركة والإشارة والتحكم في ملامح الوجه وتقلصاته، لذلك كان محمد كريم حريصاً بأن تكون “بهيجة” دوماً بين كبار الممثلين، لتحتك بهم بما فيه الكفاية، حتى تتعلم منهم وتندمج معهم من ثم يكون باستطاعتها إعطاء الانفعالات المطلوبة.

عام 1932 كوَّنت بهيجة حافظ شركة فنار فيلم للإنتاج السينمائي بالاشتراك مع زوجها محمود حمدي الذي تزوجته أثناء تصوير فيلمها الأول، أما باكورة أعمال هذه الشركة فكان فيلم الضحايا ـ 1932، وهو فيلم صامت يدور حول ضحايا المخدرات، وقد قامت هي ببطولته أمام زكي رستم وعطا الله ميخائيل. أما إنتاج الشركة الثاني فكان فيلم الاتهام ـ 1934 الذي أخرجه “ماريو فولبي”، وقامت “بهيجة” بوضع الموسيقى التصويرية.

ليلي بنت الصحراء- 1937، هو الفيلم الذي يعتبر علامة هامة في مشوار الفنانة بهيجة حافظ الفني والسينمائي على الخصوص، بل وفي تاريخ السينما المصرية بشكل عام. فبالإضافة إلى إنتاجه، قامت بدور البطولة فيه أمام حسين رياض وزكي رستم وعباس فارس” كما قامت بوضع الموسيقى وتصميم الأزياء، ويقال بأنها قامت بإكمال إخراج الفيلم مع ثلاثة من المساعدين.

بلغت تكاليف إنتاج فيلم (ليلى بنت الصحراء) حوالي 18 ألف جنيه، وهو مبلغ ضخم قياساً لإنتاج تلك الفترة. وقد عرض الفيلم في 28 يناير 1937، ولاقى نجاحاً كبيراً، كما عرض الفيلم في مهرجان برلين الدولي، كأول فيلم عربي ناطق يعرض في هذا المهرجان ويحصل علي جائزة ذهبية. كما أنه رشح للعرض في مهرجان البندقية وبعد سفر “بهيجة” وزوجها إلى إيطاليا للاشتراك في المهرجان، وإذا بهما يفاجأن بصدور قرار من وزارة الخارجية بمصادرة الفيلم ومنع عرضه في الداخل والخارج لأسباب سياسية، بعد مُضي عام على عرضه الأول.. فقد احتجت الحكومة الإيرانية آنذاك علي هذا الفيلم علي اعتبار أنه يسيء إلى تاريخ كسرى أنوشروان ملك الفرس القديم. وبمصادرة الفيلم، تكبدت شركة فنار فيلم خسائر فادحة تحولت بعدها من شركة بين الزوجين إلى شركة مساهمة، لم تقم إلا بتوزيع فيلم بياعة التفاح- 1939 من إنتاج شركة إيزيس فيلم، وبعد ست سنوات رفع الحظر عن فيلم ليلى بنت الصحراء وذلك بعد أن رفعت الشركة دعوى تعويض علي الحكومة بمبلغ عشرون ألف جنيه، وانتهاء الظروف السياسية التي أدت إلى مصادرته، لكن الرقابة اشترطت إدخال بعض التعديلات عليه بالحذف والإضافة وتغيير الاسم إلى “ليلى البدوية”.

رحلت بهيجة حافظ في صمت بعد أن كان بيتها يضم مكتبة كبيرة ونادرة يقدر عدد ما بها من مؤلفات بنحو خمسين ألف كتاب، من مختلف الآداب والفنون العالمية، كما كان بحوزتها ثلاثة آلاف مؤلَّف موسيقي وأندر النُّوت الموسيقية للأعمال العالمية، ومجموعة نادرة من كتب القانون والتاريخ والفلسفة باللغات الإنجليزية والفرنسية والإيطالية والألمانية، والتي كانت تتقنها جيداً. كما كان بيتها يعتبر متحفاً يضم أندر الآلات الموسيقية واللوحات النادرة. وعاشت سنواتها الأخيرة قبل المرض تقرأ وتكتب المقالات بالفرنسية وتبعثها للصحف في الخارج.

وبالرغم من أنها بدأت حياتها بالتأليف الموسيقي، وكانت أول مصرية تُقبل عضواً في جمعية المؤلفين بباريس، وتحصل علي حق الأداء العلني لمؤلفاتها الموسيقية، إلا أننا لا نجد الآن أية تسجيلات لهذه المؤلفات.