الكندي

الكندي
نحو 796- 873م

هو أبو يوسف يعقوب بن اسحق الكندي الذي اطلق عليه لقب ” فيلسوف العرب ” او ” فيلسوف العرب واحد ابناء ملوكها ” . وقد إختلف المؤرخون في مكان وتاريخ ولادته وموته ، انما أجمعوا على انه يرتقي الى يعرب بن قحطان من عرب الجنوب ومن قبيلة كندة . ويُذكر ان اباه اسحق بن الصباح كان أميراً على الكوفة للمهدي والرشيد وان أجداده كانوا ملوكاً على كندة . وذكر ” القفطي” ان الكندي كان ” شريف الأصل بصرياً وكان جده ولي الولايات لبني هاشم ، ونزل البصرة ، وضيعته هناك ، وانتقل الى بغداد وهناك تأدب وخدم الملوك مباشرة بالادب”. وذكر “البيهقي” ان الكندي كان استاذاً لأحمد بن المعتصم.

الثابت ان الكندي قضى معظم حياته في القرن الثالث الهجري ، ويكون بذلك قد عاصر المأمون والمعتصم وشهد حركة الانطلاق الفكري وحركة النقل والترجمة في أوج إزدهارها ، وأكب على الفلسفة في جو حافل بالنزاع الديني والمذهبي حتى قال عنه ابن النديم في كتابه الفهرست : ” إنه فاضل دهره وواحد عصره في معرفة العلوم القديمة بأسرها ” .

عني الكندي بالرياضيات والمنطق والعلوم الطبيعية والفلك والموسيقى والفلسفة . وقد إختلف الرواة والمؤرخون في عدد المؤلفات التي وضعها الكندي . فمنهم ، وبينهم ابن النديم ، يجعلها حوالى 238 رسالة ، بينما جعلها صاعد الاندلسي قرابة الخمسين . أما ما وصلنا منها فلا يتعدى الستين رسالة منها في الفلسفة : ” رسالة في الفلسفة الاولى ” و ” رسالة في حدود الاشياء ورسومها ” و ” رسالة في العقل ” و ” رسالة في كمية كتب ارسطاطاليس ” . وفي الموسيقى وصلتنا ” رسالة خبر صناعة التأليف ” و ” مختصر الموسيقى في تأليف النغم ” . وفي الفلك ” رسالة في إيضاح تناهي جرم العالم “.

أهم ما وصلنا من رسائله ما عثر عليه المستشرق الالماني هلموت ريتر في مكتبة آيا صوفيا بالاستانة وهي مخطوطة تضمنت 29 رسالة للكندي منها ما هو في العلم الطبيعي ومنها ما هو في الفلسفة ، وبعضها يدور حول وحدانية الله وحول العقل والنفس والفلسفة الاولى وحول ماهية ما يمكن ان يكون لا نهاية له الخ..

اهتم الكندي بتحديد الفلسفة وتحديد الألفاظ للتعبير تعبيراً صادقاً عن الحقيقة الفلسفية ولايضاح طرق المعرفة التي توصل الى الحقيقة . ويعالج بعد ذلك قضايا الطبيعة وما وراء الطبيعة ويعلن ان الرياضيات هي المقدمة الضرورية لعلم الفلسفة .

أما في علم النفس فيعتمد الكندي على الكثير من أراء الافلاطونية ، كما يعتمد في الأخلاق على تعاليم سقراط وافلاطون . وفي كل ذلك ، فلسفة وعلم نفس ، نزع نزعة معتزلية تعتمد العقل وتلجأ الى التأويل في تفسير الآيات القرآنية .

وصف الكندي الفلسفة بأنها اشرف العلوم وأعلاها مرتبة ودعا المفكرين الى الأخذ بها . وقال إن ” الفلسفة الاولى هي الأعلى مرتبة لأنها علم الحق الاول الذي هو علة كل شيء “. لذلك يجب ان يكون الفيلسوف التام الاشرف هو المرء المحيط بهذا العلم الاشرف . وانتهى الى الاستنتاج ان الفلسفة ، كونها علم الاشياء بحقائقها ، فلا خلاف بينها وبين الدين . فكلاهما علم الحق .

قسّم الكندي العالم الى قسمين : ما دون فلك القمر ، وما يمتد من فلك القمر الى منتهى العالم . أما القسم الاول فمملوء بالعناصر الاربعة وما تركب منها ، وهو بالتالي ، عالم التغيّر والكون والفساد . اما الثاني فهو غير قابل لقوانين الكون والفساد لأنه خال من الكيفيات . وفي ما يتعلق بالنفس البشرية ، فقد نفى الكندي خلود النفس في الشقاء وآمن بخلاصها وحدد لها طرق الخلاص اذ قال بأن النفس الشقية تتنقى بذهابها الى الافلاك بدءاً من القمر حتى عطارد الخ.. وشدد على ان علاقة النفس بالبدن هي علاقة عارضة . وأشار الى ان قوى النفس كثيرة ، بينها القوتين العظيمتين المتباعدتين : الحسية والعقلية وبينهما قوى اخرى متوسطة ، منها القوة المصورة والغاذية والنامية والغضبية والشهوانية .

وقال الكندي في طبيعة الله ان الله هو الوجود التام الذي لم يسبقه وجود ولا ينتهي له وجود ولا يكون وجود الا به . فهو ازلي .

الكندي والموسيقى

ذكر صاحب الفهرست أن للكندي سبع رسائل في الموسيقى هي:
1- رسالته الكبرى في التأليف.
2- رسالته في ترتيب النغم الدالة على طبائع الأشخاص العالية وتشابه التأليف.
3- رسالته في الإيقاع.
4- رسالته في المدخل إلى صناعة الموسيقى.
5- رسالته في خبر صناعة التأليف.
6- رسالته في صناعة الشعر.
7- رسالته في الأخبار عن صناعة الموسيقى.

* مفهوم الموسيقى عند الكندي: لعلنا نستطيع أن نجمل رأي الكندي وفلسفته في الموسيقى في العبارة الآتية التي جاءت في إحدى رسائله وهي: ” الموسيقار الباهر الفيلسوف يعرف ما يشاكل كل من يلتمس إطرابه من صنوف الإيقاع والنغم والشعر، مثل حاجة الطبيب الفيلسوف إلى أن يعرف أحوال من يلتمس علاجه أو حفظ صحته”.

فالموسيقى في نظر الكندي: ” معرفة لا بد اكتسابها بالدرس والتحصيل، وكما يتحتم على الطبيب أن يأخذ بعين الإعتبار أمورا كثيرة قبل أن يهيئ العلاج، كذلك يتحتم على الموسيقار أن يفعل قبل أن يصنع الألحان.

لهذا يتناول الكندي موضوع الموسيقى من مختلف النواحي: النغمات، ما يتفق منها وما يتنافر عند التأليف، الإيقاعات وعدد نقراتها وما يرافق كل منها من الألحان، أثر الموسيقى في النفس وما تبعثه ألحانها فيها من سرور وحزن وشجاعة، أثر الألحان المختلفة في الصحة والأمزجة، المناسبة بين الأوتار والنغمات والأجرام السماوية وغير ذلك، فيضع لكل هذه الأمور، الدساتير التي ينبغي أن يسير بموجبها الموسيقار الباهر، مؤيدا أقواله بالبراهين الرياضية، والأدلة المنطقية.

وهكذا يعتبر الكندي أول من أدخل الموسيقى إلى الثقافة العربية، فأصبحت من ضمن مناهج الدراسة العلمية، وجزءا من الفلسفة الرياضية. وكان هذا بطبيعة الحال نتيجة التأثر بالمدرسة الإغريقية، بما نقله العرب من العلوم اليونانية إلى العربية في مختلف نواحي المعرفة ومنها الموسيقى.

فصارت كلمة ” الموسيقى” باللغة العربية تعني علم الموسيقى بينما كلمة “الغناء” التي كانت قديما تعني أداء الألحان والموسيقى بصورة عامة، صارت تطلق على الفن العملي فقط.

ويضع الكندي الموسيقى في تصنيفه للعلوم ضمن العلم الأوسط، فيوضح بذلك وضع هذا العلم بين علمين، علم ما فوقه وما تحته، ويقسمه إلى أربع أقسام.

1- علم العدد والمعدودات وهو الأرثماطيقي.
2- علم التأليف وهو الموسيقى.
3- علم الجاومطرية وهو الهندسة.
4- علم الأسطرونومية وهو التنجيم.

وبهذا صارت الموسيقى عند العرب أحد العلوم الرياضية، وعنصرا من عناصر الحكمة الرباعية المسماة Quadrivium والتي أخذوها عن اليونان. وإن فهم هذه النقطة هو في غاية الأهمية، خشية أن يتبادر إلى الأذهان أن العرب نقلوا ألحانهم عن اليونان، أو أن الموسيقى العربية من أصل يوناني أو رومي أو فارسي كما يدعي بعض الباحثين.

فهناك الكثير من الشواهد التاريخية التي تثبت أن الموسيقى العربية كانت تختلف عن موسيقى هذه الأمم. فالكندي في مواضع كثيرة من رسائله يشير إلى هذا فيقول: ” إن لكل قوم من هذه الآلة (أي العود) مذهبا هو ليس لغيرهم.. فمذهب الفرس استعمال الخفة بعد وقوفهم على طرقهم المعلومة، إذ هي شبيهة لهم بالأصول.. ومذهب الروم أيضا في الألحان الثمانية الأسطوخسية.. وكذلك أيضا مذهب العرب بالضرب اللائق بغنائهم، كأصولهم الثمانية أي الثقيل والخفيف والهزج”¬¬. ويقول في موضع آخر: “وتعليم فنون كثيرة أعني عربي وفارسي ورومي وغير ذلك..”.

* التأثير النفسي للموسيقى في نظر الكندي: ويسهب الكندي في تأثير الموسيقى في نفوس الكائنات الحية، فيقول: وكيف أن الفلاسفة صنعوا آلات كثيرة تناسب تأليف الأجساد الحيوانية، ويظهر منها أصوات مشاكلة للتركيب الأنسى، ليظهروا بذلك مقدار شرف الحكمة وفضلها”.
يم يذكر أمثلة لذلك، فالدلفين والتمساح إذا سمعت الزمر وصوت البوق فإنها تطرب وتخرج إلى الماء، والخيول والغزلان تلذها أصوات الأوتار، والطواويس عندما تسمع الألحان تنتشر أجنحتها وتختال علامة الفرح، والطيور عامة تعجبها الأصوات الحنونة، فتقف مصغية. أما تأثيرها في الإنسان فواضح أكثر، فهناك الألحان المفرحة والمحزنة، ومنها ما يبعث في النفس الشجاعة والإقدام، ومنها ما يبعث الهدوء والنوم.

وهكذا نرى الكندي يصنف الألحان حسب تأثيرها في النفس إلى ثلاثة صنوف:
1- اللهوي والطربي والتلذذي والتنعّمي، وهي الألحان المطلوبة.
2- للجرأة والنجدة واليأس والإقدام، وهي الألحان الجريئة.
3- للبكاء والحزن والنوح والرقاد، وهي الألحان الشجية.

فللطفولة ألحانها، وللشباب والشيخوخة كذلك، والألحان في الصيف والشتاء وألحان الصباح والمساء والليل، وغير ذلك على نحو ما نقرأه بإسهاب في مواضع كثيرة من رسائله.

* التأثير الطبي للموسيقى: ويتناول الكندي أيضا الألحان من ناحية طبية، فيبين أن الألحان تؤثر في الجسم فتساعد على الهضم، وتبعث في الكيموسات التلطيف والتنظيف. ثم يتناول النغمات والأوتار والإيقاعات ويذكر ما يفيد منها لأعضاء الجسم فيقول: ” نغمات الزير مناسبة لإيقاع الماخوري، وهما مقويان للمرار الأصفر، محركان له، مسكنان للبلغم مطفئان له. ونغمات المثنى مناسبة للثقيل الأول والثاني، وهي مقوية للدم، محركة له، مسكنة للسوداء، مطفية له..”. ويفعل هذا مع نغمات المثلث والبم أيضا. وهكذا يجعل الكندي من النغمات والنقرات وصفات طبية لأعضاء الجسم.

* السلم الموسيقي للكندي: يعتبر الكندي أول من دون الموسيقى بالأحرف الأبجدية، يشهد على ذلك السلم الموسيقي الذي دونه في مخطوطته الموسيقية، وذلك نسبة إلى أوتار العود.
وهكذا وجدت مخطوطة للكندي سجل فيها لحنا مدونا يضعه كتمرين ودرس أول للتلميذ الذي يتعلم الضرب على العود. وهذا اللحن يعتبر أقدم وثيقة موسيقية للحن مدون، لا عند العرب فقط بل في تاريخ العود الذي كان معروفا منذ الألف الثاني قبل الميلاد. وقد حلل هذا اللحن ووضع نغماته في إطار إيقاعي حسب السلم الموسيقي الحديث.