الغريض

الغريض

هو أبو زيد، ويقال أبو مروان. عربيّ الأصل، مولود في مكّـة المكرمة. والغريض معناهُ المُغني المجيد. تعلّم الغناء عن ابن سريج حتّى أصبح مغنيًا بارعًا. وكان يصطحب في غنائه العود والقضيب والدّف.

سافر إلى بغداد وغنّى أمام الخليفة الوليد، ثم رجع إلى مكّة المكرّمة ثم تركها وسافر إلى اليمن، وذلك لتحريم والي مكّة الغناء والموسيقى.

توفّي هناك في خليفة يزيد الثّاني.

وجاء في “الأغاني” لأبي الفرج الأصفهاني: الغريض لقبٌ لقب به، لأنه كان طري الوجه نضراً غض الشباب حسن المنظر، فلقب بذلك. والغريض: الطري من كل شيء. وقال ابن الكلبي: شبه بالإغريض وهو الجمار فسمي به، وثقل ذلك على الألسنة فحذفت الألف منه، فقيل له: الغريض: واسمه: عبد الملك، وكنيته: أبو يزيد. 

وأخبرنا إسماعيل بن يونس الشيعي عن عمر بن شبة عن أبي غسان عن جماعة من المكيين: أنه كان يكنى أبا مروان. وهو مولى العبلات، وكان مولداً من مولدي البربر. وولاؤه وولاء يحيى قيل وسمية للثريا “صاحبة عمر بن أبي ربيعة” وأخواتها: الرضيا وقريبة وأم عثمان بنات علي بن عبد الله بن الحارث بن أمية الأصغر.  

أخذه الغناء عن ابن سريج فلما رأى ابن سريج مخايل التفوق فيه حده وطرده

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني محمد بن نصر الضبعي قال حدثني عبد الكريم بن أبي معاوية العلابي عن هشام بن الكلبي عن أبيه وعن أبي مسكين، وأخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى، وأخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن أبي الأزهر حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن الزبيري والمدائني ومحمد بن سلام، وقد جمعت رواياتهم في قصة الغريض، قالوا: كان الغريض يضرب بالعود وينقر بالدف ويوقع بالقضيب، وكان جميلاً وضيئاً، وكان يصنع نفسه ويبرقها. وكان قبل أن يغني خياطاً. وأخذ الغناء في أول أمره عن ابن سريج، لأنه كان يخدمه. فلما رأى ابن سريج طبعه وظرفه وحلاوة منطقه خشي أن يأخذ غناءه فيغلبه عليه عند الناس ويفوقه بحسن وجهه وجسده؛ فاعتل عليه، وشكاه إلى مولياته، وهن كن دفعنه إليه ليعلمه الغناء، وجعل يتجنى عليه ثم طرده؛ فشكا ذلك إلى مولياته وعرفهن غرض ابن سريج في تنحيته إياه عن نفسه، وأنه حسده على تقدمه.

تعلم النوح وكان ينوح في المآتم

فقلن له: هل لك في أن تسمع نوحنا على قتلانا فتأخذه وتغني عليه؟ قال: نعم فافعلن، فأسمعنه المراثي فاحتذاها وخرج غناءً عليها كالمراثي، وكان ينوح مع ذلك فيدخل المآتم وتضرب دونه الحجب ثم ينوح فيفتن كل من سمعه. ولما كثر غناؤه اشتهاه الناس وعدلوا إليه لما كان فيه من الشجا. فكان ابن سريج لا يغني صوتاً إلا عارضه الغريض فيه لحناً آخر. فلما رأى ابن سريج موقع الغريض اشتد عليه وحسده، فغنى الأرمال والأهزاج فاشتهاها الناس؛ فقال له الغريض: يا أبا يحيى، قصرت الغناء وحذفته؛ قال: نعم يا مخنث حين جعلت تنوح على أمك وأبيك. قال إسحاق وحدثني أبو عبيدة قال: لما غضب ابن سريج على الغريض فأقصاه وهجره لحق بحوراء وبغوم – جاريتين نائحتين كانتا في شعب ابن عامر بمكة، ولم يكن قبلهما ولا بعدهما مثلهما – فرأتاه يوماً يعصر عينيه ويبكي؛ فقالتا له: ما لك تبكي؟ فذكر لهما ما صنع به ابن سريج؛ فقالتا له: لا أرقأ الله دمعك! ألزز رأسك بين ما أخذته عنه وبين ما تأخذه منا، فإن ضعت بعدها فأبعدك الله. 

عداده في الأربعة المشهورين بالغناء

قال إسحاق وحدثني أبو عبد الله الزبيري قال: رأيت جريراً في مجلس من مجالس قريش فسمعته يقول: كان المغنون بمكة أربعة، فسيد مبرز وتابع مسدد؛ فسألناه عن ذاك، فقال: كان السيد أبو يحيى بن سريج والتابع أبو يزيد الغريض. وكان هناك رجل عالم بالصناعة فقال: كان الغريض أحذق أهل زمانه بمكة بالغناء بعد ابن سريج، كان الناس لا يفرقون بينه وبين ابن سريج وما زال أصحابنا لا يفرقون بينهما لمقاربتهما في الغناء. قال الزبيري وقال بعض أهلي: لو حكمت بين أبي يحيى وابي يزيد لما فرقت بينهما، وإنما تفضيلي أبا يحيى بالسبق، فأما غير ذلك فلا، لأن أبا يزيد عنه أخذ ومن بحره اغترف وفي ميدانه جرى، فكان كأنه هو؛ ولذلك قالت سكينة لما غنى الغريض وابن سريج:  

عوجي علينا ربة الهودج   

والله ما أفرق بينكما، وما مثلكما عندي إلا كمثل اللؤلؤ والياقوت في أعناق الجواري الحسان لا يدرى أي ذلك أحسن. 

قيل كان أشجى غناء من ابن سريج

قال إسحاق: وسمعت جماعةً من البصراء عند أبي يتذاكرونهما، فأجمعوا على أن الغريض أشجى غناءً، وأن ابن سريج أحكم صنعةً. 

وكانت وفاة الغريض في أيام سليمان بن عبد الملك أو عمر بن عبد العزيز لم يتجاوزها. والأشبه أنه مات في خلافة سليمان، لأن الوليد كان ولى نافع بن علقمة مكة فهرب منه الغريض وأقام باليمن واستوطنها مدة ثم مات بها.