إسحق الموصلي

إسحاق الموصلي

هو إسحاق بن إبراهيم بن ماهان (أو ميمون) بن بهمن الموصلي التّميمي بالولاء، الأرجانيّ الأصل المعروف بابن النّديم الموصلي نادم الرّشيد والمأمون والمُعتصم والواثق.

تتلمذ على أحد تلامذة والده وهو زلزل، فتعلّم منه الضّرب على العود وتعلّم الغناء من عاتكة بنت شذا، فاشتهر بالغناء والموسيقى حتى أصبح من أشهر وأمهر المُغنّين والموسيقييّن في العصر العباسي.

تفرّد بالغناء وصناعته، وكان عالمًا باللّغة والموسيقى والتّاريخ وعلوم الدّين وعلم الكلام؛ راويًا للشّعر، حافظًا للأخبار. قال عنه صاحب الأغاني: “كان الغناء أصغر علوم إسحاق وأدنى ما يوسم به، وإن كان الغالب عليه وعلى ما يحسنه. هو الذي صحّح أجناس الغناء”. وقال عنه المأمون: “لولا اشتهار إسحاق بالغناء لَوَلّيتُه القضاء، لما أعلم من عفّته ونزاهته وأمانته”.

وقال الواثق: “ما غنّاني إسحاق قط إلاّ ظننتُ أنّه زيد لي في ملكي”.

توفّي الموصلي عن عُمرٍ يُناهزُ الثّمانين.

وجاء في “وفيات الأعيان” لابن خلكان: هو أبو محمد إسحاق بن إبراهيم بن ماهان بن بهمن بن نسك التميمي بالولاء الأرجاني الأصل المعروف بابن النديم الموصلي، وقد سبق ذكر أبيه والكلام في نسبته ونسبه فأغنى عن الإعادة؛ كان من ندماء الخلفاء وله الظرف المشهور والخلاعة والغناء اللذان تفرد بهما. وكان من العلماء باللغة والأشعار وأخبار الشعراء وأيام الناس، وروى عنه مصعب بن عبد الله الزبيري والزبير ابن بكار وغيرهما. وكان له يد طولى في الحديث والفقه وعلم الكلام.

قال محمد بن عطية العطوي الشاعر: كنت في مجلس القاضي يحيى بن أكثم، فوافى إسحاق بن إبراهيم الموصلي، وأخذ يناظر أهل الكلام حتى انتصف منهم، ثم تكلم في الفقه، فأحسن وقاس واحتج، وتكلم في الشعر واللغة، ففاق من حضر، ثم أقبل على القاضي يحيى فقال له: أعز الله القاضي! أفي شيء مما ناظرت فيه وحكيته نقص أو مطعن؟ قال: لا، قال: فما بالي أقوم بسائر هذه العلوم قيام أهلها وانسب إلى فن واحد قد اقتصر الناس عليه؟ يعني الغناء. قال العطوي: فالتفت إلي القاضي يحيى وقال لي: الجواب في هذا عليك، وكان العطوي من أهل الجدل، فقال القاضي يحيى: نعم، أعز الله القاضي! الجواب علي. ثم أقبل على إسحاق فقال: يا أبا محمد، انت كالفراء والخفش في النحو؟ فقال: لا، فقال: فأنت في اللغة ومعرفة الشعر مالأصمعي وأبي عبيدة؟ قال: لا، قال: فأنت في علم الكلام كأبي الهذيل العلاف والنظام ابلخي؟ قال: لا، قال: فأنت في الفقه كالقاضي؟ واشار إلى القاضي يحيى، قال: لا، قال: فأنت في قول الشعر كأبي العتاهية وأبي نواس؟ قال: لا، قال فمن ههنا نسبت إلى مانسبت إليه لأنه لا نظير لك فيه، وأنت في غيره دون رؤساء أهله، فضحك وقام وانصرف. فقال القاضي يحيى العطوي: لقد وفيت الحجة حقها، وفيها ظلم قليل لإسحاق، وغنه ممن يقل في الزمان نظيره.

وذكر عماد الدين أبو المجد إسماعيل بن باطيش الموصلي في كتابه الذي سماه التمييز والفصل: أن إسحاق بن إبراهيم الموصلي كان مليح المحاورة والنادرة، ظريفاً فاضلاً، كتب الحديث عن سفيان بن عينية ومالك بن أنس وهشيم بن بشير وأبي معاوية الضرير، وأخذ الدب عن الأصمعي وأبي عبيدة، وبرع في علم الغناء فغلب عليه ونسب إليه.

وكان الخلفاء يكرمونه ويقربونه، وكان المأمون يقول: لولا ما سبق لإسحاق على ألسنة الناس واشتهر بالغناء لوليته القضاء، فإنه أولى وأعف وأصدق وأكثر ديناً وامانة من هؤلاء القضاة، ولكنه اشتهر بالغناء وغلب على جميع علومه، مع أنه أصغرها عنده، ولم يكن له فيه نظير.

وله نظم جيد ديوان شعر، فمن شعره ما كتبه إلى هارون الرشيد:

وآمرة بالبخل قلت لها اقصـري           فليس إلى ما تأمـرين سـبـيل

أرى الناس خلان الجواد ولا أرى         بخيلاً له في العالمـين خـلـيل

وإني رأيت البخل يزري بأهلـه           فأكرمت نفسي أن يقال بـخـيل

ومن خير حالات الفتى لو علمته          إذا نـال شـيئاً ان يكـون ينـيل

عطائي عطاء المكثرين تكـرمـا           وما لي كما قد تعلمـين قـلـيل

وكيف أخاف الفقر أو أحرم الغنى         ورأي أمير المؤمنـين جـمـيل

وكان كثير الكتب، حتى قال أبو العباس ثعلب: رأيت لإسحاق الموصلي ألف جزء من لغات العرب، وكلها بسماعه. وما رأيت اللغة في منزل أحد قط أكثر منها في منزل إسحاق ثم منزل ابن الأعرابي.

ونقلت من حكاياته أنه قال: كان لنا جار يعرف بأبي حفص، وينبز باللوطي، فمرض جار له فعاده، فقال له: كيف تجدك؟ إنما تعرفني؟ فقال له المريض بصوت ضعيف: بلى، أنت ابو حفص اللوطي، فقال له: تجاوزت حد المعرفة، لارفع الله جنبك.

وكان المعتصم يقول: ماغناني إسحاق بن ابراهيم قط إلا خيل لي أنه قد زيد في ملكي.

وأخباره كثيرة، وكان قد عمي في أواخر عمره قبل موته بسنتين.

ومولده في سنة خمسين ومائة، وهي السنة التي ولد فيها امام الشافعي، رضي الله عنه، كما سيأتي في موضعه إن شاء الله تعالى.

وتوفي في شهر رمضان سنة خمس وثلاثين ومائتين بعلة الذرب، وقيل: في شوال سنة ست وثلاثين، والأول أشهر، وقيل: توفي يوم الخميس بعد الظهر لخمس خلون من ذي الحجة سنة ست وثلاثينن رحمه الله تعالى.

ورثاه بعض أصحابه بقوله:  

أصبح اللهو تحت عفر الـتـراب        ثاوياً فـي مـحـلة الـحـبـاب

إذا مضى الموصلي وانقرض الأن     س ومجت مشـاهـد الأطـراب

بكت الملهـيات حـزنـا عـلـيه           وبكاه الهوى وصفو الـشـراب

وبكت آلة المـجـالـس حـتـى            رحم العود عبرة الـمـضـراب

وقيل: إن هذه المرثية في أبيه إبراهيم، والصحيح الأول.