وقعة  المذار

وقعة  المذار

كانت وقعة المذار في صفر من السنة الثانية عشرة . ويقال وقعة الثني ، وهو النهر . وهنا سار خالد بمن معه من الجيوش حتى نزل على المذار وهو على تعبئة، وخرج قارن يدعو إلى البراز فبرز إليه خالد وابتدره الشجعان من الأمراء فقتل معقل بن الأعشى ابن النباش قارناً وقتل عدي بن حاتم قباذاً وقتل عاصم أنوشجان . وكان قارن قد انتهى شرفه في أبناء فارس . وجمع بقية الغنيمة وخمسها . فإن أقرهم بالجزية ، وكان في هذا السبي حبيب أبو الحسن البصري وكان نصرانياً ثم أمر خالد على الجند سعيد بن النعمان وعلى الجزية سويد بن مقرن وأمره أن ينزل الحفير ليجبي إليه الأموال وأقام خالد يتجسس الأخبار عن الأعداء .

ورد في كتاب “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري:

“قال: وكانت وقعة المذار في صفر سنة اثنتي عشرة، ويومئذ قال الناس: صفر الأصفار، فيه يقتل كل جبار، على مجمع الأنهار . حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن زياد والمهلب، عن عبد الرحمن بن سياه الأحمري.

وأما فيما كتب به إلى السري، عن شعيب، عن سيف، فإنه عن سيف، عن المهلب بن عقبة وزياد بن سرجس الأحمري وعبد الرحمن بن سياه الأحمري وسفيان الأحمري، قالوا: وقد كان هرمز كتب إلى أردشير وشيرى بالخبر بكتاب خالد إليه بمسيره من اليمامة نحوه، فأمده بقارن بن قريانس، فخرج قارن من المدائن ممداً لهرمز ؛ حتى إذا انتهى إلى المذار بلغته الهزيمة ؛ وانتهت إليه الفلال السواد والجبل: إن افترقتم لم تجتمعوا بعدها أبداً؛ فاجتمعوا على العود مرة واحدو، فهذا مدد الملك وهذا قارن، لعل الله يديلنا ويشفينا من عدونا وندرك بعض ما أصابوا منا ففعلوا وعسكروا بالمذار، واستعمل قارن على مجنبته قباذ وأنوشجان، وأرز المثنى والمعنى إلى خالد بالخبر ؛ ولما انتهى الخبر إلى خالد عن قارن قسم الفئ على من أفاءه الله عليه، ونفل من الخمس ما شاء الله، وبعث ببقيته وبالفتح إلى أبى ابن عقبة – والعرب تسمى كل نهر الثنى – وخرج خالد سائراً حتى ينزل المذار على قارن في جموعه، فالتقوا وخالد على تعبيته، فاقتتلوا على حنق وحفيظة، وخرج قارن يدعو للبراز، فبرز له خالد وأبيض الركبان معقل بن الأعشى بن النباش، فابتدراه، فسبقه إليه معقل، فقتله وقتل عاصم الأنوشجان، وقتل عدي قباذ . وكان شرف قارن قد النتهى ؛ ثم لم يقاتل المسلمون بعده أحداً انتهى شرفه في الأعاجم، وقتلت فارس مقتله عظيمة ؛ فضموا السفن، ومنعت المياه المسلمين من طلبهم، وأقام خالد بالمذار، وسلم الأسلاب لمن سلبها بالغة ما بلغت، وقسم الفئ ونفل من الأخماس أهل البلاء، وبعث ببقية الأخماس، ووفد وفداً مع سعيد بن النعمان أخي بني عدي بن كعب.

حدثنا عبيد الله، قال: حدثني عمي، عن سيف، عن محمد بن عبد الله، عن أبي عثمان، قال: قتل ليلة المذار ثلاثون ألفاً سوى من غرق ولولا المياه لأتى على آخرهم ؛ ولم يفلت منهم من أفلت إلا عراة وأشباه العراة.

قال سيف، عن عمرو والمجالد، عن الشعبي، قال: كان أول من لقي خالد مهبطه العراق هرمز بالكواظم، ثم نزل الفرات بشاطئ دجلة ؛ فلم يلق كيداً، وتبحبح بشاطئ دجلة، ثم الثنى، ولم يلق بعد هرمز أحداً إلا كانت الوقعة الآخرة أعظم من التي قبلها، حتى أتى دومة الجندل، وزاد سهم الفارس في يوم الثنى على سهمه في ذات السلاسل. فأقام خالد بالثنى يسبي عيالات النقاتلة ومن أعانهم، وأقر الفلاحين ومن أجاب إلى الخراج من جميع الناس بعد ما دعوزا، وكل ذلك أخذ عنوة ولكن دعوا إلى الجزاء ، فأجابوا وتراجعوا، وصاروا ذمة وصارت أرضهم لهم كذلك جرى ما لم يقسم فإذا اقتسم فلا.

وكان في السبي حبيب أبو الحسن – يعني أبا الحسن البصري – وكان نصرانياً، وما فنة مولى عثمان، وأبو زياد مولى المغيرة بن شعبة.

وأمر على الجند سعيد بن النعمان، وعلى الجزاء سويد بن مقرن المزني، وأمره بنزول الحفير، وأمرهي ببث عماله ووضع يده في الجباية، وأقام لعدوه يتحسس الأخبار”.

وفي كتاب “الكامل في التاريخ” لابن الأثير ورد:

“أرسل أبو بكر إلى خالد بن الوليد وهو باليمامة يأمره بالمسير إلى العراق وقيل‏:‏ بل قدم المدينة من اليمامة فسيره أبو بكر إلى العراق فسار حتى نزل ببانقيا وباروسما وأليس وصالحه أهلها‏.‏

وكان الذي صالحه عليها ابن صلوبا على عشرة آلاف دينار سوى حرزة كسرى وكانت على كل رأس أربعة دراهم وأخذ منهم الجزية‏.‏

ثم سار حتى نزل الحيرة فخرج إليه أشرافها مع إياس بن قبيصة الطائي وكان أميرًا عليها بعد النعمان بن المنذر فدعاهم خالد إلى الإسلام أو الجزية أو المحاربة فاختاروا الجزية فصالحهم على تسعين ألف درهم فكانت أول جزية أخذت من الفرس في الإسلام هي والقريات التي صالح عليها‏.‏

وقيل‏:‏ إنما أمره أبو بكر أن يبدأ بالأبلة وكتب إلى عياض بن غنم أن يقصد العراق ويبدأ بالمصيخ ويدخل العراق من أعلاه ويسير حتى يلقى خالدًا وكان المثنى بن حارثة الشيباني قد  استأذن أبا بكر أن يغزو بالعراق فأذن له فكان يغزوهم قبل قدوم خالد وأمر أبو بكر خالدًا وعياضًا أن يستنفرا من قاتل أهل الردة وأن لا يغزون معهما مرتد ففعلا وكتبا إليه يستمدانه فأمد خالدًا بالقعقاع بن عمرو التميمي فقيل له‏:‏ أتمده برجل واحد فقال‏:‏ لا يهزم جيش فيهم مثل هذا‏.‏

وأمد عياضًا بعبد بن غوث الحميري‏.‏

وكتب أبو بكر إلى المثنى وحرملة ومعذور وسلمى أن يلحقوا بخالد بالأبلة‏.‏

فقدم خالد ومعه عشرة آلاف مقاتل وكان مع المثنى وأصحابه ثمانية آلاف‏.‏

ولما قدم خالد فرق جنده ثلاث فرق ولم يحملهم على طريق واحد على مقدمته المثنى وبعده عدي بن حاتم وجاء خالد بعدهما ووعدهما الحفير ليصادموا عدوهم وكان ذلك الفرج أعظم فروج فارس وأشدها شوكة فكان صاحبه أسوار اسمه هرمز فكان يحارب العرب في البر والهند في البحر‏.‏ فلما سمع هرمز بهم كتب إلى أردشير الملك بالخبر وتعجل هو إلى الكواظم في سرعان أصحابه ليتلقى خالدًا فسمع أنهم تواعدوا الحفير فسبقهم إليه ونزل به وجعل على مقدمته قباذ وأنوشجان وكانا من أولاد أردشير الأكبر واقترنوا في السلاسل لئلا يفروا فسمع بهم خالد فمال بالناس إلى كاظمة فسبقه هرمز إليها وكان سيء المجاورة للعرب فكلهم عليه حنقٌ وكانوا يضربونه مثلًا في الخبث فيقولون‏:‏ أكفر من هرمز‏.‏

وقدم خالد فنزل على غير ماء فقال له أصحاب في ذلك‏:‏ ما تفعل فقال لهم‏:‏ لعمري ليصيرن الماء لأصبر الفريقين فحطوا أثقالهم وتقدم خالد إلى الفرس فلاقاهم وأرسل الله سحابة فأإدرت وراء صف المسلمين فقويت قلوبهم وخرج هرمز ودعا خالدًا إلى البراز وأوطأ أصحابه على الغدر بخالد فبرز إليه خالد ومشى نحوه راجلًا ونزل هرمز أيضًا وتضاربا فاحتضنه خالد وحمل أصحاب هرمز فما شغله ذلك عن قتله وحمل القعقاع بن عمرو فأزاحهم وانهزم أهل فارس وركبهم المسلمون وسميت الوقعة ذات السلاسل ونجا قباذ وأنوشجان.

وأخذ خالد سلب هرمز وكانت قلنسوته بمائة ألف لأنه كان قد تم شرفه في الفرس وكانت هذه عادتهم إذا تم شرف الإنسان تكون قلنسوته بمائة ألف‏.‏

وبعث خالد بالفتح والأخماس إلى أبي بكر وسار حتى نزل بموضع الجسر الأعظم بالبصرة وبعث المثنى بن حارثة في آثارهم وأرسل معقل بن مقرن إلى الأبلة ففتحها فجمع الأموال بها والسبي‏.‏

وهذا القول خلاف ما يعرفه أهل النقل لأن فتح الأبلة كان على يد عتبة ابن غزوان أيام عمر بن الخطاب سنة أربع عشرة‏.‏

وحاصر المثنى بن حارثة حصن المرأة ففتحه وأسلمت ولم يعرض خالد وأصحابه إلى الفلاحين لأن أبا بكر أمرهم بذلك‏.‏

لما وصل كتاب هرمز إلى أردشير بخبر خالد أمده بقارن بن قريانس فلما انتهى إلى المذار لقيه المنهزمون فاجتمعوا ورجعوا ومعهم قباذ وأنوشجان ونزلوا الثني وهو النهر وسار إليهم خالد فلقيهم واقتتلوا فبرز قارن فقتله معقل بن الأعشى بن النباش وقتل عاصم أنوشجان وقتل عدي ابن حاتم قباذ وكان شرف قارن قد انتهى‏.‏

ولم يقاتل المسلمون بعده أحدًا انتهى شرفه وقتل من الفرس مقتلة عظيمة يبلغون ثلاثين ألفًا سوى من غرق ومنعت المياه المسلمين من طلبهم‏.‏

وقسم الفيء وأنفذ الأخماس إلى المدينة وأعطى الأسلاب من سلبها وكانت الغنيمة عظيمة وسبى عيالات المقاتلة وأخذ الجزية من الفلاحين وصاروا ذمةً‏.‏

وكان في السبي أبو الحسن البصري وكان نصرانيًا وأمر على الجند سعيد بن النعمان وعلى الحرز سويد بن مقرن المزني وأمره بنزول الحفير وأقام بتجسس الأخبار”‏.‏