موقعة الجمل

موقعة الجمل

موقعة الجمل هي معركة وقعت في البصرة عام 36 هـ بين قوات أمير المؤمنين علي ابن أبي طالب والجيش الذي يقوده الصحابيان طلحة بن عبيد الله والزبير بن العوام بالإضافة إلى أم المؤمنين السيدة عائشة التي قيل أنها ذهبت مع جيش المدينة في هودج من حديد على ظهر جمل، وسميت المعركة بالجمل نسبة إلى هذا الواقع.

ورد في “البداية والنهاية” لابن كثير:

” لما وقع قتل عثمان بعد أيام التشريق، كان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم أمهات المؤمنين قد خرجن إلى الحج في هذا العام فراراً من الفتنة، فلما بلغ الناس أن عثمان قد قتل، أقمن بمكة بعد ما خرجوا منها، ورجعوا إليها وأقاموا بها، وجعلوا ينتظرون ما يصنع الناس ويتجسسون الأخبار‏.‏

فلما بويع لعلي وصار حظ الناس عنده بحكم الحال وغلبة الرأي، لا عن اختيار منه لذلك رؤس أولئك الخوارج الذين قتلوا عثمان مع أن علياً في نفس الأمر يكرههم، ولكنه تربص بهم الدوائر، ويود لو تمكن منهم ليأخذ حق الله منهم، ولكن لما وقع الأمر هكذا واستحوذوا عليه، وحجبوا عنه علية الصحابة فر جماعة من بني أمية وغيرهم إلى مكة، واستأذنه طلحة والزبير في الاعتمار، فأذن لهما فخرجا إلى مكة، وتبعهم خلق كثير وجم غفير‏.‏

وكان علي لما عزم على قتال أهل الشام قد ندب أهل المدينة إلى الخروج معه فأبوا عليه، فطلب عبد الله بن عمر بن الخطاب وحرضه على الخروج معه‏.‏

فقال‏:‏ إنما أنا رجل من أهل المدينة، إن خرجوا خرجت على السمع والطاعة، ولكن لا أخرج للقتال في هذا العام، ثم تجهز ابن عمر وخرج إلى مكة، وقدم إلى مكة أيضاً في هذا العام يعلى بن أمية من اليمن – وكان عاملاً عليها لعثمان – ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم، وقدم لها عبد الله بن عامر من البصرة، وكان نائبها لعثمان، فاجتمع فيها خلق من سادات الصحابة وأمهات المؤمنين‏.‏

فقامت عائشة رضي الله عنها في الناس تخطبهم وتحثهم على القيام بطلب دم عثمان، وذكرت ما افتات به أولئك من قتله في بلد حرام وشهر حرام، ولم يراقبوا جوار رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد سفكوا الدماء وأخذوا الأموال، فاستجاب الناس لها، وطاوعوها على ما تراه من الأمر بالمصلحة، وقالوا لها‏:‏ حيثما ما سرت سرنا معك‏.‏

فقال قائل‏:‏ نذهب إلى الشام‏.‏

فقال بعضهم‏:‏ إن معاوية قد كفاكم أمرها، ولو قدموها لغلبوا، واجتمع الأمر كله لهم، لأن أكابر الصحابة معهم‏.‏

وقال آخرون‏:‏ نذهب إلى المدينة فنطلب من علي أن يسلم إلينا قتلة عثمان فيقتلوا‏.‏

وقال آخرون‏:‏ بل نذهب إلى البصرة فنتقوى من هنالك بالخيل والرجال، ونبدأ بمن هناك من قتلة عثمان‏.‏

فاتفق الرأي على ذلك، وكان بقية أمهات المؤمنين قد وافقن عائشة على المسير إلى المدينة‏.‏

فلما اتفق الناس على المسير إلى البصرة رجعن عن ذلك، وقلن لا نسير إلى غير المدينة، وجهز الناس يعلى بن أمية فأنفق فيهم ستمائة بعير وستمائة ألف درهم وجهزهم ابن عامر أيضاً بمال كثير‏.‏

وكانت حفصة بنت عمر أم المؤمنين قد وافقت عائشة على المسير إلى البصرة، فمنعها أخوها عبد الله من ذلك، وأبى هو أن يسير معهم إلى غير المدينة، وسار الناس صحبة عائشة في ألف فارس‏.‏

وقيل‏:‏ تسعمائة فارس من أهل المدينة ومكة، وتلاحق بهم آخرون، فصاروا في ثلاثة آلاف، وأم المؤمنين عائشة تحمل في هودج على جمل اسمه عسكر اشتراه يعلى بن أمية من رجل من عرينة بمائتي دينار، وقيل‏:‏ بثمانين ديناراً، وقيل‏:‏ غير ذلك‏.‏

وسار معها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق ففارقنها هنالك وبكين للوداع، وتباكى الناس، وكان ذلك اليوم يسمى يوم النحيب‏.‏

وسار الناس قاصدين البصرة، وكان الذي يصلي بالناس عن أمر عائشة ابن أختها عبد الله بن الزبير، ومروان بن الحكم يؤذن للناس في أوقات الصلوات، وقد مروا في مسيرهم ليلاً بماء يقال له الحوأب فنبحتهم كلاب عنده، فلما سمعت ذلك عائشة قالت‏:‏ ما اسم هذا المكان‏؟‏

قالوا‏:‏ الحوأب، فضربت بإحدى يديها على الأخرى، وقالت‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون ما أظنني إلا راجعة‏.‏

قالوا‏:‏ ولم‏؟‏

قالت‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ لنسائه‏:‏ ‏(‏‏(‏ليت شعري أيتكن التي تنبحها كلاب الحوأب‏)‏‏)‏‏.‏

ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته، وقالت‏:‏ ردوني ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب‏.‏

وقد أوردنا هذا الحديث بطرقه وألفاظه في ‏(‏دلائل النبوة‏)‏ كما سبق، فأناخ الناس حولها يوماً وليلة‏.‏

وقال لها عبد الله بن الزبير‏:‏ إن الذي أخبرك أن هذا ماء الحوأب قد كذب، ثم قال الناس‏:‏ النجا النجا، هذا جيش علي بن أبي طالب قد أقبل، فارتحلوا نحو البصرة، فلما اقتربت من البصرة، كتبت إلى الأحنف بن قيس وغيره من رؤوس الناس‏:‏ أنها قد قدمت، فبعث عثمان بن حنيف عمران بن حصين وأبا الأسود الدؤلي إليها ليعلما ما جاءت له، فلما قدما عليها سلما عليها واستعلما منها ما جاءت له، فذكرت لهما ما الذي جاءت له من القيام بطلب دم عثمان، لأنه قتل مظلوماً في شهر حرام وبلد حرام‏.‏

وتلت قوله تعالى‏:‏ ‏{‏لَا خَيْرَ فِي كَثِيرٍ مِنْ نَجْوَاهُمْ إِلَّا مَنْ أَمَرَ بِصَدَقَةٍ أَوْ مَعْرُوفٍ أَوْ إِصْلَاحٍ بَيْنَ النَّاسِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ ابْتِغَاءَ مَرْضَاةِ اللَّهِ فَسَوْفَ نُؤْتِيهِ أَجْراً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 114‏]‏ فخرجا من عندها فجاءا إلى طلحة، فقالا له‏:‏ ما أقدمك‏؟‏

فقال‏:‏ الطلب بدم عثمان‏.‏

فقالا‏:‏ ما بايعت علياً‏؟‏

قال‏:‏ بلى والسيف على عنقي، ولا أستقبله إن هو لم يخل بيننا وبين قتلة عثمان‏.‏

فذهبا إلى الزبير فقال‏:‏ مثل ذلك‏.‏

قال‏:‏ فرجع عمران وأبو الأسود إلى عثمان بن حنيف، فقال أبو الأسود‏:‏

              يا ابن الأحنف قد أتيت فانفر * وطاعن القوم وجالد واصبر

                              واخرج لهم مستلثماً وشمر *

 

فقال عثمان بن حنيف‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون دارت رحا الإسلام ورب الكعبة، فانظروا بأي زيفان نزيف‏.‏

فقال عمران‏:‏ إي والله لتعركنكم عركاً طويلاً، يشير عثمان بن حنيف إلى حديث ابن مسعود مرفوعاً‏:‏ ‏(‏‏(‏تدور رحا الإسلام لخمس وثلاثين‏)‏‏)‏ الحديث كما تقدم‏.‏

ثم قال عثمان بن حنيف لعمران بن حصين‏:‏ أشر علي‏.‏

فقال‏:‏ اعتزل، فإني قاعد في منزلي، أو قال قاعد على بعيري فذهب، فقال عثمان‏:‏ بل أمنعهم حتى يأتي أمير المؤمنين، فنادى في الناس يأمرهم بلبس السلاح، والاجتماع في المسجد فاجتمعوا، فأمرهم بالتجهز، فقام رجل وعثمان على المنبر فقال‏:‏ أيها الناس، إن كان هؤلاء القوم جاؤوا خائفين فقد جاؤوا من بلد يأمن فيه الطير، وإن كانوا جاؤوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقتلته، فأطيعوني وردوهم من حيث جاؤوا‏.‏

فقام الأسود بن سريع السعدي فقال‏:‏ إنما جاؤوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا، فحصبه الناس، فعلم عثمان بن حنيف أن لقتلة عثمان بالبصرة أنصاراً، فكره ذلك، وقدمت أم المؤمنين بمن معها من الناس، فنزلوا المربد من أعلاه قريباً من البصرة، وخرج إليها من أهل البصرة من أراد أن يكون معها، وخرج عثمان بن حنيف بالجيش فاجتمعوا بالمربد، فتكلم طلحة – وكان على الميمنة – فندب إلى الأخذ بثأر عثمان، والطلب بدمه، وتابعه الزبير فتكلم بمثل مقالته فرد عليهما ناس من جيش عثمان بن حنيف، وتكلمت أم المؤمنين فحرضت وحثت على القتال، فتناور طوائف من أطراف الجيش فتراموا بالحجارة‏.‏

ثم تحاجز الناس ورجع كل فريق إلى حوزته، وقد صارت طائفة من جيش عثمان بن حنيف إلى جيش عائشة فكثروا، وجاء حارثة بن قدامة السعدي فقال‏:‏ يا أم المؤمنين‏!‏ والله لقتل عثمان أهون من خروجك من بيتك على هذا الجمل عرضة للسلاح، إن كنت أتيتينا طائعة فارجعي من حيث جئت إلى منزلك، وإن كنت أتيتينا مكرهة، فاستعيني بالناس في الرجوع‏.‏

وأقبل حكيم بن جبلة – وكان على خيل عثمان بن حنيف – فأنشب القتال وجعل أصحاب أم المؤمنين يكفون أيديهم ويمتنعون من القتال، وجعل حكيم يقتحم عليهم فاقتتلوا على فم السكة‏.‏

وأمرت عائشة أصحابها فتيامنوا حتى انتهوا إلى مقبرة بني مازن، وحجز الليل بينهم، فلما كان اليوم الثاني قصدوا للقتال، فاقتتلوا قتالاً شديداً، إلى أن زال النهار، وقتل خلقٌ كثير من أصحاب ابن حنيف، وكثرت الجراح في الفريقين، فلما عضتهم الحرب تداعوا إلى الصلح على أن يكتبوا بينهم كتاباً، ويبعثوا رسولاً إلى أهل المدينة يسأل أهلها، إن كان طلحة والزبير أكرها على البيعة‏.‏

خرج عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها، وإن لم يكونا أكرها على البيعة خرج طلحة والزبير عنها وأخلوها لهم، وبعثوا بذلك كعب بن سور القاضي، فقدم المدينة يوم الجمعة، فقام في الناس فسألهم‏:‏

هل بايع طلحة والزبير طائعين أو مكرهين‏؟‏ فسكت الناس فلم يتكلم إلا أسامة بن زيد‏.‏

فقال‏:‏ بل كانا مكرهين، فثار إليه بعض الناس، فأرادوا ضربه فحاجف دونه صهيب، وأبو أيوب، وجماعة حتى خلصوه، وقالوا له‏:‏ ما وسعك ما وسعنا من السكوت ‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ لا والله ما كنت أرى أن الأمر ينتهي إلى هذا، وكتب علي إلى عثمان بن حنيف، يقول له‏:‏ إنهما لم يكرها على فرقة، ولقد أكُرها على جماعة وفضل، فإن كانا يريدان الخلع فلا عذر لهما، وإن كانا يريدان غير ذلك نظرا ونظرنا، وقد كعب بن سور على عثمان بكتاب علي، فقال عثمان‏:‏ هذا أمر آخر غير ما كنا فيه‏.‏

وبعث طلحة والزبير إلى عثمان بن حنيف أن يخرج إليهما فأبى، فجمعا الرجال في ليلة مظلمة وشهدا بهم صلاة العشاء في المسجد الجامع، ولم يخرج عثمان بن حنيف تلك الليلة، فصلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد، ووقع من رعاع الناس من أهل البصرة كلام وضرب، فقُتل منهم نحواً من أربعين رجلاً، ودخل الناس على عثمان بن حنيف قصره فأخرجوه إلى طلحة والزبير، ولم يبق في وجهه شعرة إلا نتفوها، فاستعظما ذلك‏.‏

وبعثا إلى عائشة، فأعلماها الخبر، فأمرت أن تخلي سبيله فأطلقوه، وولوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر، وقسم طلحة والزبير أموال بيت المال في الناس، وفضلوا أهل الطاعة وأكب عليهم الناس يأخذون أرزاقهم وأخذوا الحرس، واستبدوا في الأمر بالبصرة، فحمى لذلك جماعة من قوم قتلة عثمان وأنصارهم‏.‏

فركبوا في جيش قريب من ثلاثمائة، ومقدمهم حكيم بن جبلة، وهو أحد من باشر قتل عثمان، فبارزوا وقاتلوا، فضرب رَجل رجل حكيم بن جبلة فقطعها فزحف حتى أخذها وضرب بها ضاربه فقتله، ثم اتكأ عليه، وجعل يقول‏:‏

                                    يا ساق لن تراعي * إن لك ذراعي

                                             أحمى بها كراعي

 

وقال أيضاً‏:‏

                             ليس على أن أموت عار * والعار في الناس هو الفرارُ

                                              والمجد لا يفضحه الدمار

 

فمر عليه رجل وهو متكئ برأسه على ذلك الرجل، فقال له‏:‏ من قتلك‏؟‏

فقال له‏:‏ وسادتي‏.‏

ثم مات حكيم قتيلاً، هو ونحواً من سبعين من قتلة عثمان، وأنصارهم أهل المدينة، فضعف جأش من خالف طلحة والزبير من أهل البصرة‏.‏

ويقال‏:‏ إن أهل البصرة بايعوا طلحة والزبير، وندب الزبير ألف فارس يأخذها معه ويلتقي بها علياً قبل أن يجيء فلم يجبه أحد، وكتبوا بذلك إلى أهل الشام يبشرونهم بذلك، وقد كانت هذه الوقعة لخمس ليال يقين من ربيع الآخرة سنة ست وثلاثين‏.‏

وقد كتبت عائشة إلى زيد بن صوحان تدعوه إلى نصرتها والقيام معها، فإن لم يجيء فليكف يده، وليلزم منزله، أي‏:‏ لا يكون عليها ولا لها، فقال‏:‏ أنا في نصرتك ما دمت في منزلك، وأبى أن يطيعها في ذلك‏.‏

وقال‏:‏ رحم الله أم المؤمنين، أمرها الله أن تلزم بيتها، وأمرنا أن نقاتل، فخرجت من منزلها، وأمرتنا بلزوم بيوتنا التي كانت هي أحق بذلك منا‏.‏

وكتبت عائشة إلى أهل اليمامة والكوفة بمثل ذلك‏.‏

مسير علي بن أبي طالب من المدينة إلى البصرة بدلاً من الشام

بعد أن كان قد تجهز قاصداً الشام كما ذكرنا، فلما بلغه قصد طلحة والزبير البصرة، خطب الناس وحثهم على المسير إلى البصرة ليمنع أولئك من دخولها إن أمكن، أو يطردهم عنها إن كانوا قد دخلوها، فتثاقل عنه أكثر أهل المدينة، واستجاب له بعضهم‏.‏

قال الشعبي‏:‏ مما نهض معه في هذا الأمر غير ستة نفر من البدريين ليس لهم سابع، وقال غيره‏:‏ أربعة‏.‏

وذكر ابن جرير وغيره قال‏:‏ كان ممن استجاب له من كبار الصحابة‏:‏ أبو الهيثم بن التيهان، وأبو قتادة الأنصاري، وزياد بن حنظلة، وخزيمة بن ثابت‏.‏

قالوا‏:‏ وليس بذي الشهادتين، ذاك مات في زمن عثمان رضي الله عنه‏.‏

وسار على من المدينة نحو البصرة على تعبئته المتقدم ذكرها، غير أنه استخلف على المدينة تمام بن عباس وعلى مكة قثم بن عباس، وذلك في آخر شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين‏.‏

وخرج علي من المدينة في نحو من تسعمائة مقاتل، وقد لقي عبد الله بن سلام رضي الله عنه علياً وهو بالربذة فأخذ بعنان فرسه‏.‏

وقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، لا تخرج منها فوالله لئن خرجت منها لا يعود إليها سلطان المسلمين أبداً، فسبه بعض الناس‏.‏

فقال علي‏:‏ دعوه فنعم الرجل من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء الحسن بن علي إلى أبيه في الطريق‏.‏

فقال‏:‏ لقد نهيتك فعصيتني تقتل غداً بمضيعة لا ناصر لك‏.‏

فقال له علي‏:‏ إنك لا تزال تحن على حنين الجارية، وما الذي نهيتني عنه فعصيتك ‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ ألم آمرك قبل مقتل عثمان أن تخرج منها لئلا يقتل وأنت بها، فيقول قائل‏:‏ أو يتحدث متحدث، ألم آمرك أن لا تبايع الناس بعد قتل عثمان حتى يبعث إليك أهل كل مصر ببيعتهم‏؟‏ وأمرتك حين خرجت هذه المرأة وهذان الرجلان أن تجلس في بيتك حتى يصطلحوا فعصيتني في ذلك كله ‏؟‏‏.‏

فقال له علي‏:‏ أما قولك أن أخرج قبل مقتل عثمان، فلقد أحيط بنا كما أحيط به، وأما مبايعتي قبل مجيء بيعة الأمصار، فكرهت أن يضيع هذا الأمر، وأما أن أجلس وقد ذهب هؤلاء إلى ما ذهبوا إليه، فتريد مني أن أكون كالضبع التي يحاط بها، ويقال‏:‏ ليست هاهنا حتى يشق عرقوبها فتخرج، فإذا لم أنظر فيما يلزمني في هذا الأمر ويعنيني، فمن ينظر فيه‏؟‏ فكف عني يا بني‏.‏

ولما انتهى إليه خبر ما صنع القوم بالبصرة من الأمر الذي قدمنا، كتب إلى أهل الكوفة مع محمد بن أبي بكر، ومحمد بن جعفر‏:‏ إني قد اخترتكم على الأمصار، فرغبت إليكم وفزغت لما حدث، فكونوا لدين الله أعواناً وأنصاراً، وأيدونا وانهضوا إلينا، فالإصلاح نريد لتعود هذه الأمة إخواناً‏.‏

فمضيا، وأرسل إلى المدينة فأخذ ما أراد من سلاح ودواب، وقام في الناس خطيباً، فقال‏:‏ إن الله أعزنا بالإسلام ورفعنا به، وجعلنا به إخواناً، بعد ذلة وقلة وتباغض وتباعد، فجرى الناس على ذلك ما شاء الله، الإسلام دينهم، والحق قائم بينهم، والكتاب إمامهم، حتى أصيب هذا الرجل بأيدي هؤلاء القوم الذين نزغهم الشيطان لينزغ بين هذه الأمة، ألا وإن هذه الأمة لا بد مفترقة كما افترقت الأمم قبلها، فنعوذ بالله من شر ما هو كائن‏.‏

ثم عاد ثانية فقال‏:‏ إنه لا بد مما هو كائن أن يكون، ألا وإن هذه الأمة ستفترق على ثلاث وسبعين فرقة، شرها فرقة تحبني ولا تعمل بعملي، وقد أدركتم ورأيتم فالزموا دينكم، واهتدوا بهديي فإنه هدى نبيكم، واتبعوا سنته وأعرضوا عما أشكل عليكم حتى تعرضوه الكتاب، فما عرفه القرآن فالزموه، وما أنكره فردوه، وارضوا بالله رباً، وبالإسلام ديناً، وبمحمد نبياً، وبالقرآن حكماً وإماماً‏.‏

قال‏:‏ فلما عزم على المسير من الربذة قام إليه ابن أبي رفاعة بن رافع فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، أي شيء تريد‏؟‏ وأين تذهب بنا ‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ أما الذي نريد وننوي، فالإصلاح إن قبلوا منا وأجابوا إليه‏.‏

قال‏:‏ فإن لم يجيبوا إليه ‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ ندعهم بغدرهم ونعطيهم الحق ونصبر‏.‏

قال‏:‏ فإن لم يرضوا ‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ ندعهم ما تركونا‏.‏

قال‏:‏ فإن لم يتركونا ‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ امتنعنا منهم‏.‏

قال‏:‏ فنعم إذا‏.‏

فقام إليه الحجاج بن غزية الأنصاري‏.‏

فقال‏:‏ لأرضينك بالفعل كما أرضيتني بالقول، والله لينصرني الله كما سمانا أنصاراً‏.‏

قال‏:‏ وأتت جماعة من طيء، وعلي الربذة‏.‏

فقيل له‏:‏ هؤلاء جماعة جاؤوا من طيء منهم من يريد الخروج معك ومنهم من يريد السلام عليك‏.‏

فقال‏:‏ جزى الله كلاً خيراً، ‏{‏وَفَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى الْقَاعِدِينَ أَجْراً عَظِيماً‏}‏ ‏[‏النساء‏:‏ 95‏]‏‏.‏

قالوا‏:‏ فسار علي من الربذة على تعبئته، وهو راكب ناقة حمراء يقود فرساً كميتاً، فلما كان بفيد جاءه جماعة من أسد وطيء، فعرضوا أنفسهم عليه‏.‏

فقال‏:‏ فيمن معي كفاية، وجاء رجل من أهل الكوفة يقال له‏:‏ عامر بن مطر الشيباني‏.‏

فقال له علي‏:‏ ما وراءك ‏؟‏‏.‏

فأخبره الخبر، فسأله عن أبي موسى، فقال‏:‏ إن أردت الصلح فأبو موسى صاحبه، وإن أردت القتال فليس بصاحبه‏.‏

فقال علي‏:‏ والله ما أريد إلا الصلح ممن تمرد علينا، وسار‏.‏

فلما اقترب من الكوفة وجاءه الخبر بما وقع من الأمر على جليته، من قتل ومن إخراج عثمان بن حنيف من البصرة وأخذهم أموال بيت المال، جعل يقول‏:‏ اللهم عافني مما ابتليت به طلحة والزبير‏.‏

فلما انتهى إلى ذي قار أتاه عثمان بن حنيف مهشماً وليس في وجهه شعرة‏.‏

فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين، بعثتني إلى البصرة، وأنا ذو لحية، وقد جئتك أمرداً‏.‏

فقال‏:‏ أصبت خيراً وأجراً‏.‏

وقال عن طلحة والزبير‏:‏ اللهم احلل ما عقدا، ولا تبرم ما أحكما في أنفسهما، وأرهما المساءة فيما قد عملاً – يعني‏:‏ في هذا الأمر – وأقام علي بذي قار ينتظر جواب ما كتب به مع محمد بن أبي بكر، وصاحبه محمد بن جعفر – وكانا قد قدما بكتابه على أبي موسى وقاما في الناس بأمره – فلم يجابا في شيء‏.‏

فلما أمسوا دخل أناس من ذوي الحجبى على أبي موسى يعرضون عليه الطاعة لعلي، فقال‏:‏ كان هذا بالأمس فغضب محمد ومحمد فقالا له قولاً غليظاً‏.‏

فقال لهما‏:‏ والله إن بيعة عثمان لفي عنقي وعنق صاحبكما، فإن لم يكن بد من قتال فلا نقاتل أحداً حتى نفرغ من قتلة عثمان حيث كانوا ومن كانوا، فانطلقا إلى علي فأخبراه الخبر وهو بذي قار، فقال للأشتر‏:‏

أنت صاحب أبي موسى، والمعرض في كل شيء، فاذهب أنت وابن عباس فأصلح ما أفسدت، فخرجا فقدما الكوفة وكلما أبا موسى واستعانا عليه بنفر من الكوفة، فقام في الناس‏.‏

فقال‏:‏ أيها الناس، إن أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم الذين صحبوه أعلم بالله ورسوله ممن لم يصحبه، وإن لكم علينا حقاً وأنا مؤد إليكم نصيحة، كان الرأي أن لا تستخفا بسلطان الله وأن لا تجترئوا على أمره‏.‏

وهذه فتنة النائم فيها خير من اليقظان، واليقظان خير من القاعد، والقاعد خير من القائم، والقائم خير من الراكب، والراكب خير من الساعي، فاغمدوا السيوف وانصلوا الأسنة، واقطعوا الأوتار، وأووا المضطهد والمظلوم حتى يلتئم هذا الأمر، وتنجلي هذه الفتنة‏.‏

فرجع ابن عباس والأشتر إلى علي، فأخبراه الخبر، فأرسل الحسن وعمار بن ياسر، وقال لعمار‏:‏ انطلق فأصلح ما أفسدت فانطلقا حتى دخلا المسجد، فكان أول من سلم عليهما مسروق بن الأجدع‏.‏

فقال لعمار‏:‏ علام قتلتم عثمان‏؟‏

فقال‏:‏ على شتم أعراضنا، وضرب أبشارنا‏.‏

فقال‏:‏ والله ما عاقبتم بمثل ما عوقبتم به، ولو صبرتم لكان خيراً للصابرين‏.‏

قال‏:‏ وخرج أبو موسى، فلقي الحسن بن علي فضمه إليه، وقال لعمار‏:‏ يا أبا اليقظان، أعدوت على أمير المؤمنين عثمان قتلته ‏؟‏‏.‏

فقال‏:‏ لم أفعل، ولم يسؤني ذلك، فقطع عليهما الحسن بن علي‏.‏

فقال لأبي موسى‏:‏ لم تثبط الناس عنا، فوالله ما أردنا إلا الإصلاح، ولا مثل أمير المؤمنين يخاف على شيء‏.‏

فقال‏:‏ صدقت بأبي وأمي، ولكن المستشار مؤتمن، سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنها ستكون فتنة القاعد فيها خير من القائم، والقائم خير من الماشي، والماشي خير من الراكب‏)‏‏)‏ وقد جعلنا الله إخواناً، وحرم علينا دماءنا وأموالنا‏.‏

فغضب عمار وسبه، وقال‏:‏ يا أيها الناس، إنما قال له رسول الله صلى الله عليه وسلم وحده أنت فيها قاعداً خير منك قائماً‏.‏

فغضب رجل من بني تميم لأبي موسى ونال من عمار، وثار آخرون وجعل أبو موسى يكفكف الناس، وكثر اللغط، وارتفعت الأصوات، وقال أبو موسى‏:‏

أيها الناس أطيعوني، وكونوا خير قوم من خير أمم العرب، يأوي إليهم المظلوم، ويأمن فيهم الخائف، وإن الفتنة إذا أقبلت شبهت، وإذ أدبرت تبينت، ثم أمر الناس بكف أيديهم، ولزوم بيوتهم‏.‏

فقام زيد بن صوحان فقال‏:‏ أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين، وسيد المسلمين، سيروا إليه أجمعون‏.‏

فقام القعقاع بن عمرو فقال‏:‏ إن الحق ما قاله الأمير، ولكن لا بد للناس من أمير يردع الظالم، ويعدي المظلوم، وينتظم به شمل الناس، وأمير المؤمنين علي وليَ بما وليَ وقد أنصف بالدعاء، وإنما يريد الإصلاح، فانفروا إليه‏.‏

وقام عبد خير، فقال‏:‏ الناس أربع فرق، علي بمن معه في ظاهر الكوفة، وطلحة، والزبير بالبصرة، ومعاوية بالشام، وفرقه بالحجاز لا تقاتل ولا عناء بها‏.‏

فقال أبو موسى‏:‏ أولئك خير الفرق، وهذه فتنة‏.‏

ثم تراسل الناس في الكلام ثم قام عمار، والحسن بن علي في الناس علي المنبر يدعوان الناس إلى النفير إلى أمير المؤمنين، فإنه إنما يريد الإصلاح بين الناس‏.‏

وسمع عمار رجلاً يسب عائشة فقال‏:‏ اسكت مقبوحاً منبوحاً، والله إنها لزوجة رسول الله صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة، ولكن الله ابتلاكم بها ليعلم أتطيعوه أو إياها، رواه البخاري‏.‏

وقام حجر بن عدي فقال‏:‏ أيها الناس، سيروا إلى أمير المؤمنين‏:‏ ‏{‏انْفِرُوا خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُوا بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 41‏]‏ وجعل الناس كلما قام رجل فحرض الناس على النفير يثبطهم أبو موسى من فوق المنبر، وعمار، والحسن معه على المنبر، حتى قال له الحسن بن علي‏:‏ ويحك‏!‏ اعتزلنا لا أم لك، ودع منبرنا‏.‏

ويقال‏:‏ إن علياً بعث الأشتر فعزل أبا موسى عن الكوفة، وأخرجه من قصر الإمارة من تلك الليلة، واستجاب الناس للنفير، فخرج مع الحسن تسعة آلاف في البر، وفي دجلة‏.‏

ويقال‏:‏ سار معه اثني عشر ألف رجل ورجل واحد، وقدموا على أمير المؤمنين فتلقاهم بذي قار إلى أثناء الطريق في جماعة، منهم‏:‏ ابن عباس فرحب بهم، وقال‏:‏ يا أهل الكوفة‏!‏ أنتم لقيتم ملوك العجم ففضضتم جموعهم، وقد دعوتكم لتشهدوا معنا إخواننا من أهل البصرة، فإن يرجعوا فذاك الذي نريده، وإن أبوا داويناهم بالرفق حتى يبدأونا بالظلم، ولم ندع أمراً فيه صلاح إلا آثرناه على ما فيه الفساد إن شاء الله تعالى‏.‏

فاجتمعوا عنده بذي قار، وكان من المشهورين من رؤساء من انضاف إلى علي‏:‏ القعقاع بن عمرو، وسعد بن مالك، وهند بن عمرو، والهيثم بن شهاب، وزيد بن صوحان، والأشتر، وعدي بن حاتم، والمسيب بن نجية، ويزيد بن قيس، وحجر بن عدي وأمثالهم‏.‏

وكانت عبد القيس بكمالها بين علي وبين البصرة ينتظرونه وهم ألوف، فبعث علي القعقاع رسولاً إلى طلحة والزبير بالبصرة يدعوهما إلى الألفة والجماعة، ويعظم عليهما الفرقة والاختلاف‏.‏

فذهب القعقاع إلى البصرة فبدأ بعائشة أم المؤمنين فقال‏:‏ أي أماه‏!‏ ما أقدمك هذا البلد‏؟‏

فقالت‏:‏ أي بني‏!‏ الإصلاح بين الناس‏.‏

فسألها أن تبعث إلى طلحة والزبير ليحضرا عندها فحضرا، فقال القعقاع‏:‏ إني سألت أم المؤمنين ما أقدمها‏؟‏ فقالت‏:‏ إنما جئت للإصلاح بين الناس‏.‏

فقالا‏:‏ ونحن كذلك‏.‏

قال‏:‏ فأخبراني ما وجه هذا الإصلاح‏؟‏ وعلى أي شيء يكون‏؟‏ فوالله لئن عرفناه لنصطلحن، ولئن أنكرناه لا نصطلحن‏.‏

قالا‏:‏ قتلة عثمان، فإن هذا إن ترك كان تركاً للقرآن‏.‏

فقال‏:‏ قتلتما قتلته من أهل البصرة، وأنتما قبل قتلهم أقرب منكم إلى الاستقامة منكم اليوم، قتلتم ستمائة رجل فغضب لهم ستة آلاف فاعتزلوكم، وخرجوا من بين أظهركم‏.‏

وطلبتم حرقوص بن زهير فمنعه ستة آلاف فإن تركتموهم وقعتم فيما تقولون، وإن قاتلتموهم فأديلوا عليكم كان الذي حذرتم، وفرقتم من هذا الأمر أعظم مما أراكم تدفعون وتجمعون منه – يعني‏:‏ أن الذي تريدونه من قتل قتلة عثمان مصلحة، ولكنه يترتب عليه مفسدة هي أربى منها – وكما أنكم عجزتم عن الأخذ بثأر عثمان من حرقوص بن زهير، لقيام ستة آلاف في منعه ممن يريد قتله، فعلي أعذر في تركه الآن قتل قتلة عثمان، وإنما أخر قتل قتلة عثمان إلى أن يتمكن منهم فإن الكلمة في جميع الأمصار مختلفة، ثم أعلمهم أن خلقاً من ربيعة ومضر قد اجتمعوا لحربهم بسبب هذا الأمر الذي وقع‏.‏

فقالت له عائشة أم المؤمنين‏:‏ فماذا تقول أنت‏؟‏

قال‏:‏ أقول‏:‏ إن هذا الأمر الذي وقع دواؤه التسكين، فإذا سكن اختلجوا، فإن أنتم بايعتمونا فعلامة خير، وتباشير رحمة، وإدراك الثأر، وإن أنتم أبيتم إلا مكابرة هذا الأمر وائتنافه كانت علامة شر، وذهاب هذا الملك، فآثروا العافية ترزقوها، وكونوا مفاتيح خير كما كنتم أولاً، ولا تعرضونا للبلاء، فتتعرضوا له، فيصرعنا الله وإياكم‏.‏

وأيم الله‏:‏ إني لأقول قولي هذا وأدعوكم إليه وإني لخائف أن لا يتم، حتى يأخذ الله حاجته من هذه الأمة التي قل متاعها، ونزل بها ما نزل، فإن هذا الأمر الذي قد حدث أمر عظيم، وليس كقتل الرجل الرجل، ولا النفر الرجل، ولا القبيلة القبيلة‏.‏

فقالوا‏:‏ قد أصبت وأحسنت، فارجع فإن قدم علي وهو على مثل رأيك صلح الأمر‏.‏

قال‏:‏ فرجع إلى علي فأخبره فأعجبه ذلك، وأشرف القوم على الصلح، كره ذلك من كرهه، ورضيه من رضيه‏.‏

وأرسلت عائشة إلى علي تعلمه أنها إنما جاءت للصلح، ففرح هؤلاء وهؤلاء، وقام علي في الناس خطيباً‏:‏ فذكر الجاهلية وشقاءها وأعمالها، وذكر الإسلام وسعادة أهله بالألفة والجماعة، وأن الله جمعهم بعد نبيه صلى الله عليه وسلم على الخليفة أبي بكر الصديق، ثم بعده على عمر بن الخطاب، ثم على عثمان، ثم حدث هذا الحدث الذي جرى على الأمة، أقوام طلبوا الدنيا وحسدوا من أنعم الله عليه بها، وعلى الفضيلة التي من الله بها، وأرادوا رد الإسلام والأشياء على أدبارها، والله بالغ أمره‏.‏

ثم قال‏:‏ ألا إني مرتحل غداً فارتحلوا، ولا يرتحل معي أحد أعان على قتل عثمان بشيء من أمور الناس‏.‏

فلما قال هذا اجتمع من رؤوسهم جماعة كالأشتر النخعي، وشريح بن أوفى، وعبد الله بن سبأ المعروف بابن السوداء، وسالم بن ثعلبة، وغلاب بن الهيثم، وغيرهم في ألفين وخمسمائة، وليس فيهم صحابي ولله الحمد‏.‏

فقالوا‏:‏ ما هذا الرأي وعلي والله أعلم بكتاب الله ممن يطلب قتلة عثمان، وأقرب إلى العمل بذلك، وقد قال ما سمعتم، غداً يجمع عليكم الناس، وإنما يريد القوم كلهم أنتم، فكيف بكم وعددكم قليل في كثرتهم‏؟‏

فقال الأشتر‏:‏ قد عرفنا رأي طلحة والزبير فينا، وأما رأي علي فلم نعرفه إلى اليوم، فإن كان قد اصطلح معهم فإنما اصطلحوا على دمائنا، فإن كان الأمر هكذا ألحقنا علياً بعثمان، فرضي القوم منا بالسكوت‏.‏

فقال ابن السوداء‏:‏ بئس ما رأيت، لو قتلناه قتلنا، فإنا يا معشر قتلة عثمان في ألفين وخمسمائة وطلحة والزبير وأصحابهما في خمسة آلاف، لا طاقة لكم بهم، وهم إنما يريدونكم‏.‏

فقال غلاب بن الهيثم‏:‏ دعوهم وارجعوا بنا حتى نتعلق ببعض البلاد فنمتنع بها‏.‏

فقال ابن السوداء‏:‏ بئس ما قلت، إذاً والله كان يتخطفكم الناس‏.‏

ثم قال ابن السوداء‏:‏ قبحه الله يا قوم، إن عيركم في خلطة الناس، فإذا التقى الناس فانشبوا الحرب والقتال بين الناس ولا تدعوهم يجتمعون، فمن أنتم معه لا يجد بداً من أي يمتنع، ويشغل الله طلحة والزبير ومن معهما عما يحبون، ويأتيهم ما يكرهون، فأبصروا الرأي وتفرقوا عليه، وأصبح علي مرتحلاً، ومر بعبد القيس فساروا من معه حتى نزلوا بالزاوية، وسار منها يريد البصرة وسار طلحة والزبير ومن معهما للقائه، فاجتمعوا عند قصر عبيد الله بن زياد، ونزل الناس كل في ناحية‏.‏

وقد سبق علي جيشه وهم يتلاحقون به، فمكثوا ثلاثة أيام والرسل بينهم، فكان ذلك للنصف من جمادى الآخرة سنة ست وثلاثين، فأشار بعض الناس على طلحة والزبير بانتهاز الفرصة، من قتلة عثمان فقالا‏:‏ إن علياً أشار بتسكين هذا الأمر، وقد بعثنا إليه بالمصالحة على ذلك‏.‏

وقام علي في الناس خطيباً، فقام إليه الأعور بن نيار المنقري، فسأله عن إقدامه على أهل البصرة، فقال‏:‏ الإصلاح وإطفاء الثائرة ليجتمع الناس على الخير، ويلتئم شمل هذه الأمة‏.‏

قال‏:‏ فإن لم يجيبونا‏؟‏

قال‏:‏ تركناهم ما تركونا‏.‏

قال‏:‏ فإن لم يتركونا‏؟‏

قال‏:‏ دفعناهم عن أنفسنا‏.‏

قال‏:‏ فهل لهم في هذا الأمر مثل الذي لنا‏؟‏

قال‏:‏ نعم ‏!‏‏.‏

وقام إليه أبو سلام الدالاني فقال‏:‏ هل لهؤلاء القوم حجة فيما طلبوا من هذا الدم إن كانوا أرادوا الله في ذلك‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

قال‏:‏ فهل لك من حجة في تأخيرك ذلك‏؟‏

قال‏:‏ نعم‏!‏

قال‏:‏ فما حالنا وحالهم إن ابتلينا غداً‏؟‏

قال‏:‏ إني لأرجو أن لا يقتل منا ومنهم أحد نقي قلبه لله إلا أدخله الله الجنة‏.‏

وقال في خطبته‏:‏ أيها الناس أمسكوا عن هؤلاء القوم أيديكم وألسنتكم، وإياكم أن يسبقونا غداً، فإن المخصوم غداً مخصوم اليوم .

وجاء في غضون ذلك الأحنف بن قيس في جماعة فانضاف إلى علي، وكان قد منع حرقوص بن زهير من طلحة والزبير، وكان قد بايع علياً بالمدينة، وذلك أنه قدم المدينة وعثمان محصور، فسأل عائشة وطلحة والزبير إن قتل عثمان من أبايع‏؟‏

فقالوا‏:‏ بايع علياً، فلما قتل عثمان بايع علياً‏.‏

قال‏:‏ ثم رجعت إلى قومي فجاءني بعد ذلك ما هو أفظع، حتى قال الناس‏:‏ هذه عائشة جاءت لتأخذ بدم عثمان، فحرت في أمري لمن أتبع، فمنعني الله بحديث سمعته من أبي بكر قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد بلغه أن الفرس قد ملكوا عليهم ابنة كسرى فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏لن يفلح قوم ولوا أمرهم امرأة‏)‏‏)‏‏.‏

وأصل هذا الحديث في ‏(‏صحيح البخاري‏)‏‏.‏

والمقصود‏:‏ أن الأحنف لما انحاز إلى علي ومعه ستة آلاف قوس، فقال لعلي‏:‏ إن شئت قاتلت معك، وإن شئت كففت عنك عشرة آلاف سيف، فقال‏:‏ اكفف عنا عشرة آلاف سيف‏.‏

ثم بعث علي إلى طلحة والزبير يقول‏:‏ إن كنتم على ما فارقتم عليه القعقاع بن عمرو فكفوا حتى ننزل فننظر في هذا الأمر، فأرسلا إليه في جواب رسالته‏:‏ إنا على ما فارقنا القعقاع بن عمرو من الصلح بين الناس، فاطمأنت النفوس وسكنت، واجتمع كل فريق بأصحابه من الجيشين، فلما أمسوا بعث علي عبد الله بن عباس إليهم، وبعثوا إليه محمد بن طليحة السجاد، وبات الناس بخير ليلة، وبات قتلة عثمان بشر ليلة، وباتوا يتشاورون وأجمعوا على أن يثيروا الحرب من الغلس، فنهضوا من قبل طلوع الفجر وهم قريب من ألفي رجل فانصرف كل فريق إلى قراباتهم، فهجموا عليهم بالسيوف، فثارت كل طائفة إلى قومهم ليمنعوهم‏.‏

وقام الناس من منامهم إلى السلاح فقالوا‏:‏ طرقتنا أهل الكوفة ليلاً، وبيتونا وغدروا بنا، وظنوا أن هذا عن ملأ من أصحاب علي، فبلغ الأمر علياً فقال‏:‏ ما للناس‏؟‏

فقالوا‏:‏ بيتنا أهل البصرة فثار كل فريق إلى سلاحه، ولبسوا اللأمة، وركبوا الخيول، ولا يشعر أحد منهم بما وقع الأمر عليه في نفس الأمر، وكان أمر الله قدراً مقدوراً، وقامت الحرب على ساق وقدم، وتبارز الفرسان، وجالت الشجعان فنشبت الحرب، وتوافق الفريقان، وقد اجتمع مع علي عشرون ألفاً، وألتف على عائشة ومن معها نحواً من ثلاثين ألفاً، فإنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏

والسابئة أصحاب ابن السوداء قبحه الله لا يفترون عن القتل، ومنادي علي ينادي‏:‏ ألا كفوا إلا كفوا، فلا يسمع أحد‏.‏

وجاء كعب بن سوار قاضي البصرة، فقال‏:‏ يا أم المؤمنين أدركي الناس لعل الله أن يصلح بك بين الناس، فجلست في هودجها فوق بعيرها وستروا الهودج بالدروع، وجاءت فوقفت بحيث تنظر إلى الناس عند حركاتهم، فتصاولوا وتجاولوا، وكان في جملة من تبارز الزبير وعمار، فجعل عمار ينخره بالرمح والزبير كاف عنه، ويقول له‏:‏ أتقتلني يا أبا اليقظان‏؟‏

فيقول‏:‏ لا يا أبا عبد الله، وإنما تركه الزبير لقول رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏، وإلا فالزبير أقدر عليه منه عليه، فلهذا كف عنه‏.‏

وقد كان من سنتهم في هذا اليوم أنه لا يذفف على جريح، ولا يتبع مدبر، وقد قتل مع هذا خلق كثير جداً، حتى جعل علي يقول لابنه الحسن‏:‏ يا بني ليت أباك مات قبل هذا اليوم بعشرين عاماً‏.‏

فقال له‏:‏ يا أبت قد كنت أنهاك عن هذا‏.‏

قال سعيد بن أبي عجرة، عن قتادة، عن الحسن، عن قيس بن عبادة قال‏:‏ قال علي يوم الجمل‏:‏ يا حسن ليت أباك مات منذ عشرين سنة‏.‏

فقال له‏:‏ يا أبه قد كنت أنهاك عن هذا‏.‏

قال‏:‏ يا بني إني لم أر أن الأمر يبلغ هذا‏.‏

وقال مبارك بن فضالة‏:‏ عن الحسن بن أبي بكرة‏:‏ لما اشتد القتال يوم الجمل، ورأى علي الرؤوس تندر، أخذ علي ابنه الحسن فضمه إلى صدره ثم قال‏:‏ إنا لله يا حسن‏!‏ أي‏:‏ خير يرجى بعد هذا، فلما ركب الجيشان وترآى الجمعان وطلب علي طلحة والزبير ليكلمهما فاجتمعوا حتى التفت أعناق خيولهم فيقال‏:‏ إنه قال لهما إني أراكما قد جمعتما خيلاً ورجالاً وعدداً، فهل أعددتما عذراً يوم القيامة‏؟‏ فاتقيا الله ولا تكونا كالتي نقضت غزلها من بعد قوة أنكاثاً، ألم أكن حاكماً في دمكما تحرمان دمي وأحرم دمكما، فهل من حديث أحل لكما دمي ‏؟‏

فقال طلحة‏:‏ ألبت على عثمان‏.‏

فقال علي‏:‏ ‏{‏يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ اللَّهُ دِينَهُمُ الْحَقَّ‏}‏ ‏[‏النور‏:‏ 25‏]‏‏.‏

ثم قال‏:‏ لعن الله قتلة عثمان، ثم قال‏:‏ يا طلحة‏!‏ أجئت بعرس رسول الله صلى الله عليه وسلم تقاتل بها، وخبأت عرسك في البيت، أما بايعتني‏؟‏

قال‏:‏ بايعتك والسيف على عنقي‏.‏

وقال للزبير‏:‏ ما أخرجك‏؟‏

قال‏:‏ أنت، ولا أراك بهذا الأمر أولى به مني‏.‏

فقال له علي‏:‏ أما تذكر يوم مررت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بني غنم فنظر إلي وضحك وضحكت إليه، فقلت‏:‏ لا يدع ابن أبي طالب زهوه، فقال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إنه ليس بمتمرد لتقاتلنه وأنت ظالم له‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الزبير‏:‏ اللهم نعم‏!‏ ولو ذكرت ما سرت مسيري هذا، ووالله لا أقاتلك‏.‏

وفي هذا السياق كله نظر‏.‏

والمحفوظ منه الحديث فقد رواه الحافظ أبو يعلى الموصلي فقال‏:‏ حدثنا أبو يوسف يعقوب بن إبراهيم الدوري، حدثنا أبو عاصم، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي، عن جده عبد الملك، عن أبي جرو المازني قال‏:‏ شهدت علياً والزبير حين تواقفا، فقال له علي‏:‏ يا زبير‏!‏ أنشدك الله أسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏إنك تقاتلني وأنت ظالم ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ نعم‏!‏ لم أذكره إلا في موقفي هذا، ثم انصرف‏.‏

وقد رواه البيهقي‏:‏ عن الحاكم، عن أبي الوليد الفقيه، عن الحسن بن سفيان، عن قطن بن بشير، عن جعفر بن سليمان، عن عبد الله بن محمد بن عبد الملك بن مسلم الرقاشي، عن جده، عن أبي جرو المازني، عن علي والزبير به‏.‏

وقال عبد الرزاق‏:‏ أنا معمر، عن قتادة قال‏:‏ لما ولي الزبير يوم الجمل بلغ علياً فقال‏:‏ لو كان ابن صفية يعلم أنه على حق ما ولي، وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لقيهما في سقيفة بني ساعدة فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏أتحبه يا زبير‏؟‏

فقال‏:‏ وما يمنعني‏؟‏

قال‏:‏ فكيف بك إذا قاتلته وأنت ظالم له ‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ فيرون أنه إنما ولي لذلك‏.‏

قال البيهقي‏:‏ وهذا مرسل وقد روي موصولاً من وجه آخر‏.‏

أخبرنا أبو بكر محمد بن الحسن القاضي، أنا أبو عامر بن مطر، أنا أبو العباس عبد الله بن محمد بن سوار الهاشمي الكوفي، أنا منجاب بن الحارث، ثنا عبد الله بن الأجلح، ثنا أبي، عن مرثد الفقيه، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏ وسمعت فضل بن فضالة يحدث، عن حرب بن أبي الأسود الدؤلي – دخل حديث أحدهما في حديث صاحبه – قال‏:‏ لما دنا علي وأصحابه من طلحة والزبير، ودنت الصفوف بعضها من بعض، خرج علي وهو على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم فنادى‏:‏ ادعوا لي الزبير بن العوام فإني علي، فدعي له الزبير فأقبل حتى اختلفت أعناق دوابهما، فقال علي‏:‏ يا زبير‏!‏ نشدتك الله أتذكر يوم مر بك رسول الله صلى الله عليه وسلم ونحن في مكان كذا وكذا فقال‏:‏ ‏(‏‏(‏يا زبير ألا تحب علياً‏؟‏

فقلت‏:‏ ألا أحب ابن خالي وابن عمي وعلي ديني‏؟‏

فقال‏:‏ يا زبير أما والله لتقاتلنه وأنت ظالم له ‏؟‏‏)‏‏)‏‏.‏

فقال الزبير‏:‏ بلى والله لقد نسيته منذ سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم ذكرته الآن، والله لا أقاتلك، فرجع الزبير على دابته يشق الصفوف، فعرض له ابنه عبد الله بن الزبير فقال‏:‏ مالك‏؟‏

فقال‏:‏ ذكرني علي حديثاً سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم، سمعته يقول‏:‏ ‏(‏‏(‏لتقاتلنه وأنت ظالم له‏)‏‏)‏ فقال‏:‏ أو للقتال جئت‏؟‏ إنما جئت لتصلح بين الناس ويصلح الله بك هذا الأمر، قال‏:‏ قد حلفت أن لا أقاتله، قال‏:‏ اعتق غلامك سرجس وقف حتى تصلح بين الناس، فأعتق غلامه ووقف، فلما اختلف أمر الناس ذهب على فرسه‏.‏

قالوا‏:‏ فرجع الزبير إلى عائشة فذكر أنه قد آلى أن لا يقاتل علياً‏.‏

فقال له ابنه عبد الله‏:‏ إنك جمعت الناس فلما ترآى بعضهم لبعض خرجت من بينهم، كفر عن يمينك واحضر‏.‏

فأعتق غلاماً، وقيل‏:‏ غلامه سرجس‏.‏

وقد قيل‏:‏ إنه إنما رجع عن القتال لما رأى عماراً مع علي، وقد سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول لعمار‏:‏ ‏(‏‏(‏تقتلك الفئة الباغية‏)‏‏)‏ فخشي أن يقتل عمار في هذا اليوم‏.‏

وعندي أن الحديث الذي أوردناه إن كان صحيحاً عنه فما رجعه سواه، ويبعد أن يكفر عن يمينه ثم يحضر بعد ذلك لقتال علي والله أعلم‏.‏

والمقصود‏:‏ أن الزبير لما رجع يوم الجمل سار فنزل وادياً يقال له‏:‏ وادي السباع، فاتبعه رجل يقال له‏:‏ عمرو بن جرموز فجاءه وهو نائم فقتله غيلة كما سنذكر تفصيله‏.‏

وأما طلحة‏:‏ فجاءه في المعركة سهم غرب يقال‏:‏ رماه به مروان بن الحكم فالله أعلم، فانتظم رجله مع فرسه فجمحت به الفرس، فجعل يقول‏:‏ إلي عباد الله إلي عباد الله، فاتبعه مولى له فأمسكها، فقال له‏:‏ ويحك‏!‏ أعدل بي إلى البيوت وامتلأ خفه دماً، فقال لغلامه‏:‏ أردفني، وذلك أنه نزفه الدم وضعف، فركب وراءه وجاء به إلى بيت في البصرة فمات فيه رضي الله عنه‏.‏

وتقدمت عائشة رضي الله عنها في هودجها، وناولت كعب بن سوار قاضي البصرة مصحفاً وقالت‏:‏ دعهم إليه – وذلك أنه حين اشتد الحرب وحمي القتال، ورجع الزبير، وقتل طلحة رضي الله عنهما – فلما تقدم كعب بن سوار بالمصحف يدعو إليه استقبله مقدمة جيش الكوفيين، وكان عبد الله بن سبأ – وهو ابن السوداء – وأتباعه بين يدي الجيش، يقتلون من قدروا عليه من أهل البصرة، لا يتوقفون في أحد، فلما رأوا كعب بن سوار رافعاً المصحف رشقوه بنبالهم رشقة رجل واحد فقتلوه، ووصلت النبال إلى هودج أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها فجعلت تنادي‏:‏ الله الله‏!‏ يا بني اذكروا يوم الحساب، ورفعت يديها تدعو على أولئك النفر من قتلة عثمان، فضج الناس معها بالدعاء حتى بلغت الضجة إلى علي فقال‏:‏ ما هذا‏؟‏

فقالوا‏:‏ أم المؤمنين تدعو على قتلة عثمان وأشياعهم‏.‏

فقال‏:‏ اللهم ألعن قتلة عثمان، وجعل أولئك النفر لا يقلعون عن رشق هودجها بالنبال حتى لقي مثل القنفذ، وجعلت تحرض الناس على منعهم وكفهم، فحملت معه الحفيظة فطردوهم حتى وصلت الحملة إلى الموضع الذي فيه علي بن أبي طالب، فقال لابنه محمد بن الحنفية‏:‏ ويحك‏!‏ تقدم بالراية فلم يستطع، فأخذها علي من يده فتقدم بها، وجعلت الحرب تأخذ وتعطي، فتارة لأهل البصرة، وتارة لأهل الكوفة، وقتل خلق كثير، وجم غفير، ولم تر وقعة أكثر من قطع الأيدي والأرجل فيها من هذه الوقعة‏.‏

وجعلت عائشة تحرض الناس على أولئك النفر من قتلة عثمان، ونظرت عن يمينها فقالت‏:‏ من هؤلاء القوم‏؟‏

فقالوا‏:‏ نحن بكر بن وائل‏.‏

فقالت لكم يقول القائل‏:‏

                    وجاؤوا إلينا بالحديد كأنهم * من الغرة القعساء بكر بن وائل

 

ثم لجأ إليها بنو ناجية، ثم بنو ضبة، فقتل عنده منهم خلق كثير، ويقال‏:‏ إنه قطعت يد سبعين رجلاً وهي آخذة بخطام الجمل، فلما اثخنوا تقدم بنو عدي بن عبد مناف فقاتلوا قتالاً شديداً، ورفعوا رأس الجمل، وجعل أولئك يقصدون الجمل، وقالوا‏:‏ لا يزال الحرب قائماً ما دام هذا الجمل واقفاً، ورأس الجمل في يد عمرة بن يثربي، وقيل‏:‏ أخوه عمرو بن يثربي‏.‏

ثم صمد عليه علباء بن الهيثم وكان من الشجعان المذكورين، فتقدم إليه عمرو الجملي فقتله ابن يثربي، وقتل زيد بن صوحان، وأرتث صعصعة بن صوحان، فدعاه عمار إلى البراز، فبرز له فتجاولا بين الصفين وعماراً ابن تسعين سنة عليه فروة قد ربط وسطه بحبل ليف‏.‏

فقال الناس‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون الآن يلحق عماراً بأصحابه، فضربه ابن يثربي بالسيف فاتقاه عمار بدرقته، فغصَّ فيها السيف ونشب، وضربه عمار فقطع رجليه، وأخذ أسيراً إلى بين يدي علي‏.‏

فقال‏:‏ استبقني يا أمير المؤمنين‏؟‏

فقال‏:‏ أبعد ثلاثة تقتلهم‏؟‏ ثم أمر به فقتل، واستمر زمام الجمل بعده بيد رجل كان قد استنابه فيه من بني عدي، فبرز إليه ربيعة العقيلي فتجاولا حتى قتل كل واحد صاحبه، وأخذ الزمام الحارث الضبي، فما رؤي أشد منه وجعل يقول‏:‏

 

                           نحن بنو ضبة أصحاب الجمل * نبارز القرن إذا القرن نزل

                           ننعي ابن عفان بأطراف الأسل * الموت أحلى عندنا من العسل

 

ردوا علينا شيخنا ثم بجسل

وقيل‏:‏ إن هذه الأبيات لوسيم بن عمرو الضبي‏.‏

فكلما قتل واحد ممن يمسك الجمل يقوم غيره حتى قتل منهم أربعون رجلاً‏.‏

قالت عائشة‏:‏ ما زال جملي معتدلاً حتى فقدت أصوات بني ضبة، ثم أخذ الخطام سبعون رجلاً من قريش، وكل واحد يقتل بعد صاحبه، فكان منهم محمد بن طلحة المعروف‏:‏ بالسجاد‏.‏

فقال لعائشة‏:‏ مريني بأمرك يا أمه‏؟‏

فقالت‏:‏ آمرك أن تكون كخير ابني آدم، فامتنع أن ينصرف وثبت في مكانه، وجعل يقول‏:‏ حم لا ينصرون، فتقدم إليه نفر فحملوا عليه فقتلوه، وصار لكل واحد منهم بعد ذلك يدعي قتله، وقد طعنه بعضهم بحربة فأنفذه وقال‏:‏

 

                          وأشعث قوام بآيات ربه * قليل الأذى فيما ترى العين مسلمِ

                          هتكتُ له بالريح جيبَ قميصه * فخر صريعاً لليدين وللفمِ

                          يناشدني حم والمرح شاجن * فهلا تلا حم قبل التقدمِ

                         على غير شيء غير أن ليس تابعاً * علياً ومن لا يتبع الحق يندمِ

وأخذ الخطام عمرو بن الأشرف، فجعل لا يدنو منه أحد إلا حطّه بالسيف، فأقبل إليه الحارث بن زهير الأزدي وهو يقول‏:‏

 

                                   يا أمنا يا خير أم نعلم * أما ترين كمَ شجاع يكلمُ

                                               وتجتلى هامته والمعصمُ

 

واختلفا ضربتين فقتل كل واحد صاحبه، وأحدق أهل النجدات والشجاعة بعائشة، فكان لا يأخذ الراية ولا بخطام الجمل إلا شجاع معروف، فيقتل من قصده، ثم يقتل بعد ذلك، وقد فقأ بعضهم عين عدي بن حاتم ذلك اليوم‏.‏

ثم تقدم عبد الله بن الزبير فأخذ بخطام الجمل وهو لا يتكلم، فقيل لعائشة‏:‏ إنه ابنك ابن أختك، فقالت‏:‏ واثكل أسماء ‏!‏

وجاء مالك بن الحارث الأشتر النخعي فاقتتلا فضربه الأشتر على رأسه فجرحه جرحاً شديداً، وضربه عبد الله ضربة خفيفة، ثم اعتنقا وسقطا إلى الأرض يعتركان، فجعل عبد الله بن الزبير يقول‏:‏

 

                                    اقتلوني ومالكاً * واقتلوا مالكاً معي

 

فجعل الناس لا يعرفون مالكاً من هو، وإنما هو معروف بالأشتر، فحمل أصحاب علي وعائشة فخلصوهما، وقد جرح عبد الله بن الزبير يوم الجمل بهذه الجراحة سبعاً وثلاثين جراحة، وجرح مروان بن الحكم أيضاً‏.‏

ثم جاء رجل فضرب الجمل على قوائمه فعقره، وسقط إلى الأرض فسمع له عجيج ما سمع أشد ولا أنفذ منه، وآخر من كان الزمام بيده زفر بن الحارث فعقر الجمل وهو في يده‏.‏

ويقال‏:‏ إنه اتفق هو وبجير بن دلجة على عقره‏.‏

ويقال‏:‏ إن الذي أشار بعقر الجمل علي‏.‏

وقيل‏:‏ القعقاع بن عمرو لئلا تصاب أم المؤمنين، فإنها بقيت غرضاً للرماة، ومن يمسك بالزمام برجاساً للرماح، ولينفصل هذا الموقف الذي قد تفانى فيه الناس‏.‏

ولما سقط البعير إلى الأرض انهزم من حوله من الناس، وحمل هودج عائشة وإنه لكالقنفذ من السهام، ونادى منادي علي في الناس‏:‏ إنه لا يتبع مدبر، ولا يذفف على جريح، ولا يدخلوا الدور‏.‏

وأمر علي نفراً أن يحملوا الهودج من بين القتلى، وأمر محمد بن أبي بكر وعماراً أن يضربا عليها قبة، وجاء إليها أخوها محمد، فسألها هل وصل إليك شيء من الجراح ‏؟‏‏.‏

فقالت‏:‏ لا‏!‏ وما أنت ذاك يا ابن الخثعمية‏.‏

وسلم عليها عمّار فقال‏:‏ كيف أنت يا أم‏؟‏

فقالت‏:‏ ليس لك بأم‏.‏

قال‏:‏ بلى‏!‏ وإن كرهت‏.‏

وجاء إليها علي بن أبي طالب أمير المؤمنين مسلماً فقال‏:‏ كيف أنت يا أمه‏؟‏

قالت‏:‏ بخير‏.‏

فقال‏:‏ يغفر الله لك‏.‏

وجاء وجوه الناس من الأمراء والأعيان يسلمون على أم المؤمنين رضي الله عنها، ويقال‏:‏ إن أعين بن ضبيعة المجاشعي اطلع في الهودج، فقالت‏:‏ إليك لعنك الله‏.‏

فقال‏:‏ والله ما أرى إلا حميراء‏.‏

فقالت‏:‏ هتك الله سترك، وقطع يدك، وأبدى عورتك، فقتل بالبصرة وسلب وقطعت يده ورمي عرياناً في خربة من خرابات الأزد‏.‏

 فلما كان الليل دخلت أم المؤمنين البصرة – ومعها أخوها محمد بن أبي بكر – فنزلت في دار عبد الله بن خلف الخزاعي وهي أعظم دار بالبصرة على صفية بنت الحارث بن أبي طلحة بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الدار، وهي أم طلحة، الطلحات عبد الله بن خلف‏.‏

وتسلل الجرحى من بين القتلى فدخلوا البصرة، وقد طاف علي بين القتلى فجعل كلما مر برجل يعرفه ترحم عليه ويقول‏:‏ يعز علي أن أرى قريشاً صرعى‏.‏

وقد مر على ما ذكر على طلحة بن عبيد الله وهو مقتول، فقال‏:‏ لهفي عليك يا أبا محمد، إنا لله وإنا إليه راجعون، والله لقد كنت كما قال الشاعر‏:‏

 

                          فتى كان يدنيه الغنى من صديقه * إذا ما هو استغنى ويبعده الفقرُ

 

وأقام علي بظاهر البصرة ثلاثاً، ثم صلى على القتلى من الفريقين، وخص قريشاً بصلاة من بينهم، ثم جمع ما وجد لأصحاب عائشة في المعسكر، وأمر به أن يحمل إلى مسجد البصرة، فمن عرف شيئاً هو لأهلهم فليأخذه، إلا سلاحاً كان في الخزائن عليه سمة السلطان‏.‏

وكان مجموع من قتل يوم الجمل من الفريقين عشرة آلاف، خمسة من هؤلاء وخمسة من هؤلاء، رحمهم الله، ورضي عن الصحابة منهم‏.‏

وقد سأل بعض أصحاب علي علياً أن يقسم فيهم أموال أصحاب طلحة والزبير، فأبى عليه فطعن فيه السبائية وقالوا‏:‏ كيف يحلُّ لنا دماؤهم ولا تحل لنا أموالهم‏؟‏

فبلغ ذلك علياً، فقال‏:‏ أيكم يحب أن تصير أم المؤمنين في سهمه‏؟‏

فسكت القوم، ولهذا لما دخل البصرة فضَّ في أصحابه أموال بيت المال، فنال كل رجل منهم خمسمائة، وقال‏:‏ لكم مثلها من الشام، فتكلم فيه السبائية أيضاً، ونالوا منه من وراء وراء‏.‏

ولما فرغ علي من أمر الجمل، أتاه وجوه الناس يسلمون عليه، فكان ممن جاءه الأحنف بن قيس في بني سعد – وكانوا قد اعتزلوا القتال – فقال له علي‏:‏ تربعت – يعني بنا – فقال‏:‏ ما كنت أراني إلا قد أحسنت وبأمرك كان ما كان يا أمير المؤمنين، فارفق فإن طريقك الذي سلكت بعيد، وأنت إلي غداً أحوج منك أمس، فاعرف إحساني، واستبق مودتي لغدٍ، ولا تقل مثل هذا فإني لم أزل لك ناصحاً‏.‏

قالوا‏:‏ ثم دخل علي البصرة يوم الاثنين فبايعه أهلها على راياتهم، حتى الجرحى والمستأمنة‏.‏

وجاءه عبد الرحمن بن أبي بكرة الثقفي فبايعه، فقال له علي‏:‏ أين المريض‏؟‏ – يعني‏:‏ أباه -‏.‏

فقال‏:‏ إنه والله مريض يا أمير المؤمنين، وإنه على مسرتك لحريص‏.‏

فقال‏:‏ امش أمامي، فمضى إليه فعاده، واعتذر إليه أبو بكر فعذره، وعرض عليه البصرة فامتنع‏.‏

وقال‏:‏ رجل من أهلك يسكن إليه الناس، وأشار عليه بابن عباس فولاه على البصرة، وجعل معه زياد بن أبيه على الخراج وبيت المال، وأمر ابن عباس أن يسمع من زياد، – وكان زياد معتزلاً -‏.‏

ثم جاء علي إلى الدار التي فيها أم المؤمنين عائشة فاستأذن ودخل، فسلم عليها ورحبت به، وإذا النساء في دار بني خلف يبكين على من قتل، منهم عبد الله وعثمان ابنا خلف، فعبد الله قتل مع عائشة، وعثمان قتل مع علي، فلما دخل علي قالت له‏:‏ صفية امرأة عبد الله، أم طلحة الطلحات‏:‏ أيتم الله منك أولادك كما أيتمت أولادي، فلم يرد عليها علي شيئاً، فلما خرج أعادت عليه المقالة أيضاً فسكت‏.‏

فقال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين، أتسكت عن هذه المرأة وهي تقول ما تسمع‏؟‏

فقال‏:‏ ويحك‏!‏ إنا أمرنا أن نكف عن النساء وهن مشركات أفلا نكف عنهن وهن مسلمات‏؟‏‏.‏

فقال له رجل‏:‏ يا أمير المؤمنين إن على الباب رجلين ينالان من عائشة، فأمر علي القعقاع بن عمرو أن يجلد كل واحد منهما مائة، وأن يخرجهما من ثيابهما‏.‏

وقد سألت عائشة عمن قتل معها من المسلمين، ومن قتل من عسكر علي، فجعلت كلما ذكر لها واحد منهم ترحمت عليه ودعت له‏.‏

ولما أرادت أم المؤمنين عائشة الخروج من البصرة، بعث إليها علي رضي الله عنه بكل ما ينبغي من مركب وزاد ومتاع وغير ذلك، وأذن لمن نجا ممن جاء في الجيش معها أن يرجع إلا أن يحب المقام، واختار لها أربعين امرأة من نساء أهل البصرة المعروفات، وسير معها أخاها محمد بن أبي بكر‏.‏

فلما كان اليوم الذي ارتحلت فيه جاء علي فوقف على الباب وحضر الناس، وخرجت من الدار في الهودج فودعت الناس، ودعت لهم، وقالت‏:‏ يا بني لا يعتب بعضنا على بعض، إنه والله ما كان بيني وبين علي في القدم إلا ما يكون بين المرأة وأحمائها، وإنه على معتبتي لمن الأخيار‏.‏

فقال علي‏:‏ صدقت، والله ما كان بيني وبينها إلا ذاك، وإنها لزوجة نبيكم صلى الله عليه وسلم في الدنيا والآخرة‏.‏

وسار علي معها ودعا ومشيعاً أميالاً، وسرح بنيه معها بقية ذلك اليوم – وكان يوم السبت مستهل رجب سنة ست وثلاثين – وقصدت في مسيرها ذلك إلى مكة فأقامت بها إلى أن حجت عامها ذلك، ثم رجعت إلى المدينة رضي الله عنها‏.‏

وأما مروان بن الحكم فإنه لما فر استجار بمالك بن مسمع فأجاره ووفى له، ولهذا كان بنو مروان يكرمون مالكاً ويشرفونه، ويقال‏:‏ إنه نزل دار بني خلف، فلما خرجت عائشة خرج معها، فلما سارت هي إلى مكة سار إلى المدينة‏.‏

قالوا‏:‏ وقد علم من بين مكة والمدينة والبصرة بالوقعة يوم الوقعة، وذلك مما كانت النسور تخطفه من الأيدي والأقدام فيسقط منها هنالك، حتى أن أهل المدينة علموا بذلك يوم الجمل قبل أن تغرب الشمس، وذلك أن نسراً مر بهم ومعه شيء فسقط، فإذا هو كف فيه خاتم نقشه عبد الرحمن بن عتاب‏.‏

هذا ملخص ما ذكره أبو جعفر بن جرير رحمه الله عن أئمة هذا الشأن، وليس فيما ذكره أهل الأهواء من الشيعة وغيرهم من الأحاديث المختلفة على الصحابة، والأخبار الموضوعة التي ينقلونها بما فيها‏.‏ وإذا دعوا إلى الحق الواضح اعرضوا عنه وقالوا‏:‏ لنا أخبارنا ولكم أخباركم، فنحن حينئذ نقول لهم‏:‏ سلام عليكم لا نبتغي الجاهلين‏.‏

وررد في “الكامل في التاريخ” لابن الأثير:

“فبينما هم كذلك على التجهز لأهلِ الشام أتاهم الخبرُ عن طلحة، والزبير، وعائشة ، وأهل مكة بنحوٍ آخر وأنهم على الخِلاف ، فأعلَم عليّ الناسَ ذلك وأن عائشة ، وطلحة، والزبير قد سخطوا إمارته ودعوا الناس إلي الإصلاح وقال لهم : سأصبرُ ما لم أخَفْ على جماعتكم ، وأكفُ إنْ كَفُّوا، واقتصرُ على ما بلغني .

ثم أتاه أنّهم يريدون البصرة فسره ذلك وقال : ” إن الكوفة فيها رجالُ العرب وبيوتا تهم ” .

فقال له ابن عباس : إن الذي سَرك مِنْ ذلك ليسؤني . إن الكوفة فسطاطٌ فيه مِنْ أعلام العرب ، ولا يحملهم عِدّة القوم ، ولا يزال فيها مَنْ يسمو إلي أمرٍ لا يناله ، فإذا كان كذلك شَغَّب على الذي قد نال ما يريد حتى تكسر حدته “. فقال علي : ( إن الأمر ليشبه ما تقول ” . وتهيأ للخروج إليهم ، فندب أهلَ المدينة للمسير معهم فتثاقلوا فبعث إلى عبد الله بن عمر كميلاً النخعي فجاء به فدعاه إلى الخروج معه فقال : إنما أنا مِنْ أهل المدينة وقد دخلوا في هذا الأمر فدخلتُ معهم فإنْ يخرجوا أخرجْ معهم وإنْ يقعدوا أقعد.

قال : فاعطني كفيلاً. قال : لا أفعل .

فقال له عليّ : لولا ما أعرفُ مِنْ سؤ خلقك صغيراً وكبيراً لأنكرتني ، دعوه فأنا كفيله. فرجع ابنُ عمر إلي المدينة وهم يقولون : والله ما ندري كيف نصنع ، إن الأمر لمشتبه علينا ونحن مقيمون حتى يضيء لنا.

فخرجِ من تحت ليلته وأخبر أم كلثوم ابنة علي وهي زوجة عمر بالذي سَمِع وأنّه يخرج معتمراَ مقيماً على طاعة عليّ ما خلا النهوض ، فأصبح علي فقيل له : حدث الليلة حَدَث هو أشذُ مِنْ طلحة ، والزبير ، وعائشة ، ومعاوية .

قال : وما ذاك ؟ قالوا : خرج ابن عمر إلى الشام . فأتي السوق وأعذ الظهر، والرجال ، وأخذ لكل طريق طلاباً، وماج الناس ، فسمعت أم كلثوم فأتت علياً فأخبرته الخبر فطابت نفسُه وقال : “انصرفوا والله ما كَذَبَتْ ولا كذب . واللهّ إنّه عندي ثقة”ا . فانصرفوا .

وكان سبب اجتماعهم بمكة أنّ عائشة كانت خرجتْ إليها – وعثمان محصور-، ثم خرجت من مكة تريد المدينة فلما كانت بِسَرف  لقيها رجلٌ من أخوالها مِنْ بني ليث يقال له عبيد بن أبي سلمة وهو ابن أم كلاب فقالت له : مهيم ؟

قال : قُتلَ عثمان وبقوا ثمانياً. قالت : ثم صنعوا ماذا؟ قال : اجتمعوا على بيعة عليّ . فقالت : ليت هذه انطبقت على هذه إنْ تَمَّ الأمرُ لصاحبك . رُذُوني رُدوني . فانصرفت إلى مكة وهي تقول : “قُتل والله عثمان مظلوماً، والله لأطلبن بدمه “. فقال لها : ولم ؟ والله إنّ أول من أمال حرفه لأنت  ولقد كنت تقولين : اقتلوا نعثلاً فقد كفر. قالت : إنهم استتابوه ثم قتلوه وقد قلت وقالوا وقولي الأخير خيرٌ مِنْ قولي الأول . فقال لها ابن أم كلاب :

 

                      فَمِنْك البَداءُ ومِنْك الغِيَرْ ومِنْك الريَاحُ ومِنْك المَطَرْ

                      وأنْتِ أمَرْت بقَتْل الإمَام وقُلْت لنَا إنّه قدْ كَفَرْ

                      فَهَبْتَ أطَعْنَاك في قَتْلِه وَقاتِلُهُ عِنْدَنَا مَنْ أمَرْ

                      ولَمْ يَسْقُطِ السقفُ مِنْ فَوْقَنا ولم يَنْكَسِف شَمْسُنَا وَالقَمَرْ

                        وَقَدْ بايعَ الناس ذا تُدْرَأ يُزيل الشبَا ويقيم الصَّغَرْ

                      وَيلْبِسُ للحَرْبِ أثْوَابَهَا وَمَا مَنْ وَفَى مِثْل مَنْ قَدْ غَدَرْ

 

فانصرفتْ إلى مكة فقصدت الحِجْر فسترتْ فيه ، فاجتمع الناسُ حولها فقالت :

” أيها الناسُ إنّ الغوغاءَ من أهل الامصار، وأهل المياه ، وعبيد أهل المدينة اجتمعوا على هذا الرجل المقتول ظلماً بالأمس ونقموا عليه استعمال مَنْ حَدَثَتْ سِنُه ، وقد استعمل أمثالهم قبله ، ومواضع من الحمى حماها لهم فتابعهم ونزع لهم عنها، فلما لم يجدوا حُجة ولا عُذْراً بادروا بالعُدوان فسفكوا الدم الحرام ، واستحلوا البلد الحرام ، والشهر الحرام ، وأخذوا المال الحرام والله لأصبعٍ من عثمان خيرٌ من طِبَاق الأرض أمثالهم ، وواللّه لو أنّ الذي اعتدوا به عليه كان ذنبا لخلص منه كما يخلص الذهب مِنْ خبثه أو الثوب مِنْ دَرَنِه إذْ ما صوه كما يماص الثوب بالماء – أي يغسل -.

فقال عبد اللهّ بن عامر الحضرمي – وكان عامل عثمان على مكة-: ها أنا أول طالب . فكان أول مجيب ، وتبعه بنو أميّة على ذلك . وكانوا هربوا مِنْ المدينة بعد قتل عثمان إلى مكة، ورفعوا رؤوسهم ، وكان أول ما تكلموا بالحجاز، وتبعهم سعيد بن العاص ، والوليد بن عقبة، وسائر بني أمية، وقدم عليهم عبد الله بن عامر من البصرة بمالٍ كثير ، وجملى بن أمية – وهو ابن منية -من اليمن ومعه ستمائة بعير وستمائة ألف درهم فأناخ بالأبطح ، وقدم طلحة ، والزبير من المدينة فلقيا عائشة فقالت : ما وراءكما؟ فقالا إنّا تحملنا هراباً من المدينة مِنْ غوغاء، واعراب ، وفارقنا قوماً حياري لا يعرفون حقاً ولا ينكرون باطلاً ولا يمنعون أنفسهم . فقالت : انهضوا إلف هذه الغوغاء . فقالوا : نأتي الشام . فقال ابن عامر: قد كفاكم الشام معاوية، فأتوا البصرة فإن لي بها صنائع ، ولهم في طلحة هوي .

قالوا ة قبّحك اللهّ ، فواللّه ما كنتَ بالمُسَالم ولا بالمحارب ، فهلا أقمتَ كما أقام معاوية فنكفى بك ثم نأتي الكوفة فنسد علن هؤلاء القوم المذاهب. فلم يجدوا عنده جواباً مقبولاً فاستقام الرأي على البصرة ، وقالوا لها : نترك المدينة فإنا خرجنا فكان معنا من لا يطيق مَنْ بها من الغوغاء ونأتي بلداً مضيعاً سيحتجون علينا ببيعة عليّ فتنهضينهم كما أنهضت أهل مكة [ ثم تقعدين ] فإنْ أصلح اللهُ الأمرَ كان الذي أردنا، وإلاّ دفعنا بجهدنا حتى يقضي اللّهُ ما أراد .

فأجابتهم إلى ذلك ، ودعوا عبد الله بن عمر ليسير معهم فأبى وقال : أنا مِنْ أهل المدينة أفعلُ ما يفعلون . فتركوه ، وكان أزواج النبي صلى الله عليه وسلم معها على قصد المدينة فلّما تغير رأيها إلى البصرة تركن ذلك وأجابتهم حفصة إلى المسير معهم فمنعها أخوها عبد الله بن عمر، وجهزهم يعلى بن منية بستمائة بعير وستمائة ألف درهم ، وجهزهم ابن عامر بمال كثير، ونادي مناديها إنّ أم المؤمنين وطلحة، والزبير شاخِصون إلى البصرة فمَنْ أراد إعزاز الإسلام وقتال المحلين والطلب بثأر عثمان [ ومَنْ ] ليس له مركب وجهاز فليأت .

فحملوا ستمائة على ستمائة بعير وساروا في ألف ، وقيل : في تسعمائة من أهل المدينة ومكة، ولحقهم الناس فكانوا في ثلاثة آلاف رجل ،وبعثت أم الفضل بنت الحارث أم عبد الله بن عباس رجلاً مِنْ جهينة يدعى ظفراً فاستأجرته على أنْ يأتي علياً بالخبر، فقدِم على علي بكتابها، وخرجت عائشة ومَنْ معها مِنْ مكة فلمّا خرجوا منها أذِن مَرْوان بن الحكم ثم جاء حتى وقف على طلحة، والزبير فقال : “على أيكما أسلّم بالإمرة وأؤذن بالصلاة).

فقال عبد الله بن الزبير: على أبي عبد الله – يعني أباه الزبير-، وقال محمد بن طلحة على أبي محمد – يعني أباه طلحة – ، فأرسلتْ عائشة إلي مروان وقالت له : أتريدُ أنْ تفرّق أمرنا! ليصل بالناس ابن أختي – تعني عبد الله بن الزبير.

وقيل : بلْ صلى بالناس عبد الرحمن بن عتاب بن أسيد حتى قُتل فكان معاذ بن عبيد [ الله ] يقول : والله لو ظفرنا لاقتتلنا، ما كان الزبير يترك طلحة والأمر، ولا كان طلحة يترك الزبير والأمر.

وتبعها أمهات المؤمنين إلى ذات عرق فبكوا على الإسلام فلم ير يوم كان أكثر باكياً وباكية من ذلك اليوم فكان يسمى ” يوم النحيب “، فلما بلغوا ذات عرق لقي سعيد بن العاص مَرْوان بن الحكم وأصحابه بها فقال : أين تذهبون وتتركون ثأركم على أعجاز الإبل وراءكم ؟ يعني عائشة ، وطلحة ، والزبير ؟ اقتلوهم ثم ارجعوا إلى منازلكم .

فقالوا : نسير فلعلنا نقتل قَتَلَة عثمان جميعاً . فخلا سعيد بطلحة، والزبير فقال : إنْ ظفرتما لمن تجعلان الأمر؟ أصدقاني . قالا : نجعله لأحدنا أينا أختاره الناس . قال : بل تجعلونه لولد عثمان ، فإنكم خرجتم تطلبون بدمه .

فقالا: نَدَعُ شيوخ المهاجرين ونجعلها لأيتام ! قال : فلا أراني أسعى إلا لإخراجها مِنْ بني عبد مناف . فرجع ورجع جمد الله بن خالد بن أسيد، وقال المغيرة بن شعبة : الرأي ما قال سعيد من كان ههنا من ثقيف فليرجع . فرجع ومضى القومُ ومعهم أبان ، والوليد ابنا عثمان ، وأعطى يعلى بن منية عائشة جملاً اسمه ” عسكر ” اشتراه بثمانين ديناراً فركبته ، وقيل: بل كان جملها لرجل من عرينة قال العرني : بينما أنا أسير على جمل إذ عرض لي راكب فقان : أتبيع جملك ، قلت : نعم قال : بكم ؟ قلت : بألف درهم . قال : أمجنون أنت ؟ قلت : ولم ؟ والله ما طلبتُ عليه أحداً إلا أدركته ، ولا طلبني وأنا عليه أحدٌ إلا فُتُّه . قال : لو تعلم لمن نريده ، إنما نريده لأم المؤمنين عائشة. فقلت : خذه بغير ثمن . قال : بل ترجع معنا إلى الرحل فنعطيك ناقة ودراهم قال : فرجعتُ معه فأعطوني ناقة مهرية وأربعمائة درهم أو ستمائة وقالوا لي : يا أخا عرينة هل لك دلالة بالطريق ؟ قلت : أنا مِنْ أدل الناس .

قالوا : فسِرْ معنا . فسرتُ معهم فلا أمر على واد [ ولا ماء ] إلا سألوني عنه ، حتى طَرَقْنا ( الحوأب ”  وهو ماء فنبحتنا كلابه فقالوا: أي ماء هذا؟ فقلت : هذا ماء الحوأب . فصرختْ عائشة بأعلى صوتها [ ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته ] وقالت : ( إنا لله وإنا إليه راجعون إنَي لهية سمعت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم يقول وعنده نساؤه : ” ليت شعري أيتكن تنبحها كلاب الحوأب ” . ثم ضربت عضد بعيرها فأناخته وقالت : “ردوني أنا والله صاحبة ماء الحوأب “ .

فأناخوا حولها يوماً وليلة فقال لها عبد الله بن الزبير: “. إنه كَذب ” ولم يزل بها وهي تمتنع فقال لها: ” النجاء النجاء قد أدرككم عليّ بن أبي طالب “.

فأرتحلوا نحو البصرة، فلما كانوا بفنائها لقيهم عمير بن عبد الله التميمي ، وقال : يا أم المؤمنين أنشدك الله أن تقدمي اليوم على قوم لم تراسلي منهم أحداً فعجلي ابن عامر فإنّ له بها صنائع فليذهب إليهم ليلقوا الناس إلي أن تقدمي ويسمعوا ما جئتم به . فأرسلته فاندسّ إلى البصرة فأتى القوم ، وكتبتْ عائشةُ إلى رجال من أهل البصرة وإلى الأحنف بن قيس ، وصبرة بن شيمان ، وأمثالهم ، وأقامت ” بالحَفِيْر ” ( تنتظر الجواب) .

ولما بلغ ذلك أهلُ البصرة دعا عثمان بن حنيف  عِمْران بن حُصَيْن وكان رجل عامة وألزمه بابي الأسود الدؤَليّ وكان رجل خاصة وقال لهما : ” انطلقا إلى هذه المرأة فاعلما عِلْمَهَا وعِلْم من معها “.

فخرجا فانتهيا إليها بالحفير فأذنت لهما فدخلا وسئما وقالا : ” إن أميرنا بعثنا إليك لنسألك عن مسيرك فهل أنت مخبرتنا “؟

فقالت : والله ما مثلي يغطي لبنيه الخبر، إن الغوغاء، ونُزاع القبائل غزوا حرم رسول الله صلى الله عليه وسلم وأحدثوا فيه وآووا المحدثين فاستوجبوا لعنة الله ولعنة رسول الله صلى الله عليه وسلم مع ما نالوا مِنْ قَتْل إمام المسلمين بلا ترة ولا عذر فاستحلوا الدم الحرام ، وسفكوه ، وانتهبوا المال الحرام ، وأحلُّوا البلد الحرام والشهر الحرام ، فخرجتُ في المسلمين أعلمهم ما أتي هؤلاء، وما الناس فيه وراءنا، وما ينبغي لهم من إصلاح هذه القصة وقرأت ( لاَ خَيْرَ فِي كَثِيْرٍ مِنْ نَجْوَاهُم ) الآية فهذا شأننا إلى معروف نأمركم به ومنكر ننهاكم عنه .

فخرج عمران ، وأبو الأسود مِنْ عندها فأتيا طلحة وقالا : ما أقدمك ؟ فقال : الطلب بدم عثمان . فقالا : ألم تبايع علياً؟ فقال : بلى والسيفُ على عُنُقِي وما أستقيل علياً البيعة إنْ هو لم يَحُلْ بيننا وبين قَتَلَة عثمان .

ثم أتيا الزبير فقالا له مثل قولهما لطلحة وقال لهما مثل قول طلحة فرجعا إلى عثمان بن حنيف ونادي مناديها بالرحيل فدخلا على عثمان فبادر أبو الاسود عمران فقال :

                             يَا بْنَ حُنَيْفٍ قَدْ أتيتَ فانْفِرِ وَطاعِنِ القَوْمَ وجالدْ وَأصْبِرِ

                                                  وَابْرُزْ لَهُمْ مُسْتَلِئْماً وَشَمِّرْ

 

فقال عثمان : ” إنا لله وإنّا إليه راجعون دارت رحى الإسلام ورب الكعبة فانظروا بأي زَيَفَان  تَزِيْف ، فقال عمران : أي والله لتعرُكنَّكم عركاً(2) طويلاً . فقال : فأشر علي يا عمران . فقال : أعتزلْ فإنى قاعدٌ . قال عثمان : بل أمنعهم حتى يأتيَ أمير المؤمنين .

فانصرف عمران إلى بيته ، وقام عثمان في أمره فاتاه هشام بن عامر فقال : إنّ هذا الأمر الذي تريده يسلم إلي شَرٍّ مما تكره ، إنّ هذا فَتْقٌ لا يُرْتَق ، وصَدْعٌ لا يُجْبَر فارفق بهم وسامحهم حتى يأتيَ أمرُ عليّ. فأبي ، ونادي عثمان في الناس ، وأمَرَهُم بلبس السلاح فاجتمعوا إلى المسجد، وأمرهم بالتجهز، وأمر رجلاً دسه إلى الناس خَدِعاً كوفيّاً قيسيّاً فقام فقال : أيها الناس أنا قيس بن العقدية الحميسي إنّ هؤلاء القوم إنْ كانوا جاءوا خائفين فقد أتوا من بلد يأمن فيه الطير، وإنْ كانوا جاءوا يطلبون بدم عثمان فما نحن بقَتَلَة عثمان فأطيعوني ورُدُّوهم مِنْ حيث جاءوا .

فقام الأسود بن سريع السعدي فقال : أ و زعموا أنّا قتلة! إنما أتوا يستعينون بنا على قتلة عثمان منا ومن غيرنا.

فحصبه الناس ، فعرف عثمان أنّ لهم بالبصرة ناصراً فكسره ذلك ، فأقبلت عائشة فيمن سها حتى انتهوا إلي المِرْبَد  فدخلوا من أعلاه ووقفوا حتى خرج عثمان فيمن معه ، وخرج إليها مِنْ أهل البصرة مَنْ أراد أنْ يكون معها، فاجتمع القوم بالمِرْبَد فتكلّم طلحة وهو في ميمنة المربد وعثمان في ميسرته فأنصتوا له ، فحمد الله ، وأثنى عليه ، وذكر عثمان وفَضْله ، وما استحل منه ، ودعا إلي الطلب بدمه ، وحثَّهم عليه ، وكذلك الزبير فقال مَنْ في ميمنة المِرْبد : صدقا وبرا . وقال مَنْ في ميسرته : فَجَرَا وغَدَرَا وأمرا بالباطل فقد بايعا عطياً ثم جاءا يقولان ، وتحاثى الناس ، وتحاصبوا ، وارهجوا ، فتكلمت عائشة وكانت جهورية الصوت فحمدت الله وقالت : كان الناسُ يتجنُّون علن عثمان ، ويزرون على عُمّاله ، ويأتوننا بالمدينة فيستشيروننا فيما يخبروننا عنهم ، فننظر   في ذلك فنجده بريئاً تقياً وفتاً ونجدهم فجرة، غَدَرَة، كَذَبَة، وهم يحاولون غير ما يُظْهِرُون ، فلما قووا كاثروه ، واقتحموا عليه داره ، واستحلوا الدم الحرام ، والشهر الحرام ، والبلد الحرام بلا ترة ولا عذر. ألا إن ممًا ينبني لا ينبغي لكم غيره أخْذ قَتَلَة عثمان ، وإقامة كتاب الله. وقَرَأتْ ( أَلَمْ تَرَ إلى ائذِيْنَ أوتُوا نَصِيْباً مِن الكِتَاب يُدْعَوْن إلَى كِتَابِ الله ) . الآية .

فافترق أصحاب عثمان فِرقتين : فرقة قالت : صَدَقَتْ وبرت ، وقال الآخرون : كذبتم والله ما نعرف ما جئتم به .

فتحاثوا وتحاصبوا ، فلما رأتْ عائشة ذلك انحدرتْ ، وانحدر أهلُ الميمنة مفارقين لعثمان بن حنيف حتى وقفوا في المِربْد في موضع الدباغين ، وبقي أصحابُ عثمان على حالهم ، ومال بعضُهم إلي عائشة وبقي بعضُهم مع عثمان ، وأقبل جارية بن قدامة السعدي وقال : ” يا أم المؤمنين : والله لَقَتْل عثمان أهون مِنْ خُرُوجِك مِنْ بيتك على هذا الجمل الملعون عرضة للسلاح . إنه قد كان لكِ مِن الله ستروحُرْمة، فهتكتِ سترك ، وأبحتِ حرمتك . إنّه مَنْ رأي قتالك يري قَتْلَك ، لئن كنتِ أتيتْينَا طائعةً فارجِعي إلى منزلِكِ ، وإنْ كنتِ أتيِتْينَا مكرهة فاستعيني بالناس ” .

وخرج غلامٌ شاب من بني سعد إلى طلحة، والزبير فقال : ” أما أنت يا زبير فحواريّ رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمّا أنت يا طلحة فَوَقَيْت رسولَ الله صلى الله عليه وسلم بيدك ، وأري أمّكما معكما فهل جئتما بنسائكما؟ قالا: لا.

قال : ” فما أنا منكم في شيء ” . وأعْتَزَلَ وقال في ذلك :

 

                    صُنْتُمْ حَلَالكم وقُدْتُم أمكُمْ  هَذَا لَعَمْرُكَ قِلةُ الإنْصَافِ

                    أمِرَتْ بجَرُ ذيُولهَا فِي بَيْتِهَا فَهَوَتْ تَشُقُّ البِيْدَ بالإيْجَافِ

                   غَرَضاً يُقاتَلُ دونَها أبْناؤها بالنًبْلِ والخَطِّيٌّ والأسْيافِ

                  هُتِكَتْ بطَلْحَة والزبَيْرِ سُتُورُهَا هَذا المُخبرُ عَنْهُم وَالكَافِي

 

وأقبل حكيم بن جبلة العبدي وهو علي الخيل فانشب القتال  وأشرع أصحابُ عائشة رماحهم وأمسكوا ليُمْسك حكيم وأصحابه فلم ينتهِ وقاتلهم أصحاب عائشة كافون يدفعون عن أنفسهم وحكيم يذمر خيله ويركبهم بها فاقتتلوا على فم السكة، وأمرتْ عائشة أصحابها فتيامنوا إلي مقبرة بني مازن وحجز الليل بينهم ، ورجع عثمان إلى القصر، وأتى أصحاب عائشة إِلى ناحية دار الرزق وباتوا يتأهبّون ، وبات الناسُ يأتونهم ، واجتمعوا بساحة دار الرزق فغاداهم حكيم بن جبلة وهو يسبّ وبيده الرمح ، فقال له رجلٌ من عبد القيس : منْ هذا الذي تسبه ؟ قال : عائشة : قال : يا بن الخبيثة ألأم المؤمنين تقول هذا؟ فطعنه حكيم فقتله ، ثم مر بامرأة وهو يسبّها أيضاً فقالت له : ألأم المؤمنين تقول هذا يا بن الخبيثة؟ فطعنها فقتلها، ثم سار فاقتتلوا بدار الرزق قتالاً شديداً إلي أنْ زال النهار، وكثر القتل في أصحاب عثمان بن حنيف ، وكثر الجراح في الفريقين ، فلما عضّتهم الحرب تنادَوا إلي الصلح ، وتوادعوا فكتبوا بينهم كتاباً  على أنْ يبعثوا رسولاً إلي المدينة يسأل أهلها فإنْ كان طلحة، والزبير أكرها خرج عثمان بن حنيف عن البصرة وأخلاها لهما، لانْ لم يكونا أكِرهَا خرج طلحة، والزبير، وكتبوا بينهم كتاباً بذلك ، وسار كعب بن سور إلي أهل المدينة يسألهم ، فلما قدمها اجتمع الناس إليه وكان يوم جمعة فقام وقال : ” يا أهل المدينة أنا رسولُ أهل البصرة نسألكم هل اكرِه طلحة والزبير على بيعة عليّ أم أتياها طائعين ؟ فلم يجبه أحد إلا أسامة بن زيد فإنّه قام وقال : إنهما بايعا وهما مُكْرهان . فأمر به تمام بن العباس فواثبه سهل بن حنيف والناس ، وثار صهيب ، وأبو أيوب في عدة من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم فيهم محمد بن مسلمة حين خافوا أنْ يُقتل أسامة فقالوا : ” اللهم نعم ،. فتركوه ، وأخذ صهيب أسامة بيده إلي منزله وقال له : أما وَسِعَك ما وَسِعَنا من السكوت. قال : ما كنت أظنّ أنّ الأمر كما أري .

فرجع كعب وبلغ علياً الخبر، فكتب إلى عثمان يحجزه وقال : ( والله ما أكرها على فرقة، ولقد أكرها على جَمَاعةٍ وفَضْل فإنْ كانا يريدان الخلع فلا عُذْر لهما، وإنْ كانا يريدان غير ذلك نَظَرْنَا ونظروا .

فقدم الكتابُ علي عثمان ، وقدم كعب بن سور فأرسلوا إلى عثمان ليخرج فاحتج بالكتاب وقال : ” هذا أمرٌ آخر غير ما كنا فيه ” . فجمع طلحة والزبير الرجال في ليلة مظلمة ذات رياح ومطر ثم قصدا المسجد فوافقا صلاة العشاء وكانوا يؤخرونها فأبطأ عثمان فقدَّما عبد الرحمن بن عتاب فشهر الزط والسيابجة السلاح ثم وضعوها فيهم فأقبلوا عليهم فاقتتلوا في المسجد فقتلوا وهم أربعون رجلاً فأدخلا الرجال على عثمان فأخرجوه إليهما فما وصل إليهما وقد بقي في وجه شعرة فاستعظما ذلك، وأرسلا إلى عائشة يعلمانها الخبر، فأرسلت إليهما أن خَلّوا سبيله .

وقيل : لما أخذ عثمان أرسلوا إلى عائشة يستشيرونها في أمره فقالتْ : اقتلوه .

فقالت لها امرأة : نشدتُك الله في عثمان وصحبته لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت لهم : احبسوه . فقال لهم مجاشع بن مسعود : اضربوه وانتفوا لحيته وحاجبيه وأشفار عينيه .

فضربوه أربعين سوطاً ونتفوا لحيته ، وحاجبيه ، وأشفار عينيه ، وحبسوه ثم أطلقوه ، وجعلوا على بيت المال عبد الرحمن بن أبي بكر الصديق .

وقد قيل في إخراج عثمان غير ما تقدم ، وذلك أن عائشة وطلحة والزبير لما قَدِموا البصرة كتبت عائشة إلى زيد بن صُوْحَان: ” من عائشة أم المؤمنين حبيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى ابنها الخالص زيد بن صوحان أما بعد : فإذا أتاك كتابي هذا فاقدم فانصرنا فإنْ لم تفعل فخذِّل الناسَ عن عليّ .

فكتب إليها ” أمّا بعد : فأنا ابنك الخالص إنْ اعتزلتِ ورجعتِ إلي بيتك وإلاّ فأنا أول مَنْ نابذك ” .

وقال زيد : ” رَحِمَ الله أم المؤمنين أمِرَتْ أنْ تلزم بيتها وأمِرْنَا أنْ نقاتل فتركت ما أمِرَتْ به وأمرتنا به ، وصنعتْ ما أمرنا به ونهتنا عنه ” .

وكان على البصرة عند قدومها ” عثمان بن حنيف “ فقال لهم : ما نَقِمْتم على صاحبكم ؟

فقالوا : لم نره أولى بها مِنَّا، وقد صنع ما نصع . قال : فإنّ الرجل أمَّرَني فاكتب إليه فأعلمه ما جئتم به على أن أصليَ أنا بالناس حتى يأتينا كتابَه .

فوقفوا عنه ، فكتب فلم يلبث إلا يومين أو ثلاثة حتى وثبوا على عثمان عند مدينة الرزق فظفروا به ، وأرادوا قتله ثم خشوا غضب الأنصار فنتفوا شعر رأسه ولحيته وحاجبيه ، وضربوه ، وحبسوه ، وقام طلحة والزبير خطيَبيْن فقالا : يا أهلَ البصرة توبة لَحِوْبَة  إنما أردنا أنْ نستعتب أميرَ المؤمنين عثمانَ فغلب السفهاء الحلماء فقتلوه .

فقال الناس لطلحة : يا أبا محمد قد كَانت كُتُبُكَ تأتينا بغير هذا. فقال الزبير: هل جاءكم مني كتاب في شأنه ؟ ثم ذكر قَتْل عثمان وأظهر عَيْب عليّ ، فقام إليه رجلٌ مِنْ عبد القيس فقال : ( أيها الرجل انصت حتي نتكلم ” . فأنصت فقال العبدي :

” يا معشر المهاجرين أنتم أول من أجاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فكان لكم بذلك فضل ،ثم دخل الناس في الإسلام كما دخلتم ، فلما تُوُفيَ رسول الله صلى الله عليه وسلم بايعتم رجلاً منكم فرضينا وسلَمنا ولم تستأمرونا في شيء من ذلك فجعل الله للمسلمين في إمارته بركة، ثم مات واستخلف عليكم رجلاً فلم تشاورونا في ذلك فرضينا وسلَّمنا، فلما توفي جعلِ أمركم إلى ستة نفر فاخترتم عثمان وبايعتموه عَنْ غير مشورتنا، ثم أنكرتم منه شيئاَ فقتلتموه عن غير مشورة منا، ثم بايعتم علي عن غير مشورة منا فما الذي نقمتم عليه فنقاتله ؟ هل استأثر بفَيءٍ أو عمل بغير الحق أو أتي شيئاً تُنكرونه فنكون معكم عليه وإلاّ فما هذا؟

فهمُّوا بقَتْل ذلك الرجل فمنعته عشيرتُه ، فلما كان الند وثبوا عليه وعلى مَنْ معه فقتلوا منهم سبعين ، وبقي طلحة والزبير بعد أخذ عثمان بالبصرة ومعهم بيت المال والحرس والناس معهما ومَنْ لم يكن معهما استتر وبلغ حُكيم بن جبلة ما صُنِعَ بعثمان بن حنيف فقال : لستُ أخاف الله إنْ لم أنصره . فجاء في جماعة من عبد القيس ومَنْ تبعه من ربيعة وتوجّه نحو دار الرزق وبها طعام أراد عبد الله بن الزبير أنْ يرزقه أصحابَه ، فقال له عبد الله : مالك يا حكيم ؟

قال : نريد أنْ نرتزق من هذا الطعام ، وأن تُخَلُّوا عثمان فيقيم في دار الامارة على ما كتبتم بينكم حتى يقدم عليّ ، وأيم الله لو أجدُ أعواناً عليكم ما رضيت بهذه منكم حتى أقتلكم بمن قَتَلْتُم ، ولقد أصبحتُم وإن دماءكم لنا لحلال بمن قتلتم ، أما تخافون الله ! بم تستحلون الدم الحرام ؟ قال : بدم عثمان . قال : فالذين قتلتم هم قَتَلُوا عثمان ! أما تخافون مقتَ الله ؟

فقال له عبد الله : لا نرزقكم من هذا الطعام ولا نُخَلي سبيلَ عثمان حتى تخلج علياً . فقال حكيم : اللهم إنّك حَكَمٌ عدل فاشهد. وقال لأصحابه : لستُ في شك مِن قتال هؤلاء القوم ، فمن كان في شَكٍ فلينصرف . وتقدَّم فقاتلهم ، فقال طلحة والزبير: ” الحمد لله الذي جمع لنا ثأرنا مِن أهل البصرة، اللهم لا تُبْقِ منهم أحداً “.

فاقتتلوا قتالاً شديداً ومع حُكيم أربعة قواد، فكان حُكَيْم بحيال طلحة وذُرَيْح بحيال الزبير، وابن المحترش  بحيال، عبد الرحمن بن عتاب ، وحرقوص بن زهير بحيال عبد الرحمن بن الحارث بن هشام ، فزحف طلحة لحكيم وهو في ثلاثمائة وجعل حكيم يضرب بالسيف ويقول :

              أضْرِبُهُمْ بِاليَابسِ ضَرْبَ غُلَامٍ عَابِس

                مِن الحياةِ آَيِس فِي الغُرُفَاتِ نَافِس

 

فضرب رجلٌ رِجْلَه فقطعها فحبا حتى أخذها فرمي بها صاحبه فصرعَه ، وأتاه فقتله ، ثم اتكأ عليه وقال :

                  يَاسَاقي لَنْ تُرَاعِي إنَ مَعِيَ ذِرَاعِي

                          أحْمِي بِهَا كُرَاعِي

وقال أيضاً :

لَيْسَ عَلى أنْ أمُوتَ عَار وَالعَارُ في النَّاسِ هُو الفرار

وَالمَجْدُ لا يفضحه الدَّمَار

فأتي عليه رجلٌ وهو رثيث رأسه على اخر فقال : مالك يم ا حكيم ؟

قال : قُتِلْتُ . قال : مَنْ قتلك ؟. قال : وسادتي. فاحتمله وضمّه في سبعين مِنْ أصحابه ، وتكلّم يومئذ حكيم وإنه لقائم على رِجْلِ واحدة وإنّ السيوف لتأخدهم وما يتتعتع ويقول : ” إنّا خَلفْنَا هذان ، وقد بايعا علياً وأعطياه الطاعة ثم أقبلا مخالِفَيْن محاربَيْن يطلبان بدم عثمان ففرقا بيننا ونحن أهل دارٍ وجوار! اللهم إنهما لم يُرِيْدَا عثمان ا.

فناداه مُنَادٍ : ” يا خبيث جزعتَ مِنْ نصبك وأصحابك حين عَضَّك نَكَالُ الله بمَا ركبتم من الإمَام المظلوم ، وفرّقتم الجماعة وأصبتم من الدماء ، فَذُقْ وَبَالَ الله وانتقامِهِ إلى كلام ”  .

وقتلوا وقتل معهم قتله ” يزيد بن الأسحم الحداني ” فوجد حُكيم قتيلاً بين يزيد وأخيه كعب .

وقيل : قتله رجلٌ يقال له ” ضخيم ” وقُتل معه ابنه الأشرف ، وأخوه الرعل بن جبلة .

ولما قُتِلَ حُكيم أرادوا قتل عثمان بن حنيف فقال لهم : أما إنّ سهلاً بالمدينة فإنْ قتلتموني انتصر فخلوا سبيله ، فقصد علياً، وقُتل ذَرِيح ومَنْ معه ، وأفلت حُرْقُوص بن زهير في نفر من أصحابه فلجأوا إلي قومهم ، فنادي منادي طلحة والزبير: مَنْ كان فيهم أحدٌ ممن غزا المدينة فليأتنا بهم . فجيء بهم فقُتِلُوا ولم ينج منهم إلاّ حُرْقوص بن زهير فإنّ عشيرته بني سعد منعوه – وكان منهم – فنالهم من ذلك أمرٌ شديد وضربوا فيه أجلاً وخشنوا صدور بني سعد وكانوا عثمانية فاعتزلوا، وغضبتْ عبدُ القيس حين غضبت سعد لمن قُتِلَ منهم بعد الوقعة ومن كان هرب إليهم إلي ما هم عليه مِنْ لزوم الطاعة لعليّ ، فأمر طلحة والزبير للناس بأعطياتهم وأرزاقهم وفَضَّلا أهل السمع والطاعة فخرجت عبدُ القيس وكثيرٌ مِنْ بكر بن وائل حين منعوهم الفُضُول فبادروهم إلي بيت المال ، وأكب عليهم الناس فأصابوا منهم ، وخرجوا حتي نزلوا على طريق عليّ ، وأقام طلحة والزبير وليس معهما ثأر إلا حرقوص بن زهير وكتبوا إلى أهل الشام بما صنعوا وصاروا إليه .

وكتبت عائشة إلى أهل الكوفة بما كان منهم وتأمرهم أنْ يُثَبَطُوا الناس عن عليّ وتحثهم على طلب قتلة عثمان ، وكتبت إلى أهل اليمامة وإلي أهل المدينة بما كان منهم أيضاً، وسيرتَ الكتبَ  . وكانت هذه الوقعة لخمس ليال بقين من شهر ربيع الآخر سنة ست وثلاثين . لم وبايع أهلُ البصرة طلحة والزبير فلما بايعوهما قال الزبير: ” إلا ألف فارس أسيرُ بهم إلى عليّ أقتله بياتاً أو صباحاً قبل أنْ يَصِلَ إلينا ” فلم يُجِبْه أحد فقال : ” إنّ هذه لَلْفِتنة التي كنا نُحدَث عنها “. فقال له مولاه : ” أتسميها فتنة وتقاتِلُ فيها “؟

قال : ويلك إنّا تُبَصّر ولا تبصر! ما كان أمرٌ قط إلاّ وأنا أعلم موضع قدمي فيه غير هذا الأمر فإنّي لا أدري أمقبلٌ أنا فيه أم مدبر؟

وقال علقمة بن وَقَّاص الليثي : لما خرج طلحة والزبير وعائشة رأيتُ طلحة وأحب المجالس إليه أخلاها وهو ضارب بلحيته على صدره  فقلت : يا أبا محمد أرى أحبَّ المجالس إليك أخلاها وأنت ضاربٌ بلحيتك على صدرك ، إنْ كرهتَ شيئاً  فاجلس . قال :فقال لي :يا علقمة بينا نحن يدٌ واحدة على مَنْ سِوَانا أذْ صِرْنَا جبلين مِن حديد يطلبُ بعضنَا بعضاً، إنه كان مني في عثمان شيء ليس توبتي إلا أنْ يُسْفَك دمي في طلب دمه . قال : فقلت : فردَ ابنك محمداً فإن لك ضيعة وعيالاً فإن يك شيء يخلفك. قال : فامنَعْه . قال : فأتيتُ محمداً ابنه فقلتُ له : لو أقمتَ فإنْ حدث به حدث كُنْتَ تخلفه في عياله وضيعته . قال : ما أحب أنْ أسأل عنه الركبان “.