فتح مكة

‏فتح مكة

 

فتح مكة و يسمى أيضاُ الفتح الأعظم هو حدث تاريخي تم فيه فتح مدينة مكة على يد محمد بن عبد الله في 20 رمضان 8 هـ  بعد أن هاجر منها وكانت هجرته للمدينة نواة لتأسيس دولته والعمل على العودة لمكة مجددا.

 

لما كان من بنود صلح الحديبية أن من أراد الدخول في حلف المسلمين دخل ، ومن أراد الدخول في حلف قريش دخل ، دخلت قبيلة خزاعة في عهد الرسول ، ودخلت بنو بكر في عهد قريش ، وقد كانت بين القبيلتين حروب وثارات قديمة ، فأراد بنو بكر أن يصيبوا من خزاعة الثأر القديم ، فأغاروا عليها ليلاً ، فاقتتلوا ، وأصابوا منهم ، وأعانت قريش بني بكر بالسلاح والرجال ، فأسرع عمرو بن سالم الخزاعي إلى المدينة ، وأخبر النبي بغدر قريش وحلفائها .

 

وأرادت قريش تفادي الأمر، فأرسلت أبا سفيان إلى المدينة لتجديد الصلح مع المسلمين، ولكن دون جدوى؛ حيث أمر رسول الله المسلمين بالتهئ والاستعداد ، وأعلمهم أنه سائر إلى مكة ، كما أمر بكتم الأمر عن قريش من أجل مباغتتها في دارها .

 

بعدها قام الرسول بتجهيز الجيش للخروج إلى مكة فحضرت جموع كبيرة من قبائل جهينة وبني غفار ومزينة واسد وقيس وبني سليم والأنصار والمهاجرين. وقد دعى الرسول الله قائلا: ‏اللّهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.

 

وفي رمضان من السنة الثامنة للهجرة غادر الجيش الإسلامي المدينة إلى مكة، في عشرة آلاف من الصحابة بقيادة رسول الله بعد أن استخلف على المدينة أبو ذر الغفاري . وصلوا ” مر الظهران ” قريباً من مكة ، فنصبوا خيامهم ، وأشعلوا عشرة آلاف شعلة نار . فأضاء الوادي . ولما كان بالجحفة لقيه عمه العباس بن عبدالمطلب ، وكان قد خرج بأهله وعياله مسلماً مهاجراً . وركب العباس بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء ، يبحث عن أحد يبلغ قريشاً لكي تطلب الأمان من رسول الله قبل أن يدخل مكة .

 

دخل رسول الله مكة من أعلاها وهو يقرأ قول القرآن : (( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً )). أراد الرسول أن يري أبا سفيانٍ قوة المسلمين ، فحبسه عند مضيق الجبل. ومرت القبائل على راياتها، ثم مر رسول الله في كتيبته الخضراء. فقال أبو سفيان: ما لأحدٍ بهؤلاء من قبل ولا طاقة .

 

ثم رجع أبو سفيانٍ مسرعاً إلى مكة ، ونادى بأعلى صوته: ” يا معشر قريش ، هذا محمدٌ قد جاءكم فيما لا قبل لكم به. فمن دخل داري فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن”. فهرع الناس إلى دورهم وإلى المسجد. وأغلقوا الأبواب عليهم وهم ينظرون من شقوقها وثقوبها إلى جيش المسلمين، وقد دخل مرفوع الجباه. ودخل جيش المسلمين مكة في صباح يوم الجمعة الموافق عشرين من رمضان من السنة الثامنة للهجرة .

 

دخل الجيش الإسلامي كل حسب موضعه ومهامه ، وانهزم من أراد المقاومة من قريش، ثم دخل رسول الله المسجد الحرام والصحابة معه، فأقبل إلى الحجر الأسود ، فاستلمه.

 

خاف الأنصار بعد الفتح من إقامة الرسول بمكة ، فقال لهم : ( معاذ الله ، المحيا محياكم ، والممات مماتكم).

 

بعد الطواف بالكعبة أمر بتحطيم الأصنام المصفوفة حولها و كان عددها ثلاثمائة وستون صنماً مثبتة بالرصاص ، فجعل يطعنها ويقول : { جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقاً } الإسراء : 81 .

 

ورد في كتاب “فتوح البلدان” للبلاذري:

 

” قالوا: لما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم قريشاً عام الحديبية وكتب القضية على الهدنة، وأنه من أحب أن يدخل في عهد محمد صلى الله عليه وسلم دخل ومن أحب أن يدخل في عهد قريش دخل، وأنه من أتى قريشا” من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يردوه، ومن أتاه منهم ومن حلفائهم رده، قام من كان من كنانة فقالوا: ندخل في عهد قريش ومدتها، وقامت خزاعة فقالت: ندخل في عهد محمد وعقده. وقد كان بين عبد المطلب وخزاعة حلف قديم، فلذلك قال عمرو بن سالم بن حصيرة الخزاعي:

 

لا هم إني ناشد محمدا

حلف أبينا وأبيه الأتلدا

 

ثم إن رجلاً من خزاعة سمع رجلاً من كنانة ينشد هجاءً في رسول الله صلى الله عليه وسلم، فوثب عليه فشجه، فهاج ذلك بينهم الشر والقتال، وأعانت قريش بني كنانة، وخرج منهم رجال معهم فبيتوا خزاعة، فكان ذلك مما نقضوا به العهد والقضية. وقدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم عمرو ابن سالم بن حصيرة الخزاعي يستنصر رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعاه ذلك إلى غزو مكة.

 

وحدثنا أبو عبيد القاسم بن سلام قال: حدثنا عثمان بن صالح عن ابن لهيعة عن أبي الأسود، عن عروة في حديث طويل قال: فهادنت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يأمن بعضهم بعضاً على الأغلال والأسلاب، أو قال إرسال، فمن قدم مكة حاجاً أو معتمراً أو مجتازاً إلى اليمن والطائف فهو آمن، ومن قدم المدينة. من المشركين عامداً إلى الشام والمشرق فهو آمن. قال: فأدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم في عهده بني كعب، وأدخلت قريش في عهدها حلفاءها من بنى كنانة.

 

وحدثنا عبد الواحد بن غياث قال: حدثنا حماد بن سلمة قال: أخبرنا أيوب، عن عكرمة أن بني بكر من كنانة كانوا في صلح قريش، وكانت خزاعة في صلح رسول الله صلى الله عليه وسلم فاقتتلت بنو بكر وخزاعة بعرمة، فأمدت قريش بنى بكر بالسلاح وسقوهم ألماء وظللوهم. فقال: بعضهم لبعض: نكثتم العهد. فقالوا: ما نكثنا والله. ما قاتلنا، إنما مددناهم وسقيناهم وظللناهم. فقالوا لأني سفيان بن حرب: انطلق فأجد الحلف وأصلح بين الناس. فقدم أبو سفيان المدينة فلقي أبا بكر، فقال له: يا أبا بكر! أجد الحلف وأصلح بين الناس. فقال أبو بكر: الق عمر. فلقي عمر، فقال له: أجد الحلف وأصلح بين الناس. فقال عمر: قطع الله منه ما كان متصلاً وأبلى ما كان جديداً. فقال أبو سفيان: تالله ما رأيت شاهد عشيرة شراً منك. فانطلق إلى فاطمة فقالت: الق عليا. فلقيه فذكر له مثل ذلك، فقال علي: أنت شيخ قريش وسيدها فأجد الحلف وأصلح بين الناس. فضرب أبو سفيان يمينه على شماله وقال: قد جددت الحلف وأصلحت بين الناس. ثم انطلق حتى أتى مكة، وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: إن أبا سفيان قد أقبل، وسيرجع راضياً بغير قضاء حاجة، فلما رجع إلى أهل مكة أخبرهم الخبر، فقالوا: تالله ما رأينا أحمق منك. ما جئتنا بحرب فنحذر ولا بسلم فنأمن. وجاءت خزاعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشكوا ما أصابهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: إني قد أمرت بإحدى القريتين مكة أو الطائف، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمسير. فخرج في أصحابه وقال: اللهم اضرب على آذانهم فلا يسمعوا حتى نبغتهم بغتة. وأغذ المسير حتى نزل مر الظهران. وقد كانت قريش قالت لأبي سفيان: ارجع. فلما بلغ مر الظهران ورأى النيران والأخبية قال: ما شأن الناس كأنهم أهل عشية عرفة؟ وغشيته خيول رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذوه أسيراً. فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم، وجاء عمر فأراد قتله فمنعه العباس، وأسلم فدخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلما كان عند صلاة الصبح تحشحش الناس وضوءاً للصلاة. فقال أبو سفيان للعباس بن عبد المطلب: ما شأنهم يريدون قتلى؟ قال: لا، ولكنهم قاموا إلى الصلاة. فلما دخلوا في صلاتهم رآهم إذا ركع رسول الله صلى الله عليه وسلم ركعوا وإذا سجد سجدوا. فقال: تالله ما رأيت كاليوم طواعية قوم جاؤا من هاهنا وهانا ، ولا فارس الكرام ولا الروم ذات القرون. فقال العباس: يا رسول الله ابعثني إلى أهل مكة ادعهم إلى الإسلام. فلما بعثه أرسل في أثره وقال: ردوا على عمي لا يقتله المشركون. فأبى أن يرجع حتى أتى مكة. فقال: أي قوم! أسلموا تسلموا. أتيتم أتيتم، واستبطنتم بأشهب بأزل. هذا خالد بأسف مكة وهذا الزبير بأعلى مكة، وهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم في المهاجرين والأنصار وخزاعة. فقالت قريش: وما خزاعة الأنوف! حدثنا عبد الواحد بن غياث قال: حدثنا حماد بن سلمة عن محمد بن عمرو عن أبي سلمة بن عبد الرحمن، عن أبي هريرة أن قائل خزاعة قال للنبي صلى الله عليه وسلم:

 

لا هم إني ناشدٌ محـمـدا

حلف أبينا وأبيه الأتـلـدا

فانصر هداك الله نصراً أبداً

وادع عباد الله يأتوا مـددا

 

قال حماد: فحدثني علي بن زيد.

 

عن عكرمة أن خزاعة نادوا للنبي صلى الله عليه وسلم وهو يغتسل فقال: لبيكم.

 

وقال الواقدي وغيره: تسلح قوم من قريش يوم الفتح وقالوا: لا يدخلها محمد إلا عنوة، فقاتلهم خالد بن الوليد ، وكان أول من أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم بالدخول، فقتل أربعة وعشرين رجلاً من قريش وانهزم الباقون فاعتصموا برؤوس الجبال وتوقلوا فيها، واستشهد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ كرز بن جابر الفهري ، وخالد الاشعر الكعبي ،وقل هشام بن الكلبي: هو حبيش بن الاشعر الكعبي من خزاعة .

 

وحدثنا شيبان بت أبي شيبة الأبلى حدثنا سليمان بن المغيرة قال: حدثنا ثابت البستاني،عن عبد الله بن رباح قال: وفدت وفود إلى معاوية، وذلك في شهر رمضان، وكان بعضنا يصنع لبعض الطعام، وكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله، قال: فصنعت لهم طعاماً ودعوتهم ،فقال أبو هريرة: ألا أعللكم بحديث من حديثكم معشر الأنصار؟ ثم ذكر فتح مكة فقال: أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة، فبعث الزبير على إحدى المجنبتين، وبعث خالد بن الوليد على الأخرى، وبعث أبا عبيدة بن الجراح على الحسر، فأخذوا بطن الوادي رسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبته، فرآني فقال: يا أبا هريرة! قلت: لبيك يا رسول الله، قال: ناد الأنصار فلا يأت أنصاري، قال: فناديتهم، فطافوا به، وجمعت قريش أوباشها وأتباعها وقلوا: نقدم هؤلاء، فان أصابوا ظفراً كنا معهم وان أصيبوا أعطينا الذي يسأل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أترون أوباش قريش؟ قالوا: نعم، بإحدى يديه على الأخرى يشير أن اقتلوهم، ثم قال: وافوني بالصفا، قال: فانطلقنا، فما يشاء أحد أن يقتل أحداً إلا قتله، فجاء أبو سفيان فقال: يا رسول الله! أبيدت خضراء قريش، لا قريش بعد اليوم، فقال: رسول الله صلى الله عليه وسلم: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن ومن اغلق بابه فهو آمن، ومن ألقى السلاح فهو آمن، فقال بعض الأنصار لبعض: أما الرجل فأدركته رغبة في قرابته ورأفة بعشيرته، وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم الوحي، وكان إذا جاءه لم يخف علينا، فقال: يا معشر الأنصار قلتم كذا وكذا، قلوا: قد كان ذلك يا رسول الله، قال: كلا إني عبد الله ورسوله هاجرت إلى الله وإليكم، فالمحيا محياكم والممات مماتكم، فجعلوا يبكون ويقولون: والله ما قلنا الذي قلنا إلا للضن برسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

قال: وأقبل الناس إلى دار أبي سفيان وأغلقوا أبوابها ووضعوا سلاحهم واقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الحجر فاستلمه، ثم طاف بالبيت، واتى على صنم كان إلى جنب الكعبة وفي يده قوس قد أخذ بسيتها فجعل يطعن في عين الصنم ويقول: “جاء الحق وزهق الباطل إن الباطل كان زهوقا” قال: فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلاه، حتى نظر إلى البيت، ثم رفع يده يحمد الله ويدعو.

 

حدثنا محمد بن الصباح قال: أخبرنا هشيم عن حضين، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم فتح مكة: لا يجهزن على جريح، ولا يتبعن مدبر ولا يقتلن أسير ومن أغلق بابه فهو آمن، قال الواقدي: كانت غزوة الفتح في شهر رمضان سنة ثمان، فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة إلى الفطر، ثم توجه لغزوة حنين. وولى مكة عتاب بن أسيد بن أبي العيص بن أمية، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بهدم الأصنام ومحو الصور التي كانت في الكعبة، وقال: ابن خطل ولو كان متعلقاً بأستار الكعبة. فقتله أبو برزة الأسلمي.

 

قال أبو اليقظان: واسم ابن خطل قيس، وقتله أبو شرياب الأنصاري، وكانت لابن خطل قينتان تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتلت إحداهما وبقيت الأخرى حتى كسرت لها ضلع أيام عثمان فماتت.

 

وقتل نميلة بن عبد الله الكناني مقيس بن ضبابة الكناني، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمر من وجده أن يقتله. وذلك لأن أخاه هاشم ابن ضبابة بن خزن أسلم وشهد غزوة المريسيع مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقتله رجل من الأنصار خطأ وهو يظنه مشركا. فقدم مقيس على رسول الله صلى الله عليه وسلم فقضى له بالدية على عاقلة القاتل فأخذا، وأسلم، ثم عدا على قاتل أخيه فقتله وهرب مرتداً وقال:

 

شفى النفس أن قد بات بالقاع مسندا

يضرج ثوبـيه دمـاء الأخـداع

ثأرت به قهراً وحملت عـقـلـه

سراة بني النجار أربـاب فـارع

حللت به وترى وأدركت ثؤرتـي

وكنت عن الإسـلام أول راجـع

 

وقتل علي بن أبي طالب رضي الله عنه الحويرث بن نقيذ بن بحير بن عبد ابن قصي، وكان النبي صلى الله عليه وسلم أمر أن يقتله من وجده.

 

وحدثني بكر بن الهيثم عن عبد الرازق عن معمر،عن الكلبي قال: جاءت قينة لهلال بن عبد الله، وهو ابن خطل الأدرمي من بني تيم، إلى النبي صلى الله عليه وسلم متنكرة، فأسلمت وبايعت وهو لا يعرفها، فلم يعرض لها. وقتلت قينة له أخرى، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

قال: وأسلم ابن الزبعري السهمي قبل أن يقدر عليه. ومدح رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان قد أباح دمه يوم الفتح ولم يعرض له.

 

حدثنا محمد بن الصباح البزاز قال: حدثنا هشيم قال: أخبرنا خالد الحذاء، عن القاسم بن ربيعة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم خطب يوم مكة فقال: الحمد لله الذي صدق وعده، ونصر جنده، وهزم الأحزاب وحده، ألا إن كل مأثرة كانت في الجاهلية وكل دمٍ ودعوى موضوعةٌ تحت قدمي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.

 

وحدثنا خلف الزار حدثنا إسماعيل بن عياش عن عبد الله بن عبد الرحمن، عن أشياخة قالوا: لما كان يوم فتح مكة قال النبي صلى الله عليه وسلم لقريش: ما تظنون؟ قالوا: نظن خيراً ونقول خيراً، أخ كريم وابن أخ كريم، وقد قدرت. قال: فلإني أقول كما قال أخي يوسف عليه السلام “لاتثريب عليكم اليوم، يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين” ألا كل دين ومال ومأثرةٍ كانت في الجاهلية فهي تحت قدمي، إلا سدانة البيت وسقاية الحاج.

 

حدثنا شيبان قال: حدثنا جرير بن حازم قال: حدثنا عبد الله بن عبيد بن عمير قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته: ألا إن مكة حرام ما بين أخشبيها، لم يحل لأحد قبلي ولا يحل لأحد بعدي، ولم يحل لي إلا ساعة من نهار. لا يختلى خلاها، ولا تعضد عضاهها، ولا ينفر صيدها، ولا تلتقط لقطتها، إلا أن يعرف أو يعرف. فقال العباس رحمه الله: إلا الأذخر، فلإنه لصاغتنا وقيوننا وطهور بيوتنا، فقال صلى الله عليه وسلم: إلا الأذخر.

 

حدثنا يوسف بن موسى القطان قال: حدثنا جرير بن عبد الحميد عن منصور عن مجاهد، عن ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: لا يختلى خلى مكة ولا بعضد شجرها. فقال العباس: إلا الأذخر، فلإنه للقيون وطهور البيوت. فرخص في ذلك.

 

حدثنا شيبان قال: حدثنا أبو هلال الراسي، عن الحسن قال: أراد عمر أن يأخذ كنز الكعبة فينفقه في سبيل الله. فقال له أبي بن كعب الأنصاري: يا أمير المؤمنين! قد سبقك صاحباك، ولو كان هذا فضلاً لفعلاه.

 

وحدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن مجاهد قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: مكة حرام، لا يحل بيع رباعها ولا أجور بيوتها.

 

حدثنا محمد بن حاتم المروزي قال: حدثنا عبد الرحمن بن مهدي عن إسرائيل عن إبراهيم بن مهاجر عن يوسف بن ماهك عن أبيه، عن عائشة قالت: قلت يا رسول الله. ابن لك بناء يظلك من الشمس بمكة فقال: إنما هي مناخ من سبق.

 

حدثنا خلف بن هشام الزار، حدثنا أسماعي، عن ابن جريج قال: قرأت كتاب عمر بن عبد العزيز ينهى عن كراء بيوت مكة.

 

حدثنا أبو عبيد حدثنا إسماعيل بن جعفر عن اسرائيل عن نوثر عن محاهد، عن ابن عمر قال: الحرم كله مسجد.

 

حدثنا عمرو الناقد قال: حدثنا إسحاق الأزرق، عن عبد الملك بن أبي سليمان قال: كتب عمر بن عبد العزيز إلى أمير مكة أن لا تدع أهل مكة يأخذون على بيوت مكة أجراً فإنه لا يحل لهم.

 

حدثنا عثمان بن أبي شيبة قال: حدثنا جرير عن يزيد بن أبي زياد، عن عبد الرحمن بن سابط في قوله “سواءً العاكف فيه والباد” قال: البادي من يخرج من الحجاج والمعتمرين، هم سواء في المنازل ينزلوا حيث شاؤا غير أن لا يخرج أحد من بيته.

 

حدثنا عثمان قال: حدثنا جرير عن منصور، عن مجاهد في هذه الآية قال: أهل مكة وغيرهم في المنازل سواء.

 

وحدثنا عثمان وعمرو قالا: حدثنا وكيع عن سفيان عن منصور، عن مجاهد أن عمر بن الخطاب قال لأهل مكة: لا تتخذوا لدوركم أبواباً لينزل البادي حيث شاء.

 

وحدثنا عثمان بن أبي شيبة وبكر بن الهيثم قالا: حدثنا يحيى بن ضريس الرازي عن سفيان، عن أبي حصين قال: قلت لسعيد بن جبير وهو بمكة: إني أريد أن أعتكف. فقال: أنت عاكف. ثم قرأ “سواءً العاكف فيه والباد”.

 

حدثنا عثمان قال: حدثنا حفص بن غياث عن عبد الله بن مسلم، عن سعيد بن جبير في قوله “سواءً العاكف فيه والباد” قال: خلق الله فيه سواءٌ: أهل مكة وغيرها.

 

وحدثني محمد بن سعد،عن الواقدي قال: كان يتخاصم إلى أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم في أجور الدور بمكة، فيقضى بها على من اكتراها. وهو قول مالك وابن أبي ذئب.

 

قال: وقال ربيعة وأبو الزناد: لا بأس بأكل كراء بيوت مكة وبيع رباعها.

 

وقال الواقدي: رأيت ابن أبي ذئب يأتيه كراء داره بمكة بين الصفا والمروة.

 

وقال الليث بن سعد: ما كان من دار فأجرها طيب لصاحبها، فأما القاعات والسكك والأفنية والخرابات، فمن سبق نزل ذلك بغير كراء.

 

وأخبرني أبو عبد الرحمن الأودي عن الشافعي بمثل ذلك.

 

وقال سفيان بن سعيد الثوري: كراء بيوت مكة حرام. وكان يشدد في ذلك. وقال الأوزاعي وابن أبي ليلى وأبو حنيفة: إن كراها في ليالي الحج، فالكرآء باطلٌ، وإن كان في غير ليالي الحج وكان المكتري مجاوراً أو غير ذلك فلا بأس.

 

وقال بعض أصحاب أبي يوسف: كراؤها حل طلق، وإنما يستوي العاكف والبادي في الطواف بالبيت.

 

حدثنا الحسين بن علي بن الأسود قال: حدثنا عبيد الله بن موسى عن الحسن ابن صالح عن العلاء بن المسيب، عن عبد الرحمن بن الأسود أنه كان لا يرى ببقل مكة، ولا بالزرع الذي يزرع فيها، ولا شيء مما أنبته الناس بها من شجر أو نخل، بأساً أن تقطعه وتأكله وتصنع فيه ما شئت. قال: وإنما كره ما أنبتت الأرض بمكة من شجر وغيره مما لم يعمله الناس إلا الإذخر.

 

قال الحسن بن صالح: رخص في الشجر البالي الذي قد يبس وتكسر.

 

وقال: محمد بن عمر الواقدي: قال مالك وابن أبي ذئب: في محرم أو حلال قطع شجر من الحرم أنه قد أساء، فإن كان جاهلاً علم ولا شيء عليه، وإن كان عالماً خالعاً عوقب ولا قيمة عليه، ومن قطع من ذلك شيئاً فلا بأس أن ينتفع به.

 

قال: وقال سفيان الثوري وأبو يوسف: عليه في الشجرة لقطعها قيمة ولا ينتفع بذلك. وهو قول أبي حنيفة.

 

وقال سفيان بن سعيد وأبو حنيفة وأبو يوسف: كل شيء مما لا ينبته الناس فعلى قاطعة قيمة.

 

وقال الواقدي: سألت الثوري وأبا يوسف عن رجل أنبت في الحرم مالا ينبته الناس فقام عليه حتى نبت له، أله أن يقطعه؟ قالا: نعم. قلت: فإن نبتت في بستانه شجرة مما لا ينبت الناس من غير أن يكون أنبتها؟ قالا: يصنع بها ما شاء.

 

وحدثني محمد بن سعد، عن الواقدي قال: روى لنا أن ابن عمر كان يأكل بمكة بقلاً زرع في الحرم.

 

وحدثني محمد بن سعد قال: حدثني الواقدي عن معاذ بن محمد قال: رأيت على مائدة الزهري بقلاً من الحرم.

 

قال أبو حنيفة: لايرعى الرجل المحرم بعيره في الحرم، ولا يحتش له. وهو قول زفر.

 

وقال مالك وابن أبي ذئب وسفيان وأبو يوسف وابن أبي سبرة: لابأس بالرعي، ولا يحتش.

 

وقال ابن أبي ليلى: لا بأس بأن يحتش.

 

وحدثني عفان والعباس بن الوليد الترسي قال: حدثنا عبد الواحد ابن زياد قال: حدثنا ليث قال: كان عطاء لايرى بأساً ببقل الحرم وما زرع فيه، وبالقضيب والسواك.

 

قال: وكان مجاهد يكرهه.

 

قال: ولم يكن للمسجد الحرام على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبي بكر جدار يحيط به، فلما استخلف عمر بن الخطاب وكثر الناس وسع المسجد، واشترى دوراً فهدمها وزاردها فيه. وهدم على قومٍ من جيران المسجد أبوا أن يبيعوا ووضع لهم الأثمان حتى أخذوها بعد. واتخذ للمسجد جداراً قصيراً دون القامة، فكانت المسابيح توضع عليه. فلما استخلف عثمان بن عفان ابتاع منازل وسع المسجد بها، وأخذ منازل أقوام ووضع لهم الأثمان، فضجوا به عند البيت فقال: إنما جرأكم على حلمى عنكم ولينى لكم. لقد فعل بكم عمر مثل هذا فأررتم ورضيتم. ثم أمر بهم إلى الحبس، حتى كلمه فيهم عبد الله بن خالد ابن أسيد بن أبي العيص فحلى سبيلهم.

 

ويقال إن عثمان أول من اتخذ للمسجد الأروقة واتخذها حين وسعه.

 

قالوا: وكان باب الكعبة على عهد إبراهيم عليه السلام وجرهم والعماليق بالأرض، حتى بنته قريش. فقال أبو حذيفة بن المغيرة: ياقوم! ارفعوا باب الكعبة حتى لا يدخل إلا بسلم، فإنه لا يدخلها حينئذ إلا من أردتم، فإن جاء أحد ممن تكرهون رميتم به فسقط فكان نكالاً لمن ورائه. فعملت قرش بذلك. قال: ولما تحصن عبد الله بن الزبير بن العوام في المسجد الحرام واستعاذ به، والحصين بن نمير السكوني إذ ذاك يقاتله في أهل الشام، أخذ ذات يوم رجل من أصحابه ناراً على ليفةٍ في رأس رمح، وكانت الريح عاصفاً، فطارت شرره فتعلقت بأستار الكعبة فأحرقتها، فتصدعت حيطانها واسودت، وضك في سنة أربع وستين، حتى إذا مات يزيد بن معاوية وانصرف الحصين ابن نمير إلى الشام أمر ابن الزبير بما في المسجد من الحجارة التي رمى بها فأخرج، ثم هدم الكعبة متصلاً بالحجر. وإنما التمس إعادتها إلى بناء إبراهيم عليه السلام على ما كانت عائشة أم المؤمنين أخبرته عن النبي صلى الله عليه وسلم. وجعل على بابها صفائح الذهب، وجعل مفاتيحها من ذهب. فلما حاربه الحجاج ابن يوسف من قبل عبد الملك بن مروان وقتله، كتب إليه عبد الملك يأمره ببناء الكعبة والمسجد الحرام. وقد كانت الحجارة حلحلت الكعبة، فهدمها الحجاج وبناها، فردها إلى بناء قريش، وأخرج الحجر. فكان عبد الملك يقول بعد ذلك: وددت أني كنت حملت ابن الزبير من أمر الكعبة وبناءها ما تحمل.

 

قالوا: وكانت كسوة الكعبة في الجاهلية الأنطاع والمغافر. فكساها رسول الله صلى الله عليه وسلم الثياب اليمانية، ثم كساها عمر وعثمان رضي الله عنهما القباطي، ثم كساها يزيد بن معاوية الدياج الخسواني، وكساها ابن الزبير والحجاج بعده الديباج، وكساها بنو أمية في بعض أيامهم الحلل التي كان أهل نجران يؤدونهت، وأخذوهم بتجويدها، وفوقها الديباج.

 

ثم إن الوليد بن عبد الملك وسع المسجد الخرام، وحمل إليه عمد تلحجارة والرخام والفيسفساء.

 

قال الواقدي: فلما كانت خلافة أمير المؤمنين المنصور رحمه الله زاد في المسجد وبناه، وذلك في سنة تسع وثلاثين ومئة.

 

وقال على بن محمد بن عبد الله المائني: ولى المهدي جعفر بن سليمان ابن على بن عبد الله بن العباس مكة والمدينة واليمامة. فوسع مسجدي مكة والمدينة وبناهما. وقد جدد أمير المؤمنين المتوكل على الله جعفر بن أبي اسحاق المعتصم بالله بن الرشيد هارون بن المهدي رضوان الله عليهم رخام الكعبة وأزرها بفضة، وألبس سائر حيطانها وسقفها الذهب، ولم يفعل ذلك أحد قبله، وكسا أساطينها الديباج.

 

ورد في “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري:

 

” حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني ابن إسحاق، قال: ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد بعثه إلى مؤتة، جمادى الآخرة ورجب.

 

ثم إن بني بكر بن عبد مناة بن كنانة عدت على خزاعة، وهم على ماء لهم بأسفل مكة؛ يقال له الوتير . وكان الذي هاج ما بين بني بكر وبني خزاعة رجل من بل حضرمي، يقال له مالك بن عباد- وحلف الحضرمي يومئذ إلى الأسود بن رزن- خرج تاجراً، فلما توسط أرض خزاعة عدواً عليه فقتلوه؛ وأخذوا ماله؛ فعدت بنو بكر على رجل من خزاعة فقتلوه، فعدت خزاعة قبيل الإسلام على بني الأسود بن رزن الديلي؛ وهم منخر بني بكر وأشرلفهم: سلمى، وكلثوم، وذؤيب؛ فقتلوهم بعرفة عند أنصاب الحرم .

 

حدثنا ابن حميد؛ قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن رجل من بني الديل ، قال: كان بنو الأسود يودون في الجاهلية ديتين ديتين، ونودى ديةً ديةً لفضلهم فينا.

 

فبينا بنو بكر وخزاعة على ذلك حجز بينهم الإسلام، وتشاغل الناس به، فلما كان صلح الحديبية بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش كان فيما شرطوا على رسول الله صلى الله عليه وسلم، وشرط لهم- كما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، عن عروة بن الزبير، عن المسور بن مخرمة ومروان بن الحكم وغيره من علمائنا- أنه من أحب أن يدخل في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وعقده دخل فيه، ومن أحب أن يدخل في عهد قريش وعقدهم دخل فيه؛ فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خزاعة في عقد رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 

فلما كانت تلك الهدنة أغتنمتها بنو الدين، من بني بكر من خزاعة وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك النفر الذين أصابوا منهم ببني الأسود بن رزن، فخرج نوفل بن معاوية الديلي في بني الديل- وهو يومئذ قائدهم؛ ليس كل بني بكر تابعه- حتى بيت خزاعة، وهم على الوتير؛ ماء لهم، فأصابوا منهم رجلاً وتحاوزوا وأقتتلوا؛ ورفدت قريش بني بكر بالسلاح؛ وقاتل معهم من قريش من قاتل بالليل مستخفياً؛ حتى حازوا خزاعة إلى الحرم. – قال الواقدي: كان ممن أعان من قريش بني بكر على خزاعة ليلتئذ بأنفسهم متنكرين صفوان بن أمية، وعكرمة بن أبي جهل، وسهيل بن عمرو؛ مع غيرهم وعبيدهم- رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق، قال: فلما أنتهوا إليه قالت بنو بكر: يا نوفل، إنا قد دخلنا الحرم إلهك إلهك؛ فقال: كلمة عظيمة إنه لا إله له اليوم! يا بني بكر أصيبوا ثأركم، فلعمري إنكم لتسرقون في الحرم؛ أفلا تصيبون ثأركم فيه! وقد أصابوا منهم ليلة بيتوهم بالوتير رجلاً يقال له منبه، وكان منبه رجلاً مفئوداً خرج هو ورجل من قومه، يقال له تميم بن أسد- فقال له منبه: يا تميم، أنج بنفسك؛ فأما أنا فو الله إني لميت قتلوني أو تركوني؛ لقد أنبت فؤادي. فأنطلق تميم فأفلت، وأدركوا منبها فقتلوه- فلما دخلت خزاعة مكة لجئوا إلى دار بديل بن ورقاء الخزاعي، ودار مولى لهم يقال له رافع.

 

قال: فلما تظاهرت بنو بكر وقريش على خزاعة، وأصابوا منهم ما أصابوا، ونقضوا ما كان بينهم وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم من العهد والميثاق بما أستحلوا من خزاعة- وكانوا في عقده وعهده- خرج عمرو بن سالم الخزاعي، ثم أحد بني كعب؛ حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ وكان ذلك مما هاج فتح مكة؛ فوقف عليه وهو في المسجد جالس بين ظهراني الناس، فقال:

 

لا هم إني ناشـد مـحـمـدا                حلف أبينـا وأبـيه الأتـلـدا

فوالداً كـنـا وكـنـت ولـدا                     ثمت أسلمنا فلم نـنـزع يدا

فأنصر رسول الله نصراً أعتدا               وأدع عباد اللـه يأتـوا مـددا

فيهم رسول الله قد تـجـردا                 أبيض مثل البدر ينمي صعدا

إن سيم خسفاً وجهه تـربـدا               في فيلق كالبحر يجري مزبدا

إن قريشاً أخلفوك المـوعـدا                ونقضوا ميثاقك الـمـؤكـدا

وجعلوا لي في كداء رصـدا                وزعموا أن لست أدعو أحدا

وهـم أذل وأقـل عـــددا                     هم بيتونا بالوتـير هـجـدا

 

فقتلونا ركعاً وسجدا يقول: قد قتلونا وقد أسلمنا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين سمع ذلك: قد نصرت يا عمرو بن سالم! ثم عرض لرسول الله صلى الله عليه وسلم عنان من السماء، فقال: إن هذه السحابة لتستهل بنصر بني كعب.

 

ثم خرج بديل بن ورقاء في نفر من خزاعة حتى قدموا على رسول الله المدينة، فأخبروه بما أصيب منهم، وبمظاهرة قريش بني بكر عليهم؛ ثم أنصرفوا راجعين إلى مكة. وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال للناس: كأنكم بأبي سفيان قد جاء ليشدد العقد، ويزيد في المدة.

 

ومضى بديل بن ورقاء وأصحابه، فلقوا أبا سفيان بعسفان، قد بعثته قريش إلى رسول الله ليشدد العقد ويزيد في المدة؛ وقد رهبوا الذي صنعوا؛ فلما لقي أبو سفيان بديلاً، قال: من أين أقبلت يا بديل؟ وظن أنه قد أتى رسول الله، قال: سرت في خزاعة في الساحل وفي بطن هذا الوادي. قال: أو ما أتيت محمداً؟ قال: لا. قال: راح بديل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء المدينة لقد علف بها النوى؛ فعمد إلى مبرك ناقته ، فأخذ من بعرها ففته؛ فرأى فيه النوى، فقال: أحلف بالله لقد جاء بديل محمداً.

 

ثم خرج أبو سفيان حتى قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة؛ فدخل على أبنته أم حبيبة بنت أبي سفيان؛ فلما ذهب ليجلس على فراش رسول الله صلى الله عليه وسلم طوته عنه، فقال: يا بنية؛ والله ما أدري أرغبت بي عن هذا الفراش، أم رغبت به عني! قالت: بل هو فراش رسول الله، وأنت رجل مشرك نجس، فلم أحب أن تجلس على فراش رسول الله، قال: والله لقد أصابك يا بنية بعدي شر. ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلمه فلم يردد عليه شيئاً، ثم ذهب إلى أبي بكر فكلمه أن يكلم له رسول الله، فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمر بن الخطاب، فكلمه فقال: أنا أشفع لكم إلى رسول الله! فو الله لو لم أجد إلا الذر لجاهدتكم. ثم خرج فدخل على علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه، وعنده فاطمة أبنة رسول الله، وعندها الحسن بن علي؛ غلام يدب بين يديها، فقال: يا علي؛ إنك أمس القوم بي رحماً، وأقربهم مني قرابة، وقد جئت في حاجة؛ فلا أرجعن كما جئت خائباً، أشفع لنا إلى رسول الله! قال: ويحك يا أبا سفيان! والله لقد عزم رسول الله على أمر ما نستطيع أن نكلمه فيه، فألتفت إلى فاطمة، فقال: يا أبنة محمد هل لك أن تأمرى بنيك هذا فيجير بين الناس، فيكون سيد العرب إلى آخر الدهر! قالت: والله ما بلغ بنيى ذلك أن يجير بين الناس، وما يجير على رسول الله أحد. قال: يا أبا الحسن، إني أرى الأمور قد أشتدت علي فأنصحني. فقال له : والله ما أعلم شيئاً يغنى عنك شيئاً، ولكنك سيد بني كنانة؛ فقم فأجر بين الناس، ثم الحق بأرضك. قال: أو ترى ذلك مغنياً عني شيئاً! قال: لا والله ما أظن؛ ولكن لا أجد لك غير ذلك؛ فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيها الناس؛ إني قد أجرت بين الناس؛ ثم ركب بعيرة فأنطلق.

 

فلما قدم على قريش، قالوا: ما وراءك؟ قال: جئت محمداً فكلمته، فو الله ما رد على شيئاً، ثم جئت أبن أبي قحافة، فلم أجد عنده خيراً، ثم جئت أبن الخطاب؛ فوجدته أعدى القوم، ثم جئت على بن أبي طالب، فوجدته ألين القوم؛ وقد أشار علي بشيء صنعته؛ فو الله ما أدري هل يغنيني شيئاً أم لا! قالوا: وبماذا أمرك؟ قال: أمرني أن أجير بين الناس ففعلت؛ قالوا: فهل أجاز ذلك محمد؟ قال: لا، قالوا: ويلك! والله إن زاد على أن لعب بك، فما يغنى عنا ما قلت. قال: لا والله، ما وجدت غير ذلك، قال: وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بالجهاز؛ وأمر أهله أن يجهزوه؛ فدخل أبو بكر على أبنته عائشة وهي تحرك بعض جهاز رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: أي بنية، أأمركم رسول الله بأن تجهزوه؟ قالت: نعم، فتجهز، قال: فأين ترينه يريد؟ قالت: والله ما أدري.

 

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أعلم الناس أنه سائر إلى مكة؛ وأمرهم بالجد والتهيؤ ، وقال: اللهم خذ العيون والأخبار عن قريش حتى نبغتها في بلادها.

فتجهز الناس، فقال حسان بن ثابت الأنصاري يحرض الناس، ويذكر مصاب رجال خزاعة:

 

أتاني ولم أشهد ببطـحـاء مـكة                رجال بني كعب تحز رقابـهـا

بأيدي رجال لم يسلوا سيوفـهـم                وقتلي كثير لم تجـن ثـيابـهـا

ألا ليت شعري هل تنالن نصرتي             سهيل بن عمرو حرها وعقابها !

وصفوان عوداً حز من شفراسته              فهذا أوان الحرب شد عصابهـا

فلا تأمننـا يا بـن أم مـجـالـد                   إذا أحتلبت صرفاً وأعصل نابها

فلا تجزعوا منها فإن سيوفـنـا                 لها وقعة بالموت يفتح بـابـهـا

 

وقول حسان: بأيدي رجال لم يسلوا سيوفهم يعني قريشاً. وأبن أم مجالد، يعني عكرمة بن أبي جهل .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير، عن عروة بن الزبير وغيره من علمائنا، قالوا: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم المسير إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة كتاباً إلى قريش، يخبرهم بالذي أجمع عليه رسول الله من الأمر في السير إليهم؛ ثم أعطاه أمرأة- يزعم محمد بن جعفر أنها من مزينة؛ وزعم غيره أنها سارة، مولاة لبعض بني عبد المطلب – وجعل لها جعلاً على أن تبلغه قريشاً. فجعلته في رأسها، ثم فتلت عليه قرونها، ثم خرجت به. وأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم الخبر من السماء بما صنع حاطب؛ فبعث علي بن أبي طالب والزبير بن العوام، فقال: أدركا أمرأة قد كتب معها حاطب بكتاب إلى قريش، يحذرهم ما قد أجمعنا له في أمرهم؛ فخرجا حتى أدركاها بالحليفة، حليفة أبن أبي أحمد؛ فأستنزلاها، فالتمسا في رحلها، فلم يجدا شيئاً، فقال لها علي بن أبي طالب: إني أحلف ما كذب رسول الله ولا كذبنا؛ ولتخرجن إلى هذا الكتاب أو لنكشفنك؛ فلما رأت الجد منه، قالت: أعرض عني فأعرض عنها، فحلت قرون رأسها، فأستخرجت الكتاب منه ، فدفعته إليه، فجاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا رسول الله حاطباً؛ فقال: يا حاطب، ما حملك على هذا؟ فقال: يا رسول الله، أما والله إني لمؤمن بالله ورسوله، ما غيرت ولا بدلت، ولكني كنت امرأً ليس لي في القوم أصل ولا عشيرة، وكان لي بين أظهرهم أهل وولد، فصانعتهم عليهم، فقال عمر بن الخطاب: يا رسول الله، دعني فلأضرب عنقه، فإن الرجل قد نافق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: وما يدريك يا عمر، لعل الله قد أطلع إلى أصحاب بدر يوم بدر؛ فقال: أعلموا ما شئتم فقد غفرت لكم! فأنزل الله عز وجل في حاطب: “يأيها الذين آمنوا لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء” إلى قوله: “وإليك أنبنا” إلى آخر القصة .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمى، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن مسلم الزهري، عن عبيد الله بن عبد الله بن عتبة بن مسعود، عن أبن عباس، قال: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم لسفره؛ وأستخلف على المدينة أبارهم كلثوم بن حصين بن خلف الغفاري، وخرج لعشر مضين من شهر رمضان، فصام رسول الله صلى الله عليه وسلم، وصام الناس معه؛ حتى إذا كان بالكديد ما بين عسفان وأمج، أفطر رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم مضى حتى نزل مر الظهران في عشرة آلاف من المسلمين، فسبعت سليم؛ وألفت مزينة وفي كل القبائل عدد وإسلام؛ وأوعب مع رسول الله المهاجرون والأنصار، فلم يتخلف عنه منهم أحد، فلما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، وقد عميت الأخبار عن قريش فلا يأتيهم خبر عن رسول الله؛ ولا يدرون ما هو فاعل؛ فخرج في تلك الليلة أبو سفيان بن حرب وحكيم بن حزام، وبديل بن ورقاء، يتحسسون الأخبار؛ هل يجدون خبراً أو يسمعون به ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: وقد كان فيما حدثني محمد بن إسحاق، عن العباس بن عبد الله بن معبد بن العباس بن عبد المطلب؛ عن أبن عباس: وقد كان العباس بن عبد المطلب تلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم ببعض الطريق ؛ وقد كان أبو سفيان بن الحارث وعبد الله بن أبي أمية بن المغيرة قد لقيا رسول الله صلى الله عليه وسلم بنيق العقاب؛ فيما بين مكة والمدينة، فألتمس الدخول على رسول الله، فكلمته أم سلمة فيهما، فقالت: يا رسول الله، أبن عمك وأبن عمتك وصهرك، قال: لا حاجة لي بهما، أما أبن عمتي فهتك عرضي؛ وأما أبن عمتي وصهري فهو الذي قال بمكة ما قال.

 

فلما خرج الخبر إليهما بذلك؛ ومع أبي سفيان بني له فقال: والله ليأذن لي أو لآخذن بيد بني هذا؛ ثم أتذهبن في الأرض؛ حتى نموت عطشاً وجوعاً. فلما بلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم رق لهما؛ ثم أذن لهما، فدخلا عليه؛ فأسلما وأنشده أبو سفيان قوله في إسلامه واعتذاره مما كان مضى منه:

 

                     لعمري إني يوم أحـمـل رايةً              لتغلب خيل الات خيل محمـد

                     لكا لمدلج الخيران أظلم لـيلـه             فهذا أواني حين أهدى وأهتدى

                     وهاد هداني غير نفسي ونالنـي           مع الله من طردت كل مطرد

                   أصدو أنأي جاهداً عن محـمـد              وأدعى ولو لم أنتسب من محمد

                   هم ما هم من لم يقـل بـهـواهـم              وإن كـان ذا رأي يلـم ويفـنــد

                   أريد لأرضيهـم ولـسـت بـلائط              مع القوم ما لم أهد في كل مقعـد

                    فقل لثـقـيف لا أريد قـتـالـهـا               وقل لثقيف تلك غـيري أو عـدي

                   وما كنت في الجيش الذي نال عامراً        وما كان عن جري لساني ولا يدي

                    قبائل جـاءت مـن بـلاد بـعـيدة             نزائع جاءت من سهـام وسـردد

 

قال: فزعموا أنه حين أنشد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله: ونالني مع الله من طردت كل مطرد؛ ضرب النبي صلى الله عليه وسلم في صدره، ثم قال: أنت طردتني كل مطرد ! وقال الواقدي: خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى مكة، فقائل يقول: يريد قريشاً، وقائل يقول: يريد هوازن، وقائل يقول: يريد ثقيفاً؛ وبعث إلى القبائل فتخلفت عنه؛ ولم يعقد الألوية ولم ينشر الرايات حتى قدم قديداً، فلقيته بنو سليم على الخيل والسلاح التام؛ وقد كان عيينة لحق رسول الله بالعرج في نفر من أصحابه، ولحقه الأقرع بن حابس بالسقيا، فقال عيينة: يا رسول الله؛ والله ما أرى آلة الحرب ولا تهيئة الإحرام، فأين تتوجه يا رسول الله؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: حيث شاء الله. ثم دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن تعمي عليهم الأخبار؛ فنزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، ولقيه العباس بالسقيا، ولقيه مخرمة بن نوفل بنيق العقاب.

 

فلما نزل مر الظهران خرج أبو سفيان بن حرب ومعه حكيم بن حزام.

 

فحدثنا أبو كريب، قال: أخبرنا يونس بن بكير، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله بن عبيد الله بن عباس، عن عكرمة عن أبن عباس، قال: لما نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم مر الظهران، قال العباس بن عبد المطلب، وقد خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم من المدينة: يا صباح قريش ! والله لئن بغتها رسول الله في بلادها؛ فدخل مكة عنوة؛ إنه لهلاك قريش آخر الدهر! فجلس على بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم البيضاء، وقال: أخرج إلى الأراك لعلي أرى حطاباً أو صاحب لبن؛ أو داخلاً يدخل مكة؛ فيخبرهم بمكان رسول الله؛ فيأتونه فيستأمنونه. فخرجت؛ فو الله إني لأطوف في الأراك ألتمس ما خرجت له؛ إذ سمعت صوت أبي سفيان بن حرب وحكيم بن حزام وبديل بن ورقاء، وقد خرجوا يتحسسون الخبر عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فسمعت أبا سفيان وهو يقول: والله ما رأيت كاليوم قط نيراناً! فقال بديل: هذه والله نيران خزاعة، حمشها الحرب! فقال أبو سفيان: خزاعة ألأم من ذلك وأذل! فعرفت صوته، فقلت يا أبا حنظلة! فقال: أبو الفضل! فقلت: نعم، فقال: لبيك فداك أبي وأمي! فما وراءك؟ فقلت: هذا رسول الله ورائي قد دلف إليكم بما لا قبل لكم به بعشرة آلاف من المسلمين. قال: فما تأمرني؟ فقلت: تركب عجز هذه البغلة، فأستأمن لك رسول الله؛ فو الله لئن ظفر بك ليضربن عنقك، فردفني فخرجت به أركض بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم نحو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكلما مررت بنار من نيران المسلمين ونظروا إلى، قالوا: عم رسول الله على بغلة رسول الله؛ حتى مررت بنار عمر بن الخطاب، فقال أبو سفيان! الحمد لله الذي أمكن منك بغير عقد ولا عهد! ثم أشتد نحو النبي صلى الله عليه وسلم، وركضت البغلة، وقد أردفت أبا سفيان؛ حتى أقتحمت على باب القبة، وسبقت عمر بما تسبق به الدابة البطيئة الرجل البطئ؛ فدخل عمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: يا رسول الله، هذا أبو سفيان عدو الله؛ قد أمكن الله منه بغير عهد ولا عقد؛ فدعني أضرب عنقه؛ فقلت: يا رسول الله، إني قد أجرته! ثم جلست إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذت برأسه، فقلت: والله لا يناجيه اليوم أحد دوني! فلما أكثر فيه عمر، قلت: مهلاً يا عمر! فو الله ما تصنع هذا إلا لأنه رجل من بني عبد مناف؛ ولو كان من بني عدي أبن كعب ما قلت هذا. فقال: مهلاً يا عباس! فو الله لإسلامك يوم أسلمت كان أحب إلى من إسلام الخطاب لو أسلم! وذلك لأني أعلم أن إسلامك كان أحب إلى رسول الله من إسلام الخطاب لو أسلم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أذهب فقد آمناه حتى تغدو به على بالغداة . فرجع به إلى منزله؛ فلما أصبح غداً به على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رآه قال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أن لا إله إلا الله! فقال: بأبي أنت وأمي، ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! والله لقد ظننت أن لو كان مع الله غيره لقد أغنى عني شيئاً، فقال: ويحك يا أبا سفيان! ألم يأن لك أن تعلم أني رسول الله! فقال: بأبي أنت وأمي ما أوصلك وأحلمك وأكرمك! أما هذه ففي النفس منها شيء! فقال العباس: فقلت له ويلك! تشهد شهادة الحق قبل والله أن تضرب عنقك؛ قال: فتشهد.

 

قال: فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم للعباس حين تشهد أبو سفيان: أنصرف يا عباس فأحبسه عند خطم الجبل بمضيق الوادي، حتى تمر عليه جنود الله، فقلت له: يا رسول الله، إن أبا سفيان رجل يحب الفخر، فأجعل له شيئاً يكون في قومه. فقال: نعم؛ من دخل دار أبي سفيان فهو آمن، ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن. فخرجت حتى حبسته عند خطم الجبل بمضيق الوادي؛ فمرت عليه القبائل، فيقول: من هؤلاء يا عباس؟ فأقول : سليم، فيقول: مالي ولسليم! فتمر به قبيلة، فيقول: من هؤلاء؟ فأقول: أسلم، فيقول: مالي ولأسلم! وتمر جهينة، فيقول: مالي ولجهينة! حتى مر رسول الله صلى الله عليه وسلم في الخضراء ؛ كتيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم من المهاجرين والأنصار في الحديد؛ لا يرى منهم إلا الحدق، فقال: من هؤلاء يا أبا الفضل؟ فقلت: هذا رسول الله في المهاجرين والأنصار؛ فقال: يا أبا الفضل، لقد أصبح ملك أبن أخيك عظيماً. فقلت: ويحك إنها النبوة! فقال: نعم إذاً، فقلت: الحق الآن بقومك فحذرهم؛ فخرج سريعاً حتى أتى مكة، فصرخ في المسجد: يا معشر قريش، هذا محمد قد جاءكم بما لا قبل لكم به! قالوا: فمه! فقال: من دخل داري فهو آمن، فقالوا: ويحك! وما تغني عنا دارك! فقال: ومن دخل المسجد فهو آمن، ومن أغلق عليه بابه فهو آمن .

 

حدثني عبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث، قال: حدثني أبي، قال: حدثنا، أبان العطار قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، أنه كتب إلى عبد الملك بن مروان: أما بعد، فإنك كتبت إلى تسألني عن خالد بن الوليد: هل أغار يوم الفتح؟ وبأمر من أغار؟ وإنه كان من شأن خالد يوم الفتح أنه كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فلما ركب النبي بطن مر عامداً إلى مكة، وقد كانت قريش بعثوا أبا سفيان وحكيم بن حزام يتلقيان رسول الله صلى الله عليه وسلم! إليهم أو إلى الطائف! وذاك أيام الفتح؛ وأستتبع أبو سفيان وحكيم بن حزام بديل بن ورقاء، وأحبا أن يصحبهما، ولم يكن غير أبي سفيان وحكيم بن حزام وبديل؛ وقالوا لهم حين بعثوهم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا نؤتين من ورائكم، فإنا لا ندري من يريد محمد! إيانا يريد، أو هوازن يريد، أو ثقيفاً! وكان بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين قريش صلح يوم الحديبية وعهد ومدة، فكانت بنو بكر في ذلك الصلح مع قريش، فأقتتلت طائفة من بني كعب وطائفة من بني بكر؛ وكان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين قريش في ذلك الصلح الذي أصطلحوا عليه: لا إغلال ولا إسلال، فأعانت قريش بني بكر بالسلاح، فأتهمت بنو كعب قريشاً ، فمنها غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل مكة؛ وفي غزوته تلك لقي أبا سفيان وحكيماً وبديلاً بمر الظهران؛ ولم يشعروا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل مر، حتى طلعوا عليه، فلما رأوه بمر، دخل عليه أبو سفيان وبديل وحكيم بمنزله بمر الظهران فبايعوه ، فلما بايعوه بعثهم بين يديه إلى قريش، يدعوهم إلى الإسلام، فأخبرت أنه قال: من دخل دار أبي سفيان فهو آمن- وهي بأعلى مكة- ومن دخل دار حكيم- وهي بأسفل مكة- فهو آمن، ومن أغلق بابه وكف يده فهو آمن.

 

وإنه لما خرج أبو سفيان وحكيم من عند النبي صلى الله عليه وسلم عامدين إلى مكة، بعث في أثرهما الزبير وأعطاه رايته، وأمره على خيل المهاجرين والأنصار وأمره أن يغرز رايته بأعلى مكة بالحجون؛ وقال للزبير: لا تبرح حيث أمرتك أن تغرز رايتي حتى آتيك؛ ومن ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأمر خالد بن الوليد- فيمن كان أسلم من قضاعة وبني سليم وأناس، إنما أسلموا قبيل ذلك- أن يدخل من أسفل مكة، وبها بنو بكر قد أستنفرتهم قريش. وبنو الحارث بن عبد مناة ومن كان من الأحابيش أمرتهم قريش أن يكونوا بأسفل مكة، فدخل عليهم خالد بن الوليد من أسفل مكة.

 

وحدثت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لخالد والزبير حين بعثهما: لا تقاتلا إلا من قاتلكما؛ فلما قدم خالد على بني بكر والأحابيش بأسفل مكة. قاتلهم فهزمهم الله عز وجل، ولم يكن بمكة قتال غير ذلك؛ غير أن كرز بن جابر أحد بني محارب بن فهو وأبن الأشعر- رجلاً من بني كعب- كانا في خيل الزبير فسلكا كداء، ولم يسلكا طريق الزبير الذي سلك، الذي أمر به . فقدما على كتيبة من قريش مهبط كداء فقتلا؛ ولم يكن بأعلى مكة من قبل الزبير قتال؛ ومن ثم قدم النبي صلى الله عليه وسلم، وقام الناس إليه يبايعونه؛ فأسلم أهل مكة، وأقام النبي صلى الله عليه وسلم عندهم نصف شهر، لم يزد على ذلك، حتى جاءت هوزان وثقيف فنزلوا بحنين.

 

وحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح، أن النبي صلى الله عليه وسلم حين فرق جيشه من ذي طوى، أمر الزبير أن يدخل في بعض الناس من كدى؛ وكان الزبير على المجنبة اليسري، فأمر سعد بن عبادة أن يدخل في بعض الناس من كداء. فزعم بعض أهل العلم أن سعداً قال حين وجه داخلاً: اليوم يوم الملحمة، اليوم تستحل الحرمه. فسمعها رجل من المهاجرين، فقال: يا رسول الله، أسمع ما قال سعد بن عبادة، وما نأمن أن تكون له في قريش صولة ? فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي بن أبي طالب: أدركه فخذ الراية، فكن أنت الذي تدخل بها .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح في حديثه، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر خالد بن الوليد، فدخل من الليط أسفل مكة، في بعض الناس؛ وكان خالد على المجنبة اليمنى، وفيها أسلم وغفار ومزينة وجهينة وقبائل من قبائل العرب؛ وأقبل أبو عبيدة بن الجراح بالصف من المسلمين ينصب لمكة بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودخل رسول صلى الله عليه وسلم من أذاخر؛ حتى نزل بأعلى مكة، وضربت هنالك قبته .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي نجيح وعبد الله بن أبي بكر، أن صفوان بن أمية، وعكرمة أبن أبي جهل، وسهيل بن عمرو، وكانوا قد جمعوا أناساً بالخندمة ليقاتلوا؛ وقد كان حماس بن قيس بن خالد أخو بني بكر يعد سلاحاً قبل أن يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة ويصلح منها، فقالت له أمرأته: لماذا تعد ما رأى؟ قال: لمحمد وأصحابه، فقالت: والله ما أراه يقوم لمحمد وأصحابه شيء، قال: والله إني لأرجو أن أخدمك بعضهم، فقال:

 

                            إن تقبلوا اليوم فمالي عله         هذا سلاح كامل وألـه

 

وذو غرارين سريع السلة ثم شهد الخندمة مع صفوان وسهيل بن عمرو وعكرمة، فلما لقيهم المسلمون من أصحاب خالد بن الوليد ناوشوهم شيئاً من قتال، فقتل كرز أبن جابر بن حسل بن الأجب بن حبيب بن عمرو بن شيبان بن محارب بن فهر، وحبيس بن خالد، وهو الأشر بن ربيعة بن أصرم بن ضبيس أبن حرام بن حبشية بن كعب بن عمرو؛ حليف بني منقذ- وكانا في خيل خالد بن الوليد، فشذا عنه، وسلكا طريقاً غير طريقه، فقتلا جميعاً- قتل خنيس قبل كرز بن جابر؛ فجعله كرز بين رجليه؛ ثم قاتل حتى قتل وهو يرتجز، ويقول:

 

                          قد علمت صفراء من بني فهر             نقية الوجه نقـية الـصـدر

 

لأضربن اليوم عن أبي صخر وكان خنيس يكني بأبي صخر؛ وأصيب من جهينة سلمة بن الميلاء من خيل خالد بن الوليد، وأصيب من المشركين أناس قريب من أثنى عشر أو ثلاثة عشر. ثم أنهزموا، فخرج حماس منهزماً؛ حتى دخل بيته، ثم قال لأمرأته: أغلقي علي بابي، قالت: فأين ما كنت تقول؟ فقال:

إنك لو شهدت يوم الخنـدمـه                إذ فر صفوان وفر عكرمـه

وأبو يزيد قائم كالمـؤتـمـه                    وأستقبلتهم بالسيوف المسامه

يقطعن كل ساعد وجمجـمـه               ضرباً فلا تسمع إلا غمغمـه

لهم نهيت خلفنا وهمـهـمـه                لم تنطقي في اللوم أدنى كلمه

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد عهد إلى أمرائه من المسلمين حين أمرهم أن يدخلوا مكة؛ ألا يقتلوا أحداً إلا من قاتلهم؛ إلا أنه قد عهد في نفر سماهم؛ أمر بقتلهم وإن وجودا تحت أستار الكعبة؛ منهم عبد الله بن سعد أبن أبي سرج بن حبيب بن جذيمة بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر أبن لؤي- وإنما أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتله، لأنه كان قد أسلم فأرتد مشركاً، ففر إلى عثمان، وكان أخاه من الرضاعة، فغيبه حتى أتى به رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد أن أطمأن أهل مكة فأستأمن له رسول الله، فذكر أن رسول الله صلى الله عليه وسلم صمت طويلاً، ثم قال: نعم؛ فلما أنصرف به عثمان، قال رسول الله لمن حوله من أصحابه: أما والله لقد صمت ليقوم إليه بعضكم فيضرب عنقه ؟ فقال رجل من الأنصار: فهلا أومأت إلي يا رسول الله ؟! قال: إن النبي لا يقتل بالإشارة- وعبد الله بن خطل، رجل من بني تيم بن غالب- وإنما أمر بقتله لأنه كان مسلماً، فبعثه رسول الله صلى الله عليه وسلم مصدقاً ، وبعث معه رجلاً من الأنصار؛ وكان معه مولي له يخدمه، وكان مسلماً، فنزل منزلاً، وأمر المولى أن يذبح له تيساً، ويصنع له طعاماً، ونام فأستيقظ ولم يصنع له شيئاً، فعدا عليه فقتله، ثم أرتد مشركاً؛ وكانت له قينتان: فرتني وأخرى معها، وكانتا تغنيان بهجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فأمر بقتلهما معه- والحويرث بن نقيذ بن وهب بن عبد بن قصي، وكان ممن يؤذيه بمكة، ومقيس بن صبابة- وإنما أمر بقتله لقتله الأنصاري الذي كان قتل أخاه خطأ، ورجوعه إلى قريش مرتداً- وعكرمة بن أبي جهل، وسارة مولاة كانت لبعض بني عبد المطلب؛ وكانت ممن يؤذيه بمكة. فأما عكرمة بن أبي جهل فهرب إلى اليمن؛ وأسلمت أمرأته أم حكيم بنت الحارث بن هشام، فأستأمنت له رسول الله فأمه؛ فخرجت في طلبه حتى أتت به رسول الله صلى الله عليه وسلم، فكان عكرمة يحدث- فيما يذكرون- أن الذي رده إلى الإسلام بعد خروجه إلى اليمن أنه كان يقول: أردت ركوب البحر لألحق بالحبشة، فلما أتيت السفينة لأركبها قال صاحبها: يا عبد الله، لا تركب سفينتي حتى توحد الله، وتخلع ما دونه من الأنداد، فإني أخشى إن لم تفعل أن نهلك فيها، فقلت: وما يركبه أحد حتى يوحد الله ويخلع ما دونه! قال: نعم؛ لا يركبه أحد إلا أخلص. قال: فقلت: ففيم أفارق محمداً! فهذا الذي جاءنا به، فو الله إن إلهنا في البحر لألهنا في البر؛ فعرفت الإسلام عند ذلك، ودخل في قلبي. وأما عبد الله أبن خطل، فقتله سعيد بن حريث المخزومي وأبو برزة الأسلمي، أشتركا في دمه، وأما مقيس بن صبابة فقتله نميلة بن عبد الله؛ رجل من قومه، فقالت أخت مقيس:

 

                 لعمري لقد أخزي نميلة رهطه            وفجع أضياف الشتاء بمقـيس

                 فلله عيناً من رأى مثل مقـيس           إذا النفساء أصبحت لم تخرس !

 

وأما قينتا ابن خطل فقتلت إحداهما، وهربت الأخرى حتى أستؤمن لها رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد، فأمنها. وأما سارة، فأستؤمن لها فأمنها، ثم بقيت حتى أوطأها رجل من الناس فرساً له في زمن عمر بن الخطاب بالأبطح، فقتلها. وأما الحويرث بن نقيذ، فقتله علي بن أبي طالب رضي الله عنه .

 

وقال الواقدي: أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بقتل ستة نفر وأربع نسوة، فذكر من الرجال من سماه أبن إسحاق، ومن النساء هند بنت عتبة أبن ربيعة، فأسلمت وبايعت، وسارة مولاة عمرو بن هاشم بن عبد المطلب أبن عبد مناف، قتلت يومئذ، وقريبة؛ قتلت يومئذ، وفرتني عاشت إلى خلافة عثمان.

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمر بن موسى أبن الوجيه، عن قتادة السدوسي؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قام قائماً حين وقف على باب الكعبة، ثم قال: لا إله إلا الله وحده، لا شريك له، صدق وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده. ألا كل مأثرة ، أو دم، أو مال يدعي؛ فهو تحت قدمي هاتين إلا سدانة البيت وسقاية الحاج. ألا وقتيل الخطإ مثل العمد؛ السوط والعصا، فيهما الدية مغلظة مائة من الإبل ، منها أربعون في بطونها أولادها.

 

يا معشر قريش؛ إن الله قد أذهب عنكم نخوة الجاهلية وتعظمها بالآباء. الناس من آدم؛ وآدم خلق من تراب. ثم تلا رسول الله صلى الله عليه وسلم: “ياأيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم” الآية.

 

يا معشر قريش، ويا أهل مكة؛ ما ترون أني فاعل بكم؟ قالوا: خيراً، أخ كريم وأبن أخ كريم. ثم قال: أذهبوا فأنتم الطلقاء .

 

فأعتقهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقد كان الله أمكنه من رقابهم عنوة، وكانوا له فيئاً ، فبذلك يسمى أهل مكة الطلقاء. ثم أجتمع الناس بمكة لبيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الإسلام، فجلس لهم- فيما بلغني- على الصفا وعمر بن الخطاب تحت رسول الله أسفل من مجلسه يأخذ على الناس. فبايع رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة لله ولرسوله- فيما أستطاعوا- وكذلك كانت بيعته لمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الناس على الإسلام. فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من بيعة الرجال بايع النساء، وأجتمع إليه نساء من نساء قريش؛ فيهن هند بنت عتبة، متنقبة متنكرة لحدثها وما كان من صنيعها بحمزة ، فهي تخاف أن يأخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم بحدثها ذلك، فلما دنون منه ليبايعنه قال، رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما بلغني-: تبايعنني على ألا تشركن بالله شيئاً! فقالت هند: والله إنك لتأخذ علينا أمراً ما تأخذه على الرجال وسنؤتيكه، قال: ولا تسرقن، قالت: والله إن كنت لأصيب من مال أبي سفيان الهنة والهنة، وما أدري أكان ذلك حلالي أم لا! فقال أبو سفيان- وكان شاهداً لما تقول: أما ما أصبت فيما مضى فأنت منه في حل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : وإنك لهند بنت عتبة! فقالت: أنا هند بنت عتبة، فأعف عما سلف عفا الله عنك! قال: ولا تزنين، قالت: يا رسول الله، هل تزني الحرة! قال: ولا تقتلن أولادكن، قالت: قد ربيناهم صغاراً، وقتلتهم يوم بدر كباراً، فأنت وهم أعلم! فضحك عمر بن الخطاب من قولها حتى أستغرب . قال: ولا تأتين ببهتان تفترينه بين أيديكن وأرجلكن، قالت: والله إن إتيان البهتان لقبيح؛ ولبعض التجاوز أمثل. قال: ولا تعصينني في معروف، قال: ما جلسنا هذا المجلس ونحن نريد أن نعصيك في معروف، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعمر: بايعهن وأستغفر لهن رسول الله، فبايعهن عمر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يصافح النساء، ولا يمس أمرأة ولا تمسه إلا أمرأة أحلها الله له، أو ذات محرم منه.

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أبان أبن صالح، أن بيعة النساء قد كانت على نحوين- فيما أخبره بعض أهل العلم- كان يوضع بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم إناء فيه ماء، فإذا أخذ عليهن وأعطينه غمس يده في الإناء، ثم أخرجها، فغمس النساء أيديهن فيه. ثم كان بعد ذلك يأخذ عليهن، فإذا أعطينه ما شرط عليهن، قال: أذهبن فقد بايعتكن، لا يزيد على ذلك.

 

قال الواقدي: فيها قتل خراش بن أمية الكعبي جنيدب بن الأدلع الهذلي- وقال أبن إسحاق: أبن الأثوع الهذلي- وإنما قتله بذحل، وكان في الجاهلية، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: إن خراشاً قتال؛ إن خراشاً قتال! يعيبه بذلك، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم خزاعة أن يدوه.

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن محمد بن جعفر بن الزبير- قال محمد بن إسحاق: ولا أعلمه إلا وقد حدثني عن عروة بن الزبير- قال: خرج صفوان بن أمية يريد جدة، ليركب منها إلى اليمن ، فقال عمير بن وهب، يا نبي الله، إن صفوان بن أمية سيد قومه، وقد خرج هارباً منك ليقذف نفسه في البحر؛ فأمنه صلى الله عليك! قال: هو آمن، قال: يا رسول الله، أعطني شيئاً يعرف به أمانك؛ فأعطاه عمامته التي دخل فيها مكة؛ فخرج بها عمير حتى أدركه بجدة، وهو يريد أن يركب البحر، فقال: يا صفوان، فداك أبي وأمي! أذكرك الله في نفسك أن تهلكها! فهذا أمان من رسول الله قد جئتك به، قال: ويلك! أغرب عني فلا تكلمني! قال: أي صفوان! فداك أبي وأمي! أفضل الناس وأبر الناس، وأحلم الناس، وخير الناس، أبن عمتك، عزه عزك، وشرفه شرفك، وملكه ملكك! قال: إني أخافه على نفسي، قال: هو أحلم من ذلك وأكرم؛ فرجع به معه، حتى قدم به على رسول الله صلى الله عليه وسلم. فقال صفوان: إن هذا زعم أنك قد أمنتني، قال: صدق، قال: فأجعلني في أمري بالخيار شهرين، قال: أنت فيه بالخيار أربعة أشهر .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن الزهري، أن أم حكيم بنت الحارث بن هشام وفاختة بنت الوليد- وكانت فاختة عند صفوان بن أمية، وأم حكيم عند عكرمة بن أبي جهل- أسلمتا، فأما أم حكيم فأستأمنت رسول الله لعكرمة بن أبي جهل، فآمنه، فلحقت به باليمن، فجاءت به؛ فلما أسلم عكرمة وصفوان، أقرهما رسول الله صلى الله عليه وسلم عندهما على النكاح الأول .

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق؛ لما دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم مكة هرب هبيرة بن أبي وهب المخزومي وعبد الله بن الزبعري السهمي إلى نجران. حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن سعيد بن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت الأنصاري؛ قال: رمى حسان عبد الله بن الزبعري وهو بنجران ببيت واحد، ما زاده عليه:

 

            لتعد من رجلاً أحلك بغضه            نجران في عيش أحذ لئيم

 

فلما بلغ ذلك أبن الزبعري، رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال حين أسلم:

           يا رسول المليك إن لـسـانـي                  راتق ما فتقـت إذ أنـا بـور

           إذ أباري الشيطان في سنن الري              ح ومن مال ميله مـثـبـور

           آمن اللحم والعـظـام لـربـي                    ثم نفسي الشهيد أنت الـنـذير

           إنني عنـك زاجـر ثـم حـي                     من لؤي فكلـهـم مـغـرور

 

وأما هبيرة بن أبي وهب، فأقام بها كافراً، وقد قال حين بلغه إسلام أم هانئ بنت أبي طالب وكانت تحته، وأسمها هند:

                  أشاقتك هند أم نآك سؤالهـا             كذلك النوى أسبابها وأنفتالها

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: وكان جميع من شهد فتح مكة من المسلمين عشرة آلاف؛ من بني غفار أربعمائة، ومن أسلم أربعمائة، ومن مزينة ألف وثلاثة نفر، ومن بني سليم سبعمائة، ومن جهينة ألف وأربعمائة رجل؛ وسائرهم من من قريش والأنصار وحلفائهم وطوائف العرب من بني تميم وقيس وأسد .

 

قال الواقدي: في هذه السنة تزوج رسول الله صلى الله عليه وسلم مليكة بنت داود الليثية، فجاء إليها بعض أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، فقالت لها: ألا تستحيين حين تزوجين رجلاً قتل أباك! فأستعاذت منه؛ وكانت جميلة، وكانت حدثة، ففارقها رسول الله؛ وكان قتل أباها يوم فتح مكة.

 

قال: وفيها هدم خالد بن الوليد العزي ببطن نخلة، لخمس ليال بقين من رمضان؛ وهو صنم لبني شيبان؛ بطن من سليم حلفاء بني هاشم، وبنو أسد بن عبد العزي، يقولون: هذا صنمنا، فخرج إليه خالد، فقال: قد هدمته، قال: أرأيت شيئاً؟ قال: لا، قال: فأرجع فأهدمه، فرجع خالد إلى الصنم فهدم بيته، وكسر الصنم، فجعل السادن يقول: أعزي أغضبي بعض غضباتك! فخرجت عليه أمرأة حبشية عريانة مولولة، فقتلها وأخذ ما فيها من حلية، ثم أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فأخبره بذلك، فقال: تلك العزي، ولا تعبد العزي أبداً.

 

حدثنا أبن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن أبن إسحاق، قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد إلى العزي- وكانت بنخلة، وكانت بيتاً يعظمه هذا الحي من قريش وكنانة ومضر كلها؛ وكانت سدنتها من بني شيبان، من بني سليم حلفاء بني هاشم- فلما سمع صاحبها بمسير خالد إليها، علق عليها سيفه، وأسند في الجبل الذي هي إليه فأصعد فيه، وهو يقول:

 

                 أيا عز شدي شدة لا شمى لهـا             على خالد ألقي القناع وشمري

                ويا عز إن لم تقتلي اليوم خالداً              فبوئي بإثم عاجل أو تنصـري

 

فلما أنتهى إليها خالد هدمها، ثم رجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الواقدي: وفيها هدم سواع؛ وكان برهاط لهذيل، وكان حجراً؛ وكان الذي هدمه عمرو بن العاص لما أنتهى إلى الصنم، قال له السادن: ما تريد؟ قال: هدم سواع، قال: لا تطيق تهدمه، قال له عمرو بن العاص: أنت في الباطل بعد! فهدمه عمرو، ولم يجد في خزانته شيئاً، ثم قال عمرو للسادن: كيف رأيت؟ قال: أسلمت والله.

 

وفيها هدم مناة بالمشلل، هدمه سعد بن زيد الأشهلي، وكان للأوس والخزرج.

فتوح
البلدان