غزوة ذات الرقاع

غزوة ذات الرقاع

 

غزوة ذات الرقاع وهي غزوة نجد قام بها النبي فخرج في جمادى الأولى من السنة الرابعة وقيل في المحرم يريد محارب وبني ثعلبة بن سعد بن غطفان بعد ان بلغه انهم يعدون العدة لغزو المدينة فخرج إليهم في أربعمائة من المسلمين، وقيل في سبعمائة، واستخلف على المدينة أبو ذر الغفاري.

 

جاء في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” لابن الجوزي:

” وكانت في المحرم وإنما سميت ذات الرقاع لأنها كانت عند جبل فيه سواد وبياض وحمرة فسميت بذلك‏.‏

 

وكان سببها أن قادمًا قدم المدينة بجلب له فأخبر أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أن أنارًا وثعلبة قد جمعوا لهم الجموع فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم واستخلف على المدينة عثمان بن عفان وخرج ليلة السبت لعشر خلون من المحرم في أربعمائة وقيل‏:‏ في سبعمائة فمضى حتى أتى محالهم بذات الرقاع – وهو جبل – فلم يجد إلا نسوة فأخذهن وفيهن جارية وضيئة فهربت الأعراب إلى رؤوس الجبال فخاف المسلمون أن يغيروا عليهم فصلى بهم النبي صلى الله عليه وسلم صلاة الخوف وكان أول ما صلاها‏.‏

 

وانصرف راجعًا إلى المدينة فابتاع من جابر بن عبد الله جمله وناقته وشرط له ظهره إلى المدينة وسأله عن دين أبيه فأخبره فقال‏:‏ إذا قدمت المدينة فأردت أن تجد نخلك فأذني واستغفر رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي جابر في تلك الليلة خمسًا وعشرين مره وكانت غيبته خمس عشرة ليلة وبعث جعال بن سراقة بشيرًا إلى المدينة بالسلامة‏”.‏

 

وجاء في “البداية والنهاية” لابن كثير قوله:

” قال ابن إسحاق‏:‏ ثم أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد غزوة بني النضير شهري ربيع وبعض جمادى، ثم غزا نجداً يريد بني محارب وبني ثعلبة من غطفان، واستعمل على المدينة أبا ذر‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ ويقال عثمان بن عفان‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فسار حتى نزل نخلاً وهي غزوة ذات الرقاع‏.‏

قال ابن هشام‏:‏ لأنهم رّقعوا فيها راياتهم، ويقال لشجرة هناك اسمها ذات الرقاع‏.‏

وقال الواقدي‏:‏ بجبل فيه بقع حمر وسود وبيض‏.‏

وفي حديث أبي موسى‏:‏ إنما سميت بذلك لما كانوا يربطون على أرجلهم من الخرق من شدة الحر‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ فلقي بها جمعاً عظيماً من غطفان، فتقارب الناس ولم يكن بينهم حرب، وقد خاف الناس بعضهم بعضاً حتى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالناس صلاة الخوف، ثم انصرف الناس‏.‏ ‏

 

وقد أسند ابن هشام حديث صلاة الخوف ههنا‏:‏ عن عبد الوارث بن سعيد التنوري، عن يونس بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر، وعن عبد الوارث، عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر‏.‏

 

ولكن لم يذكر في هذه الطرق غزوة نجد، ولا ذات الرقاع، ولم يتعرض لزمان ولا مكان، وفي كون غزوة ذات الرقاع التي كانت بنجد لقتال بني محارب وبني ثعلبة بن غطفان قبل الخندق نظر‏.‏

 

وقد ذهب البخاري إلى أن ذلك كان بعد خيبر، واستدل على ذلك بأن أبا موسى الأشعري شهدها كما سيأتي، وقدومه إنما كان ليالي خيبر صحبة جعفر وأصحابه، وكذلك أبو هريرة، وقد قال‏:‏ صليت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة نجد صلاة الخوف‏.‏

 

ومما يدل على أنها بعد الخندق‏:‏ أن ابن عمر إنما أجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم في القتال أول ما أجازه يوم الخندق‏.‏

 

وقد ثبت عنه في الصحيح أنه قال‏:‏ غزوت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل نجد، فذكر صلاة الخوف‏.‏

 

وقول الواقدي‏:‏ إنه عليه السلام خرج إلى ذات الرقاع في أربعمائة، ويقال‏:‏ سبعمائة من أصحابه ليلة السبت لعشر خلون من المحرم سنة خمس فيه نظر، ثم لا يحصل به نجاة من أن صلاة الخوف إنما شرعت بعد الخندق، لأن الخندق كان في شوال سنة خمس على المشهور، وقيل‏:‏ في شوال سنة أربع، فتحصل على هذا القول مخلص من حديث ابن عمر، فأما حديث أبي موسى وأبي هريرة فلا‏.‏

 

قال ابن إسحاق في هذه الغزوة‏:‏ حدثني عمرو بن عبيد، عن الحسن، عن جابر بن عبد الله أن رجلاً من بني محارب، يقال له‏:‏ غورث، قال لقومه من غطفان ومحارب‏:‏ ألا أقتل لكم محمداً ‏؟‏

قالوا‏:‏ بلى، وكيف تقتله ‏؟‏

قال‏:‏ أفتك به‏.‏

قال‏:‏ فأقبل إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو جالس، وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجره، فقال‏:‏ يا محمد، انظر إلى سيفك هذا ‏؟‏

قال‏:‏ نعم، فأخذه ثم جعل يهزه ويهم، فكبته الله، ثم قال‏:‏ يا محمد أما تخافني ‏؟‏

قال‏:‏ لا ما أخاف منك‏.‏

قال‏:‏ أما تخافني وفي يدي السيف ‏؟‏

قال‏:‏ لا، يمنعني الله منك‏.‏

 

ثم عمد إلى سيف النبي صلى الله عليه وسلم فرده عليه، فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ هَمَّ قَوْمٌ أَنْ يَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ فَكَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَعَلَى اللَّهِ فَلْيَتَوَكَّلِ الْمُؤْمِنُونَ‏}‏ ‏[‏المائدة‏:‏ 11‏]‏‏.‏

قال ابن إسحاق‏:‏ وحدثني يزيد بن رومان‏:‏ أنها إنما نزلت في عمرو بن جحاش، أخي بني النضير وما همَّ به‏.‏

 

هكذا ذكر ابن إسحاق قصة غورث هذا، عن عمرو بن عبيد القدري، رأس الفرقة الضالة، وهو وإن كان لا يتهم بتعمد الكذب في الحديث، إلا أنه ممن لا ينبغي أن يروى عنه لبدعته ودعائه إليها‏.‏

 

وهذا الحديث ثابت في الصحيحين من غير هذا الوجه، ولله الحمد‏.‏

 

فقد أورد الحافظ البيهقي ها هنا طرقاً لهذا الحديث من عدة أماكن، وهي ثابتة في الصحيحين من حديث الزهري، عن سنان بن أبي سنان، وأبي سلمة، عن جابر‏:‏ أنه غزا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة نجد، فلما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم أدركته القائلة في واد كثير العضاه، فتفرق الناس يستظلون بالشجر، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم تحت ظل شجرة، فعلق بها سيفه‏.‏

 

قال جابر‏:‏ فنمنا نومة فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يدعونا فأجبناه، وإذا عنده أعرابي جالس، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏‏(‏إن هذا اخترط سيفي وأنا نائم فاستيقظت وهو في يده صلتاً‏)‏‏)‏ فقال‏:‏ من يمنعك مني‏؟‏

قلت‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏‏.‏

فقال‏:‏ من يمنعك مني ‏؟‏

قلت‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏ فشأم السيف وجلس، ولم يعاقبه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد فعل ذلك‏.‏

وقد رواه مسلم أيضاً عن أبي بكر بن أبي شيبة، عن عفان، عن أبان، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن جابر قال‏:‏ أقبلنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى إذا كنا بذات الرقاع، وكنا إذا أتينا على شجرة ظليلة تركناها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فجاءه رجل من المشركين وسيف رسول الله صلى الله عليه وسلم معلق بشجرة، فأخذ سيف رسول الله صلى الله عليه وسلم فاخترطه، وقال لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تخافني ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏لا‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فمن يمنعك مني ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله يمنعني منك‏)‏‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فهدده أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فأغمد السيف وعلقه، قال‏:‏ ونودي بالصلاة فصلى بطائفة ركعتين ثم تأخروا، وصلى بالطائفة الأخرى ركعتين‏.‏

قال‏:‏ فكانت لرسول الله صلى الله عليه وسلم أربع ركعات، وللقوم ركعتان‏.‏

وقد علقه البخاري بصيغة الجزم عن أبان به‏.‏

قال البخاري‏:‏ وقال مسدد، عن أبي عوانة، عن أبي بشر‏:‏ أن اسم الرجل غورث بن الحارث‏.‏

 

وأسند البيهقي من طريق أبي عوانة، عن أبي بشر، عن سليمان بن قيس، عن جابر قال‏:‏ قاتل رسول الله صلى الله عليه وسلم محارب وغطفان بنخل، فرأوا من المسلمين غِرة، فجاء رجل منهم يقال له غورث بن الحارث، حتى قام على رأس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسيف وقال‏:‏ من يمنعك مني ‏؟‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏الله‏)‏‏)‏ فسقط السيف من يده، فأخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم السيف وقال‏:‏ ‏(‏‏(‏من يمعنك مني ‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ كن خير آخذ‏.‏

قال‏:‏ ‏(‏‏(‏تشهد أن لا إله إلا الله ‏؟‏‏)‏‏)‏

قال‏:‏ لا، ولكن أعاهدك على أن لا أقاتلك ولا أكون مع قوم يقاتلونك، فخلى سبيله، فأتى أصحابه وقال‏:‏ جئتكم من عند خير الناس‏.‏

 

ثم ذكر صلاة الخوف وأنه صلى أربع ركعات بكل طائفة ركعتين‏.‏

وقد أورد البيهقي هنا طرق صلاة الخوف بذات الرقاع، عن صالح بن خوات بن جبير، عن سهل بن أبي حثمة‏.‏ وحديث الزهري، عن سالم بن عبد الله، عن أبيه عبد الله بن عمر، في صلاة الخوف بنجد، وموضع ذلك كتاب ‏(‏الأحكام‏)‏ والله أعلم‏.‏