غزوة حنين

غزوة حنين 

غزوة حُنين (8 هجرية، 630 ميلادية) وقعة قامت بين المسلمين وقبيلتي هوازن وثقيف العربيتان (واللتان لازالتا تقيمان في الطائف واجزاء من مكة) في وادي حُنين بين مكة والطائف حيث انتصر المسلمون عليهم.

ورد في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” لابن الجوزي:

وحنين واد بينه وبين مكة ثلاث ليال وهي غزوة هوازن وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح مكة مشت أشراف هوازن وثقيف بعضها إلى بعض وحشدوا وبغوا‏. 

وجمع أمرهم مالك بن عوف النصري فأمرهم فجاءوا معهم بأموالهم ونسائهم وأمهاتهم حتى نزلوا بأوطاس وجعلت الأمداد تأتيهم وأخرجوا معهم دريد بن الصمة وهو أعمى ابن سبعين ومائة سنة يقاد وهو في شجار وهو مركب من أعواد يهيأ للنساء فقال‏:‏ بأي وادهم قالوا‏:‏ بأوطاس قال‏:‏ نعم مجال الخيل لا حزن ضرس ولا سهل دهس – أي لين – ما لي أسمع رغاء الإبل ويعار الشاء قيل له‏:‏ ساق مالك بن عوف مع الناس الظعن والأموال فقال‏:‏ ما هذا يا مالك قال‏:‏ أردت أن أحفظ الناس – يعني أذمرهم من الحفيظة أن يقاتلوا عن أهاليهم وأموالهم فانقض به – أي صفق بيده – وقال‏:‏ راعي الضأن ماله وللحرب وقال‏:‏ أنت محل بقومك وفاضح عورتك – أي قد أبحت شرفهم – لو تركت الظعن في بلادهم والنعم في مراتعها ولقيت القوم بالرجال على متون الخيل والرجال بين أضعاف الخيل ومقدمة ذرية أما الخيل كان الرأي والذرية مقدمة الخيل‏.‏

فأجمع القوم السير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج إليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم من مكة يوم السبت لست ليال خلون من شوال في اثني عشر ألفًا من المسلمين‏:‏ عشرة آلاف من المسلمين من أهل المدينة وألفان من المسلمين من أهل مكة‏.‏

فقال رجل‏:‏ لا نغلب اليوم من قلة‏.‏

وخرج مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ناس من المشركين كثر منهم‏:‏ صفوان ابن أمية وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم استعار منه مائة درع بأداتها فانتهى إلى حنين مساء ليلة الثلاثاء لعشر ليال خلون من شوال فبعث مالك بن عوف ثلاثة نفر يأتونه بخبر ووجه رسول الله صلى الله عليه وسلم عبد الله بن أبي حدرد فدخل عسكرهم فطاف به وجاء بجبرهم فلما كان من الليل عمد مالك إلى أصحابه فعبأهم في وادي حنين فأوعز إليم أن يحملوا على محمد صلى الله عليه وسلم وأصحابه حملة واحدة وعبأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه في السحر وصفهم صفوفًا ووضع الألوية والرايات في أصحابه فمع المهاجرين لواء حمله علي بن أبي طالب وراية يحملها سعد بن أبي وقاص وراية يحملها عمر بن الخطاب ولواء الخزرج يحمله حباب بن المنذر ولواء الأوس مع أسيد بن حضير وركب رسول الله صلى الله عليه وسلم بغلته البيضاء التي تسمى الدلدل ولبس درعين والمغفر والبيضة فاستقبلهم من هوازن شيء لم يروا مثله قط من الكثرة وذلك في غبش الصبح وحملوا حملة واحدة فانهزم الناس فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏ يا أنصار الله وأنصار رسوله أنا عبد الله ورسوله ‏”‏‏.‏

ورجع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى العسكر وثاب إليه من انهزم وثبت معه يومئذ علي والفضل والعباس وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب وربيعة بن الحارث وأبو بكر وعمر وأسامة بن زيد في ناس من أهل بيته وأصحابه‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا عبد الرزاق قال‏:‏ حدثنا معمر عن الزهري قال‏:‏ أخبرني كثير بن عباس بن عبد المطلب عن أبيه العباس قال‏:‏ شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينًا قال‏:‏ لقد رأيت النبي صلى الله عليه وسلم وما معه إلا أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطب فلزمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم نفارقه وهو على بغلة شهباء – وربما قال معمر‏:‏ بيضاء – أهداها له فروة بن نعامة الجذامي فلما التقى المسلمون والكفار ولى المسلمون مدبرين وطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض بغلته قبل الكفار‏.‏ 

قال العباس‏:‏ وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم أكفها وهو لا يألو ما أسرع نحو المشركين وأبو سفيان بن الحارث آخذ بغرز رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ يا عباس ناد يا أصحاب السمرة ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ وكنت رجلًا صيتًا فقلت بأعلى صوتي‏:‏ أين أصحاب السمرة قال‏:‏ فوالله لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البكر على أولادها‏.‏

فقالوا‏:‏ يا لبيك يا لبيك‏.‏

يا لبيك ووافاهم المسلمون فاقتتلوا هم والكفار فنادت الأنصار يقولون‏:‏ يا معشر الأنصار‏.‏

ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج فنادوا‏:‏ يا بني الحارث بن الخزرج‏.‏

قال‏:‏ فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته كالمتطاول عليها إلى قتالهم فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ هذا حين حمي الوطيس ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار ثم قال‏:‏ ‏”‏ انهزموا ورب الكعبة انهزموا ورب الكعبة ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى قال‏:‏ فوالله ما هو إلا أن رماهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بحصياته فما زلت أرى حدهم كليلًا وأمرهم مدبرًا حتى هزمهم الله‏.‏

قال‏:‏ وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته‏.‏ 

قال أحمد‏:‏ وحدثنا عفان قال‏:‏ حدثنا حماد بن سلمة قال‏:‏ أخبرنا يعلى بن عطاء عن عبد الله بن سيار عن أبي عبد الرحمن الفهري قال‏:‏ كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة حنين فسرنا في يوم قائظ شديد الحر فنزلنا تحت ظلال شجرة فلما زالت الشمس لبست لأمتي وركبت فرسي فانطلقت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في فسطاطه فقلت‏:‏ السلام عليك يا رسول الله ورحمة الله وبركاته حان الرواح فقال‏:‏ ‏”‏ أجل يا بلال ‏”‏ فثار من تحت سمرة كأن ظله ظل طائر فقال‏:‏ لبيك وسعديك وأنا فداؤك فقال‏:‏ ‏”‏ أسرج لي فرسي ‏”‏ فأخرج سرجًا دفتاه من ليف ليس فيهما أشر ولا بطر شال‏:‏ فأسرج فركب وركبنا فصادفناهم عشيتنا وليلتنا فتشامت الخيلان فولى المسلمون مدبرين كما قال الله عز وجل‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ يا عباد الله أنا عبد الله ورسوله ‏”‏‏.‏ 

ثم قال‏:‏ ‏”‏ يا معشر المهاجرين أنا عبد الله ورسوله ‏”‏ قال‏:‏ ثم اقتحم رسول الله صلى الله عليه وسلم عن فرسه فأخذ كفًا من تراب فأخبرني الذي كان أدق إليه مني أنه ضرب به وجوههم وقال‏:‏ ‏”‏ شاهت الوجوه ‏”‏ فهزمهم الله عز وجل‏.‏

قال يعلى بن عطاء‏:‏ فحدثني أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا‏:‏ لم يبق منا أحد إلا امتلأت عيناه وفمه ترابًا وسمعنا صلصلة بين السماء والأرض كإمرار الحديد على الطست الحديد‏.‏

قال أحمد‏:‏ وأخبرنا عارم حدثنا معتمر بن سليمان التميمي قال سمعت أبي يقول‏:‏ حدثنا السميط السدوسي عن أنس بن مالك قال‏:‏ لما فتحنا مكة غزونا حنينًا فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت فصف الخيل ثم صفت المقاتلة ثم صفت النساء من وراء ذلك ثم صفت الغنم ثم صفت النعم قال‏:‏ ونحن بشر كثير قد بلغنا ستة آلاف وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد قال‏:‏ فجعلت خيولنا تلوذ خلف ظهورنا قال‏:‏ فلم تلبث أن انكشفت خيولنا وفرت الأعراب ومن تعلم من الناس قال‏:‏ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ يا للمهاجرين يا للمهاجرين ‏”‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏ يا للأنصار يا للأنصار ‏”‏‏.‏

قال أنس‏:‏ هذا حديث عمه قال‏:‏ قلنا‏:‏ لبيك يا رسول الله قال‏:‏ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم فأيم الله ما أتيناهم حتى هزمهم الله قال‏:‏ فقبضنا ذلك المال ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة ثم رجعنا إلى مكة‏.‏ 

قال علماء السير‏:‏ لما انهزموا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يقتل من قدر عليه منهم فحنق المسلمون عليهم فجعلوا يقتلونهم حتى قتلوا الذرية فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل الذرية وكان سيماء الملائكة يوم حنين عمائم حمر قد أسدلوها بين أكتافهم‏.‏ 

وعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي عامر الأشعري لواء ووجهه في طلبهم فمنهم من ذهب إلى الطائف ومنهم من ذهب إلى نخلة وقتل أبو عامر ممن لحق تسعة ثم قتل واستخلف أبو عامر أبا موسى الأشعري فقاتلهم‏.‏ 

وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف من سلك طريق نخلة قومًا فلقي منهم ربيعة بن رفيع دريد بن الصمة فقال له‏:‏ ما تريد قال‏:‏ قتلك ثم ضربه ربيعة فلم يغن شيئًا فقال دريد‏:‏ بئسما سلحتك أمك خذ سيفي من مؤخر الرحل ثم اضرب به وارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كنت كذلك أقتل الرجال فإذا أتيت أمك فقل‏:‏ قتلت دريد بن الصمة فقتله‏.‏

وكان في تلك الغزوة أم سليم معها خنجر‏.‏

أخبرنا ابن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أبو بكر بن مالك قال‏:‏ أخبرنا عبد الله بن أحمد قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا أبو أسامة عن سليمان بن المضرة عن ثابت عن أنس قال‏:‏ جاء أبو طلحة يوم حنين يضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم من أم سليم قال‏:‏ يا رسول الله ألم تر إلى أم سليم معها خنجر فقال لها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ ما تصنعين به يا أم سليم ‏”‏ قالت‏:‏ أردت إن دنا مني أحد منهم طعنته به‏.‏

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم رحل فانتهى إلى الجعرانة ليلة الخميس لخمس ليال خلون من ذي القعدة فأقام بها ثلاث عشرة ليلة فلما أراد الانصراف إلى المدينة خرج ليلة الأربعاء لاثنتي عشرة ليلة بقيت من ذي القعدة ليلًا وأحرم بعمرة ودخل مكة وطاف وسعى وحلق رأسه ثم رجع إلى الجعرانة من ليله كبايت ثم انصرف يوم الخميس إلى المدينة‏.‏ 

وجاء وفد هوازن فسألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم قال عبد الله بن عمرو‏:‏ سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أمنن علينا فقام رجل منهم من بني سعد بن بكر بن هوازن – وبنو سعد هم الذين أرضعوا رسول الله صلى الله عليه وسلم – يقال له‏:‏ زهير بن صرد‏:‏ لو أنا سألنا الحارث بن أبي شمر أو النعمان بن المنذر ورجونا عطفه ثم أنشد يقول‏:‏ أمنن علينا رسول الله في كرم فإنك المرء نرجوه وندخر في أبيات أخر فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أيما أحب إليكم أبناؤكم ونساؤكم أم أموالكم ‏”‏ فقالوا‏:‏ نساؤنا وأبناؤنا فقال‏:‏ ‏”‏ أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم فإذا أناصليت بالناس فقولوا‏:‏ إنا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله في أبنائنا ونسائنا فإني سأعطيكم وأسأل لكم ‏”‏ فقاموا وقالوا فقال‏:‏ ‏”‏ أما ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم ‏”‏ فقال المهاجرون‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول الله وقال الأنصار كذلك وقال الأقرع بن حابس‏:‏ أما أنا وبنو تميم فلا وقال عيينة بن حصن‏:‏ أما أنا وبنو فزارة فلا وقال عباس بن مرداس‏:‏ أما أنا وبنو سليم فلا فقال بنو سليم‏:‏ ما كان لنا فهو لرسول الله فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ من أمسك حقه فله بكل إنسان ست فرائض من أول شيء نصيبه فردوا إلى الناس أبناءهم ونساءهم ‏”‏‏.‏ 

أخبرنا محمد بن عبد الباقي البزار أخبرنا أبو محمد الجوهري أخبرنا ابن حيوية أخبرنا أحمد بن معروف أخبرنا الحارث بن أبي أسامة حدثنا محمد بن سعد عن عبد الله بن جعفر وابن أبي ميسرة وغيرهم قالوا‏:‏ قدم وفد هوازن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة بعد ما قسم الغنائم وفي الوفد عم رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة أبو برقان فقال يومئذ‏:‏ يا رسول إنما في هذه الحظائر من كان يكلأوك من عماتك وخالاتك وحواضنك قد حضناك في حجورنا وأرضعناك ثدينا ولقد رأيتك مرضعًا فما رأيت خيرًا منك ورأيتك فطيمًا فما رأيت فطيمًا خيرًا منك ورأيتك شابًا فما رأيت شابًا خيرًا منك وقد تكاملت فيك خلال الخير ونحن مع ذلك أهلك وعشيرتك فامنن علينا من الله عليك فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ قد استأنيت بكم حتى ظننت أنكم لا تقدمون ‏”‏ وقد قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم السبي وجرت فيه السهمان وقدم عليه أربعة عشر رجلًا من هوازن مسلمين وجاءوا بإسلام من وراءهم من قومهم وكان رأس القوم والمتكلم أبو صرد زهير بن صرد فقال يا رسول الله إنا أصل وعشيرة وقد أصابنا من البلاء ما لا يخفى عليك يا رسول الله إنما في هذه الحظائر عماتك وخالاتك وحواضنك ولو ملحنا للحارث بن شمر أو النعمان بن المنذر ثم نزلا منا مثل الذي نزلت به رجونا عطفهما علينا وأنت خير المكفولين فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ إن خير الحديث أصدقه وعندي من ترون من المسلمين فأبناؤكم ونساؤكم أحب إليكم أم أموالكم ‏”‏ قالوا‏:‏ ما كنا نعدل بالأنساب شيئًا فرد علينا أبناءنا ونساءنا فقال‏:‏ ‏”‏ أما ما لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وأسأل لكم الناس فإذا صليت الظهر بالناس فقولوا نستشفع برسول الله إلى المسلمين وبالمسلمين إلى رسول الله وإني سأقول لكم ما كان لي ولبني عبد المطلب فهو لكم وسأطلب لكم إلى الناس ‏”‏‏.‏

فلما صلى الظهر قاموا فتكلموا بما قال لهم فرد عليهم‏:‏ ‏”‏ ما كان لي ولبني عبد المطلب ‏”‏ ورد المهاجرون ورد الأنصار وسأل قبائل العرب فاتفقوا على قول واحد بتسليمهم برضاهم ودفع ما كان بأيديهم من السبي إلا قوم تمسكوا بما في أيديهم فأعطاهم رسول الله صلى الله عليه وسلم إبلًا عوضًا عن ذلك‏.‏

قال علماء السير‏:‏ وسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم وفد هوازن عن مالك بن عوف فقالوا‏:‏ هو بالطائف فقال‏:‏ ‏”‏ إن أتاني مسلمًا رددت عليه أهله وماله وأعطيته مائة من الإبل ‏”‏ فبلغه فأتى وأسلم فأعطاه رسول الله صلى الله عليه وسلم واستعمله على قومه وعلى من أسلم من حول الطائف‏.‏

فلما فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم ورد السبي ركب وتبعه الناس يقولون‏:‏ اقسم علينا الإبل والغنم حتى ألجأوه إلى شجرة فخطفت رداءه فقال‏:‏ ‏”‏ ردوا علي ردائي فوالله لو كان لي عدد شجر تهامة نعمًا لقسمتها عليكم ثم لا تجدوني بخيلًا ولا جبانًا ‏”‏‏.‏

ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالغنائم فجمعت فكان السبي ستة آلاف رأس‏.‏

وقال مؤلف الكتاب‏:‏ وقد ذكرنا أنه رد ذلك وكانت الإبل أربعة وعشرين ألف بعير والغنم أكثر من أربعين ألف شاة وأربعة آلاف أوقية فضة فأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم المؤلفة قلوبهم وأعطى أبا سفيان بن حرب أربعين أوقية ومائة من الإبل قال‏:‏ ابني يزيد قال‏:‏ ‏”‏ أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ‏”‏ قال‏:‏ ابني معاوية قال‏:‏ ‏”‏ أعطوه أربعين أوقية ومائة من الإبل ‏”‏ وأعطى حكيم بن حزام مائة من الإبل ثم سأله مائة أخرى فأعطاه أو أعطى النضر بن الحارث مائة من الإبل وكذلك أسيد بن حارثة والحارث بن هشام وصفوان بن أمية وسهيل بن عمرو وقيس بن عدي وحويطب والأقرع بن حابس وعيينة ومالك بن عوف‏.‏

وأعطى العلاء بن حارثة خمسين بعيرًا وكذلك مخرمة بن نوفل وعثمان بن وهب وسعيد بن يربوع وهشام بن عمرو وذلك كله من الخمس وأعطى العباس بن مرداس أباعر فلم يرض وقال‏:‏ أتجعل نهبي ونهب الع نيد بين عيينة والأقرع والعنيد اسم فرسه فزاده حتى رضي‏.‏

وكانت هذه القسمة بالجعرانة وحينئذ تكلمت الأنصار وقالوا‏:‏ أما عند القتال فنحن وحينئذ قام ذو الخويصرة فقال‏:‏ أعدل فإنك لم تعدل‏.‏

روى جابر قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة وهو يقسم الغنائم والتبر وهو في حجر بلال فقام رجل فقال‏:‏ اعدل يا محمد فإنك لم تعدل فقال عمر‏:‏ دعني يا رسول الله أضرب عنق هذا المنافق فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ إن هذا في أصحاب له وإن قال مؤلف الكتاب‏:‏ وهذا الرجل يعرف بذي الخويصرة‏.‏

ومن الحوادث بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي بالبحرين يدعوه إلى الإسلام إن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما انصرف من الجعوانة بعث العلاء بن الحضرمي إلى المنذر بن ساوي العبدي وهو بالبحرين يدعوه إلى الإسلام وكتب له كتابًا فكتب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بإسلامه‏:‏ إني قد قرأت كتابك على أهل هجر فمنهم من أعجبه الإسلام ودخل فيه ومنهم من كرهه وما رضي يهود ومجوس فأحدث إلي في ذلك أمرك‏.‏ 

فكتب إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ إنك مهما تصلح فلن نعزلك عن عملك ومن أقام على يهودية أو مجوسية فعليه الجزية ‏”‏‏.‏

ورد في “الكامل في التاريخ ” لابن الأثير:

وكانت في شوال وسببها أنه لما سمعت هوازن بما فتح الله على رسوله من مكة جمعها مالكبن عوف النصري من بني نصر بن معاوية بن بكر وكانوا مشفقين من أن يغزوهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بعد فتح مكة وقالوا‏:‏ لا مانع لهمن غزونا والرأي أن نغزوه قبل أن يغزونا‏.‏

واجتمع إليه ثقيف يقودها قارب بن الأسود بن مسعود سيد الأحلاف وذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث سيد بني مالك ولم يحضرها من قيس عيلان إلا نصر وجشم وسعد بن كر وناس من بني هلال ولم يحضرها كعب ولا كلاب وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه وكان شيخًا مجربًا‏.‏

فلما أجمع مالك بن عوف المسير إلى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ حط مع الناس أموالهم ونساءهم فلما نزلوا أوطاس جمع الناس وفيهم دريد بن الصمة فقال دريد‏:‏ بأي وادس أنتم فقالوا‏:‏ بأوطاس‏.‏

قال‏:‏ نعم مجال الخيل لا حزنٌ ضرسٌ ولا سهلٌ دهسٌ ما لي أسمع رغاء البعير ونهاق الحمير ويعار الشاء وبكاء الصغير قالوا‏:‏ ساق مالك مع الناس ذلك‏. 

فقال‏:‏ يا مالك إن هذا يوم له ما بعده ما حملك على ما صنعت قال‏:‏ سقتهم مع الناس ليقاتل كل إنسان عن حريمه وماله‏.‏ 

قال دريد‏:‏ راعي ضأنٍ والله هل يرد المنهزم شيء إنها إن كانت لك لم ينفعل إلا رجل بسيفه ورمحه وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك‏.‏ 

وقال‏:‏ ما فعلت كعب وكلاب قالوا‏:‏ لم يشهدها أحد منهم‏.‏ 

قال‏:‏ غاب الجد والحد لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب ولا كلاب ووددت أنكم فعلتم ما فعلا‏.‏ 

ثم قال‏:‏ يا مالك ارفع من معك إلى عليا بلادهم ثم الق الصباء على الخيل فإن كانت لك لحق بك من وراءك وإن كانت عليك كنت قد أحرزت أهلك ومالك‏.‏

قال مالك‏:‏ والله لا أفعل ذلك إنك قد كبرت وكبر علمك والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكين على هذا السيف حتى يخرج من ظهري وكره أن يكون لدريد فيها ذكر‏.‏

فقال دريد‏:‏ هذا يوم لم أشهده لوم يفتني‏.‏

ثم قال مالك‏:‏ أيها الناس إذا رأيتم القوم فاكسروا جفون سيوفكم وشدوا عليهم شدة رجل واحد‏.‏

وبعث مالك عيونه ليأتوه بالخبر فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم فقال‏:‏ ما شأنكم قالوا‏:‏ رأينا رجالًا بيضًا على خيل بلق فوالله ما تماسكنا أن حل بنا ما ترى‏!‏ فلم ينهه ذلك عن وجهه أن مضىعلى ما يريد‏.‏

ولما بلغ رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ خبر هوازن أجمع المسير إليهم وبلغه أن عند صفوان بن أمية أدراعًا وسلاحًا فأرسل إليه رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وهو يومئذ مشرك‏:‏ أعرنا سلاحك نلق فيه عدونا‏.‏

فقال له صفوان‏:‏ أغصبًا يا محمد فقال‏:‏ بل عاريةً مضمونةً نؤديها إليك‏.‏

قال‏:‏ ليس بهذا بأس فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح‏.‏

ثم سار النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ ومعه ألفان من مسلمة الفتح مع عشرة آلاف من أصحابه فكانوا اثني عشر ألفًا فلما رأى رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ كثرة من معه قال‏:‏ لن نغلب اليوم من قلة وذلك قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إذْ أعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا‏}‏ ‏[‏التوبة‏:‏ 25‏]‏‏.‏ وقيل‏:‏ إنما قالها رجل من بكر‏.‏

واستعمل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ على من بمكة عتاب بن أسيد‏.‏

قال جابر‏:‏ فلما استقبلنا وادي حنين انحدرنا في وادٍ أجوف حطوط إنما ننحدر فيه انحدارًا في عماية الصبح وكان القوم قد سبقونا إلى الوادي فكمنوا لنا في شعابه ومضايقه قد تهيأوا وأعدوا فوالله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد فانهزم الناس أجمعون لا يلوي أحد على أحد وانحاز رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذات اليمين ثم قال‏:‏ أيها الناس هلموا إلي أنا رسول الله أنا محمد بن عبد الله قاله ثلاثًا ثم احتملت الإبل بعضها فعضًا إلا أنه قد بقي مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته منهم‏:‏ أبو بكر وعمر وعلي والعباس وابنه الفضل وأبو سفيان بن الحارث وربيعة بن الحارث وأيمن ابن أم أيمن وأسامة بن زيد‏.‏

قال‏:‏ وكان رجل من هوازن على جلم أحمر بيده راية سوداء أمام الناس فإذا أدرك رجلًا طعنه ثم رفع رايته لمن وراءه فاتبعوه فحمل عليه علي فقتله‏.‏ولما انهزم الناس تكلم رجال من أهل مكة بما في أنفسهم من الضغن فقال أبو سفيان بن حرب‏:‏ لا تنتهي هزيمتهم دون البحر والأزلام معه‏.‏

وقال كلدة بن النبل وهو أخو صفوان بن أمية لأمه وكان صفوان بن أمية يومئذ مشركًا‏:‏ الآن بطل السحر‏.‏

فقال له صفوان‏:‏ اسكت فض الله فاك فوالله لأن يربني رجل من قريش أحب إلي من أن يربني رجل من هوازن‏!‏ وقال شيبة بن عثمان‏:‏ اليوم أدرك ثأري من محمد وكان أبوه قتل بأحد قال‏:‏ فأدرت به لأقتله فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك‏.‏

وكان العباس مع النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ آخذًا بحكمة بغلته دلدل وهو عليها وكان العباس جسيمًا شديد الصوت فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا عباس اصرخ يا معشر الأنصار يا أصحاب السمرة‏!‏ ففعل فأجابوه‏:‏ لبيك لبيك‏!‏ فكان الرجل يريد أن يثني بعيره فلا يقدر فيأخذ سلاحه ثم ينزل عنه ويؤم الصوت فاجتمع على رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ مائة رجل فاستقبل بهم القوم وقاتلهم فلما رأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ شدة القتال قال‏:‏ أنا النبيّ لا كذب أنا ابن عبد المطّلب الآن حمي الوطيس وهو أول من قالها‏.‏

واقتتل الناس قتالًا شديدًا وقال النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ لبغلته دلدل‏:‏ البدي دلدل فوضعت بطنها على الأرض فأخذ حفنة من تراب فرمى به في وجوههم فكانت الهزيمة فما رجع الناس إلا والأسارى في الحبال عند رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ وقيل‏:‏ بل أقبل شيء أسود من السماء مثل البجاد حتى سقط بين القوم فإذا نمل أسود مبثوث فكانت الهزيمة‏.‏

ولما انهزمت هوازن قتل من ثقيف وبني مالك سبعون رجلًا فأما الأحلاف من ثقيف فلم يقتل منهم غير رجلين لأنهم انهزموا سريعًا‏.‏

وقصد بعض المشركين الطائف ومعهم مالك بن عوف واتبعت خيل رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ المشركين فقتلتهم فأدرك ربيعة بن رفيع السلمي دريد ابن الصمة ولم يعرفه لأنه كان في شجار لكبره وأناخ بعيره فإذا هو شيخ كبير فقال له دريد‏:‏ ماذا تريد قال‏:‏ أقتلك‏.‏

قال‏:‏ ومن أنت فانتسب له ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئًا‏.‏

فقال دريد‏:‏ بئس ما سلحتك أمك خذ سيفي فاضرب به ثم ارفع عن العظام واخفض عن الدماغ فإني كذلك كنت أقتل الرجال وإذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة فرب يوم قد منعت فيه نساءك‏.‏ 

فقتله‏.‏

فلما أخبر أمه قالت‏:‏ والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثًا‏.‏

وسالب أبو طلحة الأنصاري يوم حنين عشرين رجلًا وحده وقتلهم‏.‏

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏(‏مَنْ قتل قتيلًا فله سلبه‏)‏‏.‏

وقتل أبو قتادة الأنصاري قتيلًا وأجهضه القتال عن أخذ سلبه فأخذه غيره فلما قال رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ ذلك قام أبو قتادة فقال‏:‏ قتلت قتيلًا وأخذ غيري سلبه‏.‏

فقال الذي أخذ السلب‏:‏ هو عندي فارضه مني يا رسول الله‏. 

فقال أبو بكر‏:‏ لا والله لا تعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله تقاسمه فرد عليه السلب‏.‏

وكان لبعض ثقيف غلامٌ نصراني فقتل فبينما رجل من الأنصار يستلب قتلي ثقيف إذ كشف العبد فرآه أغزل فصرخ بأعلى صوته‏:‏ يا معشر العرب إن ثقيفًا لا تختتن‏.‏

فقال له المغيرة بن شعبة‏:‏ لا تقل هذا إنما هو غلامٌ نصراني وأراه قتلى ثقيف مختتنين‏.‏

ومر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ في الطريق بامرأة مقتولة فقال‏:‏ من قتلها قالوا‏:‏ خالد بن الوليد‏.‏

فقال لبعض من معه‏:‏ أدرك خالدًا فقل له إن رسول الله ينهاك أن تقتل امرأة أو وليدًا أو عسيفًا‏.‏

والعسيف الأجير‏. 

وكان بعض المشركين بأوطاس فأرسل إليهم رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ أبا عامر الأشعري عم أبي موسى فرمي أبو عامر بسهم قيل رماه سلمة بن دريد بن الصمة وقتل أبو موسى سلمة هذا بعمه أبي عامر وانهزم المشركون بأوطاس وظفر المسلمون بالغنائم والسبايا فساقوا في السبي الشيماء ابنة الحارث بن عبد العزى فقالت لهم‏:‏ إني والله أخت صاحبكم من الرضاعة فلم يصدقوها حتى أتوا بها النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقالت له‏:‏ إني أختك‏.‏

قال‏:‏ وما علامة ذلك قالت‏:‏ عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك‏.‏

فعرفها وبسط لها رداءه وأجلسها عليه خيرها فقال‏:‏ إن أحببت فعندي مكرمة محببة وإن أحببت أن أمتعك وترجعي إلى قومك‏.‏

قالت‏:‏ بل تمتعني وتردني إلى قومي ففعل‏.‏

وأمر رسول الله ـ صلى الله عليه وسلم ـ بالسبايا والأموال فجمعت إلى الجعرانة وجعل عليها بديل بن ورقاء الخزاعي‏.‏

واستشهد من المسلمين بحنين أيمن بن أم أيمن ويزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن عبد العزى وغيرهما‏.‏

ورد في “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري:

” وكان من أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وأمر المسلمين وأمر هوزان ما حدثنا على بن نصر بن علي الجهضمي وعبد الوارث بن عبد الصمد بن عبد الوارث- قال علي: حدثنا عبد الصمد، وقال عبد الوارث: حدثنا أبي- قال: حدثنا أبان العطار، قال: حدثنا هشام بن عروة، عن عروة، قال: أقام النبي صلى الله عليه وسلم بمكة عام الفتح نصف شهر، لم يزد على ذلك؛ حتى جاءت هوازن وثقيف، فنزلوا بحنين- وحنين واد إلى جنب ذي المجاز- وهم يومئذ عامدون يريدون قتال النبي صلى الله عليه وسلم، وكانوا قد جمعوا قبل ذلك حين سمعوا بمخرج رسول الله من المدينة، وهم يظنون أنه إنما يريدهم حيث خرج من المدينة، فلما أتاهم أنه قد نزل مكة، أقبلت هوازن عامدين إلى النبي صلى الله عليه وسلم، وأقبلوا معهم بالنساء والصبيان والأموال- ورئيس هوازن يومئذ مالك بن عوف أحد بني نصر- وأقبلت معهم ثقيف؛ حتى نزلوا حنيناً يريدون النبي صلى الله عليه وسلم؛ فلما حدث النبي وهو بمكة أن قد نزلت هوازن وثقيف بحنين، يسوقهم مالك بن عوف أحد بني نصر- وهو رئيسهم يومئذ- عمد النبي صلى الله عليه وسلم حتى قدم عليهم، فوافاهم بحنين، فهزمهم الله عز وجل، وكان فيها ما ذكر الله عز وجل في الكتاب؛ وكان الذي ساقوا من النساء والصبيان والماشية غنيمة غنمها الله عز وجل رسوله، فقسم أموالهم فيمن كان أسلم معه من قريش.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: لما سمعت هوازن برسول الله صلى الله عليه وسلم وما فتح الله عليه من مكة؛ جمعها مالك بن عوف النصري؛ وأجتمعت إليه مع هوازن ثقيف كلها، فجمعت نصر وجشم كلها وسعد بن بكر وناس من بني هلال؛ وهم قليل، ولم يشهدها من قيس عيلان إلا هؤلاء، وغابت عنها فلم يحضرها من هوازن كعب ولا كلاب؛ ولم يشهدها منهم أحد له إسم، وفي جشم دريد بن الصمة شيخ كبير؛ ليس فيه شيء إلا التيمن برأيه ومعرفته بالحرب، وكان شيخاً كبيراً مجرباً؛ وفي ثقيف سيدان لهم في الأحلاف: قارب بن الأسود أبن مسعود، وفي بني مالك ذو الخمار سبيع بن الحارث وأخوه الأحمر بن الحارث في بني هلال، وجماع أمر الناس إلى مالك بن عوف النصري.

فلما أجمع مالك المسير إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حط مع الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؛ فلما نزل بأوطاس، إجتمع إليه الناس؛ وفيهم دريد بن الصمة في شجار له يقاد به ؛ فلما نزل قال بأي واد أنتم؟ قالوا: بأوطاس، قال: نعم مجال الخيل! لا حزن ضرس ، ولا سهل دهس ؛ مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء ، وبكاء الصغير! قالوا: ساق مالك بن عوف مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، فقال: أين مالك؟ فقيل: هذا مالك، فدعى له، فقال: يا مالك، إنك قد أصبحت رئيس قومك؛ وإن هذا يوم كائن له ما بعده من الأيام؛ مالي أسمع رغاء البعير، ونهاق الحمير، ويعار الشاء، وبكاء الصغير! قال: سقت مع الناس أبناءهم ونساءهم وأموالهم، قال: ولم؟ قال: أردت أن أجعل خلف كل رجل أهله وماله ليقاتل عنهم؛ قال: فأنقض به ثم قال: راعي ضأن والله! هل يرد المنهزم شيء! إنها إن كانت لك لم ينفعك إلا رجل بسيفه ورمحه، وإن كانت عليك فضحت في أهلك ومالك. ما فعلت كعب وكلاب؟ قالوا: لم يشهد منهم أحد، قال: غاب الجد والحد؛ لو كان يوم علاء ورفعة لم تغب عنه كعب وكلاب؛ ولوددت أنكم فعلتم ما فعلت كعب وكلاب؛ فمن شهدها منكم؟ قالوا: عمرو بن عامر وعوف بن عامر؛ قال: ذانك الجذعان من بني عامر! لا ينفعان ولا يضران، يا مالك إنك لم تصنع بتقديم البيضة؛ بيضة هوازن، إلى نحور الخيل شيئاً، أرفعهم إلى متمنع بلادهم وعليا قومهم؛ ثم ألق الصباء على متون الخيل، فإن كانت لك لحق بك من وراءك، وإن كانت عليك ألفاك ذلك وقد أحرزت أهلك ومالك. قال: والله لا أفعل، إنك قد كبرت وكبر علمك؛ والله لتطيعنني يا معشر هوازن أو لأتكئن على هذا السيف حتى يخرج من ظهري! وكره أن يكون لدريد فيها ذكر ورأى. قال دريد بن الصمة: هذا يوم لم أشهده؛ ولم يفتني:

يا ليتني فيها جذع               أخب فيها وأضع

أقود وطفاء الزمع               كأنها شاة صـدع

وكان دريد رئيس بني جشم وسيدهم وأوسطهم؛ ولكن السن أدركته حتى فنى- وهو دريد بن الصمة بن بكر بن علقمة بن جداعة بن غزية أبن جشم بن معاوية بن بكر بن هوازن- ثم قال مالك للناس: إذا أنتم رأيتم القوم فأكسروا جفون سيوفكم، وشدوا شدة رجل واحد عليهم .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن أمية أبن عبد الله بن عمرو بن عثمان بن عفان؛ أنه حدث أن مالك بن عوف بعث عيوناً من رجاله لينظروا له، ويأتوه بخبر الناس؛ فرجعوا إليه وقد تفرقت أوصالهم، فقال: ويلكم! ما شأنكم؟ قالوا: رأينا رجالاً بيضاً على خيل بلق؛ فو الله ما تماسكنا أن أصابنا ما ترى! فلم ينهه ذلك عن وجهه؛ أن مصى على ما يريد .

قال ابن إسحاق: ولما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث إليهم عبد الله بن أبي حدرد الإسلمي، وأمره أن يدخل في الناس فيقيم فيهم حتى يأتيه بخبر منهم؛ ويعلم من علمهم. فأنطلق أبن أبي حدرد، فدخل فيهم، فأقام معهم حتى سمع وعلم ما قد أجمعوا له من حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعلم أمر مالك وأمر هوازن وما هم عليه. ثم أتى رسول الله، فأخبره الخبر؛ فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر بن الخطاب، فأخبره خبر أبن أبي حدرد، فقال: عمر: كذب! فقال أبن أبي حدرد: إن تكذبني فطالما كذبت بالحق يا عمر! فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله إلى ما يقول أبن أبي حدرد! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: قد كنت ضالاً فهداك الله يا عمر .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني أبو جعفر محمد بن علي بن حسين، قال: لما أجمع رسول الله صلى الله عليه وسلم السير إلى هوازن ليلقاهم، ذكر له أن عند صفوان بن أمية أدراعاً وسلاحاً، فأرسل إليه، فقال: يا أبا أمية- وهو يومئذ مشرك: أعرنا سلاحك هذا نلق فيه عدونا غداً. فقال له صفوان: أغصباً يا محمد! قال: بل عارية مضمونة حتى نؤديها إليك، قال: ليس بهذا بأس، فأعطاه مائة درع بما يصلحها من السلاح؛ فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سأله أن يكفيه حملها ففعل  

قال أبو جعفر محمد بن علي: فمضت السنة أن العارية مضمونة مؤداة.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله أبن أبي بكر، قال: ثم خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ ومعه ألفان من أهل مكة، مع عشرة آلاف من أصحابه الذين فتح الله بهم مكة، فكانوا أثنى عشر ألفاً، وأستعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم عتاب بن أسيد أبن العيص بن أمية بن عبد شمس على مكة أميراً على من غاب عنه من الناس، ثم مضى على وجهه يريد لقاء هوازن  

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه، قال: لما أستقبلنا وادي حنين، أنحدرنا في واد من أودية تهامة أجوف حطوط، إنما ننحدر فيه أنحداراً- قال: وفي عماية الصبح، وكان القوم قد سبقوا إلى الوادي، فكمنوا لنا في شعابه وأحنائه ومضايقه، قد أجمعوا وتهيئوا وأعدوا- فو الله ما راعنا ونحن منحطون إلا الكتائب قد شدت علينا شدة رجل واحد؛ وأنهزم الناس أجمعوا، فأنشمروا لا يلوي أحد على أحد؛ وأنحاز رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات اليمين، ثم قال: أين أيها الناس! هلم إلى! أنا رسول الله، أنا محمد بن عبد الله! قال: فلا شيء، أحتملت الإبل بعضها بعضاً، فأنطلق الناس؛ إلا أنه قد بقي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم نفر من المهاجرين والأنصار وأهل بيته. وممن ثبت معه من المهاجرين أبو بكر، عمر، ومن أهل بيته علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبنه الفضل، وأبو سفيان بن الحارث، وربيعة بن الحارث، وأيمن بن عبيد- وهو أيمن بن أم أيمن- وأسامة بن زيد بن حارثة. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر، بيده راية سوداء في رأس رمح طويل، أمام الناس وهوازن خلفه ، إذا أدرك طعن برمحه، وإذا فاته الناس رفع رمحه لمن وراءه؛ فأتبعوه. ولما أنهزم الناس، ورأى من كان مع رسول الله صلى الله عليه وسلم من جفاة أهل مكة الهزيمة، تكلم رجال منهم بما في أنفسهم من الضغن، فقال أبو سفيان بن حرب: لا تنتهي هزيمتهم دون البحر؛ والأزلام معه في منانته؛ وصرخ كلدة بن الحنبل- وهو مع أخيه صفوان بن أمية بن خلف وكان أخاه لأمه، وصفوان يومئذ مشرك في المدة التي جعل له رسول الله صلى الله عليه وسلم- فقال: ألا بطل السحر اليوم! فقال له صفوان: أسكت فض الله فاك! فو الله لأن يربني رجل من قريش أحب إلى من أن يربني رجل من هوازن! وقال شيبة بن عثمان بن أبي طلحة، أخوبني عبد الدار: قلت: اليوم أدرك ثأري- وكان أبوه قتل يوم أحد- اليوم أقتل محمداً. قال: فأردت رسول الله لأقتله، فأقبل شيء حتى تغشى فؤادي فلم أطق ذلك، وعلمت أنه قد منع مني .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق عن الزهري، عن كثير بن العباس، عن أبيه العباس بن عبد المطلب، قال: إني لمع رسول الله صلى الله عليه وسلم آخذ بحكمة بغلته البيضاء، قد شجرتها بها، قال: وكنت أمرأً جسيماً شديد الصوت، قال: ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقول حين رأى من الناس ما رأى : أين أيها الناس ! فلما رأى الناس لا يلوون على شيء قال: يا عباس، أصرخ: يا معشر الأنصار! يا أصحاب السمرة! فناديت: يا معشر الأنصار، يا معشر أصحاب السمرة! قال: فأجابوا: أن لبيك لبيك! قال: فيذهب الرجل منهم يريد ليثني بعيره؛ فلا يقدر على ذلك، فيأخذ درعه فيقذفها في عنقه، ويأخذ سيفه وترسه ، ثم يقتحم عن بعيره فيخلى سبيله في الناس، ثم يؤم الصوت، حتى ينتهي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ حتى إذا أجتمع إليه منهم مائة رجل أستقبلوا الناس، فأقتتلوا، فكانت الدعوى أول ما كانت: يا للأنصار! ثم جعلت أخيراً: يا للخزرج! وكانوا صبراً عند الحرب؛ فأشرف رسول الله صلى الله عليه وسلم في ركابه، فنظر مجتلد القوم وهم يجتلدون، فقال: الآن حمى الوطيس ! حدثنا هارون بن إسحاق، قال: حدثنا مصعب بن المقدام، قال: حدثنا إسرائيل، قال: حدثنا أبو إسحاق، عن البراء، قال: كان أبو سفيان بن الحارث يقود بالنبي صلى الله عليه وسلم بغلته يوم حنين، فلما غشى النبي صلى الله عليه وسلم المشركون، نزل فجعل يرتجز، ويقول:

أنا النبـي لا كـذب              أنا أبن عبد المطلب 

فما رئى من الناس أشد منه.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عاصم أبن عمر بن قتادة، عن عبد الرحمن بن جابر، عن أبيه جابر بن عبد الله، قال: بينا ذلك الرجل من هوازن صاحب الراية على جمله يصنع ما يصنع؛ إذ هوى له علي بن أبي طالب ورجل من الأنصار؛ يريدانه، فيأتيه على من خلفه، فيضرب عرقوبي الجمل، فوقع على عجزه، ووثب الأنصاري على الرجل فضربه ضربة أطن قدمه بنصف ساقه ، فأنجعف عن رحله. قال: وأجتلد الناس، فو الله ما رجعت راجعة الناس من هزيمتهم حتى وجدوا الأساري مكتفين؛ وقد ألتفت رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أبي سفيان أبن الحارث بن عبد المطلب- وكان ممن صبر يومئذ مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكان حسن الإسلام حين أسلم، وهو آخذ بثفر بغلته- فقال: من هذا؟ قال: أبن أمك يا رسول الله ! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ألتفت، فرأى أم سليم بنت ملحان- وكانت مع زوجها أبي طلحة- حازمة وسطها ببرد لها؛ وإنها لحامل بعبد الله بن أبي طلحة، ومعها جمل أبي طلحة، وقد خشيت أن يعزها الجمل، فأدنت رأسه منها، فأدخلت يدها في خزامته مع الخطام، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أم سليم! قالت: نعم؛ بأبي أنت وأمي يا رسول الله! أقتل هؤلاء الذين يفرون عنك كما تقتل هؤلاء الذين يقاتلونك، فإنهم لذلك أهل، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أو يكفي الله يا أم سليم! ومعها خنجر في يدها، فقال لها أبو طلحة: ما هذا معك يا أم سليم؟ قالت: خنجر أخذته معي؛ إن دنا مني أحد من المشركين بعجته به . قال : يقول أبو طلحة: ألا تسمع ما تقول أم سليم يا رسول الله ! .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: حدثني حماد بن سلمة، عن إسحاق بن عبد الله بن أبي طلحة، عن أنس أبن مالك، قال: لقد أستلب أبو طلحة يوم حنين عشرين رجلاً وحده هو قتلهم .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن أبيه، أنه حدث عن جبير بن مطعم، قال: لقد رأيت قبل هزيمة القوم والناس يقتتلون مثل البجاد الأسود، أقبل من السماء حتى سقط بيننا وبين القوم؛ فنظرت فإذا نمل أسود مبثوث قد ملأ الوادي؛ فلم أشك أنها الملائكة، ولم يكن إلا هزيمة القوم .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فلما أنهزمت هوازن أستحر القتل من ثقيف ببني مالك، فقتل منهم سبعون رجلاً تحت رايتهم، فيهم عثمان بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن حبيب؛ جد أبن أم حكم بنت أبي سفيان، وكانت رايتهم مع ذي الخمار، فلما قتل أخذها عثمان بن عبد الله فقاتل بها حتى قتل .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، فال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عامر بن وهب بن الأسود بن مسعود، قال: لما بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل عثمان، قال: أبعده الله! فإنه كان يبغض قريشاً .

حدثنا علي بن سهل، قال: حدثنا مؤمل، عن عمارة بن زاذان، عن ثابت، عن أنس، قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين على بغلة بيضاء، يقال لها دلدل، فلما أنهزم المسلمون، قال النبي صلى الله عليه وسلم لبغلته: البدي دلدل! فوضعت بطنها على الأرض، فأخذ النبي صلى الله عليه وسلم حفنة من تراب، فرمى بها في وجوههم، وقال: “حم لا ينصرون !” . فولى المشركون مدبرين، ما ضرب بسيف ولا طعن برمح ولا رمى بسهم.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن يعقوب بن عتبة بن المغيرة بن الأخنس، قال: قتل مع عثمان بن عبد الله غلام له نصراني أغرل . قال: فبينا رجل من الأنصار يستلب قتلي من ثقيف، إذ كشف العبد ليستلبه، فوجده أغرل، فصرخ بأعلى صوته: يعلم الله أن ثقيفاً غرل ما تختتن! قال المغيرة بن شعبة: فأخذت بيده، وخشيت أن تذهب عنا في العرب، فقلت: لا تقل ذلك فداك أبي وأمي! إنما هو غلام لنا نصراني، ثم جعلت أكشف له قتلانا فأقول: ألا تراهم مخنين! قال: وكانت راية الأحلاف مع قارب بن الأسود بن مسعود، فلما هزم الناس أسند رايته إلى شجرة، وهرب هو وبنو عمه وقومه من الأحلاف، فلم يقتل منهم إلا رجلان؛ رجل من بني غيرة يقال له وهب، وآخر من بني كنة يقال له: الجلاح، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين بلغه قتل الجلاح: قتل اليوم سيد شباب ثقيف؛ إلا ما كان من أبن هنيدة- وأبن هنيدة الحارث بن أوس .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ولما أنهزم المشركون أتوا الطائف، ومعهم مالك بن عوف، وعسكر بعضهم بأوطاس، وتوجه بعضهم نحو نخلة- ولم يكن فيمن توجه نحو نخلة إلا بنو غيرة من ثقيف- فتبعت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم من سلك في نخلة من الناس، ولم تتبع من سلك الثنايا، فأدرك ربيعة بن رفيع بن أهبان بن ثعلبة بن ربيعة بن يربوع بن سمال بن عوف بن أمرئ القيس- وكان يقال له أبن لذعة وهي أمه، فغلبت على نسبة- دريد بن الصمة، فأخذ بخطام جمله؛ وهو يظن أنه أمرأة؛ وذلك أنه كان في شجار له، فإذا هو رجل، فأناخ به، وإذا هو بشيخ كبير؛ وإذا هو دريد بن الصمة، لا يعرفه الغلام، فقال له دريد: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك، قال: ومن أنت؟ قال: أنا ربيعة بن رفيع السلمى، ثم ضربه بسيفه فلم يغن شيئاً، فقال: بئسما سلحتك أمك! خذ سيفي هذا من مؤخر الرحل في الشجار، ثم أضرب به وأرفع عن العظام، وأخفض عن الدماغ، فإني كذلك كنت أقتل الرجال. ثم إذا أتيت أمك فأخبرها أنك قتلت دريد بن الصمة؛ فرب يوم والله قد منعت نساءك! فزعمت بنو سليم أن ربيعة قال: لما ضربته فوقع تكشف الثوب عنه، فإذا عجانه وبطون فخذيه مثل القرطاس من ركوب الخيل أعراء ، فلما رجع ربيعة إلى أمه أخبرها بقتله إياه، فقالت: والله لقد أعتق أمهات لك ثلاثاً .

قال أبو جعفر: وبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم في آثار من توجه قبل أوطاس؛ فحدثني موسى بن عبد الرحمن الكندي، قال: حدثنا أبو أسامة، عن بريد بن عبد الله، عن أبي بردة، عن أبيه، قال: لما قدم النبي صلى الله عليه وسلم من حنين بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقى دريد بن الصمة، فقتل دريداً، وهزم الله أصحابه.

قال أبو موسى: فبعثني مع أبي عامر، قال: فرمى أبو عامر في ركبته، رماه رجل من بني جشم بسهم فأثبته في ركبته، فأنتهيت إليه، فقلت: يا عم، من رماك؟ فأشار أبو عامر لأبي موسى، فقال: إن ذاك قاتلي، تراه ذلك الذي رماني! قال أبو موسى: فقصدت له فأعتمدته، فلحقته، فلما رآني ولي عني ذاهباً، فأتبعه، وجعلت أقول له: ألا تستحي! ألست عربياً! ألا تثبت! فكر، فالتقيت أنا وهو، فأختلفنا ضربتين، فضربته بالسيف، ثم رجعت إلى أبي عامر، فقلت: قد قتل الله صاحبك، قال: فأنزع هذا السهم، فنزعته فنزا منه الماء، فقال: يا بن أخي، أنطلق إلى رسول الله، فأفرئه منى السلام، وقل له إنه يقول لك: أستغفر لي.

قال: وأستخلفني أبو عامر على الناس فمكث يسيراً. ثم إنه مات. 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: يزعمون أن سلمة بن دريد، هو الذي رمى أبا عامر بسهم فأصاب ركبته، فقتله، فقال سلمة بن دريد في قتله أبا عامر:

إن تسألوا عني فإني سلمه             أبن سمادير لمن توسعه

 

أضرب بالسيف رءوس المسلمه وسمادير أم سلمة، فأنتهى إليها.

قال: وخرج مالك بن عوف عند الهزيمة، فوقف في فوارس من قومه على ثنية من الطريق، وقال لأصحابه: قفوا حتى تمضي ضعفاؤكم وتلحق أخراكم؛ فوقف هنالك حتى مضى من كان لحق بهم من منهزمة الناس .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، قال: حدثني بعض بني سعد بن بكر، أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال يومئذ لخيله التي بعث: إن قدرتم على يجاد- رجل من بني سعد أبن بكر- فلا يفلتنكم؛ وكان بجاد قد أحدث حدثاً، فلما ظفر به المسلمون ساقوه وأهله، وساقوا أخته الشيماء بنت الحارث بن عبد الله بن عبد العزي، أخت رسول الله صلى الله عليه وسلم من الرضاعة، فعنفوا عليها في السياق معهم، فقالت للمسلمين: تعلمون والله أني لأخت صاحبكم من الرضاعة؛ فلم يصدقوها حتى أتوا بها رسول الله صلى الله عليه وسلم.

 حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثنا ابن إسحاق، عن أبي وجزة يزيد بن عبيد السعدي، قال: لما أنتهى بالشيماء إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قالت: يا رسول الله، إني أختك، قال: وما علامة ذلك؟ قالت عضة عضضتنيها في ظهري وأنا متوركتك. قال: فعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم العلامة، فبسط لها رداءه، ثم قال: ها هنا، فأجلسها عليه، وخيرها، وقال: إن أحببت فعندي محببة مكرمة، وإن أحببت أمتعك وترجعي إلى قومك، قالت: بل تمتعني وتردني إلى قومي، فمتعها رسول الله صلى الله عليه وسلم، وردها إلى قومها؛ فزعمت بنو سعد بن بكر أنه أعطاها غلاماً له يقال له مكحول، وجارية؛ فزوجت أحدهما الآخر، فلم يزل فيهم من نسلهما بقية .

قال ابن إسحاق: أستشهد يوم حنين من قريش، ثم من بني هاشم: أيمن بن عبيد- وهو أبن أم أيمن، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم- ومن بني أسد بن عبد العزى يزيد بن زمعة بن الأسود بن المطلب بن أسد- جمح به فرس له يقال له الجناح، فقتل- ومن الأنصار سراقة بن الحارث أبن عدي بن بلعجلان، ومن الأشعريين أبو عامر الأشعري. ثم جمعت إلى رسول الله سبايا حنين وأموالها؛ وكان على المغانم مسعود بن عمرو القاري، فأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالسبايا والأموال إلى الجعرانة فحبست بها حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: قال ابن إسحاق: لما قدم فل ثقيف الطائف أغلقوا عليهم أبواب مدينتها، وصنعوا الصنائع للقتال؛ ولم يشهد حنيناً ولا حصار الطائف عروة بن مسعود ولا غيلان بن سلمة؛ كانا بجرش يتعلمان صنعة الدباب والضبور والمجانيق .