غزوة حمراء الأسد

غزوة حمراء الأسد

 

غزوة حمراء الأسد حدثت في شوال من السنة الثالثة للهجرة، في منطقة حمراء الأسد 20 كلم جنوب المدينة المنورة. كان هدفها مطاردة قريش ومنعها من العودة للقضاء على المسلمين بالمدينة ورفع الروح المعنوية للصحابة بعد غزوة أحد. علمت قريش بخروج الرسول محمد وفضلت الهرب خوفاً من المسلمين الذين بقوا 3 أيام في حمراء الأسد ثم رجعوا إلى المدينة.

 

وقد ورد في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” لابن الجوزي:

 

” وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رجع إلى المدينة يوم السبت يوم الوقعة فلما كان الغد وهو يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطنب العدو وأذن مؤذنه أن لا يخرج معنا إلا من حضر يومنا بالأمس وبات المسلمون يداوون جراحاتهم فكلمه جابر بن عبد الله فقال‏:‏ يا رسول الله‏:‏ إن أبي كان خلفني على أخوات لي فأذن لي بالخروج معك ولم يخرج معه ممن لم يشهد القتال غيره‏.‏

 

وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهبًا للعدو ليبلغهم أنه قد خرج في طلبهم ليظنوا به قوة وإن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم فخرج حتى انتهى إلى حمراء الأسد ودفع لواءه وهو معقود لم يحل إلى علي بن أبي طالب وقيل‏:‏ إلى أبي بكر رضي الله عنهما واستخلف على المدينة عبد الله بن أم مكتوم وخرج وهو مجروح مشجوج مكسور الرباعية وشفته العليا قد كلمت في باطنها وهو متوهن المنكب الأيمن من ضربة ابن قميئة ونزل إليه أهل العوالي فبعث ثلاثة نفر من أسلم روحة في آثار القوم فلحق اثنان منهم القوم بحمراء الأسد وهي من المدينة على عشرة أميال وقيل‏:‏ ثمانية وللقوم رجل وهم يأتمرون بالرجوع وصفوان بن أمية ينهاهم فبصروا بالرجلين فرجعوا إليهما فقتلوهما ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه حتى عسكروا بحمراء الأسد فدفن الرجلان في قبر واحد وأقام بها الاثنين والثلاثاء والأربعاء وكان المسلمون يوقدون تلك الليالي خمسمائة نار فذهب صوت معسكرهم ونارهم في كل وجه فكبت الله بذلك عدوهم ووجد رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا عزة فقتله صبرًا وانصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة فدخلها يوم الجمعة وكانت غيبته خمس ليال‏.‏

 

أنبأنا الحسين بن محمد بن عبد الوهاب قال‏:‏ أخبرنا أبو جعفر بن المسلمة قال‏:‏ أخبرنا أبو طاهر المخلص قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن سليمان بن داود قال‏:‏ حدثنا الزبير بن بكار قال‏:‏ أسر رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر أبا عزة الشاعر واسمه عمرو وكان ذا بنات فقال له‏:‏ دعني لبناتي فرحمه فأطلقه وأخذ عليه أن لا يكثر عليه بعدها فلما جمعت قريش لرسول الله صلى الله عليه وسلم أقبلوا إليه وكلمه صفوان بن أمية وسأله أن يخرج إلى بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة وهم حلفاء قريش يسألهم النصر فأبى وقال‏:‏ إن محمدًا قد أمن علي وأعطيته أن لا أكثر عليه فلم يزل صفوان يكلمه حتى خرج إلى بني الحارث فحرضهم على الخروج مع قريش والنصر لهم فقال في ذلك‏:‏ أنتم بنو الحارث والناس الهام أنتم بنو عبد مناة الردم أنتم حماة وأبوكم حام لا تعدوا ناصركم بعد العام لا تسلمونا لا يحل إسلام فلما انصرفت قريش عن أحد تبعهم رسول الله حتى بلغ حمراء الأسد فأصاب بها عمرًا فقال له‏:‏ يا محمد عفوك فقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ لا تمسح لحيتك بمكة وتقول خدعت صمدًا مرتين ‏”‏‏.‏

 

قال الزبير وحدثني محمد بن الضحاك عن أبيه ومحمد بن سلام عن أبي جعدية والأبرص أبو عزة الجمحي فكانت قريش لا تواكله ولا تجالسه فقال‏:‏ الموت خير من هذا فأخذ حديدة ودخل بعض شعاب مكة فطعن بها في موضع مغده والمغد موضع عقص الراكب من الدابة فمادت الحديدة بين الجلد والصفاق فسال منه ماء أصفر وبرئ فقال‏:‏ اللهم رب وائل ونهد والتهمات والجبال الجرد ورب من يوعى بياض نجد أصبحت عبدًا لك وابن عبد أبرأتني من وضح بجلدي من بعد ما طعنت في مغدي”.

 

وورد في “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري قوله عن حمراء الأسد:

 

” وكان رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة يوم السبت؛ وذلك يوم الوقعة بأحد؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: حدثني حسين بن عبد الله، عن عكرمة، قال: كان يوم أحد يوم السبت؛ للنصف من شوال؛ فلما كان الغد من يوم أحد – وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال – أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو؛ وأذن مؤذنه: ألا يخرجن معنا أحد إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام، فقال: يا رسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع، وقال لي: يا بني؛ إنه لا ينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة لا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي؛ فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم، فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو، وليبلغهم أنه خرج في طلبهم؛ ليظنوا به قوة، وأن الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

 

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان، أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً، قال: شهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا وأخ لي، فرجعنا جريحين؛ فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو، قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل؛ فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم – وكنت أيسر جرحاً منه – فكنت إذا غلب حملته عقبة ومشى عقبة؛ حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، حتى انتهى إلى حمراء الأسد؛ وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً: الاثنين، والثلاثاء ، والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة. وقد مر به – فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم – معبدٌ الخزاعي، وكانت خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم بتهامة، صفقتهم معه، لا يخفون عليه شيئاً كان بها – ومعبد يومئذ مشرك – فقال: يا محمد؛ أما والله لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك؛ ولوددنا أن الله كان أعفاك فيهم ! ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد؛ حتى لقي أبا سفيان بن حرب ومن معه بالروحاء، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه، وقالوا: أصبنا حد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم؛ لنكرن على بقيتهم؛ فلفرغن منهم. فلما رأى أبو سفيان معبداً، قال ما وراءك يا معبد ؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمعٍ لم أر مثله قط يتحرمون عليكم تحرماً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا، فيهم من الحنق عليكم شيء لم أر مثله قط. قال: ويلك ما تقول ! قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعنا الكرة عليهم لنستأصل بقيتهم، قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتاً من شعر، قال: وماذا قلت ؟ قال: قلت:

 

          كادت تهد من الأصوات راحلتي                 إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

          تردى بأسدٍ كـرام لا تـنـابـلةٍ                     عند اللقاء ولا خرقٍ معـازيل

          فظلت عدواً أظن الأرض مائلةً                  لما سموا برئيس غير مخـذول

          فقلت ويل ابن حربٍ من لقائكـم                  إذا تغطمطت البطحاء بالجيل !

          إني نذيرٌ لأهل البسل ضـاحـيةً                   لكل ذي إربةٍ منهم ومعـقـول

          من جيش أحمد لا وخشٍ قنابلـه                  وليس يوصف ما أنذرت بالقيل

 

قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه. ومر به ركبٌ من عبد القيس، فقال: أين تريدون ؟ قالوا: نريد المدينة، قال: ولم ؟ قالوا: نريد الميرة، قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها ؟ قالوا: نعم، قال: فإذا جئتموه فأخبروه أنا قد أجمعنا المسير إليه وإلى أصحابه، لنستأصل بقيتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بحمراء الأسد، فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه: حسبنا الله ونعم الوكيل ! قال أبو جعفر: ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة بعد الثالثة؛ فزعم بعض أهل الأخبار أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ظفر في وجهه إلى حمراء الأسد بمعاوية بن المغيرة بن أبي العاص، وأبي عزة الجمحي؛ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم خلف على المدينة حين خرج إلى حمراء الأسد ابن أم مكتوم”.