غزوة تبوك

غزوة تبوك

وقعت غزوة تبوك في رجب (سنة 9هـ) في أعقاب فتح مكة وانتصار الرسول (صلى الله عليه وسلم) في الطائف، وصلت الرسول أخبار من بلاد الروم تفيد أنَّ ملك الروم وحلفاءه من العرب من لخم وجذام وغسان وعاملة قد هيأ جيشاً لمهاجمة الدولة الإسلامية قبل أن تصبح خطراً على دولته.

وأرسل النبيّ صلى الله عليه وسلم إلى القبائل العربية في مختلف المناطق يستنفرهم على قتال الروم، فاجتمع له حوالي ثلاثين ألف مقاتل تصحبهم عشرة آلاف فرس.

ورد في “المنتظم في تاريخ الملوك والأمم” لابن الجوزي: 

” غزوة تبوك وذلك في رجب وذلك أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بلغه أن الروم قد جمعت جموعًا كبيرة وأن هرقل قد رزق أصحابه لسنة وأجلبت معه لخم وجذام وعاملة وغسان وقدموا مقدماتهم إلى البلقاء فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس وأعلمهم المكان الذي يريد ليتأهبوا لذلك وبعث إلى مكة وإلى قبائل العرب ليستنفرهم وذلك في حر شديد وخلف علي بن أبي طالب على أهله واستخلف على المدينة سباع بن عرفطة وجاء البكاؤون يستحملونه‏.‏ 

واختلف في عددهم وأسماءهم فروى أبو صالح عن ابن عباس قال‏:‏ هم ستة‏:‏ عبد الله بن معقل وصخر بن سلمان‏.‏

وعبيد الله بن كعب وعلية بن زيد وسالم بن عمير وثعلبة بن غنمة‏.‏

وذكر محمد بن مسلمة مكان صخر بن سلمان سلمة بن صخر ومكان ثعلبة بن غنمة عمرو بن غنمة قال‏:‏ وقيل منهم معقل بن يسار‏.‏

وروى ابن إسحاق عن أشياخ له‏:‏ أن البكائين سبعة من الأنصار‏:‏ سالم بن عمير وعلية بن زيد وأبو ليلى عبد الرحمن بن كعب وعمرو بن الحمام وعبد الله بن معقل وبعض الناس تقول عبد الله بن عمرو المؤني وعرباض بن سارية وهرمي بن عبد الله‏.‏

وقال مجاهد‏:‏ نزلت في بني مقرن وهم سبعة وقد ذكرهم محمد بن سعد فقال‏:‏ النعمان بن عمرو بن مقرن وسنان بن مقرن وعقيل بن مقرن وعبد الرحمن بن مقرن وعبد الرحمن بن عقيل بن مقرن وقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏{‏لا أجد ما أحملكم عليه‏}‏ فولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزنًا‏.‏

وجاء ناس من المنافقين يستأذنون رسول الله صلى الله عليه وسلم في التخلف من غير علة فأذن لهم وهم بضعة وثمانون رجلًا وجاء المعذرون من الأعراب فاعتذروا فلم يعذرهم وهم اثنان وثمانون رجلًا وكان عبد الله بن أبي قد عسكر في حلفائه من اليهود والمنافقين على ثنية الوداع واستخلف النبي صلى الله عليه وسلم على المدينة محمد بن مسلمة وجاء واثلة بن الأسقع فبايعه ثم لحق به فلما سار تخلف عبد الله بن أبي ومن معه وبقي نفر من المسلمين منهم‏:‏ كعب بن مالك وهلال بن أمية ومرارة بن الربيع وأبو خيثمة السالمي وأبو ذر الغفاري فقدم تبوكًا في ثلاثين ألفًا من الناس وكانت الخيل عشرة آلاف فرس وكان على حرسه عباد بن بشير ولقوا في الطريق شدة‏.‏

قيل لعمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ حدثنا عن ساعة العسرة قال‏:‏ خرجنا إلى تبوك في قيظ شديد فنزلن منزلًا أصابنا فيه عطش شديد ظننا أن رقابنا ستقطع حتى أن الرجل ليذهب يلتمس الماء فلا يرجع حتى يظن أن رقبته تتقطع وحتى إن الرجل لينحر بعيره فيعصر فرثه فيشربه ويجعل ما بقي على كبده فقال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله إن الله قد عودك في الدعاء خيرًا فادع الله لنا قال‏:‏ ‏”‏ تحب ذلك ‏”‏ قال‏:‏ نعم فرفع يديه فلم يرجعها حتى قالت السماء فملأوا ما معهم ثم ذهبنا ننظر فلم نجدها جاوزت العسكر‏.‏

وفي هذه السفرة‏:‏ اشتد بهم العطش ومعهم أداوة فيها ماء فصبه رسول الله صلى الله عليه وسلم في إناء ففاضت حتى روي العسكر وهم ثلاثون ألفًا والإبل اثنا عشر ألفًا والخيل عشرة آلاف‏.‏

وفيها‏:‏ مر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالحجر من أرض ثمود واستقى الناس من أبيارهم فنهاهم‏.‏

قال ابن عمر‏:‏ إن الناس نزلوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم أرض ثمود الحجر فاستسقوا من أبيارها وعجنوا به فأمرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يهريقوا ما استقوا من أبيارها وأن يعلفوا الإبل العجين وأمرهم أن يستقوا من النهر التي كانت ترده الناقة‏.‏

قال علماء السير‏:‏ أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك عشرين ليلة ولحقه أبو خيثمة وأبو ذر وكان أبو خيثمة قد رجع من بعض الطريق فوجد امرأتين له قد هيأت كل واحدة منهما عريشًا وبردت فيه ماء وهيأت طعامًا فوقف فقال‏:‏ رسول الله صلى الله عليه وسلم في الضح والريح وأبو خيثمة في ظلال وماء بارد والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فلحقه ثم انصرف رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يلق كيدًا وكان هرقل يومئذ بحمص‏.‏

فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خالد بن الوليد في أربع مائة وعشرين فارسًا إلى أكيدر بن عبد الملك بدومة الجندل وبينها وبين المدينة خمس عشرة ليلة وكان أكيدر قد ملكهم وكان نصرانيًا فانتهى إليه خالد بن الوليد وقد خرج من حصنه في ليلة مقمرة إلى بقر يطاردها هو وأخوه حسان فشدت عليه خيل خالد فاستأسر أكيدر وامتنع أخوه حسان فقاتل حتى قتل وهرب من كان معه فدخل الحصن وأجار خالد أكيدر من القتل حتى يأتي به رسول الله صلى الله عليه وسلم على أن يفتح له دومة الجندل ففعل وصالحه على ألفي بعير وثمانمائة رأس وأربعمائة درع وأربعمائة رمح فعزل لرسول الله صلى الله عليه وسلم صفيًا خالصًا ثم قسم الغنائم فأخرج الخمس ثم قسم ما بقي فقدم به وبأخيه على النبي صلى الله عليه وسلم فقدم أكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم فأهدى له هدية وصالحه على الجزية وحقن دمه ودم أخيه وخلى سبيلهما وكتب لهما كتابًا فيه أمانهم‏.‏

وفي طريق رجوع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المدينة من تبوك قال من قال من المنافقين‏:‏ إنما كنا نخوض ونلعب‏.‏

وروى صالح عن ابن عباس‏:‏ أن جد بن قيس ووديعة بن خدام والجهير بن جمير كانوا يسيرون بين يدي رسول الله صلى الله عليه وسلم مرجعه من تبوك فجعل رجلان منهم يستهزئان برسول الله صلى الله عليه وسلم والثالث يضحك مما يقولان ولا يتكلم بشيء فنزل جبريل فأخبره بما يستهزئون به ويضحكون منه فقال لعمار بن ياسر‏:‏ ‏”‏ إذهب فسلهم عما كانوا يضحكون منه وقل لهم أحرقكهم الله ‏”‏ ولما سألهم وقال لهم‏:‏ أحرقكم الله وعلموا أنه قد نزل فيهم قرآن فأقبلوا يعتذرون إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال الجهير‏:‏ والله ما تكلمت بشيء وإنما ضحكت تعجبًا من قولهم فنزل قوله‏:‏ ‏{‏لا تعتذروا‏}‏ – يعني جد بن قيس ووديعة – أن نعف عن طائفة منكم – يعني الجهير – نعذب طائفة ‏”‏ – يعني الجد ووديعة‏.‏ 

أخبرنا محمد بن عبد الباقي قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن علي الجوهري قال‏:‏ أخبرنا أبو عمرو بن حيوية قال‏:‏ حدثنا الحسن بن معروف قال‏:‏ أخبرنا الحسن بن الفهم قال‏:‏ أخبرنا محمد بن سعد قال‏:‏ أخبرنا محمد بن عبد الله الأنصاري قال‏:‏ حدثنا حميد الطويل عن أنس قال‏:‏ رجعنا من غزاة تبوك فلما دنونا من المدينة قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ إن بالمدينة أقوامًا ما سرتم مسيرا ولا قطعتم واديًا إلا كانوا معكم ‏”‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله وهم بالمدينة قال‏:‏ ‏”‏ نعم حبسهم العذر ‏”‏‏.‏ 

فقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة في رمضان وجاءه من تخلف فعذرهم واستغفر لهم وأرجأ أمر كعب بن مالك وصاحبيه حتى نزلت توبتهم وجعل الناس يبيعون أسلحتهم ويقولون‏:‏ قد انقطع الجهاد فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فنهاهم وقال‏:‏ ‏”‏ لا تزال طائفة من أمتي يجاهدون على الحق حتى يخرج الرجال ‏”‏‏.‏

فأما قصة كعب وصاحبيه أخبرنا هبة الله بن محمد بن الحصين قال‏:‏ أخبرنا ابن المذهب قال‏:‏ أخبرنا أحمد بن جعفر القطيعي قال‏:‏ حدثنا عبد الله بن أحمد بن حنبل قال‏:‏ حدثني أبي قال‏:‏ أخبرنا يعقوب بن إبراهيم قال‏:‏ أخبرنا ابن أخي الزهري محمد بن عبد الله عن عمه محمد بن مسلم الزهري قال‏:‏ أخبرني عبد الرحمن بن عبد الله بن كعب بن مالك أن عبد الله بن كعب بن مالك وكان قائد كعب من بنيه حين عمي قال‏:‏ سمعت كعب بن مالك يحدث بحديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك فقال كعب بن مالك‏:‏ لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها إلا في غزوة تبوك غير أني كنت تخلفت في غزوة بدر ولم يعاتب أحد تخلف عنها لأنه إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد عير قريش حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم على غير ميعاد ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة حين توافقنا على الإسلام وما أحب أن لي بها مشهد بدر وإن كانت بدر أشهر في الناس منها وأذكر وكان من خبري حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك لأني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزاة والله ما جمعت قبلها راحلتين قط حتى جمعتهما في تلك الغزاة وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزاة يغزوها إلا ورى بغيرها حتى كانت تلك الغزاة فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد واستقبل سفرًا بعيدًا ومفازًا واستقبل عدوًا كثيرًا فجلى للمسلمين أمره ليتأهبوا أهبة عدوهم فأخبرهم بوجهه الذي يريد والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير لا يجمعهم كتاب حافظ يريد الديوان فقال كعب‏:‏ فقل رجل يريد أن يتغيب إلا ظن أن ذلك سيخفى له ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزاة حين طابت الثمار والظل وأما النهار أصغر فتجهز إليها رسول الله صلى الله عليه وسلم والمؤمنون معه وطفقت أغدو لكي أتجهز معه فأرجع ولم أقض شيئًا فأقول في نفسي‏:‏ أنا قادر على ذلك إذا أردت فلم يزل كذلك يتمادى بي حتى شمر بالناس الجد فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديًا والمسلمون معه ولم أقض من جهازي شيئًا فقلت‏:‏ الجهاز بعد يوم أو يومين ثم ألحقهم فغدوت بعد ما فصلوا لأتجهز فرجعت ولم أقض شيئًا من جهازي ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئًا من جهازي فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارض الغزو فهممت أن أرتحل فأدركهم وليت أني فعلت ثم لم يقدر ذلك لي فطفقت إذا خرجت في الناس بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم فطفت فيهم يحزنني أن لا أرى إلا رجلًا مغموصًا عليه في النفاق أو رجلًا ممن عذره الله ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوك فقال وهو جالس في القوم بتبوك‏:‏ ‏”‏ ما فعل كعب بن مالك ‏”‏ قال رجل من بني سلمة‏:‏ حبسه يا رسول الله برداه والنظر في عطفيه فقال له معاذ بن جبل‏:‏ بئسما قلت والله يا رسول الله ما علمنا عليه إلا خيرًا فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

حضرني بثي فطفقت أتفكر الكذب وأقول بماذا أخرج من سخطه غدًا أستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي فلما قيل إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادمًا زاح عني الباطل وعرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدًا فأجمعت صدقه وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم وكان إذا قدم من سفر بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين ثم جلس للناس فلما فعل ذلك جاءه المتخلفون فطفقوا يعتذرون إليه ويحلفون له وكانوا بضعة وثمانين رجلًا فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم واستغفر لهم ووكل سرائرهم إلى الله تعالى حتى جئت فلما سلمت عليه تبسم تبسم المغضب ثم قال لي‏:‏ ‏”‏ تعال ‏”‏ فجئت أمشي حتى جلست بين يديه فقال لي‏:‏ ‏”‏ ما خلفك ألم تكن قد استمر ظهرك قال‏:‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله إني لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا لرأيت أني أخرج من سخطه بعذر ولقد أعطيت جدلًا ولكنه والله لقد علمت لئن حدثتك اليوم بكذب ترضى به عني ليوشكن الله تبارك وتعالى يسخطك علي ولئن حدثتك اليوم بصدق تجد علي فيه إني لأرجو قرة عيني عفوًا من الله تعالى والله ما كان لي عذر والله ما كنت قط أفرغ ولا أيسر مني حين تخلفت عنك قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أما هذا فقد صدق فقم حتى يقضي الله تبارك وتعالى فيك ‏”‏‏.‏

 

فقمت وبادرت رجالًا من بني سلمة فاتبعوني فقالوا لي‏:‏ والله ما علمناك كنت أذنبت ذنبًا قبل هذا ولقد عجزت أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بما اعتذر به المتخلفون لقد كان كافيك من ذنبك استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك ثم قال‏:‏ والله ما زالوا يؤنبوني حتى أردت أن أرجع فأكذب نفسي‏.‏

 

قال‏:‏ ثم قلت لهم‏:‏ هل لقي هذا معي أحد قالوا‏:‏ نعم لقيه معك رجلان قالا ما قلت فقيل لهما مثل ما قيل لك‏.‏

 

قال‏:‏ فقلت لهما‏:‏ من هما قالوا‏:‏ مرارة بن الربيع العامري وهلال بن أمية الواقفي قال‏:‏ فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرًا فقلت‏:‏ لي فيهما أسوة قال‏:‏ فمضيت حين ذكروهما لي قال‏:‏ ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا أيها الثلاثة من بين من تخلف عنه فاجتنبنا الناس قال‏:‏ وتغيروا لنا حتى تنكرت في نفسي الأرض فما هي بالأرض التي كنت أعرف فلبثنا على ذلك خمسين ليلة فأما صاحباي فاستكنا وقعدا في بيوتهما يبكيان وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم فكنت أشهد الصلاة مع المسلمين وأطوف بالأسواق ولا يكلمني أحد وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم في مجلسه بعد الصلاة فأسلم فأقول في نفسي‏:‏ هل حرك شفتيه برد السلام أم لا ثم أصلي قريبًا منه وأسارقه النظر فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي فإذا التفت نحوه أعرض عني حتى إذا أطال على ذلك من هجر المسلمين مشيت حتى تسورت حائط أبي قتادة وهو ابن عمي وأحب الناس إلي فسلمت عليه فوالله ما رد علي السلام فقلت له‏:‏ يا أبا قتادة أنشدك الله هل تعلم أني أحب الله ورسوله قال‏:‏ فسكت قال‏:‏ فعدت فناشدته فسكت فعدت فناشدته فقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏

ففاضت عيناي ونزلت حتى تسورت الحائط‏.‏ 

فبينما أنا أمشي بسوق المدينة إذا بنبطي من أنباط أهل الشام ممن قدم بطعام يبيعه بالمدينة يقول‏:‏ من يدلني على كعب بن مالك‏.‏ 

قال‏:‏ فطفق الناس يشيرون له إلي حتى جاء فدفع إلي كتابًا من ملك غسان وكنت كاتبًا فإذا فيه‏:‏ أما بعد‏.‏ 

فقد بلغنا أن صاحبك قد جفاك ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة فالحق بنا نواسك‏.‏

قال فقلت حين قرأتها‏:‏ وهذا أيضًا من البلاء‏.‏

قال‏:‏ فتيممت بها التنور فسجرته بها حتى إذا مضت أربعون ليلة من الخمسين إذا برسول رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك‏.‏

قال‏:‏ فقلت‏:‏ أطلقها أم ماذا أفعل قال‏:‏ بل اعتزلها فلا تقربها‏.‏ 

قال‏:‏ وأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك‏.‏

قال‏:‏ فقلت لامرأتي‏:‏ الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر‏.‏ 

قال‏:‏ فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت له‏:‏ يا رسول الله إن هلالًا شيخ ضائر ليس له خادم فهل تكره أن أخدمه قال‏:‏ ‏”‏ لا ولكن لا يقربنك ‏”‏ قالت‏:‏ فإنه والله ما به حركة إلى شيء والله ما يزال يبكي من لدن أن كان من أمرك ما كان إلى يومه قال‏:‏ فقال لي بعض أهلي‏:‏ لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه قال‏:‏ فقلت‏:‏ والله لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم وما أدري ما يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا استأذنته وأنا رجل شاب‏.‏ 

قال فلبثنا بعد ذلك عشر ليال فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهى عن كلامنا‏.‏ 

قال‏:‏ ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة على ظهر بيت من بيوتنا فبينما أنا جالس على الحال التي ذكر الله تبارك وتعالى منا قد ضاقت علي نفسي وضاقت الأرض بما رحبت سمعت صارخًا أوفى على جبل سلع يقول بأعلى صوته‏:‏ يا كعب بن مالك أبشر قال‏:‏ فخررت ساجدًا وعرفت أن قد جاء فرج وآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بتوبة الله عز وجل علينا حين صلى صلاة الفجر فذهب الناس يبشروننا وذهب قبل صاحبي يبشرون وركض إلي رجل راكب فرسًا وسعى ساع من أسلم وأوفى الجبل فكان الصوت أسرع من الفرس فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني نزعت له ثوبي فكسوته إياهما ببشارته ووالله ما أملك غيرهما يومئذ فأستعرت ثوبين فلبستهما فانطلقت أؤم رسول الله صلى الله عليه وسلم فتلقاني الناس فوجًا فوجًا يهنؤني بالتوبة يقولون يهنك توبة الله عليك حتى دخلت المسجد فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد حوله الناس فقام إلي طلحة بن عبيد الله يهرول حتى صافحني وهنأني والله ما قام إلي رجل من المهاجرين غيره‏.‏

قال فكان كعب لا ينساها لطلحة‏.‏

قال كعب‏:‏ فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال وهو يبرق وجهه من السرور‏:‏‏!‏ ‏”‏ أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك ‏”‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ أمن عندك يا رسول الله أم من عند الله قال‏:‏ ‏”‏ لا بل من عند الله ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه كأنه قطعة قمر حتى يعرف ذلك منه‏.‏ 

قال‏:‏ فلما جلست بين يديه قلت‏:‏ يا رسول الله إن من توبتي أن أتخلع من مالي صدقة إلى الله تعالى وإلى رسوله قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أمسك بعض مالك فهو خير لك ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ فقلت‏:‏ إني أمسك سهمي الذي بخيبر فقلت‏:‏ يا رسول الله إنما نجاني الله تعالى بالصدق وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقًا ما بقيت‏.‏

قال‏:‏ فوالله ما أعلم أحدًا من المسلمين أبلاه الله من الصدق في الحديث منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم أحسن مما أبلاني الله تبارك وتعالى والله ما تعمدت كذبًا منذ قلت ذلك لرسول الله‏:‏ إلى يومي هذا وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي‏.‏

قال‏:‏ وأنزل الله تبارك وتعالى‏:‏ ‏{‏لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم إنه بهم رءوف رحيم وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى إذا ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم وظنوا أن لا ملجأ من الله إلا إليه ثم تاب عليهم ليثوبوا إن الله هو التواب الرحيم يا أيها الذين أمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏}‏‏.‏

قال كعب‏:‏ فوالله ما أنعم الله تبارك وتعالى علي من نعمة قط بعد إذ هداني للإسلام أعظم في نفسي من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم يومئذ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوه حين كذبوه فإن الله تبارك وتعالى قال للذين كذبوه حين أنزل الوحي شر ما يقال لأحد فقال الله تعالى‏:‏ ‏”‏ {سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم فاعرضوا عنهم إنهم رجس ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون يحلفون لكم لترضوا عنهم فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى على القوم الفاسقين} ‏”‏‏.‏

قال‏:‏ وكنا خلفنا أيها الثلاثة عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم قال الله تعالى‏:‏ ‏”‏ وعلى الثلاثة الذين خلفوا ‏”‏ وليس تخليفه إيانا وإرجاءه أمرنا الذي ذكر مما خلفنا بتخلفنا عن الغزو وإنما هو عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه‏.‏

قال مؤلف الكتاب‏:‏ أخرجاه في الصحيحين‏.‏

وقوله‏:‏ ‏”‏ تفارض الغزو ‏”‏ أي‏:‏ تقدم وتباعد وربما قرأه من لا يعرف فقال‏:‏ ‏”‏ العدو ‏”‏ وأطل بالطاء ومعناه دنا وقوله‏:‏ ‏”‏ رجلين شهدا بدرًا ‏”‏ وهم من الزهري فإنهما لم يشهدا بدرًا‏”.‏

 وفي “تـاريخ الأمم والملوك” للطبري ورد: 

” حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، قال: أقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بالمدينة بعد منصرفه من الطائف، ما بين ذي الحجة إلى رجب. 

ثم أمر الناس بالتهيؤ لغزو الروم؛ فحدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن الزهري ويزيد بن رومان وعبد الله بن أبي بكر وعاصم بن عمر بن قتادة وغيرهم؛ كل قد حدث في غزوة تبوك ما بلغه عنها، وبعض القوم يحدث ما لم يحدث بعض، وكل قد أجتمع حديثه في هذا الحديث. إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر أصحابه بالتهيؤ لغزو الروم؛ وذلك في زمن عسرة من الناس، وشدة من الحر، وجدب من البلاد؛ وحين طابت الثمار وأحبت الظلال؛ فالناس يحبون المقام في ثمارهم وظلالهم، ويكرهون الشخوص عنها على الحال من الزمان الذي هم عليه، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلماً يخرج في غزوة إلا كنى عنها، وأخبر أنه يريد غير الذي يصمد له؛ ألا ما كان من غزوة تبوك، فإنه بينها للناس لبعد الشفة وشدة الزمان وكثرة العدو الذي يصمد له، ليتأهب الناس لذلك أهبته، وأمر الناس بالجهاز، وأخبرهم أنه يريد الروم.

فتجهز الناس على ما في أنفسهم من الكره لذلك الوجه لما فيه؛ مع ما عظموا من ذكر الروم وغزوهم؛ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم وهو في جهازه ذلك للجد بن قيس أخي بني سلمة: هل لك ياجد العام في جلاد بني الأصفر ؟ فقال: يا رسول الله، أو تأذن لي ولا تفتني! فو الله لقد عرف قومي ما رجل أشد عجباً بالنساء منى؛ وإني أخشى إن رأيت نساء بني الأصفر ألا أصبر عنهن. فأعرض عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال: قد أذنت لك؛ ففي الجد بن قيس نزلت هذه الآية: “ومنهم من يقول أئذن لي ولا تفتني” الآية؛ أي إن كان إنما يخشى الفتنة من نساء بني الأصفر- وليس ذلك به- فما سقط فيه من الفتنة بتخلفه عن رسول الله والرغبة بنفسه عن نفسه أعظم؛ وإن جهنم لمن ورائه. وقال قائل من المنافقين لبعض: لا تنفروا في الحر، زهادة في الجهاد، وشكاً في الحق، وإرجافاً بالرسول، فأنزل الله تبارك وتعالى فيهم: “وقالوا لا تنفروا في الحر قل نار جهنم أشد حراً لو كانوا يفقهون” إلى قوله: “جزاء بما كانوا يكسبون” .

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم جد في سفره، فأمر الناس بالجهاز والأنكماش، وحض أهل الغنى على النفقة والحملان في سبيل الله، ورغبهم في ذلك، فحمل رجال من أهل الغنى فأحتسبوا ، وأنفق عثمان أبن عفان في ذلك نفقة عظيمة لم ينفق أحد أعظم من نفقته .

ثم إن رجالاً من المسلمين أتوا رسول الله؛ وهم البكاءون، وهم سبعة نفر من الأنصار وغيرهم ، فأستحملوا رسول الله، وكانوا أهل حاجة، فقال: “لا أجد ما أحملكم عليه تولوا وأعينهم تفيض من الدمع حزناً ألا يجدوا ما ينفقون” . قال: فبلغني أن يامين بن عمير بن كعب النضري لقي أبا ليلى عبد الرحمن بن كعب وعبد الله بن مغفل، وهما يبكيان، فقال لهما: ما يبكيكما؟ قالا: جئنا رسول الله ليحملنا، فلم نجد عنده ما يحملنا عليه، وليس عندنا ما نتقوى به على الخروج معه، فأعطاهما ناضحاً فأرتحلاه، وزودهما شيئاً من تمر، فخرجا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال: وجاء المعذرون من الأعراب، فأعتذروا إليه فلم يعذرهم الله عز وجل؛ وذكر لي أنهم كانوا من بني غفار، منهم خفاف بن إيماء بن رحضة. 

ثم أستتب برسول الله صلى الله عليه وسلم سفره، وأجمع السير؛ وقد كان نفر من المسلمين أبطأت بهم النية عن رسول الله حتى تخلفوا عنه من غير شك ولا أرتياب؛ منهم كعب بن مالك بن أبي كعب أخو بني سلمة، ومرارة بن الربيع أخو بني عمرو بن عوف، وهلال بن أمية أخو بني واقف، وأبو خيثمة أخو بني سالم بن عوف؛ وكانوا نفر صدق لا يتهمون في إسلامهم، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرب عسكره على ثنية الوداع، وضرب عبد الله بن أبي بن سلول عسكره على حدة أسفل منه بحذاء ذباب؛ جبل بالجبانة أسفل من ثنية الوداع. وكان- فيما يزعمون- ليس بأقل العسكرين؛ فلما سار رسول الله صلى الله عليه وسلم تخلف عنه عبد الله بن أبي فيمن تخلف من المنافقين وأهل الريب- وكان عبد الله بن أبي أخا بني عوف بن الخزرج- وعبد الله بن نبتل أخا بني عمرو بن عوف، ورفاعة بن زيد بن التابوت أخا بني قينقاع؛ وكانوا من عظماء المنافقين؛ وكانوا ممن يكيد الإسلام وأهله .

قال: وفيهم- فيما حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عمرو بن عبيد، عن الحسن البصري- أنزل الله عز وجل: “لقد أتبغوا الفتنة من قبل وقلبوا لك الأمور” ، الآية. 

قال أبن إسحاق: وخلف رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب على أهله، وأمره بالإقامة فيهم، وأستخلف على المدينة سباع بن عرفطة، أخا بني غفار، فأرجف المنافقون بعلي بن أبي طالب، وقالوا: ما خلفه إلا أستثقالا له، وتخففاً منه. فلما قال ذلك المنافقون، أخذ على سلاحه ثم خرج حتى أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو بالجرف فقال: يا نبي الله؛ زعم المنافقون أنك إنما خلفتني؛ أنك أستثقلتني وتخففت مني! فقال: كذبوا، ولكني إنما خلفتك لما ورائي، فأرجع فأخلفني في أهلي وأهلك؛ أفلا ترضى يا علي أن تكون مني بمنزلة هارون من موسى؛ إلا أنه لا نبي بعدي! فرجع علي إلى المدينة، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على سفره .

ثم إن أبا خيثمة أخا بني سالم رجع- بعد أن سار رسول الله صلى الله عليه وسلم أياماً- إلى أهله في يوم حار، فوجد أمرأتين له في عريشين لهما في حائط ، قد رشت كل واحدة منهما عريشها وبردت له فيه ماء، وهيأت له فيه طعاماً؛ فلما دخل فقام على باب العريشين؛ فنظر إلى أمرأتيه وما صنعتا له، قال: رسول الله في الضح والريح، وأبو خيثمة في ظلال باردة وماء بارد وطعام مهيإ وأمرأة حسناء، في ماله مقيم! ما هذا بالنصف! ثم قال: والله لا أدخل عريش واحدة منكما حتى ألحق برسول الله؛ فهيئا لي زاداً؛ ففعلتا. ثم قدم ناضحه فأرتحله ، ثم خرج في طلب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أدركه حين نزل تبوك، وقد كان أدرك أبا خيثمة عمير بن وهب الجمحي في الطريق، يطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فترافقا حتى إذا دنوا من تبوك قال أبو خيثمة لعمير بن وهب: إن لي ذنباً، فلا عليك أن تخلف عني حتى آتى رسول الله صلى الله عليه وسلم. ففعل، ثم سار حتى إذا دنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو نازل بتبوك، قال الناس: يا رسول الله، هذا راكب على الطريق مقبل، فقال رسول الله: كن أبا خيثمة! فقالوا: يا رسول الله، هو والله أبو خيثمة! فلما أناخ أقبل فسلم على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال له رسول الله: أولى لك يا أبا خيثمة! ثم أخبر رسول الله الخبر، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً، ودعا له بخير.

وقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم حين مر بالحجر نزلها وأستقى الناس من بئرها، فلما راحوا منها قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا تشربوا من مائها شيئاً، ولا تتوضئوا منها للصلاة، وما كان من عجين عجنتموه فاعلفوه الإبل، ولا تأكلوا منه شيئاً، ولا يخرجن أحد منكم الليلة إلا ومعه صاحب له؛ ففعل الناس ما أمرهم به رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا رجلين من بني ساعدة؛ خرج أحدهما لحاجته، وخرج الآخر في طلب بعير له، فأما الذي ذهب لحاجته فإنه خنق على مذهبه، وأما الذي ذهب في طلب بعيره فأحتملته الريح حتى طرحته في جبلي طيئ، فأخبر بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: ألم أنهكم أن يخرج منكم أحد إلا ومعه صاحب له! ثم دعا للذي أصيب على مذهبه فشفى، وأما الآخر الذي وقع بجبلي طيئ؛ فإن طيئاً هدته لرسول الله صلى الله عليه وسلم حين قدم المدينة . 

قال أبو جعفر: والحديث عن الرجلين .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن عبد الله بن أبي بكر، عن العباس بن سهل بن سعد الساعدي: فلما أصبح الناس- ولا ماء معهم- شكوا ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فدعا الله، فأرسل الله سحابة فأمطرت حتى أرتوي الناس، وأحتملوا حاجتهم من الماء .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، قال: قلت لمحمود بن لبيد: هل كان الناس يعرفون النفاق فيهم؟ قال: نعم؛ والله إن كان الرجل ليعرفه من أخيه ومن أبيه ومن عمه ومن عشيرته، ثم يلبس بعضهم بعضاً على ذلك؛ ثم قال محمود: لقد أخبرني رجال من قومي عن رجل من المنافقين معروف نفاقه، كان يسير مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حيث سار، فلما كان من أمر الماء بالحجر ما كان، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم حين دعا، فأرسل الله السحابة فأمطرت حتى أرتوى الناس، أقبلنا عليه نقول: ويحك! هل بعد هذا شيء! قال: سحابة مارة.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم سار حتى إذا كان ببعض الطريق ضلت ناقته، فخرج أصحابه في طلبها، وعند رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل من أصحابه، يقال له عمارة بن حزم، وكان عقبياً بدرياً، وهو عم بني عمرو بن حزم، وكان في رحله زيد بن لصيب القينقاعي، وكان منافقاً، فقال زيد بن لصيب وهو في رحل عمارة، وعمارة عند رسول الله صلى الله عليه وسلم: أليس يزعم محمد أنه نبي يخبركم عن خبر السماء وهو لا يدري أين ناقته! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- وعمارة عنده: إن رجلاً قال: إن محمداً هذا يخبركم أنه نبي، وهو يزعم أنه يخبركم بخير السماء وهو لا يدري أين ناقته! وإني والله ما أعلم إلا ما علمني الله، وقد دلني الله عليها، وهي في الوادي من شعب كذا وكذا قد حبستها شجرة بزمامها، فأنطلقوا حتى تأتوا بها، فذهبوا فجاءوا بها، فرجع عمارة بن حزم إلى أهله ، فقال: والله لعجب من شيء حدثناه رسول الله صلى الله عليه وسلم آنفاً عن مقالة قائل أخبره الله عنه عنه كذا وكذا- للذي قال زيد بن اللصيب- فقال رجل ممن كان في رحل عمارة، ولم يحضر رسول الله: زيد والله قال هذه المقالة قبل أن تأتي. فأقبل عمارة على زيد يجأ في عنقه ، ويقول: يا عباد الله، والله إن في رحلي لداهية وما أدري! أخرج يا عدو الله من رحلي فلا تصحبني! قال: فزعم بعض الناس أن زيداً تاب بعد ذلك، وقال بعض: لم يزل متهماً بشر حتى هلك. ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم سائراً؛ فجعل يتخلف عنه الرجل فيقولون: يا رسول الله، تخلف فلان، فيقول: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه؛ حتى قيل: يا رسول الله، تخلف أبو ذر وأبطأ به بعيره؛ فقال: دعوه، فإن يك فيه خير فسيلحقه الله بكم، وإن يك غير ذلك فقد أراحكم الله منه. 

قال: وتلوم أبو ذر على بعيره، فلما أبطأ عليه أخذ متاعه، فحمله على ظهره، ثم خرج يتبع أثر رسول الله ماشياً، ونزل رسول الله في بعض منازله، فنظره ناظر من المسلمين، فقال: يا رسول الله، إن هذا الرجل يمشي على الطريق وحده، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كن أبا ذر! فلما تأمله القوم، قالوا: يا رسول الله، هو أبو ذر! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: يرحم الله أبا ذر! يمشي وحده، ويموت وحده، ويبعث وحده .

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، عن بريدة بن سفيان الأسلمى، عن محمد بن كعب القرظي، قال: لما نفي عثمان أبا ذر نزل أبو ذر الربذة، فأصابه بها قدره، ولم يكن معه أحد إلا أمرأته وغلامه، فأوصاهما أن غسلانى وكفنانى، ثم ضعاني على قارعة الطريق ، فأول ركب يمر بكم فقولوا: هذا أبو ذر صاحب رسول الله فأعينونا على دفنه. فلما مات فعلاً ذلك به، ثم وضعاه على قارعة الطريق، فأقبل عبد الله بن مسعود ورهط من أهل العراق عماراً، فلم يرعهم إلا بجنازة على الطريق قد كادت الإبل تطؤها، وقام إليهم الغلام، فقال: هذا أبو ذر صاحب رسول الله، فأعينونا على دفنه. قال: فأستهل عبد الله بن مسعود يبكي، ويقول: صدق رسول الله! تمشي وحدك، وتموت وحدك، وتبعث وحدك، ثم نزل هو وأصحابه فواروه.

ثم حدثهم ابن مسعود حديثه وما قال له رسول الله في مسيره إلى تبوك.

قال: وقد كان رهط من المنافقين، منهم وديعة بن ثابت أخو بني عمرو ابن عوف، ومنهم رجل من أشجع حليف لبني سلمة، يقال له مخشى ابن حمير، يسيرون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو منطلق إلى تبوك، فقال بعضهم لبعض: أتحسبون قتال بني الأصفر كقتال غيرهم! والله لكأني بكم غداً مقرنين في الحبال؛ إرجافاً وترهيباً للمؤمنين. فقال مخشي ابن حمير: والله لوددت أني أقاضي على أن يضرب كل رجل منا مائة جلدة، وأنا ننفلت أن ينزل الله فينا قرآنا لمقالتكم هذه. وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم- فيما بلغني- لعمار بن ياسر: أدرك القوم، فإنهم قد أحترقوا، فسلهم عما قالوا؛ فإن أنكروا فقل: بلى قد قلتم كذا وكذا. فانطلق إليهم عمار فقال لهم ذلك؛ فأتوا رسول الله يعتذرون إليه، فقام وديعة بن ثابت ورسول الله واقف على ناقته، فجعل يقول وهو آخذ بحقبها : يا رسول الله، كنا نخوض ونلعب؛ فأنزل الله عز وجل فيهم: “ولئن سألتهم ليقولن إنما كنا نخوض ونلعب” . وقال مخشي بن حمير: يا رسول الله، قعد بي إسمي وإسم أبي؛ فكان الذي عفى عنه في هذه الآية مخشي بن حمير؛ فسمى عبد الرحمن، وسأل الله أن يقتله شهيداً لا يعلم مكانه، فقتل يوم اليمامة فلم يوجد له أثر. فلما أنتهى رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى تبوك، أتاه يحنه بن رؤبة، صاحب أيلة فصالح رسول الله صلى الله عليه وسلم وأعطاه الجزية، وأهل جرباء وأذرح أعطوه الجزية، وكتب رسول الله صلى الله عليه وسلم لكل كتاباً؛ فهو عندهم.

ثم إن رسول الله صلى الله عليه وسلم دعا خالد بن الوليد، فبعثه إلى أكيدر دومة- وهو أكيدر بن عبد الملك، رجل من كندة، كان ملكاً عليها وكان نصرانياً- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لخالد: إنك ستجده يصيد البقر، فخرج خالد بن الوليد حتى إذا كان من حصنه بمنظر العين، وفي ليلة مقمرة صائفة، وهو على سطح له، ومعه أمرأته، فباتت البقر تحك بقرونها باب القصر، فقالت أمرأته: هل رأيت مثل هذا قط! قال: لا والله، قالت: فمن يترك هذا؟ قال: لا أحد. فنزل فأمر بفرسه فأسرج له وركب معه نفر من أهل بيته، فيهم أخ له يقال له حسان، فركب، وخرجوا معه بمطاردهم؛ فلما خرجوا تلقتهم خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذته، وقتلوه أخاه حسان، وقد كان عليه قباء له من ديباج مخوص بالذهب، فأستلبه خالد، فبعث به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل قدومه عليه حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، قال: حدثني محمد بن إسحاق، عن عاصم بن عمر بن قتادة، عن أنس بن مالك؛ قال: رأيت قباء أكيدر حين قدم به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فجعل المسلمون يلمسونه بأيديهم، ويتعجبون منه، فقال رسول الله: أتعجبون من هذا! فو الذي نفس محمد بيده لمناديل سعد بن معاذ في الجنة أحسن من هذا! حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن ابن إسحاق، قال: ثم إن خالداً قدم بأكيدر على رسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقن له دمه، وصالحه على الجزية، ثم خلى سبيله، فرجع إلى قريته. 

رجع الحديث إلى حديث يزيد بن رومان الذي في أول غزوة تبوك. قال: فأقام رسول الله صلى الله عليه وسلم بتبوك بضع عشرة ليلة ولم يجاوزها ، ثم أنصرف قافلا إلى المدينة، فكان في الطريق ماء يخرج من وشل ما يروي الراكب والراكبين والثلاثة، بواد يقال له وادي المشقق، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من سبقنا إلى ذلك الماء فلا يستقين منه شيئاً حتى نأتيه. قال: فسبقه إليه نفر من المنافقين فأستقوا ما فيه، فلما أتاه رسول الله صلى الله عليه وسلم وقف عليه فلم ير فيه شيئاً؛ فقال: من سبقنا إلى هذا الماء؟ فقيل له: يا رسول الله ، فلان وفلان، فقال: أو لم ننههم أن يستقوا منه شيئاً حتى نأتيه! ثم لعنهم رسول الله، ودعا عليهم. ثم نزل صلى الله عليه وسلم، فوضع يده تحت الوشل ، فجعل يصب في يده ما شاء الله أن يصب، ثم نضحه به ومسحه بيده، ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بما شاء الله أن يدعو، فأنخرق من الماء- كما يقول من سمعه: إن له حساً كحس الصواعق؛ فشرب الناس وأستقوا حاجتهم منه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من بقي منكم ليسمعن بهذا الوادي؛ وهو أخصب ما بين يديه وما خلفه. ثم أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى نزل بذي أوان؛ بلد بينه وبين المدينة ساعة من نهار؛ وكان أصحاب مسجد الضرار قد كانوا أتوه وهو يتجهز إلى تبوك، فقالوا يا رسول الله؛ إنا قد بنينا مسجداً لذي العلة والحاجة والليلة المطيرة والليلة الشاتية؛ وإنا نحب أن تأتينا فتصلى لنا فيه. فقال: إني على جناح سفر، وحال شغل- أو كما قال رسول الله- ولو قدمنا إن شاء الله أتيناكم فصلينا لكم فيه؛ فلما نزل بذي أو أن أتاه خبر المسجد، فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم مالك بن الدخشم، أخا بني سالم بن عوف ومعن بن عدي – أو أخاه عاصم بن عدي أخا بني العجلان- فقال: أنطلقا إلى المسجد الظالم أهله فاهدماه وحرقاه؛ فخرجا سريعين حتى أتيا بني سالم ابن عوف؛ وهم رهط مالك بن الدخشم، فقال مالك لمعن: أنظرني حتى أخرج إليك بنار من أهلي، فدخل إلى أهله، فأخذ سعفاً من النخل، فأشعل فيه ناراً، ثم خرجا يشتدان حتى دخلا المسجد وفيه أهله، فحرقاه وهدماه، وتفرقوا عنه، ونزل فيهم من القرآن ما نزل: “والذين أتخذوا مسجداً ضراراً وكفراً وتفريقاً بين المؤمنين” ، إلى آخر القصة.

وكان الذين بنوه اثنى عشر رجلا: خذام بن خالد، من بني عبيد بن زيد؛ أحد بني عمرو بن عوف- ومن داره أخرج مسجد الشقاق- وثعلبة بن حاطب من بني عبيد- وهو إلى بني أمية بن زيد، ومعتب بن قشير من بني ضبيعة بن زيد، وأبو حبيبة بن الأزعر من بني ضبيعة بن زيد، وعباد ابن حنيف؛ أخو سهل بن حنيف من بني عمرو بن عوف، وجارية بن عامر، وابناه مجمع بن جارية وزيد بن جارية، ونبتل بن الحارث، من بني ضبيعة، وبحزج- وهو إلى بني ضبيعة- وبجاد بن عثمان- وهو من بني ضبيعة- ووديعة بن ثابت وهو إلى بني أمية رهط أبي لبابة بن عبد المنذر.

قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة- وقد كان تخلف عنه رهط من المنافقين، وتخلف أولئك الرهط من المسلمين من غير شك ولا نفاق: كعب بن مالك، ومرارة بن الربيع، وهلال بن أمية- فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لا يكلمن أحد أحداً من هؤلاء الثلاثة، وأتاه من تخلف عنه من المنافقين، فجعلوا يحلفون له ويعتذرون ن فصفح عنهم رسول الله ولم يعذرهم الله ولا رسوله، وأعتزل المسلمون كلام هؤلاء الثلاثة النفر، حتى أنزل الله عز وجل قوله: “لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار”- إلى قوله- “وكونوا مع الصادقين” ، فتاب الله عليهم.

 قال: وقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة من تبوك في شهر رمضان. وقدم عليه في ذلك الشهر وفد ثقيف، وقد مضى ذكر خبرهم قبل.

أمر طيئ وعدي بن حاتم قال: وفي هذه السنة- أعني ستة تسع- وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب رضي الله عنه في سرية إلى بلاد طيئ في ربيع الآخر، فأغار عليهم، فسبى وأخذ سيفين كانا في بيت الصنم؛ يقال لأحدهما: رسوب، وللآخر المخذم؛ وكان لهما ذكر، كان الحارث بن أبي شمر نذرهما له، وسبى أخت عدي بن حاتم.

قال أبو جعفر: فأما الأخبار الواردة عن عدي بن حاتم عندنا بذلك فبغير بيان وقت، وبغير ما قال الواقدي في سبي على أخت عدي بن حاتم.

حدثنا محمد بن المثنى، قال: حدثنا محمد بن جعفر، قال: حدثنا شعبة، قال: حدثنا سماك، قال: سمعت عباد بن حبيش يحدث عن عدي بن حاتم، قال: جاءت خيل رسول الله صلى الله عليه وسلم- أو قال: رسل رسول الله- فأخذوا عمتي وناساً، فأتوا بهم النبي صلى الله عليه وسلم. قال: فصفوا له. قالت: قلت: يا رسول الله، نأى الوافد، وأنقطع الوالد؛ وأنا عجوز كبيرة ما بي من خدمة؛ فمن على من الله عليك يا رسول الله! قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم؛ قال: الذي فر من الله ورسوله! قالت فمن علي- ورجل إلى جنبه ترى أنه على عليه السلام، قال: سليه حملاناً- قال: فسألته، فأمر بها فأتتني، فقالت: لقد فعلت فعلة ما كان أبوك يفعلها! قالت: ائته راغباً وراهباً، فقد أتاه فلان فأصاب منه، وأتاه فلان فأصاب منه. قال: فأتيته فإذا عنده أمرأة وصبيان- أو صبي- فذكر قربهم من النبي صلى الله عليه وسلم- فعرفت أنه ليس بملك كسرى ولا قيصر، فقال لي: يا عدي بن حاتم، ما أفرك أن يقال لا إله إلا الله! فهل من إله إلا الله! وما أفرك أن يقال الله أكبر! فهل من شيء هو أكبر من الله! فأسلمت فرأيت وجهه أستبشر.

حدثنا ابن حميد، قال: حدثنا سلمة، عن محمد بن إسحاق، عن شيبان بن سعد الطائي، قال: كان عدي بن حاتم طيئ يقول فيما بلغني: ما رجل من العرب كان أشد كراهية لرسول الله حين سمع به مني؛ أما أنا فكنت أمرأ شريفاً، وكنت نصرانياً أسير في قومي بالمرباع ، فكنت في نفسي على دين، وكنت ملكاً في قومي، لما كان يصنع بي، فلما سمعت برسول الله كرهته، فقلت لغلام كان لي عربي وكان راعياً لإبلي: لا أبالك! أعدد لي من إبلي أجمالاً ذللا سمانا مسان ، فأحبسها قريباً مني؛ فإذا سمعت بجيش لمحمد قد وطئ هذه البلاد فآذني، ففعل. ثم إنه أتاني ذات غداة، فقال: يا عدي؛ ما كنت صانعاً إذا غشيتك خيل محمد فاصنعه الآن، فإني قد رأيت رايات، فسألت عنها، فقالوا: هذه جيوش محمد، قال: فقلت: قرب لي جمالي، فقربها، فأحتملت بأهلي وولدي، ثم قلت: ألحق بأهل ديني من النصاري بالشأم، فسلكت الحوشية وخلفت ابنة حاتم في الحاضر، فلما قدمت الشأم أقمت بها، وتخالفني خيل لرسول الله صلى الله عليه وسلم فتصيب ابنة حاتم فيمن أصيب. فقدم بها على رسول الله في سبايا طيئ، وقد بلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم هربي إلى الشأم. قال: فجعلت ابنة حاتم في حظيرة بباب المسجد كانت السبايا يحبسن بها، فمر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فقامت إليه- وكانت أمرأة جزلة- فقالت: يا رسول الله؛ هلك الوالد، وغاب الوافد، فأمنن على من الله عليك! قال: ومن وافدك؟ قالت: عدي بن حاتم، قال: الفار من الله ورسوله! قالت: ثم مضى رسول الله صلى الله عليه وسلم وتركني؛ حتى إذا كان الغد مر بي وقد أيست، فأشار إلى رجل من خلفه: أن قومي إليه فكلميه، قالت: فقمت إليه، فقلت: يا رسول الله، هلك الوالد، وغاب الوافد، فأمنن علي من الله عليك! قال: قد فعلت فلا تعجلي بخروج حتى تجدي من قومك من يكون لك ثقة حتى يبلغك إلى بلادك ثم آذنيني. قالت: فسألت عن الرجل الذي أشار إلى أن كلميه فقيل: علي بن أبي طالب. قالت: وأقمت حتى قدم ركب من بلى- أو من قضاعة- قالت: وإنما أريد أن آتي أخي بالشأم، قالت: فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقلت: يا رسول الله، قد قدم رهط من قومي لي فيهم ثقة وبلاغ. قالت: فكساني رسول الله صلى الله عليه وسلم، وحملني وأعطاني نفقة، فخرجت معهم حتى قدمت الشأم. 

قال عدي: فو الله، إني لقاعد في أهلي إذ نظرت إلى ظعينة تصوب إلى تؤمنا. قال: فقلت: ابنة حاتم! قال: فإذا هي هي؛ فلما وقفت على أنسحلت تقول: القاطع الظالم! أحتملت بأهلك وولدك، وتركت بنية والدك وعورته! قال: قلت: يا أخية، لا تقولي إلا خيراً، فو الله مالي عذر، لقد صنعت ما ذكرت. قال: ثم نزلت فأقامت عندي، فقلت لها- وكانت أمرأة حازمة: ماذا ترين في أمر هذا الرجل؟ قالت: أرى والله أن تلحق به سريعاً، فإن يكن الرجل نبياً فالسابق إليه له فضيلة، وإن يكن ملكاً فلن تذل في عز اليمن وأنت أنت ! قلت: والله إن هذا للرأي. قال: فخرجت حتى أقدم على رسول الله المدينة، فدخلت عليه وهو في مسجده فسلمت عليه، فقال: من الرجل؟ فقلت: عدي بن حاتم، فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فأنطلق بي إلى بيته، فو الله إنه لعامد بي إذ لقيته أمرأة ضعيفة كبيرة فأستوقفته، فوقف لها طويلا تكلمه في حاجتها. قال: فقلت في نفسي: والله ما هذا بملك، ثم مضى رسول الله حتى دخل بيته، فتناول وسادة من أدم محشوة ليفاً، فقذفها إلى، فقال لي: أجلس على هذه، قال: قلت: لا بل أنت، فأجلس عليها. قال: لا بل أنت، فجلست وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأرض. قال: قلت في نفسي: والله ما هذا بأمر ملك، ثم قال: إيه يا عدي بن حاتم! ألم تك ركوسيا ! قال: قلت: بلى، قال: أو لم تكن تسير في قومك بالمرباع! قال: قلت: بلى، قال: فإن ذلك لم يكن يحل لك في دينك، قال: قلت: أجل والله- وعرفت أنه نبي مرسل يعلم ما يجهل- قال: ثم قال: لعله يا عدي بن حاتم؛ إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من حاجتهم! فو الله ليوشكن المال يفيض فيهم حتى لا يوجد من يأخذه؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول في هذا الدين ما ترى من كثرة عدوهم وقلة عددهم؛ فو الله ليوشكن أن تسمع بالمرأة تخرج من القادسية على بعيرها حتى تزور هذا البيت، لا تخاف إلا الله؛ ولعله إنما يمنعك من الدخول فيه أنك ترى أن الملك والسلطان في غيرهم، وايم الله ليوشكن أن تسمع بالقصور البيض من أرض بابل قد فتحت. قال: فأسلمت، فكان عدي بن حاتم يقول: مضت الثنتان وبقيت الثالثة، والله لتكونن قد رأيت القصور البيض من أرض بابل قد فتحت، ورأيت المرأة تخرج من القادسية على بعيرها لا تخاف شيئاً حتى تحج هذا البيت. وايم الله لتكونن الثالثة ليفيضن المال حتى لا يوجد من يأخذه”