حياة السكان في الصحراء

حياة السّكان في الصّحراء

تقوم حياة سكّان واحات الصحراء على تربية الجمال والماعز. لكنّ اعتمادهم على الإبل يختلف قليلاً عن تلك التي يتبعها البدو الرُّحل. ففي وسط الصحراء تُربّى الجمال لسببين: الغذاء المباشر(الحليب واللّحم) والبيع؛ بينما يربّيها سكاّن الواحات (وديان الغاف)، علاوةً على ما سبق، للنّقل التجاري والمُسافرين. ويشتغل معظم الرّجال في تسيير قوافل الجمال لنقل المحاصيل الزراعية والمواد الغذائية وتنّقل المُسافرين بين الوديان وواحات النّخيل والقرى الساحلية وأسواق المدن الكبيرة. وتشكّل تجارة القوافل المصدر الرّئيسي للدّخل لمعظم سكّانه، سواء لملاكها أو للمستأجرين على رعيها وتسييرها! وتمثّل الجِمال عصب حياتهم ومجال اهتمامات السكان اليومية، وهي، إذ ذاك، المركز الذي تدور في فلكه أنشطتهم الإقتصادية والإجتماعية والثّقافية، وهي علاوةً على كلّ ذلك، مدعاة للفخر وأساس لقوّة القبيلة ومنعتها واتّساع نفوذها!

تُشكّل المراعي الطبيعية أهمّ مصادر غذاء الجمال وقطعان الماعز. وفي أوقات القحط يلجأ البدو إلى الجاشع والتمر الحائل والحشف لتوفير الغذاء للنّوق والماعز على حد سواء. بيد أن الإعتماد على هذه المواد، إذا طالت فَتَرات القحط حين تشحّ المياه وتضيق المراعي القريبة وتهزل الضأن والجمال، يرهق أصحاب الجمال ماديًا. ويصبح حسن إدارة وتنظيم دورة التوالد للجمال والمواشي ذا أهميّةٍ بالغةٍ تترتّب عليها حياة الأفراد والقبيلة كلها، حيث يمكن بذلك توفير الحليب ومشتقّاته الذي يُعتبر مع التمر جزءًا أساسيًا من مائدة الأسر البدويّة!

تتولّى النساء، إلى جانب المهام المنزليّة، تربية الماعز والسّرح بها إلى المراعي، والأشغال اليدويّة المصنوعة من وبر الإبل وصوف الأغنام. ويشكّل غزل خيوط الصّوف والشّعر مصدرًا مهمًا للعديد من الأسر، بينما يكون نسيج ألحفة وأغطية الشّتاء والشمائل والخروج والسّاحات والزرابيل أهمّ المُنتجات التي تنجزها النّساء.

تعزى تربية الأغنام دون سواها من المواشي إلى ميزاتها حيث إنّ معدّل تكاثرها الأعلى ما بين المواشي كافة ، وهي تشكل بالتالي مصدراً احتياطيّاً يرجع اليه لضمان الاحتياجات الأساسية للأسرة، سواء بيعها في مناطق التجمعات السكانية في مناسبات الاعياد او الاستفادة مما توفره من اللبن ومشتقاته.

ويمثل اتقان مهارات العيش في منطقة تقوم في أشد المناطق في العالم قسوة ليس ضرورياً لحياة الفرد وحسب، بل يسوغ بمرور الوقت كيانه وقيمه الاجتماعية ومن ثم مواقفه وعلاقاته تجاه القبيلة التي هو عضو فيها. وليس ثمة متسع في حياة البدو للـ “أنا” وإنما “نحن” هي سر بقاء الفرد والجماعة.

ترتبط في ذاكرة الناس أن الحياة الاجتماعية في الصحراء جدباء كوحشة المكان الذي لا يجاوره غير الخواء الكامل على الأرض وفي السماء. وانعكس ذلك – حسب رأيهم – على الحياة الاجتماعية والإبداع الإنساني ونسوا أن الذاكرة العربية الخصبة بالشعر والحكايات والأساطير الشعبية هي نتاج الصحراء دون سواها وأن البادية هي مهد اللغة العربية وحاضنتها. وعادة إرسال عرب مدن شمال الجزيرة والهلال الخصيب – حتى وقت قريب – أبناءهم للإقامة في البادية بين أحدى القبائل العربية الأصيلة لإتقان اللغة والتأدب بآداب البدو خير ما يدل على فضل البدو في ذلك المضمار.

وثمة من يظن أنه لا مكان عند البدوي لإمتاع الروح في ظل صراعه الدائم مع البيئة. وهنا يخطئون أيضا! فليالي الصحراء زاخرة بمشاهد الفرح وأطياف المرح ورواية الحكايات والأساطير الشعبية عن بطولات وأمجاد لا ينضب معينها.

وعلى سفح كُثبان رمل ناصع البياض حيث يجتمع الصبيان والبنات على حدٍ سواء، للغناء وقرض الشعر والرّقص ولعبة السّاري على ضوء القمر. وهناك يصدح صوت شاعر الوادي ومُغنيه وهو ينظم الشّعر حماسيًا، يصف فيه قوّة القبيلة وشجاعة رجالها، أو غزليًا يمدح الجميلات من النساء ويشيد بشرفهنّ، أو حزنًا على ميتٍ، أو فرحًا في عيدٍ أو عرسٍ أو ختان. وكلّ ذلك حسبما يناسب المزاج السّائد في الوادي حينه! وعلى قرع الطّبل ترقص الفتيات ويشاركهن الصّبيان في حركاتٍ تعبيريّةٍ تعكس حياة الناس وأساليب عيشتهم ومعاناتهم من دون ابتذال، وليس في رقصهم ما يخلّ بالشرف أو يدعو لنقيصة.

وتتجمع النساء والأطفال مع معلمة القرآن لسماع الخراريف والقصص والأساطير التي تغرس في نفوس الأطفال الأخلاق النبيلة والسلوك السويّ وتحلّق بخيالهم إلى أماكن وبيئات لم يألفوها، وتشكّل في الذاكرة مدارك ومفاهيم تهيئ الأطفال، وهم في سنٍ مبكرةٍ لخوض الصراع من أجل البقاء، وأولها الولاء للقبيلة. فهي طوق النّجاة!

كما أنّ الأعياد والزواج والختان وعودة الغائب هي مناسبات لإقامة الإحتفالات، يخرج فيها النّاس بأفضل ثيابهم وزينتهم وحليهم. فالرّجال يتمنطقون بالخناجر ويتشحّون أحزمة الرّصاص ويحملون البنادق والسيوف. وتتزين النساء بأفضل حليهن من الذهب والفضة، ويتبرجن بكريم عطريٍ يُصنَع محليًا ويُسمّى المحلب، كما يدهنّ شعورهن بمسحوق ورق السّدر لتثبيت تسريحةٍ تُسمّى العجفة، ويخضبن أياديهن وأرجلهن بالحنّاء على شكل تصاميم وأشكالٍ جميلةٍ تبهر النّظر وتزيد الجميلات منهنّ جمالاً.

والفرح عند البدو من دون سباقٍ للجمال لا يُعَد فرحًا! فالأعياد والزّواج والختان وعودة الغائب مظاهر فرحٍ لا تكتمل إذا لم تصاحبها عروض للجِمال تُصاحبها التّغاريد.

ذلك كان نمط حياة بعض من البدو.. حياة ارتضوها لأنفسهم! لكنّ رياح التّغيير التي هبّت على دول الخليج العربي في العقود الأخيرة من القرن المُنصرم بسبب اكتشاف النّفط أنهت، إلى غير عودةٍ، أساليب حياة البدو بأشكالها كافةً، وأخذت سماتها تتغيّر وطغت على حياتهم إفرازات النّمو الإقتصادي. وكانت أكثر التّحولات هي تلك التي ترتّبت على إدخال أساليب النّقل الحديثة. فقد شُقَّت الطّرق المُسفَلتة الصحراء وحلّت السيارة محلّ الجمل. ولم يكن بوسعهم سوى التّخلي عن نمط حياةٍ لم يعد يلائم العصر، وتحوّلت التّجمعات السّكانية تلك إلى مدنٍ صغيرةٍ “تنعم” بالمساكن الإسمنتية الحديثة والكهرباء والمياه والخدمات الإجتماعية، كالتّعليم والرعاية الصحية.