الصباغة

الصّباغة

الصّباغة حرفةٌ قديمةٌ مارستها الشّعوب في مصر
وفارس والصّين والهند قبل الميلاد بآلاف الأعوام. وتشمل الأصباغ التّي
كانت تُستَعمل في تلك الأوقات نبات الفُوُة كصبغٍ أحمر، والنّيلة كصبغٍ
أزرق. وفي بداية عهد الإمبراطوريّة الرّومانية، كانت الأسرة الحاكمة
والنّبلاء يرتدون ملابس مصبوغةً بالأرجوان الوارد من طُوروس. وقد كان هذا
النّوع من الصّبغ قيّمًا جدًا، حيث إنّه بحلول أواخر القرن الرّابع
الميلادي، كانت الملابس المصبوغة بالأرجوان الطّوروسي تُساوي قيمتها ذهبًا.

وفي العصور الإسلاميّة، تمكّن العلماء المُسلمون من التّوصل إلى وسائل
جديدةٍ لتحضير الأصباغ عن طريق الإسفيذاج، وهو مسحوق دقيق الحُبيبات حيث
يصلح لعمل الدّهان الأبيض، من دون حاجةٍ إلى سحقٍ وطحنٍ وغربلةٍ.

وكتب البيروني بأنّ الإسفيذاج يُحضّر بعد تعليق صفائحه
في الخلّ ولفّها في ثقل العنب وحجمه بعد العَصِر. وقد جعل البيروني بقايا
العنب وحجّمه مصدرًا لتحرير غاز ثاني أوكسيد الكربون، حيث يعمل إنزيم
التّخمر في بقايا العنب ليولّد أخيرًا الخلّ وثاني أوكسيد الكربون.

أمّا العمليات الكيمياويّة التي تجري على الرّصاص المغمور في الخل والمواد التي تتخمّر وفق طريقة البيروني، فهي كما يأتي:

– يتفاعل الخلّ (حامض الخليك) مع صفائح الرّصاص المتعلّقة فيه، بوجود أوكسجين الهواء مكوّنًا خلات الرّصاص القاعديّة.

– تتفاعل خلات الرّصاص القاعدية مع غاز ثاني أوكسيد الكربون الذي يتولّد
نتيجةً للتّخمير، فتتكوّن خلات الرّصاص التي تذوب في المحلول، وتترسّب
كربونات الرّصاص القاعديّة في قعر إناء التّفاعل على هيئة مسحوقٍ أبيض
اللّون. وكربونات الرّصاص القاعدية هي الإسفيذاج. وعند ترشيح المحلول، تمرّ
خلات الرّصاص من ورق التّرشيح ويبقى الإسفيذاج على ورق التّرشيح.

والطّريقة التي أوردها البيروني في صنع الإسفيذاج، ما تزال تُعتَبر أفضل
طريقةٍ لتحضير الإسفيذاج الجيّد حتّى يومنا هذا، وتُعرَف بالطّريقة
الهولّندية، ولا تختلف عن الطّريقة القديمة إلاّ في استخدام الأجهزة
الحديثة. ولعلّ هذه الطّريقة دخلت هولندا منذ زمنٍ بعيدٍ عندما كانت هولندا
وثيقة الصّلة مع العالم العربي، حتّى القرن السّابع عشر.

وفي القرن الثّالث عشر الميلادي، اكتسب فنّ الصّباغة شيئًا جديدًا
باكتشاف صبغٍ أرجوانيٍ مصنوعٍ من فصيلة نبات الأشنة، يُسمّى الأرخيل. وقد
اكتُشِفَ هذا الصّبغ في شمال إيطاليا، وبالتّالي أصبحت مركز الصّباغة في
أوروبّا. وفي القرن السّادس عشر، تمّ التّوصل إلى مواد صباغةٍ جديدةٍ، مثل
القرمز والبقم.

وفي القرن التّاسع عشر، تمّ التّوصل إلى أوّل صبغٍ اصطناعيٍ هو البنفسجي
الزّاهي. وهو عبارة عن مكونٍ عضويٍ مُشتقّ من قار الفحم. وقد توصّل إليه
الكيميائيّ الإنجليزي ويليام هنري بيركين عام 1272هـ/1856م. ومنذ هذا الوقت
حتّى الوقت الحالي، تمّ تطويرُ عددًا كبيرًا من الأصباغ الصّناعية؛ وانتهى
استخدام الأصباغ الطّبيعية في صناعة المنسوجات نهايةً فعليّةً.

وفي الصّناعات الحديثة، يُمكن صباغة المنسوجات في أيّة مرحلةٍ أثناء
عملية التّصنيع، حيث يمكن صباغة الخيط لنسج أقمشةٍ وملابس عالية الجودة،
ذات لونٍ ثابتٍ. أمّا الأقمشة الأقل سعرًا والتّي لا يثبت عليها اللّون،
فهي تُصبغ بعد النّسج. كما يُمكن تكوين تصميماتٍ ملونّةً على القماش
المنسوج من خلال عدّة عملياتٍ مُنتقاةٍ من الصّباغة.

تُستخدم عادةً أحواض من النّيكِل والنّحاس وموادٌ مخلوطةٌ أخرى مقاومة
للأحماض في صناعة الأصباغ الحمضيّة؛ بينما تُستعمل أحواضٌ من الصّلب الذّي
لا يصدأ للأصباغ الأساسيّة أو عديمة اللّون. وعندما يُصبغ الخيط، فإنّه
يُلَفّ على مغازل مثقوبةٍ بحيث ينتشر محلول الصّباغة فيها تحت الضّغط لضمان
أن يتغلغل الصّبغ في كلّ أجزاء ملفّ الخيوط. كما تُلَفّ هذه الخيوط أيضًا
في لفائف تُسمّى “شلّة الخيط”. وتصبغ الأقمشة بعد النّسيج باستخدام العديد
من الآلات المُصمّمة للتّعامل مع خصائص كلّ نوعٍ من الأنسجة على حِدَة.