البَرْدى

البَرْدى

زرع المصريون القدامى قصب البردى في دلتا النيل بمصر واستعملوه في صناعة الورق. وقد انقرضت هذه الزراعة اليوم تقريباً في دلتا النيل وانحصرت في أعالي مصر والحبشة وسوريا وبعض بلدان حوض المتوسط الأوروبية.

أول وصف للبردى جاءنا على يد المؤرخ والكاتب الإغريقي ثيوفرأستوس الذي قال إن القصب كان يزرع في مياه ضحلة لا يزيد عمقها عن 90 سم تقريباً. وكانت جذوره لا يتعدى ثخنها ثخن معصم اليد، بينما طولها وصل إلى أربعة أو خمسة أمتار. وكانت هذه الجذور تتمدد افقياً بينما الجذور الفرعية الصغيرة كانت تغوص في الطين. أما طول القصبة وارتفاعها فوق الأرض فكان في حدود المتر أو ما يزيد قليلاً، شكلها مثلث ومستدق الأطراف. وكانت رؤوس هذه النبتة تستعمل لتزيين المعابد بينما استعملت الجذور وقوداً أو لصنع أدوات منزلية. أما الساق فاستعملت في صناعة القوارب والأشرعة والثياب والحبال وورق الكتابة. أما اللب فكان يؤكل نيئاً أو مطبوخاً. وذكر المؤرخ هيرودوتس أن قصب البردى استعمل طعاماً ومادة لصنع أحذية الكهنة. وقد أظهرت بعض المنحوتات القديمة والعائدة إلى السلالة الرابعة المصرية أن البردى استعمل في صناعة القوارب.

انتشر ورق البردى في العالم القديم انتشاراً واسعاً شمل مصر وسورية واليونان وإيطاليا وسواها واستعمل لكتابة المخطوطات والوثائق وغيرها. ووجدت في مقابر الملوك المصريين أوراق بردى عليها كتابات في أيدي المومياء. وبعض المومياء لفت أجسامها بهذا الورق. وقد عرف الأشوريون ورق البردى وسموه “قصب مصر” . وأكد المؤرخ الإغريقي هيرودوتس أن البردى وصل الجزر اليونانية ودعي بالجلد أو الرق. واستعمل في أثينا على نطاق واسع بدءاً من القرن الخامس قبل الميلاد. ووجد إنجيل يوحنا، وهو أول الأناجيل المكتوبة، على ورق البردى. وتعود هذه الوثيقة الدينية المهمة جداً إلى القرن الثاني بعد الميلاد. كما وجد دستور أثينا مسجلاً على البردى، واكتشفت بعض محاورات أرسطو على هذا الورق في القرن التاسع عشر ميلادي.

توسع استعمال البردى في العهد الروماني، وأصبح يستعمل في صناعة الكتب وفي المراسلات والوثائق القانونية وكذلك في العقود التجارية.

كان قصب البردى المستعمل في صناعة الورق يقطّع طولاً. وكانت القطع المستخرجة من منتصف القصبة هي الأهم والأفضل لصنع الورق. وكانت هذه القطع توضع جنباً إلى جنب لتألف العرض المطلوب، ثم تضاف طبقة أخرى فوقها متعارضة من القطع الأقل طولاً أو سماكة وتنقع كلها في مياه النيل حيث كانت تلتصق القصبات بعضها ببعض بفعل تحلل المادة اللدنة الموجودة فيها ثم ترقق وتطرق بلطف وتنشّف بالشمس. وكان يتم تمليسها بصفد ناعم أو بالعاج. أما إذا ظهرت على الرقائق عند إتمام صنعها أي عيب او شائبة فكان يعاد تصنيعها.

وبعد إتمام هذه العملية كانت الرقائق تلصق بمادة غروية لتألف لفة من الورق أو الرق. وكانت اللفة الواحدة تتألف عادة من 20 رقيقة.

كانت هناك ثمانية أنواع من ورق البردى يتميز بعضها عن بعض نوعية وقياساً. وكان النوع الأفضل يسمى “كارتا هير اتكا” ثم تبدل اسمها إلى “كارتا أوغسطا” تيمناً بالامبراطور الروماني أغسطس. وتدرجت بعدها أنواع الورق ونوعيته وصولاً إلى النوع الثامن والذي عرف بالورق العادي. وأضيفت في أيام الامبراطور كلوديوس نوعية تاسعة.

ظلت مصر تنتج ورق البردى على نطاق واسع بعد الفتح العربي. ولكن مع ظهور الورق الحديث في القرنين الثامن والتاسع ميلادي انحصر استعمال ورق البردى بشكل كبير وأصابه غياب شبه تام في القرن العاشر.

لم تقتصر زراعة البرى على مصر وحدها. فقد زرع في إيطاليا قرب بحيرتي تراسيميني وأترويا. وأدخل البردى السوري إلى صقلية. وكان هذا الأخير أطول من البردى المصري، وصنع منه في صقلية الورق الذي كان يصدر إلى تركيا وأوروبا. ولكن زراعة البردى وتصنيعه اختفى من إيطاليا في القرن السادس عشر.

تعود اليوم صناعة ورق البردى إلى مصر ولكن على نطاق ضيق جدا، وتحول في الواقع من صناعة إلى حرفة.