الأنصار

 

الأنصار

الأنصار لقب أُطلق على الذين نصروا الرسول صلى الله عليه وسلم وآووه من أهل يثرب (المدينة) من الأوس والخزرج تمييزاً لهم من المهاجرين من صحابة رسول الله صلى الله عليه وسلَّم، وتخليداً لدورهم وجهودهم في نصرة الدعوة الإسلامية، وقد وردَت في السّنَّة أحاديث تشيد بفضل الأنصار وتدعو لهم ولأعقابهم وأحفادهم بالخير والبركة.

كان أول لقاء للرسول الكريم مع الأنصار حين لقي رهطاً من الخزرج في العقبة (جبل يعترض الطريق بين مِنى ومكة) إثر انصرافه من الطائف راجعاً إلى مكة المكرمة، وقد يئس من قبيلة ثقيف، ومضى يدعو إلى الله ونصرته القبائل التي كانت تقصد مكة في الموسم، وعرض الرسول الإسلام على هذا الرهط من الخزرج، وتلا عليهم شيئاً من القرآن وشرح لهم أسس الدين الذي يدعو له، فاستجابوا له وقبلوا ما عرض عليهم من الإسلام، وانصرفوا راجعين إلى بلدهم وقد آمنوا وصدَّقوا، وكان عددهم ستة أشخاص ينتمون إلى بطون مختلفة، ولما قدموا يثرب أخذوا يحدثون الناس بما سمعوا من الرسول صلى الله عليه وسلم ودعوهم إلى الإسلام، وغدا ذكر الرسول يدور بين الناس هناك، وأصبحت دعوته موضع الأحاديث ومعقد النقاش، ويقدِّر الباحثون أن هذا اللقاء الأول قد تمَّ سنة 620م.

وعلى هذا تكون بيعة العقبة الأولى سنة 621م حين وافى مكة اثنا عشر رجلاً من الأوس والخزرج فبايعوا رسول الله بيعة النساء.

وعن عبادة بن الصامت قال: «كنت فيمن حضر العقبة الأولى، وكنا اثني عشر رجلاً فبايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على بيعة النساء وذلك قبل أن تُفترض الحرب، على أن لا نشرك بالله شيئاً ولا نسرق ولا نزني ولا نقتل أولادنا ببهتان نفتريه بين أيدينا وأرجلنا ولا نعصيه بمعروف».

بعث الرسول مع هذا الوفد مُصعَب بن عُمير وأمره أن يقرئهم القرآن ويعلمهم الإسلام، وقد أسلم سعد بن معاذ سيد بني عبد الأَشْهَل من الأوس على يَدي مصعب، فلما أسلم لم يبق في بني عبد الأشهل أحد إلا أسلمَ يومئذ، فكانت دار بني عبد الأشْهَل أول دار من الأنصار أسلم أهلها جميعاً رجالاً ونساء، كما لم يبق دار من دور الأنصار إلاَّ وفيها رجال ونساء مسلمون، إلا ما كان من دار بني أُمية بن زيد وخَطْمة ووائل وواقف وأوس الله – وهي من بطون الأوس – فقد تأخر إسلامهم لمكانة صيفي بن الأسلت أبي قيس فيهم الذي أبى اعتناق الإسلام، وكان صيفي شاعراً وقائداً يسمعون منه ويطيعونه.

رجع مُصعب بن عُمير في العام التالي مع من بايعه من الأنصار وكان عددهم ثلاثة وسبعين رجلاً وامرأتين، فواعدوا الرسول العقبة من أوسط أيام التشريق حيث بايعوا الرسول على أن يمنعوه مما يمنعون منه نساءهم وأبناءهم إذا ما انقطع إليهم ولحق بهم، ثم طلب منهم أن يختاروا من بينهم اثني عشر نقيباً ليكونوا على قومهم. فأخرجوا تسعة من الخزرج وثلاثة من الأوس. وتعرف هذه البيعة ببيعة العقبة الثانية والأخيرة، وعن ابن إسحاق أن الرسول صلى الله عليه وسلم اجتمع بالأنصار في ذي الحجة وأنه خرج مهاجراً إلى المدينة في شهر ربيع الأول من السنة التالية، بعد أن أقام بمكة ثلاث عشرة سنة يوحى إليه، وآخى الرسول بين المهاجرين والأنصار بعد الهجرة إلى المدينة ليذهب عن المسلمين المهاجرين وحشة الغربة ويؤنسهم عن مفارقة الأهل والعشيرة ويشد بعضهم أزر بعض، إلاَّ أن العمل بهذا النظام وما استتبعه من تنظيم للميراث توقف بعد النصر الذي حققه المسلمون في بدروما أفاء الله عليهم من غنائم وأموال سدَّت عوز المحتاجين، وأنزل الله سبحانه وتعالى الآية [وأُولُوا الأَرْحَام بعضُهم أولى بِبَعْض في كتاب الله] (الأنفال 75). فانقطعت المؤاخاة في الميراث ورجع كل إنسان إلى نسبه وورثه ذوو رحمه.

لم يشترك الأنصار في البداية في السرايا التي أرسلها الرسول صلى الله عليه وسلم لرصد حركات قريش، لأن عقد الرسول معهم (بيعة العقبة الثانية) كان عقداً دفاعياً لا هجومياً، ولكن حين ندب الرسول أصحابه لملاقاة أبي سفيان وقافلته وخرج دونما علم بخروج قريش لنجدة القافلة، استشار أصحابه ولاسيما الأنصار منهم، لأنه كان يخشى ألاّ ينصروه إلا إذا دهمه أعداؤه في المدينة، وليس عليهم أن يسير بهم إلى عدوه خارج ديارهم، وقد تنبه على هذا الحرج الذي أصاب الرسول سعد بن معاذ الذي أكّد للرسول تأييد الأنصار له ووقوفهم إلى جانبه قائلاً: «…فامض يا رسول الله لما أردت فنحن معك، فو الذي بعثك بالحق لو استعرضت بنا البحر لخضناه معك ما تخلَّف منا رجل واحد». وقدَّم اشتراك الأنصار في معركة بدر للرسول دعماً كبيراً، لأن عدد الأنصار كان يفوق كثيراً عدد المهاجرين، كما وقف الأنصار موقفاً مشرفاً في كل غزوات الرسول وسراياه إلا ما كان من موقف عبد الله بن أُبَيّ الخزرجي المشهور بابن سَلول رأس المنافقين في الإسلام، الذي خذل الرسول في معركة أُحُد، حين عاد مع ثلاثمئة رجل إلى المدينة، وكرّر موقفه هذا يوم التهيؤ لغزوة تبوك، وكان كلما حلَّ بالمسلمين نازلة شَمِت بهم، وكلما سمع سيئة نشرها وله في ذلك أخبار.

بعد غزوة حُنين سنة 8هـ بدأت تظهر بوادر تململ من الأنصار حين خص الرسول صلى الله عليه وسلم بعض حديثي العهد من قريش وغيرها من المؤلّفة قلوبهم بهبات إضافية، ولم يكن للأنصار منها شيء، وتكلم سعد بن عبادة سيد الخزرج بلسانهم مع الرسول صلى الله عليه وسلم ، وحين سأله الرسول «فأين أنت من ذلك يا سعد؟» قال: «يا رسول الله ما أنا إلا من قومي». فطلب الرسول صلى الله عليه وسلم من سعد أن يجمع له قومه من الأنصار، وتحدث إليهم وأوضح لهم الدافع الذي حدا به إلى إيثار بعض المسلمين بهبات إضافية وأعلن لهم تمسكه بالأنصار وبصحبتهم وقال لهم: «أوجدتم يا معشر الأنصار في أنفسكم في لعاعة من الدنيا تآلفت بها قوماً ليسلموا، ووكلتكم إلى إسلامكم ألا ترضون يا معشر الأنصار، أن يذهب الناس بالشاة والبعير، وترجعوا برسول الله إلى رحالكم، فو الذي نفس محمد بيده لولا الهجرة لكنت امرءاً من الأنصار، ولو سلك الناس شِعْباً وسلكت الأنصار شعباً لسلكت شِعْب الأنصار». فبكى القوم وانصرفوا راضين.
أراد الأنصار إثر وفاة الرسول صلى الله عليه وسلم أن يضمنوا حقهم في إدارة شؤون المسلمين فاجتمعوا في سقيفة بني ساعدة يريدون تولية سعد بن عبادة الأمر ولكنهم أخفقوا لما كان بين الأوس والخزرج من عصبية ونزاع منذ القديم، ولتدخّل المهاجرين في الوقت المناسب والحجة الدامغة التي قدموها، وتتلخص بأن الأمر لن يستقيم إلا لقريش لما لها من فضل وسابقة ولكونها عشيرة الرسول، ولما كان لها من مكانة بين العرب قبل الإسلام، فبايع أبا بكر من كان بالسقيفة خلا سعد بن عبادة.

شارك الأنصار في قتال المرتدّين، وفي الفتوح، واستعان بهم الخلفاء في الإدارة ولاةً وقضاة وعمالاً على الصدقات واستشيروا في القضايا المهمة كقسمة الأرض التي فتحت عنوة بين المسلمين، وشاركوا في الحض على سرعة اختيار خليفة من رجال الشورى بعد طعن الخليفة الراشدي عمر بن الخطاب، إذ طلب عمر من أبي طلحة الأنصاري أن يتوجه مع خمسين من الأنصار إلى البيت الذي سيجتمع فيه أصحاب الشورى فلا يسمح لأحد بالدخول عليهم وأن لا ينقضي اليوم الثالث عليهم حتى يؤمّروا أحدهم.

بعد مقتل الخليفة عثمان بايع الأنصار علياً إلا نفراً يسيراً منهم حسان بن ثابت، وكعب بن مالك، ومسلمة بن مُخلَّد، وأبو سعيد الخُدْري، ومحمد بن مَسْلَمة، والنعمان بن بشير، وفُضالة بن عبيد، ولكن أنصار المدينة تثاقلوا عندما طلب علي نصرتهم إثر خروج طلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة عليه وتوجههم إلى البصرة، ولم يجب إلى نصرته إلا اثنان من كبار رجالات الأنصار هما أبو الهيثم بن التَّيّهان وهو بدري، وخزيمة بن الثابت، فخرج عليّ مع من تبعه من الكوفيين والبصريين في سبعمئة رجل، كما لم يشترك أنصار المدينة في الصراع بين علي ومعاوية إلا أفراداً منهم فكانت القبائل التي ساندت علياً هي تلك التي كانت قد استقرَّت في الكوفة والبصرة.

بعد مقتل الخليفة علي بن أبي طالب، لم يؤيد جمهور الأنصار الحاكم الأموي ولكن معاوية استطاع بحسن سياسته أن يتجنب معارضتهم المسلّحة مدة خلافته كما اعتمد على عدد من الأنصار المؤيدين له ولاة وقضاة، فولى النعمان بن بشير الكوفة، ومسلمة بن مخلَّد مصر، وفُضالة بن عُبيد قضاء دمشق، ولو كان للأنصار استعداد أكبر للتعاون معه لما تردد في الاعتماد عليهم. وكذلك بعث يزيدُ بن معاوية، النعمانَ بن بشير، وكان قد ولاّه حمص، إلى المدينة حين ثار الأنصار بزعامة عبيد الله بن حنظلة، وطلب منه أن يأمرهم بالطاعة ولزوم الجماعة وأن يخوِّفهم الفتنة، فلما أخفقت مساعيه أرسل يزيد جيشاً من مقاتلة الشام بقيادة مُسلم بن عقبة المُرِّي الذي انتصر على الأنصار ومن انضم إليهم من المهاجرين في معركة الحَرَّة في ذي الحجة سنة 63هـ/آب 683م.

تضاءل شأن الأنصار بعد هذه المعركة التي قُتل فيها عدد كبير منهم، ولم يعد لهم قوة حقيقية أو تأثير في السياسة العامة ولاسيما بعد القضاء على الحركة الزبيرية سنة 73هـ، وكان كثيرٌ منهم مناصراً لها، وانتقل هذا النفوذ إلى قريش إذ يذكر الطبري في صدد هجوم أبي حمزة الخارجي على المدينة سنة 130هـ، «أن المقتلة كانت على قريش، هم كانوا أكثر الناس وبهم كانت الشوكة».