اسطورة نقط المصاحف

اسطورة نقط المصاحف

عندما يقرأ المرء تاريخ نقط المصاحف فإن عملية أدلجة الروايات تعطي شعورا بالاطمئنان بان تنقيط المصحف كان نتيجة لتطور الكتابة بعد دخول الاسلام، لكن عند قراءة هذه الروايات وتحليلها والبحث في المصادر التاريخية فإن هذا الانطباع يزول وتظهر اشكاليات كبيرة،

وسوف نسرد الرواية المؤدلجة حول هذا الموضوع بإيجاز:

تذهب الروايات الى أن اللحن في قراءة القرءان انتشر بانتشار الاسلام ودخول الأعاجم في الدين الجديد، فقام زياد بن أبيه بطلب حل هذه المشكلة من أبي الأسود الدؤلي، فقام الأخير بنقط المصحف (إضافة الضمة والكسرة والفتحة والتنوين ) إلى أواخر الكلمات، ثم قام نصر بن عاصم ويحيى بن يعمر بإعجام الكلمات(وضع النقاط على الحروف المتشابهة للتمييز بينها) ثم تابع الخليل بن أحمد الفراهيدي بوضع الشكل النهائي لتشكيل المصحف هذه هي الرواية بايجاز ويدعم ذلك المخطوطات الموجودة ونسخ المصاحف المكتوبة بدون نقط وإعجام،
ولكن هل هذا كل شيء وهل القضية واضحة الى هذا الحد في كتب التاريخ، في هذا البحث القصير سأتناول الموضوع في جزئين ، الجزء الأول مناقشة الروايات المؤرخة لهذه الحادثة، وفي الجزء الثاني سأتعرض للنقوش والمخطوطات المكتشفة.

إن التضارب في الروايات التاريخية حول تاريخ نقط المصحف ونسبتها إلى عدة أشخاص أمر واضح وجلي في كتب التاريخ، فنجد أن تناول الموضوع كان بأسلوب سردي بعيد جدا عن مناقشة هذه الروايات، ولن ادخل في مناقشة أسانيد هذه الروايات لأن مشكلة علم الرجال مشكلة كبيرة والآراء فيها متعددة

تناول الموضوع كان بأسلوب سردي بعيد جدا عن مناقشة هذه الروايات، ولنن ندخل في مناقشة أسانيد هذه الروايات لأن مشكلة علم الرجال مشكلة كبيرة والآراء فيها متعددة، لذلك سيتم في هذا الجزء مناقشة الروايات نفسها دون التعرض للاسانيد،

روايات أبي الأسود الدؤلي

قد وردت بعدة صيغ ،

احدها أن زياد هو من طلب ذلك من أبي الأسود ولم يجبه الا بعد حين:

(وذلك ما حدثناه محمد بن أحمد بن علي البغدادي قال ثنا محمد بن القاسم الانباري قال ثنا ابي قال حدثنا أبو عكرمة قال قال العتبي كتب معاوية رضي الله عنه إلى زياد يطلب عبيد الله ابنه فلما قدم عليه كلمه فوجده يلحن فرده إلى زياد وكتب إليه كتابا يلومه فيه ويقول أمثل عبيد الله يضيع فبعث زياد إلى ابي الأسود فقال يا أبا الأسود إن هذه الحمراء قد كثرت وأفسدت من ألسن العرب فلو وضعت شيئا يصلح به الناس كلامهم ويعربون به كتاب الله تعالى فأبى ذلك أبو الأسود وكره إجابة زياد إلى ما سأل فوجه زياد رجلا فقال له اقعد في طريق أبي الأسود فإذا مر بك فاقرأ شيئا من القرآن وتعمد اللحن فيه ففعل ذلك فلما مر به أبو الاسود رفع الرجل صوته فقال إن الله بريء من المشركين ورسوله فاستعظم ذلك أبو الأسود وقال عز وجه الله أن يبرأ من رسوله ثم رجع الى زياد

وأخرى تقول أن أبا الاسود هو من طلب ذلك من زياد ولم يوافق الا بعد حين:

– قال أبو عبيدة أخذ أبو الأسود عن علي العربية فسمع قارئا يقرأ أن الله بريء من المشركين ورسوله فقال ما ظننت أن أمر الناس قد صار إلى هذا فقال لزياد الأمير ابغني كاتبا لقنا فأتى به فقال له أبو الأسود إذا رأيتني قد فتحت فمي بالحرف فانقط نقطه أعلاه وإذا رأيتني قد ضممت فمي فانقط نقطه بين يدي الحرف وإن كسرت فانقط نقطة تحت الحرف فإذا أتبعت شيئا من ذلك غنة فاجعل مكان النقطة نقطتين فهذا نقط أبي الأسود( سير أعلام النبلاء ج: 4 ص: 83

– قال عمر بن شبة وحدثنا حيان بن بشر قال حدثنا يحيى ادع لي أبا الأسود فقال ضع للناس الذي نهيتك أن بن آدم عن أبي بكر بن عاصم قال أول من وضع العربية أبو الأسود الدؤلي فجاء إلى زياد بالبصرة فقال إني أرى العرب خالطت الأعاجم فتغيرت ألسنتهم أفتأذن لي أن أضع للعرب كلاما يعرفون به ويقيمون كلامهم قال لا قال فجاء رجل إلى زياد فقال أصلح الله الأمير توفي أبانا وترك فقال تضع لهم المنتظم (حتى 257هـ) ج: 6 ص: 98 وسير أعلاك النبلاء ج:4ص84

لايقف الأمر هنا حيث تذكر كتب التاريخ روايات أخرى تشير الى ان ذلك فعله أبو الأسود بايعاز من الامام علي حيث كان أستاذه في هذا العلم:

فقد ذكر ابن خلدون في مقدمته:

(وأول من كتب فيها أبو الأسود الدؤلي من بني كنانة ويقال بإشارة علي رضي الله عنه لأنه رأى تغير الملكة فأشار عليه بحفظها ففزع إلى ضبطها بالقوانين الحاضرة المستقرأة ثم كتب فيها الناس من بعده إلى أن انتهت إلى الخليل بن أحمد الفراهيدي أيام الرشيد أحوج ما كان الناس إليها لذهاب تلك الملكة من العرب‏) راجع ايضا شذرات الذهب في تأريخه لسنة ست وستين(تاريخ وفاة أبي الأسود الدؤلي) وكذلك تاريخ دمشق ج 37-ص