هكذا تكلمت سيدة المقام الأخضر بقلم محمد سعيد الريحاني – المغرب

في أوئل” إذا دلت الشجرة على عمل صاحبها وعلى دينه ونفسه، دل ورقها على خلقه وجماله وملبسه، وشعبها على نسبه وإخوانه واعتقاداته، ويدل قلبها على سرائره وما يخفيه من أعماله، ويدل قشرها على ظاهره وجلده وكل ما تزين به أعماله، ويدل ماؤها على إيمانه وورعه وملكه وحياته. لكل إنسان قدره”

‎ابن سيرين- تفسير الأحلام الكبير-الباب 43: في رؤية الأشجار المثمرة، ص:357


جلساء صديقي البشير كلما اقتحمت‎ دائرتهم الصغيرة حول مائدة حبلى بالأوراق والأقلام في أحد هذه المقاهي المطلة على بانوراما الجبال المشجرة المقببة بالثلوج، رنت في مسمعي كلمات غامضة من معاجمهم الخاصة: كشوفات، موجات الدماغ، التركيز، ” باب الحكمة “، الوصايا العشر لسيدة المقام الأخضر…

‎سألت البشير، ذات مرة، عن هذه السيدة ذات المقام الأخضر فأومأ إلى مكان ما قبالتنا:

‎- هي تلك.لم يكن في المكان الذي أومأ إليه سيدة. قلت:
- أين هي؟فأجاب بتلقائية:- الشجرة، ألا تراها؟!صدمت كنت أتوقع سيدة حقيقية ذات عطاء من نوع خاص وإلا فما جدوى كل هذه التجمعات والأوراق والقدسية التي يلفون بها نبتة، شجرة؟

‎فكرت في البحارة الذين يسمون زوارقهم بأسماء عشيقاتهم وقلت للبشير:
- هي سيدة من؟ أنتم خمسة رجال وهي سيدة واحدة!…

‎إمتعض البشير من مزاحي:- هي ليست سيدة أحد. هي سيدة الحكمة ولا تقابل غير الحكماء من البشر ولا تتواصل إلا مع من تخطى ” باب الحكمة “.سألته:- وأين موقع هذه الباب من الوجود؟

‎انتبه البشير بسرعة إلى أن أفضل طريقة لمحاورتي مع الحفاظ على أعصابه هي أن يتعامل معي كإنسان أمي لا يجيد غير الثقة والإصغاء ثم قال:- ” باب الحكمة” هي الباب الوحيدة المؤدية إلى هذه الشجرة، سيدة المقام الأخضر، حيث ينعم الداخل إليها بالقوة على التغيير والتغير. وهذا هو الدرس الأبدي الذي تقدمه السيدة لكل من قابلها في مقامها الأخضر وتطهر بدبيب الدرس في كل كيانه.
بدأت أوافقه لإطالة مدة الحديث:- هل هو من أنواع الدراسة عن بعد؟أجاب:
- نعم، دراسة عن بعد مع شرط مهم: الخلوة، فكل الطلاب الذين يقابلونها ينعمون بالخلوة لأن الدرس يقتضي التوحد ويشترطه. ولذلك ففي رحابها، لكل حقه، لكل وقته ولكل خلوته ولو كان هناك آلاف الطلاب في آن واحد…
أخدني من كم قميصي ثم تقدمنا نحو الشجرة التي أشار إليها في بداية اللقاء: شجرة يشرئب جذعها القوي من الأرض المعشوشبة ملتويا على ذاته التواء قبل أن يتفرع إلى أغصان لا نهائية تختفي تحت حفيف الأوراق الرشيقة والثمار الخضراء الواعدة. ثم قال:
- هذه هي الشجرة وداخلك “باب الحكمة “.ظللت أنتظر تباشير ابتسامة على محياه تفضح مزاحه، آنذاك انهال عليه بالهزء والسخرية لكنه واصل حديثه بالشرح والتفصيل:- هل تعلم أننا والأٍرض نتواصل بالطاقة ونتبادل الطاقة؟ لم أجبه.أنا أنتظر إيماءة تفضح زيف جديته لأنقض عليه.استطرد:- إن الحقل المغناطيسي للأرض يشتغل على ارتجاج تابت هو 7.83 هرز. فلو استطعت خفض موجات دماغك إلى هذا المستوى فستكون في تناغم مع الحقل المغناطيسي للأرض: خزان القوى والطاقات. وحده الوصول إلى هذا التناغم قادر على فتح :” باب الحكمة ” في وجهك لدخول المقام الأخضر ومكاشفة السيدة…

‎انحنينا قليلا لدخول دائرة الظل المتمايل غنجا وتدللا للشجرة التي أضحت خضرة أغصانها فوق رؤوسنا قبة خضراء عظيمة تكاد تحجب القبة الزرقاء الأخرى : السماء. جلسنا على العشب وأسندنا ظهرنا إلى جدع الشجرة. واصل البشير حديثه: 

‎- بإمكانك حفض موجات دماغك دون آلة معدنية لضبط القياس. حسبك أن تتمدد على ظهرك في أي مكان في الدنيا وتتنفس بطيئا وأنت تذكر ألوان قوس قزح واحدا واحدا وتتحسس كل لون في أشياء تحمل نفس اللون في ذاكرتك. بعد ذلك مر إلى اللون الموالي. حتى إذا ما استعادت ذاكرتك كال ألوان الطيف واستشعرتها، آنذاك تصور نفسك وصلت إلى سلم من واحد وعشرين درجة نازلة إلى الظلام. تأن في نزولك واستمتع بكل درجة قبل الانتقال إلى الدرجة الموالية. حتى إذا ما وصلت إلى الباب في نهاية السلم، ” باب الحكمة “، تأمله جيدا وتفحص تفاصيله طويلا قبل دفعه لدخول المقام الأخضر: مقام السيدة، مقام المكاشفة، مقام الحقيقة.

‎في غرفتي، استعدت حديث البشير عن هذه القدرة الخارقة المعطلة التي أملكها منذ صباي ولم أستعملها أبدا: عن الدراسة عن بعد التي تأطرها الشجرة ويستفيد منها آلاف الطلبة في آن واحد وكل في خلوته ممددا على فراشه في غرفة نومه!…

‎تمددت على ظهري وبدأت مراقبة مظاهر التو تر في كل أنحاء جسدي لفسخها: قلبت كفاي للأعلى وباعدت يداي ورجلاي عن باقي جسمي وتخلصت من الحزام ورباط العنق والجوارب وأغمضت عيناي في سكينة.

‎بدأت التنفس بإيقاع بطيء وأنا أتذكر ألوان قوس قزح الست: الأحمر والبرتقالي والأصفر والأخضر والأزرق والبنفسجي. أستعيد في ذاكرتي اللون الأول، الأحمر، واستحضر التفاحة الحمراء اللون أديرها أمام عين عقلي يمينا ثم يسارا شكلها التفاحي يضفي على حمرتها بهجة لا تضاهيها فيها لا حمرة البرقوق ولا حمرة الشهدية، تكفي عضة منها لتجزم بأن لحمرة التفاح امتداد في مذاقها وحلاوتها … ثم أمسح الصورة كاملة بعد ثلاثين ثانية لاستحضار اللون الموالي وأستشعره حتى إذا ما استعادت ذاكرتي كل الألوان، تصورت نفسي أنزل سلما من واحد وعشرين درجة تقودني إلى العتمة.

‎أنزل الدرجة الأولى وأنصت لهذا الهدوء حوالي: لا صاعد ولا نازل. أنا الوحيد في هذا السلم. ثم الدرجة الثانية. أستريح. ثم الثالثة فالرابعة، ثم الأخيرة.
أخيرا، أجد نفسي أمام باب. 
القشعريرة تعتريني فجأة. 
يدي ترتجف من الخوف. مددت يدي المرتجفة إلى الباب.ألا يمكن أن يكون الأمر.. خدعة؟ الخوف ينخرني من أسفلي إلى أعلاي.وإذا ما كان وراء الباب وحش من الوحوش الكاسرة؟ وإذا ما كان وراء الباب غول من الغيلان الخرافية؟ وإذا ما كان وراء الباب جني من الجن الحانقة؟ الخوف يخنقني، يقتلني، يذيبني..سحبت يدي وقطعت التجربة ونهضت من فراشي.
صارحت صديقي:- لم أقدر على مواصلة التجربة. لم أجرؤ على دفع الباب…فصاح، معاتبا:- كيف تقطع تفكيرك وأنت على بعد سنتمتر من هدفك؟- خفت، كنت أموت من الخوف….

 

‎قصة قصيرة بقلم الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني