معجم موسيقي بقلم شعيب حليفي – المغرب

صباح الخير والمحبة سي محمد برادة وسي أحمد اليبوري ،
هل تشكان في محبتي ووفائي لكما ؟

انتهت سنة أخرى وحلَّ عام جديد ، جاء مثل قفزة بزانة مكسورة – بعدد قبائلنا – وأنا عاجز عن الكتابة والتفكير . مرت هذه المرة بمفاجآت على غير العادة..بعد شهر ديسمبر الذي اجتمع فيه عيد الأضحى وفاتح محرم والسنة الميلادية الجديدة والهجوم على أهالينا خلال ثلاثة أسابيع وافية في قطاع غزة بفلسطين ..كما عرفت بلادنا زيادات في عدد من أسعار النقل والبنزين والحليب ومواد أخرى أساسية ، وشكوى الفنانين من ركود سوق الفن بالمغرب .

جو بارد وأمطار لا تنقطع إلا لتعود مصاحبة لرعود تقصف الفراغ الذي امتلأ من حولنا ، وبروق تهز الأيام وهي ورقة خفيفة عامرة بالعجز جعلتني أقفز مثل عداء بدون رقم أو زانة .. أمشي فوق أرض محترقة .لم تعد حياتنا طبيعية وروتينية كما كانت ، كما أصبحت عنيفا ، سريع الغضب ..بالتأكيد جرَّاء ما جرى لدمنا الفلسطيني وما يجري .أتتبع يوميا قنوات الأخبار بحثا عن انتصار أو انفراج وأنا عاجز كل العجز مثل الملايين لا أملك غير الغضب والغضب والغضب.

ـ مساؤك سعيد يا صديقي .هل هي ضربة يأس وإحباط مما يجري ؟أتستطيع أحداث مثل هذه أن تغلب الروح وتكسر تلك النوتة الموسيقية التي تضمن التوازن ؟

ـ بل شيء آخر- بداخلك- يهزم الروح ..ابحثْ عنه في نفسك ..تجده.

أرمي يدي داخل نفسي.. فلا أجد سوى حزن الأنبياء المعتق وتأملاتهم في حالنا ؛رماد ساخن لبكاء حارق وصراخ لم يجف بعد .

ـ قال لي صاحبي وهو متعجل : أين أنت ذاهب ؟

انتظر – قلت ُله – ولا تتكلم.دعني أهبط إلى روحي ، أفتش عنها .الصوت كان صوتي ..به بحة وطبقات أصوات ممحوة.مثل حواف تلك المائدة التي وُضع عليها العشاء الأخير.هناك رجل نوراني في الثالثة والثلاثين من عمره محاط بحوارييه .. خلفه غدْرُ اليهود يتربص به.

تلمستُ وجههُ الحزين فسرى سؤالي إليه …نزلتَ الناصرة والجليل والقدس ، وكنتَ دوما تلتفتُ نحو دمنا الذي ساح في غزة ..ثم تعود لتلتفت َ وأنتَ حزين إلى كل جهات دمنا المسفوح لأننا مسلمون لا مستسلمون. اسمح لي يا ربي أن أقبل الأرض بين يديك وأنا أقول لأمتي أنكَ كلما فكرتَ فينا بكيت.

كم عدد المظاهرات

 التي خرجنا فيها .لا أعرف ..ولكنها كلها حول شيء فقدناه أو في طريق فقده ..مسيرات كنا نودع خلالها كل شيء حتى أصبح سيرُنا اليومي والعادي في الشارع مسيرة لتوديع شيء دون أن ندري .

أنا مثلكم، أحتاج بعد كل معركة إلى رواية قصيرة جدا لا تتجاوز صفحاتها ظهيرة يوم من أيام الشتاء القديمة أو نوتة موسيقية خالدة ..أحياها كما لم تنكتب ، قبل أن أعود إلى ساحات التخييل وسواحل الأبخرة.

نفس الشيء بعد كل نص أكتبه ..أحتاج إلى فترة نقاهة لأتخلص من آثاره ومن ضرباته وكل المفاوضات السريعة مع المعاني وكل ذلك الفراغ المتعمد الذي يسقط فيه من يسقط !

ها قد أصبح دمنا محيطا سائلا بين محيطين ، وصرنا أمة بلا دم ..نحن فقط ظاهرة صوتية ننتصر في المظاهرات والاحتجاجات ..فيما أنبياء الله الذين اختارهم من الأطفال يموتون في غزة وهم يبتسمون .وغيرهم يقول:”اقتلوا الأطفال واطرحوهم أرضا يخْلُ لكم وجه العرب “.

***

تربصوا بي بعدما حرصتُ أن يبقى ثوبي نظيفا ونحن نمشي وسط الوحل .كانوا على يميني وشمالي وقد هموا للإيقاع بي ..ولكنني كنتُ أعض على مصيري بكل ما أُوتيتُ.

قبل أن أخرج ، قالت لي أمي : هل أنتَ راحل إلى المدينة ..لا تنس في طريقك غزة والناصرة والبيت.ثم سلمتني كُحْلا لعينيَّ ، من البرد والغدر ..وقالت لي خذهُ يا ابني حتى تُدفِئَ عينيك يا محمد .

ـ اسمي شُعيب يا أمي !
ابتسمتْ وصمتت لفترة ثم أردفت :أنت معجمي ..انظر جيدا فالكحل أضاء كل السبل ..سُبُلُهم ..أنتَ خطوة أخرى في مصيرهم .

أنتَ مثلهم.بل أنتَ الشبيه المطلق لهم ؛وأنتَ النفس الأبدية التي ظلت تُعد للمعارك والفتوحات وهي في الكهف ..فنسيت نفسها حتى الآن .

شعرتُ برغبة روحانية في البكاء مثلكم .عدتُ وجلستُ بالقرب منها ثم دفنتُ رأسي بسرعة في حضنها ..بل في ثدييها اللذين رضعتُ منهما عامين كاملين ..وشرعتُ في البكاء ..بكيتُ دموعا تتقطر حارة تساوي ما شربتُه حليبا ..بكيتُ يا محمد القدر الذي يغسل مصيرنا.

ـ قالت لي : يكفي ما بكيتَ..قم والعب الآن ولا تنس أن تحفظ معجم الموسيقى ؟

ـ أي معجم يا أمي ؟
ـ لا تلتفت كثيرا ، وارحل فالطريق طويل إلى نفسك .. هناك تجد جلودك ونعالك القديمة في الكهوف التي رهنها الله لك َ.ستجدُ الأغاني التي رسمتْ روحك عاليا ..هناك دائما.


· يا أمي :ليتني كنتُ…


علمتني أمي الحكي من خلال معجمها النهاري الذي كله أمثلة وحِكم تفسر التدبير اليومي للحياة داخل البيت ؛ وبالليل تروي لنا عن والدي مما سمعته من عماتي ونساء كثيرات وصلن إلى أخباره –فهو متكتم لا يروي شيئا عن نفسه – كما تروي لنا عن والدها الحاج راعا وسلالته الربانية ورحلاتهم المعراجية من ربوات الساقية الحمراء إلى دمنات ثم سطات .أما الشق الآخر من الحكايات فهي حكايات تعود إلى المتخيل الأمازيغي والشاوي .

في الرابعة عشرة من عمري كنتُ قد استمعت إلى كل حكاياتها وامتلأتُ بها ، فالتجأت إلى قراءة ألف ليلة وليلة ومؤلفات قصصية متداولة .وفي نفس السنة بدأتُ أجربُ الحكي ليلا لأخوتي مما سمعته من أمي ومما قرأتُ ومن خيالي، مُحَرِّفا ومُضيفا حتى لا أروي لهم ما سمعوه حرفيا.. كأن أغيِّر في الأحداث، خصوصا النهايات التي كنت أجيد تمطيطها بالتشويق.


الآن أريد أن أكون ذلك الطفل الذي كنته في السادسة من عمري، نبي كامل بدون خطايا شعبه، خال من النوايا البشرية ؛صفحة بيضاء تكتب عليها أمي حكاياتها الجميلة ويوَقِّع عليها والدي .

أمي …أنا الآن أحمل في يدي اليمنى خبز الشعير وبعض الزبيب .أتوجه إلى الَمْسَيَّدْ عند سيدي وفقيهي مولاي أحمد ، الشيخ الوقور ، بوجهه المشع نورا وبركة .أتمنى الآن لو كان حيا لارتميتُ على يديه أقبلُهُما عمرا كاملا..فقيهي الأول الذي علمني القرآن الكريم على لوح خشبي طُليَ بالصلصال وكُتب بالسمق .

ليتني كنتُ الآن مكانه بجلبابي أجلس حيثُ جلس ؛أُعَلِّمُ الأطفال،على الحصير الأصفر ، ما علمني في نفس الألواح وبنفس الأقلام القصبية المبراة بأناة وفن، وأُبصرُأمامي نفسي في صورة طفل في السادسة من عمره ، لونه أسمر وعيناه جاحظتان بالدهشة ، فيهما غفلة البدو ونوايا ربانية ، وفي جزء جانبي ظليل- به كل الزخم الروحاني الذي حملته- تختبئ تدابيري الشيطانية لما نخرج أو نلعب أيام عطلنا نحمل فخاخنا وشِباكنا التقليدية المتربصة .

ما زلت حتى الآن مع أساتذتي ، وهم لا يشعرون ، أحس بنفس الإحساس أمامهم ..ذلك الطفل الذي يعتبرهم أولياء وأنبياء ومجاهدين ، يحملون العلم والوحي والمستقبل …مازلت أحفظ أسماءهم واحدا واحدا في شجرة روحي المورقة بمحبتهم من المسيد إلى مدرسة ابن تاشفين إلى ثانوية ابن عباد إلى جامعتي الدار البيضاء والرباط …كلما رأيتُ واحدا منهم يتحرك الحب في قلبي وروحي وينتابني شعور جليل واطمئنان سام.

يوميات غزة بدون موسيقى

إحساس مشترك وعام بأننا نعيش نكبة أعنف من تلك التي مرت علينا من قبل. وبالتأكيد ،ستبرز مفاهيم قوية تعبر عن واقعنا الجديد، تَجْرفُ كل الكلمات البائرة والتقييمات “المخدومة” بكل الأصباغ التي يُراد بها تزييف ما نحن فيه.ليس هناك تكرار ، وهي إحدى معجزات كوننا .هناك تطور يأخذ مُدَدا في اتجاهات ما وبوتيرة معينة ،ينتقل من مرحلة إلى أخرى.
توتر اجتماعي نتيجة الغلاء في عدد من أسعار المواد الأساسية رغم الانخفاض الهام في سعر البترول عالميا وتحقيق مداخيل هامة من مبيعات الفوسفاط الخام .أصبحت الحياة التي نعيشها مثل روايةبدون موسيقى ، مفتوحة يكتبها الجميع، لا قانون فيها سوى شرط وحيد يُلزم الجميع بألا حق لأحد في كتابة النهاية.. فهي متروكة للشخصيات .

ثلاثة أسابيع من الحرب على غزة كانت طويلة وبئيسة وغاضبة .ضربة وعي أخرى قاسية .

الأسبوع الأول : الكنايات الجريحة

في صبيحة يوم السبت 27 دسمبر ..الساعة تشير إلى الخامسة إلا ربعا .لبست جلبابي الصوفي وجواربي .أعدتُ الغطاء على الأطفال ، وكان الظلام ما يزال ثقيلا ورخِيا .غسلتُ وجهي وأطرافي بماء ساخن ،ثم هبطتُ إلى مكتبي .أشعلتُ المذياع ثم أطفأته لأُشعل الحاسوب ومن خلاله شغَّلتُ موقعا خاصا بالشيخ المقرئ عبد الباسط عبد الصمد .لدي رغبة منذ البارحة للاستماع إلى سورة يوسف بصوته الرخيم .

تمددتُ على الكنبة وتناولتُ ديوانا شعريا كنت قرأته في الصيف الماضي بعنوان “ما الذي يرى المرء حين يرى ؟” للشاعر يواخيم ساتوريوس.لم أشعر بالوقت ثم نهضت وتناولت رواية “امرأة النسيان ” لمحمد برادة والتي كنت قرأتها ثلاث مرات من قبل ..أما هذه المرة فعدتُ تحديدا إلى صفحات بعينها كنتُ تركتُ بها علامات مميزة ..وهي تربو عن الثلاثين صفحة متفرقة .

كان في نيتي هذا اليوم ، بعد تناول الفطور ، الاختلاء لكتابة يوميات شهر ديسمبر، وفي ذهني خطاطة عامة للبدء من ثلاثة أفكار فقط ، وهي عيد الأضحى وكيف قضيته ثم فاتح محرم وأخيرا الأمطار التي روت أرواحنا قبل الأرض. لا أعرف لماذا خطر ببالي أن أؤجل الكتابة إلى غاية يوم الثلاثاء بعد الزوال ،فلدي ثلاث ساعات قبل اللقاء بأصدقائي بمقهى الشاوية .وضعت القلم بل خبأته وجمعت الأوراق في ملف خاص بها ثم صعدت إلى الطابق الأول ،دخلت في الفراش . تمددت في كسل إلى غاية الثامنة تقريبا لأقوم على ضوء يوم جديد هو يوم عطلة .

في ذلك اليوم، وقبل أن أعلم بخبر قصف غزة جوا من طرف العدو الصهيوني ، تصفحتُ الجرائد المغربية ، وقد تضمنت أخبارا عادية وقصيرة عن الوضع الاجتماعي المقلق إلى جوار أخبار عدد من الفنانين والفنانات وأسرارهم الثمينة !بالإضافة إلى حوادث من قبيل فتاة تطعن خطيبها بسكين حادة .

مر الأسبوع الأول وقد توقفت عن القراءة والكتابة ، وصرت مدمنا على متابعة الأخبار في القنوات العربية والدولية في الصباح والظهيرة والمساء . وفيه استكملت إجراءات سُلفة بنكية كنت في أَمَس الحاجة إليها ، بعدما لم أشأ اللجوء إلى والدي أو غيره من أصدقائي أحسستُ بأن إسرائيل لا تضرب غزة فقط وإنما تقصف مليارا من المسلمين في كل بقاع العالم .غزة هي مجرد كناية تنوب عنا جميعا .

الأسبوع الثاني :همس النهار

كنتُ أقول لنفسي وأصدقائي بأنه علينا أن نبقى أقوياء ولا نستسلم لهذا الواقع ؛لذلك لم نؤجل أنشطتنا الثقافية التي تربطنا بغيرنا ، خصوصا وأننا من خلالها، نعبر عن تضامننا مع إخوتنا هناك بغزة . كما نعبر في المظاهرات التي شاركنا فيها بالدار البيضاء والرباط سعيتُ لحمل أي كتاب فلم أقدر، كما سعيت لحمل القلم والكتابة فلم أقدر أيضا وبقيتُ متابعا –على غير عادتي – للتحليلات والأخبار في كل القنوات الممكنة .

جرائد هذا الأسبوع مهتمة بزواج سري لفنانة شعبية مشهورة داخل المغرب وخارجه من رجل أعمال وبحضور بناتها وقد جعلتْ منه اليومية المغربية مادة أساسية في الصفحة الأولى بعدد من الصور ومقالة شغلت حيزا كبيرا .كما تواصل جرائد أخرى جمع عدد من الأخبار حول غزة والمجتمع والحوادث المتعلقة بالمخدرات والجنس والقتل والمطر، وصحف أخرى تقص أثر السادة الوزراء وتبحث في ملابسهم وجيوبهم وأفكارهم .

في هذا الأسبوع انطلقت منذ خامس يناير حملة تلقي طلبات التسجيل ونقل القيد في اللوائح الانتخابية الخاصة باستحقاقات شهر يونيو القادم .

الأسبوع الثالث :تقرير ونهاية

استمرت المظاهرات والأمطار والزيادات في الأسعار والخلافات القاتلة بين الأدباء .كما تستمر الصحافة الوطنية في نشر أحداث طريفة ومهمة عن راقصة مراكشية تقتل زوجها لأجل عيون عشيقها الثري ..فيما صفحات أخرى تُخبرُعن حوادث مماثلة مستقاة حرفيا من ملفات الشرطة القضائية ومن قاعات المحاكم .

قرأتُ مقالا طريفا في جرأته وهو في الحقيقة بيان أصدرته النقابة الوطنية للصحافة بالمغرب بالدار البيضاء عقب ندوة في موضوع “الرشوة والصحافة “، وهو يدق ناقوس الخطر حول آفة تفشي الرشوة بالجسم الصحفي المكتوب والسمعي البصري بالمغرب .
أما غزة فصامدة وسط كل هذا وذاك ووسط اجتماعات ضخمة وكثيرة للرؤساء والملوك والأمراء العرب ؛لكن إسرائيل تقرر توقيف حربها الغاشمة يوم سابع عشر يناير، بعد اثنين وعشرين يوما خلفت استشهاد أزيد من 1630 شهيد وإصابات لا تحصى في صفوف حوالي ستة آلاف مواطن فلسطيني .

وأنا جالس إلى جواره بالمقهى ، وكانت الأمطار قد بدأت تعاود الهطول، كأنما تذكر شيئا وقال لي بغضب وبصوت فيه تأنيب : لماذا لجأت إلى سلفة من البنك ؟ .أنكرتُ وأنا أتساءل عمن أخبره بالأمر؛ لكنه لم يصدقني وظل مُصرا على تأنيبي وقال لي كلاما أدركتُ معه إلى أي حد كان غاضبا مني.قال بأنه كان ينوي ألا يكلمني ، وكان علي أن أعود إليه لا إلى مؤسسة قادت العديد من زبنائها إلى مآزق حقيقية .

ورغم ذلك بقيت مُصرا على إنكاري .
 هل نكون مثل ما كنا ؟
انتهت الحرب لتستمر حروب أخرى ، وقد بقيت أياما أُخَر متوجسا قبل أن أعود إلى حياتي الطبيعية :
ـ متابعة أخبار الظهيرة أو المساء في القناة الثانية والأولى ؛ النوم في الظهيرة ؛الاطلاع على البريد الاليكتروني والرد على الرسائل كل يوم سبت فقط؛ مراقبة صندوق البريد بعد زوال كل يوم ثلاثاء ،حيث تصلني الرسائل والمجلات ؛ الاجتماع الرسمي بالأصدقاء كل يوم ثلاثاء ابتداء من الساعة السادسة .

***

هل نكون مثل ما كنا أم أن شيئا آخر انكسر فينا وتفتتَ .كل يوم نفقد حاسة وجزءا من ذاكرتنا .


لا بأس .دخلتُ في صراع مع مسؤولين محليين بإدارات عمومية بمدينة سطات لتورطهم في عمليات طلب رشاوى وبعدما أصبح صيتهما شائعا ؛وقد تعطلت مصالح العائلة لأني لم أشأ الدخول في هذا النفق ، فكتبت تحقيقا في هذا الشأن نشرته “الجريدة الأولى ” كما نُشر بصيغ مختلفة في صحف أخرى .

أحد الصحفيين الذي كنت أعرفه ويعمل بجريدة يومية في الصفحة الاجتماعية، حينما كلمته في شأن إعداد مادة إخبارية عن موضوع الرشوة بهاتين المؤسستين – بعدما قدمت له كل ما يثبت ذلك – قال لي شارحا، بتفصيل وجهة نظره :” نحن في العادة نريد أخبارا مثيرة ..أما ما تتحدث عنه فأمر عادي وشائع ولا يعتبر شيئا جديدا “.

قلت له :هل ستنجز المطلوب لفضح الفساد أو جزء منه على الأقل ..أم ستجرب خطابا قديما معي يخفي زلة فيك .أم تريد أن أكتب لك عن الموسيقى والمسرح والسهرات الأسبوعية ؟.

رد علي بأنه لن ينشره وكفى .وفهمت بدوري وضحكت وأنا أقول له بأنني لم أطلب منه أن ينشر لي خبرا في جريدة الباييس الاسبانية أوفي التايمز آبويا !!! . وفي نفس الأسبوع تتبعتُ الصفحة التي يشرف عليها وكنت أقرأها كاملة ففهمت لماذا ابتدأ ناقوس الخطر يدق ..
عدتُ إلى الكتابة في ما هو اجتماعي بأسماء مستعارة، كما خطرتْ لي فكرة كتابة رواية قصيرة جدا – وهو أمر يدخل في صميم عملي وحياتي –.أول شيء فكرت فيه اختيار موضوع حول شخصية مغربية شغلت منصب أول ناطق رسمي باسم الحكومة الخامسة والعشرون المسماة حكومة التناوب من 14 مارس 1998 إلى غاية شتنبر 2000 وفي مرحلة أخرى وزيرا للتعليم في الحكومة السابعة والعشرون من نونبر 2002 إلى يونيو 2004 ، ثم بعد خروجه من الحكومة تم تعيينه مباشرة في منصب مدير عام مؤسسة القرض العقاري والسياحي وهو منصب سامي أجره يتجاوز الخمسين مليون سنتيم شهريا .

وقد اخترت لهذا المحكي عنوان ” الأزلية ” انطلاقا من خطبه وتصريحاته إلى حواراته الأخيرة بسبب ما اتهم به من استغلال لمنصبه في تفويت عقارات مهمة بأثمنة بخسة .وأعترف أني كنت مشدودا إلى تصريحاته وخطبه العجيبة والتي كانت تأتي في قالب الأزلية (نسبة إلى سيف بن ذي يزن )؛كما كنت قد تتبعت سيرته لما كان ثوريا ليبيراليا وحداثيا في فرنسا وأثناء دخوله المغرب والتخطيط لمشروعه الكبير بالنقطة والفاصلة والذي أوصله إلى ما هو فيه الآن .

حكاية واقعية جدا وطريفة لكن إشكالا وحيدا يمنعني من كتابتها

– الآن على الأقل- وهو كيف أكون موضوعيا في تخييل ما لا أستطيع التكتم فيه،كما أن عددا من أصدقائي القدامى ربما يفهمون أن “السرد” حول شخص منهم قد يُبلل آخرين .

لهذه الأسباب ومن أجلها تغاضيتُ عن الفكرة ،وقلت لماذا لا أفكر في موضوع غير واقعي بل سوريالي وخيالي مائة بالمائة درءا لكل تأويل مغرض ،خصوصا وان المشتغلين بالشأن السياسي بعد التحول الذي عاشوه كاملا أصبحت لديهم حساسية مفرطة من النقد ،وكل من ينتقدهم يعتبرونه إرهابيا ومشاركا في مؤامرة ذات أطراف متعددة .لهذا عدلت عن “استغلال” أزليات صاحبنا وما جرى له ولنا ، واتجهت إلى الموضوع التالي .

 رواية قصيرة جدا

الحكاية ببساطة تدور حول فرقة موسيقية مغربية ( وأعتقد الآن أنه لا أحد يمكنه أن يشير إلى بأصبعه).فرقة موسيقية مغربية ذات طاقم كبير أغلبهم من البُسطاء.. يحبون الطرب الجميل ، ويشتغلون بآلات بسيطة ويدوية تفي بالغرض .


والرواية تقتفي أثر الفرقة منذ الخمسينيات من القرن الماضي ، فترة ما قبل الاستقلال، حيث كانت تعمل على إعداد أناشيد وطنية حماسية بكلمات بسيطة وواضحة تبث في المواطنين روح المقاومة وإشاعة وعي تحرري .وفعلا ساهم هذا الفن النبيل بشكل كبير في هذا الانجاز إلى أن نال المغرب استقلاله، فبدأت طموحات عدد من الأعضاء في الإعداد لسمفونية حلم جميل ، بينما كان أعضاء آخرون لهم رأي آخر ،مما أشعل فتيل الصراعات التي أثرت على الكلمات والألحان ، ودفع بمايسترو كبير وأساسي ومنظر الفرقة إلى إعلان الانشقاق والتأسيس لفرقة موسيقية وطنية وشعبية إلى جانب فنانين كبار مما جعل السلطات الحاكمة تعتبرهم من الخارجين عن الطاعة .

مايسترو الفرقة الكبير، أصدر رفقة زملائه جريدة تعبر عن رؤاهم الفنية وفيها تحذير للفنانين من الأخطاء التي من الممكن أن تجعل الفن الجميل تجارة بائرة أو وسيلة للإثراء الشخصي.كانت الفرقة بأعضائها الأساسيين أو بالمنخرطين والمتعاطفين مع أغانيها من البسطاء يعيشون على القليل ويسكنون في بيوت ضيقة ويتقاسمون ما يملكون يربطهم الحب والتضامن ..ورغم ذلك كان المايسترو الكبير يقول لهم :”لسنا ملائكة في زمن تولد فيه الشياطين من أجل الضجيج وتدمير اللحن الروحي “. وقد عبَّرَ عن مجمل أفكاره في نشيد خالد اختاره أن يكون ثوريا .

واصلت الفرقة تأليف كلمات ثورية بألحان صادقة ألهبت الوجدان الشعبي مما جعل السلطات الحاكمة تطارد أعضاءها بالاعتقال والنفي والتضييق ولما لم تستطع اجتثاثهم قتلت- في الستينيات- المايسترو كما قتلت غيره من الفنانين والمبدعين وتعرض الباقون لكل أنواع التعذيب والتنكيل والفرقة للحظر.ورغم ذلك كان حب المغاربة للفرقة يتنامى بشكل أرعب أعداء الفن وانتشرت الأناشيد الخالدة التي بللت عطش البسطاء وروت أحلامهم بغد جميل حقيقي غير مزيف.

بعد سنوات أخرى، أقدم أعداء هذا الفن على اغتيال مايسترو كبير آخر دون أن يجف النهر أو ييأس الناس .كما استمرت الفرقة وسط هذه الظروف في تألقها بإمكانيات بسيطة، وهي تتجذر وتتسع في مسيرة ملحمية نادرة في عالم الفن العربي .

ـ دخول الهجيج وبداية التهرنين:

 والهجيج هم قلة من الانتهازيين الذين دخلوا الفرقة الموسيقية في لحظة رخاء سياسي وأوهموا الجميع بأنهم يدافعون عن الحداثة وتطوير الفن بآلات جديدة .ومن هنا ابتدأت الأمور تتحول شيئا فشيئا ، وبدأوا يشكلون تيارا يتقوى في ظل الخلافات على الكلمات أو الألحان.ولعل حدثا طرأ في بداية الثمانينات، طُرد خلاله موسيقيون من الفرقة كان لحظة الخطر الأولى التي ستظل جرحا مؤلما ورغم ذلك بقي عدد من الأوفياء في الفرقة يصارعون بأناشيد صادقة دون استسلام إلى ما يتهددهم من ضربات من داخل المجموعة ومن خارجها .

بروز تيارات ترعرعت في لحظات مرض ،فشرعت تطالب بأناشيد غريبة مصحوبة بالرقص وقلة الحياء مبررين ذلك بأنها الموضة التي يرضى عنها الحاكمون .. وقد اشتد الدفاع عن هذه القيم في التسعينيات من القرن الماضي ، كما برزت ظاهرة غريبة تسمى بالحريك إلى مدينة الرباط ، إذ فَر عدد من الموسيقيين من الفرقة إلى العاصمة وسكنوا إلى جوار دار المخزن ، كما سكن البعض بجوار الإسطبلات لأداء مهمة النفخ بالمزامير أو بالصفير للخيول أثناء ورودها اليومي . واستكمالا لسد كل الثغرات دفعوا بنسائهم إلى مصاحبة نساء الدار والجنرالات والمستشارات وباتوا يلجون الفنادق الكبرى ويحضرون أعياد الميلاد وغيرها ويرتدون الجلابيب والشواشي الحمراء ويحجون إلى مسجد أهل فاس كل جمعة ويسهرون في قصارة محمية يوم السبت .

إنهم في كل هذا، ينتظرون من يذكرهم في اجتماعات ومجالس دار المخزن ـ وقد بات حلم الدخول إليها مطلبا مستعجلاـ فالذكر بكلمة طيبة تُيَسِّر لهم كل عُسر ويمنحهم شرف خدمة هذا الشعب مع متمنياتهم أن يصبح الواحد منهم قونصوا(قنصلا أو سفيرا) أو رئيس جوق محلي أو جهوي ، ولم لا وزيرا منتدبا أو وزيرا أولا إذا كان العطف كاملا مكمولا .

كل هذا كان في سياق التمهيد لكي تصبح الفرقة الموسيقية مُهيأة للمرحلة التالية ، وهو الفصل الأخير من هذه الحكاية العجيبة والتي أسميتها رواية قصيرة جدا. وقد تحول العديد منهم إلى مستشارين لجنرالات وأسياد وتحول البعض الآخر إلى مخبرين يخبرون ويؤدون وظائف كانت تهدم الفن الجميل.

ـ الفصل الأخير ويبدأ بيوم ربعطاش في نهاية القرن الماضي ، والذي صادف يوم 14 مارس ( وقد يصادف أيضا أي حدث آخر ) وقع شيء أصبح عقدة ذنب لا أحد يريد الاعتراف بها ،إنه اليوم الذي وقَّعت فيه الفرقة الموسيقية مع الدولة المغربية على الاندماج التدريجي ضمن صفوفها بحيث أصبحت جوقا وطنيا تابعا ، وأصبح لأعضائها الأساسيين من مسيري الفرقة أجر معلوم ونفقة جارية بالإضافة إلى أجر الساعات الإضافية ومنحة المردودية والوفاء والاعتراف، فضلا عن امتيازات أخرى من قبيل امتلاك رخص سيارات أجرة وحافلات وبواخر وأراضي الدولة .

مهمة الجوق الموسيقي الوطني ( وهو الاسم الفعلي الذي أصبح للفرقة )تكمن في كونه يؤدي – تأليفا وتلحينا وأداء – أغان وأناشيد تحت الطلب و منذ ذلك التاريخ صار مسؤولا عن الطرب والتطريب بمواصفات جديدة، فكان أن جهزت الفرقة أغاني “وطنية ” وأخرى في المديح ورغم ذلك لم يشأ أحد أن يصدق أن فرقتهم التي كتبتْ أناشيدها –من قبل- بالدم قد دخلت مرحلة الغناء بالجلابيب الثقيلة والشواشي الحمراء ( هو شكل من اللباس يعيق الحركة والجذبة ) وسيتأكد هذا في النشيد السادس لما طردت الفرقة كل المتآمرين على مستقبلها الجديد ، وكل الرافضين للتوجه الاندماجي والحداثي.

ها قد أصبح أعضاؤها في هذا الفصل هرمين ،تعودوا على أكل اغريبة وكعوب الغزال والشهيوات وعلى حياة النعمة ،فسكنوا الفيلات الواسعة جدا وملكوا الأملاك والحور العين والوِلْدان التائبون والبواخر والعلاقات وشربوا شرابا طيبا وباتت أناشيدهم رطبة عادية تنزلق عليها الأحلام .أناشيد هي “تْهَرْنين” لم يسمع به أحد من قبل .كما أصبح عدد من أفراد الفرقة يؤدون سهرات خصوصية بأثمنة باهظة .

مسؤوليات جديدة ستعرفها الفرقة خصوصا حينما صدر مرسوم يحول الجوق إلى فرقة مسرحية تهتم بإنشاء مسرحيات غنائية في حلقات، فأعدت بالمناسبة للشعب المغربي المسكين مسرحيات عجيبة وأخرى غريبة أشبعت المتفرجين ضحكا حتى انه تم تسجيل حالات وفيات من الضحك وكَثُر ظهور الفتق في البطون وساد عجب كبير لا تحصيه مؤلفات .وعم الرخاء على الفرقة التي كلما أحست بخطر يتهدد مواقعها الجديدة في الفن المغربي تدندن بصوت خفيض ببعض الأناشيد القديمة ، قبل أن تعود لتغني ، بصوت عال ، أغاني العهد الجيد الذي رسمته ومثلته بارتجال.

***

قررتُ- أنا المؤلف- أن تبقى خاتمة ،هذه الرواية القصيرة جدا، مفتوحة لم أترك للشخصيات فرصة الختم بل أعطيت الكلمة لشاب قال لهم في لحظة كانوا يدندنون فيها بنعيم المرحلة:
 

يا أهل الفرقة ..الشعب المغربي المحب للفن العظيم المطهر للروح والحياة يقول انكم خنتم الأمانة وأوجدتم نظرية متكاملة لتبرير كل شئ.
قاعو بنشيد جديد خصوا به المرحلة :أنت شيوعي أو اشتراكي قديم حقود تريدنا أن نعود إلى الفقر والسجن والبندير البالي .لن نتخلى عن عهدنا الجديد آبنادم أسمع أنت واللي معاك ، لن نتخلى عن العهد الجديد .

***

في اجتماع مجلس الحكومة المغربية يوم ثامن يناير برئاسة السيد الوزير الأول ، تدارس المجلس خمسة مشاريع مراسيم يتعلق الأول منها بوقف استيفاء رسم الاستيراد المفروض على بذور البطاطس والرابع بمنح إعانات مالية لدعم الأغنية المغربية.


– إلى ماذا ترمي من كل هذا ..تتحدث عن حكايات والدتك ورواية محمد برادة ثم تكتب رواية قصيرة جدا عن مسار فرقة موسيقية من المغرب ؟

– أرمي إلى ما أرمي لا يهم .هل سيغير هذا من شيء الآن .لذلك يهُمني أن أقول بأن رغبتي جامحة كي أحمل بين يدي قوس الأموي وأنا مرفوع الرأس أسير غير خائف أو متردد ..أقول ما أريد .