كتاب الزكاة


                                                                                            صحيح مسلم

 

كتاب الزكاة

‏[‏ش ‏(‏الزكاة‏)‏ هي في اللغة النماء والتطهير‏.‏ فالمال ينمو بها من حيث لا يري‏.‏ وهي مطهرة لمؤديها من الذنوب‏.‏ وقيل‏:‏ لينمو أجرها عند الله تعالى‏.‏ وسميت في الشرع زكاة، لوجود المعنى اللغوي فيها‏.‏ وقيل‏:‏ لأنها تزكي صاحبها ونشهد بصحة إيمانه‏]‏‏.‏
1 – ‏(‏979‏)‏ وحدثني عمرو بن محمد بن بكير الناقد‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة‏.‏ قال‏:‏ سألت عمرو بن يحيى بن عمارة‏.‏ فأخبرني عن أبيه، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة‏.‏ ولا فيما دون خمس ذود صدقة‏.‏ ولا فيما دون خمس أواقي صدقة ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أوسق‏)‏ الأوسق جمع وسق‏.‏ وفيه لغتان‏:‏ فتح الواو، وهو المشهور، وكسرها‏.‏ وأصلها في اللغة الحمل‏.‏ والمراد بالوسق ستون صاعا‏.‏ كل صاع خمسة أرطال وثلث بالبغدادي‏.‏ وفي رطل بغداد أقوال‏:‏ أشهرها إنه مائة درهم وثمانية وعشرون درهما وأربعة أسباع درهم‏.‏ وقيل‏:‏ مائة وثمانية وعشرون، بلا أسباع‏.‏ وقيل‏:‏ مائة وثلاثون‏.‏ فالأوسق الخمسة ألف وستمائة رطل بالبغدادي‏.‏ وأصح الأقوال إن هذا التقدير بالأرطال تقريب‏.‏ ‏(‏ولا فيما دون خمس ذود‏)‏ الرواية المشهورة خمس ذود‏.‏ بإضافة ذود إلى خمس‏.‏ وروى بتنوين خمس ‏.‏ويكون ذود بدلا منه قال أهل اللغة‏:‏ الذود من الثلاثة إلى العشرة، لا واحد له من لفظه‏.‏ إنما يقال في الواحد‏:‏ بعير‏.‏ وكذلك النفر والرهط والقوم والنساء‏.‏ وأشباه هذه الألفاظ لا واحد لها من لفظها‏.‏ قالوا وقوله‏:‏ خمس ذود كقوله خمسة أبعرة وخمسة جمال وخمس نوق وخمس نسوة‏.‏ قال سيبويه‏:‏ تقول ثلاث ذود‏.‏ لأن الذود مؤنث، وليس باسم كسر عليه مذكره‏.‏ قال أبو حاتم السجستاني‏:‏ تركوا القياس في الجمع فقالوا‏:‏ خمس ذود لخمس من الإبل وثلاث ذود لثلاث من الإبل وأربع ذود وعشر ذود على غير قياس‏.‏ ‏(‏ولا فيما دون خمس أواقي صدقة‏)‏ هكذا وقع في الرواية الأولى‏:‏ أواقي، بالياء‏.‏ وفي باقي الروايات بعدها‏:‏ أواق، بحذف الياء‏.‏ وكلاهما صحيح قال أهل اللغة‏:‏ الأوقية، بضم الهمزة وتشديد الياء، وجمعها أواقي بتشديد الياء وتخفيفها، وأواق بحذفها‏.‏ وأجمع أهل الحديث والفقه وأئمة اللغة على أن الأوقية الشرعية أربعون درهما‏.‏ وهي أوقية الحجاز‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ ولا يصح أن تكون الأوقية والدراهم مجهولة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم وهو يوجب الزكاة في أعداد منها‏.‏ ويقع بها البياعات والأنكحة‏.‏ كما ثبت بالأحاديث الصحيحة‏]‏‏.‏
2 – ‏(‏979‏)‏ وحدثنا محمد بن رمح بن المهاجر‏.‏ أخبرنا الليث‏.‏ ح وحدثني عمرو الناقد‏.‏ حدثنا عبدالله بن إدريس‏.‏ كلاهما عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن يحيى، بهذا الإسناد، مثله‏.‏
‏(‏979‏)‏ وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني عمرو بن يحيى بن عمارة عن أبيه، يحيى بن عمارة ؛ قال‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدري يقول‏:‏
سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏.‏ وأشار النبي صلى الله عليه وسلم بكفه بخمس أصابعه‏.‏ ثم ذكر بمثل حديث ابن عيينة‏.‏
3 – ‏(‏979‏)‏ وحدثني أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري‏.‏ حدثنا بشر ‏(‏يعني ابن مفضل‏)‏ حدثنا عمارة بن غزية عن يحيى بن عمارة ؛ قال‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدري يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ليس فيما دون خمسة أوسق صدقة‏.‏ وليس فيما دون خمس ذود صدقة‏.‏ وليس فيما دون خمس أواق صدقة‏”‏‏.‏
4 – ‏(‏979‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وزههير بن حرب‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا وكيع عن سفيان، عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى بن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ ليس فيما دون خمسة أو ساق من تمر ولا حب صدقة ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ولا فيما دون خمسة أو ساق‏)‏ هكذا هو في الأصول‏:‏ خمسة أو ساق‏.‏ وهو صحيح‏.‏ جمع وسق، بكسر الواو، كحمل وأحمال‏]‏‏.‏
5 – ‏(‏979‏)‏ وحدثنا إسحاق بن منصور‏.‏ أخبرنا عبدالرحمن ‏(‏يعني ابن مهدي‏)‏ حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية، عن محمد بن يحيى ابن حبان، عن يحيى بن عمارة، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ ليس في حب ولا تمر صدقة‏.‏ حتى يبلغ خمسة أوسق‏.‏ ولا فيما دون خمس ذود صدقة‏.‏ ولا فيما دون خمس أواق صدقة ‏”‏‏.‏
‏(‏979‏)‏ وحدثني عبد بن حميد‏.‏ حدثنا يحيى بن آدم‏.‏ حدثنا سفيان الثوري عن إسماعيل بن أمية، بهذا الإسناد، مثل حديث ابن مهدي‏.‏
‏(‏979‏)‏ وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا الثورى ومعمر عن اسماعيل بن أمية، بهذا الإسناد، مثل حديث ابن مهدي ويحيى بن آدم‏.‏ غير أنه قال‏:‏ ‏(‏بدل التمر‏)‏ ثمر‏.‏
6 – ‏(‏980‏)‏ حدثنا هارون بن معروف وهارون بن سعيد الأيلي‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عياض بن عبدالله عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال‏:‏
‏”‏ليس فيما دون خمس أواق من الورق صدقة‏.‏ وليس فيما دون خمس ذود من الإبل صدقة‏.‏ وليس فيما دون خمسة أوسق من التمر صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من الورق‏)‏ قال أهل اللغة، يقال ورق وورق بكسر الراء وإسكانها‏.‏ والمراد به، هنا، الفضة كلها‏.‏ مضروبها وغيره‏.‏ واختلف أهل اللغة في أصله‏.‏ فقيل‏:‏ يطلق، في الأصل، على جميع الفضة‏.‏ وقيل‏:‏ هو حقيقة للمضروب دراهم، ولا يطلق على غير الدراهم إلا مجازا‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏1‏)‏ باب ما فيه العشر أو نصف العشر
7 – ‏(‏981‏)‏ حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبدالله بن عمرو بن سرح، وهارون بن سعيد الأيلي، وعمرو بن سواد والوليد ابن شجاع‏.‏ كلهم عن ابن وهب‏.‏ قال أبو الطاهر‏:‏ أخبرنا عبدالله ابن وهب عن عمرو بن الحارث ؛ أن أبا الزبير حدثه ؛ أنه سمع جابر بن عبدالله يذكر ؛ أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏فيما سقت الأنهار والغيم العشور‏.‏ وفيما سقى بالسانية نصف العشر‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فيما سقت الأنهار والغيم العشور‏)‏ ضبطناه العشور، بضم العين، جمع عشر‏.‏ والغيم هو المطر‏.‏ ‏(‏وفيما سقى بالسانية‏)‏ السانية هو البعير الذي يستقى به الماء من البئر‏.‏ ويقال له‏:‏ الناضح‏.‏ يقال منه‏:‏ سنا يسنو سنوا، إذا استقى به‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏2‏)‏ باب لا زكاة على المسلم في عبده وفرسه
8 – ‏(‏982‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال‏:‏ قرأت على مالك عن عبدالله بن دينار، عن سليمان بن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة ‏”‏‏.‏
9 – ‏(‏982‏)‏ وحدثني عمرو الناقد وزهير بن حرب‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة‏.‏ حدثنا أيوب بن موسى عن مكحول، عن سليمان ابن يسار، عن عراك بن مالك، عن أبي هريرة، ‏(‏قال عمرو‏)‏‏:‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏وقال زهير‏:‏ يبلغ به‏)‏‏:‏
‏”‏ليس على المسلم في عبده ولا فرسه صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يبلغ به‏)‏ يعني يرفعه إليه صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏
‏(‏982‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا سليمان بن بلال‏.‏ ح وحدثنا قتيبة‏.‏ حدثنا حماد بن زيد‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا حاتم بن اسماعيل‏.‏ كلهم عن خثيم بن عراك بن مالك، عن أبيه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثله‏.‏
10 – ‏(‏982‏)‏ وحدثني أبو الطاهر وهارون بن سعيد الأيلي وأحمد بن عيسى‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني مخرمة عن أبيه، عن عراك بن مالك‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا هريرة يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ليس في العبد صدقة إلا صدقة الفطر‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏إلا صدقة الفطر‏)‏ بالرفع على البدلية، وبالنصب على الاستثنائية‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏3‏)‏ باب في تقديم الزكاة ومنعها‏.‏
11 – ‏(‏983‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا علي بن حفص‏.‏ حدثنا ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏
بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم عمر على الصدقة‏.‏ فقيل‏:‏ منع ابن جميل وخالد بن الوليد والعباس عم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله‏.‏ وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا‏.‏ قد احتبس أدراعه وأعتاده في سبيل الله‏.‏ وأما العباس فهي على‏.‏ ومثلها معها‏”‏‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏يا عمر ‏!‏ أما شعرت أن عم الرجل صنوا أبيه ‏؟‏ ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏منع ابن جميل‏)‏ أي منع الزكاة وامتنع من دفعها‏.‏ ‏(‏ما ينقم ابن جميل إلا أنه كان فقيرا فأغناه الله‏)‏ يعني ما يغضب ابن جميل على طالب الصدقة إلا كفران هذه النعمة وهي أنه كان فقيرا فأغناه الله‏.‏ ‏(‏وأما خالد فإنكم تظلمون خالدا الخ‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الأعتاد آلات الحرب من السلاح والدواب وغيرها‏.‏ والواحد عتاد‏.‏ ويجمع أعتاد وأعتدة‏.‏ وقيل‏:‏ إن أعتاد جمع عتد‏.‏ أما عتاد فجمعه أعتدة‏.‏ ومعنى الحديث‏:‏ أنهم طلبوا من خالد زكاة أعتاده‏.‏ ظنا منهم أنها للتجارة‏.‏ وأن الزكاة فيها واجبة‏.‏ فقال لهم‏:‏ لا زكاة لكم على‏.‏ فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إن خالدا منع الزكاة‏.‏ فقال لهم‏:‏ إنكم تظلمونه لأنه حبسها ووقفها في سبيل الله، قبل الحول عليها، فلا زكاة فيها‏.‏ ‏(‏قد احتبس‏)‏ يقال‏:‏ حبسه واحتبسه إذا وقفه‏.‏ ويقال للوقف‏:‏ حبيس‏.‏ ‏(‏وأما العباس فهي على ومثلها معها‏)‏ معناه أني تسلفت منه زكاة عامين‏.‏ ‏(‏أما شعرت أن عم الرجل صنوا أبيه‏)‏ أي مثله ونظيره‏.‏ يعني أنهما من أصل واحد‏.‏ يقال لنخلتين طلعتا من عرق واحد‏:‏ صنوان‏.‏ ولأحدهما‏:‏ صنو‏.‏ ويكون جمعه على صورة مثناه المرفوع‏.‏ ويتميزان بالإعراب‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏4‏)‏ باب زكاة الفطر على المسلمين من التمر والشعير‏.‏
12 – ‏(‏984‏)‏ حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب وقتيبة بن سعيد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا مالك‏.‏ ح وحدثنا يحيى بن يحيى ‏(‏واللفظ له‏)‏ قال‏:‏
قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على الناس‏.‏ صاعا من تمر‏.‏ أو صاعا من شعير‏.‏ على كل حر أو عبد‏.‏ ذكر أو أنثى‏.‏ من المسلمين‏.‏
13 – ‏(‏984‏)‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ‏(‏واللفظ له‏)‏ قال‏:‏ حدثنا عبدالله بن نمير وأبو أسامة عن عبيدالله، عن نافع، عن ابن عمر ؛ قال‏:‏
فرض رسول الله صلى الله عليه وسلم زكاة الفطر صاعا من تمر‏.‏ أو صاعا من شعير‏.‏ على كل عبد أو حر‏.‏ صغير أو كبير‏.‏
14 – ‏(‏984‏)‏ وحدثني يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا يزيد بن زيع عن أيوب، عن نافع، عن ابن عمر ؛ قال‏:‏
فرض النبي صلى الله عليه وسلم صدقة رمضان على الحر والعبد، والذكر والأنثى، صاعا من تمر ؛ أو صاعا من شعير‏.‏ قال‏:‏ فعدل الناس به نصف صاع من بر‏.‏
15 – ‏(‏984‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رمح‏.‏ أخبرنا الليث عن نافع ؛ أن عبدالله بن عمر قال‏:‏
إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر‏.‏ صاع من تمر أو صاع من شعير‏.‏ قال ابن عمر‏:‏ فجعل الناس عدله مدين من حنطة‏.‏
‏[‏ش ‏(‏عدله‏)‏ أي مثله ونظيره‏.‏ قال في المصباح‏:‏ وعدل الشيء، بالكسر، مثله من جنسه أو مقداره‏.‏ وعدله، بالفتح، ما يقوم مقامه من غير جنسه‏]‏‏.‏
16 – ‏(‏984‏)‏ وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا ابن أبي فديك‏.‏ أخبرنا الضحاك عن نافع، عن عبدالله بن عمر؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم فرض زكاة الفطر من رمضان على كل نفس من المسلمين، حر أو عبد‏.‏ أو رجل أو امرأة‏.‏ صغير أو كبير‏.‏ صاعا من تمر أو صاعا من شعير‏.‏
17 – ‏(‏985‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن زيد بن أسلم، عن عياض بن عبدالله بن سعد بن أبي سرح ؛ أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول‏:‏
كنا نخرج زكاة الفطر صاعا من طعام، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من أقط، أو صاعا من زبيب‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أقط‏)‏ الأقط هو الكشك‏.‏ وهو اللبن المتحجر مثل الجبن‏]‏‏.‏
18 – ‏(‏985‏)‏ حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب‏.‏ حدثنا داود ‏(‏يعني ابن قيس‏)‏ عن عياض بن عبدالله، عن أبي سعيد الخدري ؛ قال‏:‏
كنا نخرج، إذ كان فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم، زكاة الفطر عن كل صغير وكبير‏.‏ حر أو مملوك‏.‏ صاعا من طعام، أو صاعا من أقط، أو صاعا من شعير، أو صاعا من تمر، أو صاعا من زبيب‏.‏ فلم نزل نخرجه حتى قدم علينا معاوية بن أبي سفيان حاجا، أو معتمرا‏.‏ فكلم الناس على المنبر‏.‏ فكان فيما كلم به الناس أن قال‏:‏ إني أرى أن مدين من سمراء الشام تعدل صاعا من تمر‏.‏ فأخذ الناس بذلك‏.‏
قال أبو سعيد‏:‏ فأما أنا فلا أزال أخرجه، كما كنت أخرجه أبدا، ما عشت‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أن مدين من سمراء الشام‏)‏ المدان تثنية مد، وهو ربع الصاع‏.‏ فالمدان نصفه‏.‏ والمراد بالسمراء الحنطة‏.‏ أي أن نصف الصاع منها يعدل صاعا من تمر‏.‏ أي يساويه في الأجزاء‏]‏‏.‏
19 – ‏(‏985‏)‏ حدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق عن معمر، عن إسماعيل بن أمية‏.‏ قال‏:‏ أخبرني عياض بن عبدالله بن سعد ابن أبي سرح ؛ أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول‏:‏
كنا نخرج زكاة الفطر، ورسول الله صلى الله عليه وسلم فينا، عن كل صغير وكبير‏.‏ حر ومملوك‏.‏ من ثلاثة أصناف‏:‏ صاعا من تمر‏.‏ صاعا من أقط‏.‏ صاعا من شعير‏.‏ فلم نزل نخرجه كذلك حتى كان معاوية‏.‏ فرأى أن مدين من بر تعدل صاعا من تمر‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ فأما أنا فلا أزال أخرجه كذلك‏.‏
20 – ‏(‏985‏)‏ وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج عن الحارث بن عبدالرحمن بن أبي ذباب، عن عياض ابن عبدالله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري ؛ قال‏:‏
كنا نخرج زكاة الفطر من ثلاثة أصناف‏:‏ الأقط، والتمر، والشعير‏.‏
21 – ‏(‏985‏)‏ وحدثني عمرو الناقد‏.‏ حدثنا حاتم بن إسماعيل عن ابن عجلان، عن عياض بن عبدالله بن أبي سرح، عن أبي سعيد الخدري؛
أن معاوية، لما جعل نصف الصاع من الحنطة عدل صاع من تمر، أنكر ذلك أبو سعيد‏.‏ وقال‏:‏ لا أخرج فيها إلا الذي كنت أخرج في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ صاعا من تمر أو صاعا من زبيب أو صاعا من شعير أو صاعا من أقط‏.‏
*3* ‏(‏5‏)‏ باب الأمر بإخراج زكاة الفطر قبل الصلاة
22 – ‏(‏986‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا أبو خيثمة عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بزكاة الفطر، أن تؤدى، قبل خروج الناس إلى الصلاة‏.‏
23 – ‏(‏986‏)‏ حدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا ابن أبي فديك‏.‏ أخبرنا الضحاك عن نافع، عن عبدالله بن عمر؛
أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمر بإخراج زكاة الفطر أن تؤدى، قبل خروج الناس إلى الصلاة‏.‏
*3* ‏(‏6‏)‏ باب إثم مانع الزكاة
24 – ‏(‏987‏)‏ وحدثني سويد بن سعيد‏.‏ حدثنا حفص ‏(‏يعني ابن ميسرة الصنعاني‏)‏ عن زيد بن أسلم ؛ أن أبا صالح ذكوان أخبره ؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ ما من صاحب ذهب ولا فضة، لا يؤدي منها حقها، إلا إذا كان يوم القيامة، صفحت له صفائح من نار، فأحمي عليها في نار جهنم‏.‏ فيكوى بها جنبه وجبينه وظهره‏.‏ كلما بردت أعيدت له‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ حتى يقضى بين العباد‏.‏ فيرى سبيله‏.‏ إما إلى الجنة وإما إلى النار‏”‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ فالإبل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏ولا صاحب إبل لا يؤدي منها حقها‏.‏ ومن حقها حلبها يوم وردها‏.‏ إلا إذا كان يوم القيامة‏.‏ بطح لها بقاع قرقر‏.‏ أو فر ما كانت‏.‏ لا يفقد منها فصيلا واحدا‏.‏ تطؤه بأخفافا وتعضه بأفواهها‏.‏ كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ حتى يقضى بين العباد‏.‏ فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏”‏‏.‏ قيل يا رسول الله ‏!‏ فالبقر والغنم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏ولا صاحب بقر ولا غنم يؤدي منها حقها‏.‏ إلا إذا كان يوم القيامة بطح لها بقاع قرقر‏.‏ لا يفقد منها شيئا‏.‏ ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها‏.‏ كلما مر عليه أولادها رد عليه أخراها‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ حتى يقضى بين العباد‏.‏ فيرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏”‏‏.‏ قيل يا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏!‏ فالخيل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏الخيل ثلاثة‏:‏ هي لرجل وزر‏.‏ وهي لرجل ستر‏.‏ وهي لرجل أجر‏.‏ فأما التي هي له وزر، فرجل ربطها رياء و فخرا و نواء على أهل الإسلام فهي له وزر‏.‏ وأما التي هي له ستر‏.‏ فرجل ربطها في سبيل الله‏.‏ ثم لم ينسى حق الله في ظهورها ولا رقابها‏.‏ فهي له ستر‏.‏ وأما التي هي له أجر‏.‏ فرجل ربطها في سبيل الله لأهل الإسلام‏.‏ في مرج وروضة، فما أكلت من ذلك المرج أو الروضة من شيء‏.‏ إلا كتب له، عدد ما أكلت، حسنات، وكتب له، عدد أرواثها وأبوالها، حسنات‏.‏ ولا تقطع طولها فاستنت شرفا أو شرفين إلا كتب الله له، عدد آثارها وأرواثها، حسنات‏.‏ ولا مر بها صاحبها على نهر فشربت منه ولا يريد أن يسقيها، إلا كتب الله له، عدد ما شربت، حسنات‏”‏‏.‏ قيل‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ فالحمر ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏ما أنزل علي في الحمر شيء إلا هذه الآية الفاذة الجامعة‏:‏ ‏{‏ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شر يره ‏}‏‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏لا يؤدي منها حقها‏)‏ قد جاء الحديث على وفق التنزيل‏:‏ والذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله‏.‏ الآية‏.‏ فاكتفى ببيان صاحب الفضة عن بيان حال صاحب الذهب‏.‏ لأن الفضة، مع كونها أقرب مرجع للضمير أكثر تداولا في المعاملات من الذهب‏.‏ ولذا اكتفى بها‏.‏ ‏(‏صفحت له صفائح‏)‏ الصفائح جمع صفيحة‏.‏ وهي العريضة من الحديد وغيره‏.‏ أي جعلت كنوزه الذهبية والفضية كأمثال الألواح‏.‏ ‏(‏من نار‏)‏ يعني كأنها نار‏.‏ لا أنها نار‏.‏ ‏(‏كلما بردت‏)‏ هكذا هو في بعض النسخ‏:‏ بردت، بالباء‏.‏ وفي بعضها‏:‏ ردت‏.‏ وذكر القاضي الروايتين‏.‏ وقال‏:‏ الأولى هي الصواب‏.‏ قال‏:‏ والثانية رواية الجمهور‏.‏ ‏(‏فيرى سبيله‏)‏ ضبطناه بضم الياء وفتحها‏.‏ وبرفع لام سبيله، ونصبها‏.‏ ويكون يرى، بالضم، من الإراءة‏.‏ وفيه إشارة إلى أنه مسلوب الاختيار يومئذ، مقهور لا يقدر أن يذهب حتى يعين له أحد السبيلين‏.‏ ‏(‏حلبها‏)‏ هو بفتح اللام، على اللغة المشهورة‏.‏ وحكى إسكانها، وهو غريب ضعيف، وإن كان هو القياس‏.‏ ‏(‏بطح لها بقاع قرقر‏)‏ بطح، قال جماعة‏:‏ معناه ألقي على وجهه‏.‏ وقال القاضي‏:‏ ليس من شرط البطح كونه على الوجه، وإنما هو في اللغة بمعنى البسط والمد‏.‏ فقد يكون على وجهه وقد يكون على ظهره‏.‏ ومنه سميت بطحاء مكة لانبساطها‏.‏ والقاع المستوي الواسع من الأرض، يعلوه ماء السماء فيمسكه‏.‏ قال الهروي‏:‏ وجمعه قيعة وقيعان‏.‏ مثل جار وجيرة وجيران‏.‏ والقرقر المستوي أيضا، من الأرض، الواسع‏.‏ ‏(‏كلما مر عليه أولاها رد عليه أخراها‏)‏ هكذا هو في جميع الأصول، في هذا الموضع‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ قالوا‏:‏ هو تغيير وتصحيف‏.‏ وصوابها ما جاء بعده في الحديث الآخر‏:‏ كلما رد عليه أولاها‏.‏ وبهذا ينتظم الكلام‏.‏ ‏(‏ليس فيها عقصاء ولا جلحاء ولا عضباء‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ العقصاء ملتوية القرنين‏.‏ والجلحاء التي لا قرن لها‏.‏ والعضباء التي انكسر قرنها الداخل‏.‏ ‏(‏تطؤه بأظلافها‏)‏ الأظلاف جمع ظلف‏.‏ وهو للبقر والغنم بمنزلة الحافر للفرس‏.‏ ‏(‏فأما التي هي له وزر‏)‏ هكذا هو في أكثر النسخ‏:‏ التي‏.‏ ووقع في بعضها‏:‏ الذي‏.‏ وهو أوضح وأظهر‏.‏ ‏(‏ونواء على أهل الإسلام‏)‏ أي ماوأة ومعاداة‏.‏ ‏(‏فرجل‏)‏ أي فخيل رجل ‏(‏ربطها في سبيل الله‏)‏ أي أعدها للجهاد‏.‏ وأصله من الرباط‏.‏ وهو حبس الرجل نفسه في الثغر، وإعداده الأهبة لذلك‏.‏ ‏(‏في مرج وروضة‏)‏ قال ابن الأثير‏:‏ المرج هو الأرض الواسعة، ذات نبات كثير، يمرج فيه الدواب، أي تسرح‏.‏ والروضة أخص من المرعى‏.‏ ‏(‏ولا تقطع طولها‏)‏ أي حبلها الطويل الذي شد أحد طرفيه في يد الفرس، والآخر في وتد أو غيره، لتدور فيه وترعى من جوانبها، ولا تذهب لوجهها‏.‏ قال النووي‏:‏ ويقال‏:‏ طيلها، بالياء‏.‏ وكذا جاء في الموطأ‏.‏ ‏(‏فاستنت شرفا أو شرفين‏)‏ معنى استنت جرت وعدت‏.‏ والشرف هو العالي من الأرض‏.‏ وقيل‏:‏ المراد هنا طلقا أو طلقين‏.‏ وقال ابن الأثير‏:‏ الشرف هو الشوط‏.‏ ‏(‏فالحمر‏)‏ جمع حمار‏.‏ أي فما حكمها‏.‏ ‏(‏ما أنزل علي في الحمر الخ‏)‏ معنى الفاذة القليلة النظير‏.‏ والجامعة أي العامة، المتناولة لكل خير ومعروف‏.‏ ومعنى الحديث‏:‏ لم ينزل علي فيها نص بعينها‏.‏ لكن نزلت هذه الآية العامة‏]‏‏.‏
25 – ‏(‏987‏)‏ وحدثني يونس بن عبدالأعلى الصدفي‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ حدثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، في هذا الإسناد، بمعنى حديث حفص بن ميسرة، إلى آخره‏.‏ غيره أنه قال‏:‏
‏”‏ما من صاحب إبل لا يؤدي حقها ‏”‏ولم يقل ‏”‏منها حقها‏”‏ وذكر فيه ‏”‏ لا يفقد منها فصيلا واحدا ‏”‏ وقال‏:‏ ‏”‏يكوى بها جنباه وجبهته وظهره‏”‏‏.‏
26- ‏(‏987‏)‏ وحدثني محمد بن عبدالملك الأموي‏.‏ حدثنا عبدالعزيز بن المختار‏.‏ حدثنا سهيل بن أبي صالح عن أبيه، عن أبي هريرة قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ ما من صاحب كنز لا يؤدي زكاته إلا أحمي عليه في نار جهنم‏.‏ فيجعل صفائح‏.‏ فيكوى بها جنباه وجبينه‏.‏ حتى يحكم الله بين عباده‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ ثم يرى سلبيه إما إلى الجنة وإما إلى النار‏.‏ وما من صاحب إبل لا يؤدي زكاتها إلا بطح لها بقاع قرقر‏.‏ كأوفر ما كانت‏.‏ تستن عليه‏.‏ كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها‏.‏ حتى يحكم الله بين عباده‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة‏.‏ ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏.‏ وما من صاحب غنم لا يؤدي زكاتها‏.‏ إلا بطح لها بقاع قرقر‏.‏ كأوفر ما كانت‏.‏ فتطؤه بأظلافها وتنطحه بقرونها‏.‏ ليس فيها عقصاء ولا جلحاء‏.‏ كلما مضى عليه أخراها ردت عليه أولاها‏.‏ حتى يحكم الله بين عباده‏.‏ في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة مما تعدون‏.‏ ثم يرى سبيله إما إلى الجنة وإما إلى النار‏”‏‏.‏ قال سهيل‏:‏ فلا أدري أذكر البقر أم لا‏.‏ قالوا‏:‏ فالخيل ‏؟‏ يا رسول الله ‏!‏ قال ‏:‏
‏”‏ الخيل في نواصيها ‏(‏أو قال‏)‏ الخيل معقود في نواصيها ‏(‏قال سهيل‏:‏ أنا أشك‏)‏ الخير إلى يوم القيامة‏.‏ الخيل ثلاثة‏:‏ فهي لرجل أجر‏.‏ ولرجل ستر‏.‏ ولرجل وزر‏.‏ فأما التي هي له أجر‏.‏ فالرجل يتخذها في سبيل الله ويعدها له‏.‏ فلا تغيب شيئا في بطونها إلا كتب الله له أجرا‏.‏ ولو رعاها في مرج، ما أكلت من شيء إلا كتب الله له بها أجرا‏.‏ ولو سقاها من نهر، كان له بكل قطرة تغيبها في بطونها أجر‏.‏ ‏(‏حتى ذكر الأجر في أبوالها وأوراثها‏)‏ ولو استنت شرفا أو شرفين كتب له بكل خطوة تخطوها أجر‏.‏ في عسرها ويسرها‏.‏ وأما الذي هي له ستر فالرجل يتخذها تكرما وتجملا ‏.‏ولا ينسى حق ظهورها و بطونها‏.‏ في عسرها ويسرها‏.‏ وأما الذي عليه وزر فالذي يتخذها أشرا وبطرا وبذخا ورياء الناس‏.‏ فذاك الذي هي عليه وزر‏”‏‏.‏ قالوا‏:‏ فالحمر ‏؟‏ يا رسول الله ‏!‏ قال‏:‏ ‏”‏ما أنزل الله علي فيها شيئا إلا هذه الآية الجامعة الفاذة‏:‏ ‏{‏ فمن يعمل مثقال ذرة خيرا يره ‏.‏ ومن يعمل مثقال ذرة شرا يره‏}‏‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ما من صاحب كنز‏)‏ قال الإمام أبو جعفر الطبري‏:‏ الكنز كل شيء مجموع بعضه على بعض، سواء كان في بطن الأرض أو على ظهرها‏.‏ زاد صاحب العين وغيره‏:‏ وكان مخزونا‏.‏ ‏(‏الخيل معقود في نواصيها الخير‏)‏ يعني أن الخير ملازم بها كأنه معقود فيها‏.‏ ‏(‏أشر ا وبطرا وبذخا‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الأشر هو المرح واللجاج‏.‏ وأما البطر فالطغيان عند الحق‏.‏ وأما البذخ فهو بمعنى الأشر والبطر‏.‏ وقال الراغب‏:‏ الأشر شدة البطر‏.‏ والبطر دهش يعتري الإنسان من سوء احتمال النعمة، وقلة القيام بحقها وصرفها إلى غير وجهها‏.‏ وقال ابن الأثير‏:‏ البذخ هو الفخر والتطاول‏]‏‏.‏
‏(‏987‏)‏ وحدثناه قتيبة بن سعيد ‏.‏ حدثنا عبدالعزيز ‏(‏يعني الدراوردى‏)‏ عن سهيل، بهذا الإسناد، وساق الحديث‏.‏
‏(‏987‏)‏ وحدثنيه محمد بن عبدالله بن بزيع‏.‏ حدثنا يزيد بن زريع‏.‏ حدثنا روح بن القاسم‏.‏ حدثنا سهيل بن أبي صالح، بهذا الإسناد وقال ‏(‏بدل عقصاء‏)‏ ‏”‏عضباء‏”‏‏.‏ وقال‏:‏
‏”‏ فيكوى بها جنبه وظهره ‏”‏ ولم يذكر ‏:‏ جبينه
‏(‏987‏)‏ وحدثني هارون بن سعيد الأيلي‏.‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث ؛ أن بكيرا حدثه عن ذكوان، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال‏:‏
‏”‏ إذا لم يؤد المرء حق الله أو الصدقة في إبله‏”‏ وساق الحديث بنحو حديث سهيل عن أبيه‏.‏
27- ‏(‏988‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم‏.‏ إخبرنا عبدالرزاق‏.‏ ح وحدثني محمد بن رافع ‏(‏واللفظ له‏)‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني أبو الزبير ؛ أنه سمع جابر بن عبدالله الأنصاري يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏ ما من صاحب إبل لا يفعل فيها حقها، إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت قط‏.‏ وقعد لها بقاع قرقر‏.‏ تستن عليه بقوائمها وأخفافها‏.‏ ولا صاحب بقر لا يفعل فيها حقها، إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت‏.‏ وقعد لها بقاع قرقر‏.‏ تنطحه بقرونها وتطؤه بقوائمها‏.‏ ولا صاحب غنم لا يفعل فيها حقها‏.‏ إلا جاءت يوم القيامة أكثر ما كانت‏.‏ وقعد لها بقاع قرقر‏.‏ تنطحه بقرونها وتطؤه بأظلافها‏.‏ ليس فيها جماء ولا منكسر قرنها‏.‏ ولا صاحب كنز لا يفعل فيه حقه‏.‏ إلا جاء كنزه يوم القيامة شجاعا أقرع‏.‏ يتبعه فاتحا فاه‏.‏ فإذا أتاه فر منه‏.‏ فيناديه‏:‏ خذ كنزك الذي خبأته‏.‏ فأنا عنه غني‏.‏ فإذا رأى أن لابد منه‏.‏ سلك يده في فيه‏.‏ فيقضمها قضم الفحل‏”‏‏.‏
قال أبو الزبير‏:‏ سمعت عبيد بن عمير يقول هذا القول‏.‏ ثم سألنا جابر بن عبدالله عن ذلك فقال مثل قول عبيد بن عمير‏.‏ وقال أبو الزبير‏:‏ سمعت عبيد بن عمير يقول‏:‏ قال رجل‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ما حق الإبل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏حلبها على الماء‏.‏ وإعارة دلوها‏.‏ وإعارة فحلها‏.‏ ومنيحتها‏.‏ وحمل عليها في سبيل الله ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أكثر ما كانت قط‏)‏ هكذا هو في الأصول بالثاء المثلثة‏.‏ وفي قط لغات حكاهن الجوهري‏.‏ والفصيحة المشهورة قط‏.‏ ‏(‏تستن عليه بقوائمها وأخفافها‏)‏ أي ترفع يديها وتطرحهما معا على صاحبها‏.‏ ‏(‏جماء‏)‏ هي الشاة التي لاقرن لها ‏.‏كجلحاء‏.‏ مذكره أجم ‏.‏ ‏(‏والأقرع الذي تمعط شعره لكثرة سمه‏.‏ وقيل ‏:‏ الشجاع الذي يواثب الراجل والفارس ويقوم على ذنبه‏.‏ وربما بلغ رأس الفارس‏.‏ ويكون في الصحارى‏.‏ ‏(‏فيناديه‏)‏ أي ينادي الشجاع صاحب الكنز‏.‏ ‏(‏سلك يده‏)‏ معنى سلك أدخل‏.‏ ‏(‏فيقضمها قضم الفحل‏)‏ يقال‏:‏ قضمت الدابة شعيرها تقضمه، إذا أكلته‏.‏ ‏(‏حلبها على الماء‏)‏ أي يوم ورودها‏.‏ قال النووي‏:‏ وفي حلبها في ذلك اليوم رفق بالماشية وبالمساكين لأنه أهون على الماشية وأرفق بها وأوسع عليها من حلبها في المنازل‏.‏ وهو أسهل على المساكين وأمكن في وصولهم إلى موضع الحلب ليواسوا‏.‏ ‏(‏ومنيحتها‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ المنيحة ضربان‏:‏ أحدهما أن يعطي الآخر شيئا هبة‏.‏ وهذا النوع يكون في الحيوان والأرض والأثاث وغير ذلك‏.‏ الثاني أن يمنحه ناقة أو بقرة أو شاة ينتفع بلبنها ووبرها وصوفها وشعرها زمانا‏.‏ ثم يردهها‏.‏ ويقال‏:‏ منحه يمنحه بفتح النون في المضارع وكسرها‏.‏ قال في النهاية‏:‏ ويقال‏:‏ المنحة أيضا، بكسر الميم‏]‏‏.‏
28 – ‏(‏988‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا عبدالملك عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم، لا يؤدى حقها‏.‏ إلا أقعد لها يوم القيامة بقاع قرقر‏.‏ تطؤه ذات الظلف بظلفها‏.‏ وتنطحه ذات القرن بقرنها‏.‏ ليس فيها يومئذ جماء ولا مكسورة القرن ‏”‏‏.‏ قلنا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ وما حقها ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏إطراق فحلها‏.‏ وإعارة دلوها‏.‏ ومنيحتها‏.‏ وحلبها‏.‏على المائز وحمل عليها في سبيل الله‏.‏ ولا من صاحب مال لا يؤدي زكانه إلا تحول يوم القيامة شجاعا أقرع‏.‏ يتبع صاحبه حيثما ذهب‏.‏ وهو يفر منه‏.‏ ويقال‏:‏ هذا مالك الذى كنت تبخل به‏.‏ فإذا رأى أنه لابد منه‏.‏ أدخل يده في فيه‏.‏ فجعل يقضمها كما يقضم الفحل‏”‏
‏[‏ش ‏(‏أقعد‏)‏ كذا بزيادة الهمزة هنا، في النسخ‏.‏ كلها خطها وطبعها‏.‏ ‏(‏إطراق فحلها‏)‏ أي غعارته للضرب‏.‏ ‏(‏السعاة‏)‏ جمع الساعي، وهم العاملون على الصدقات‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏7‏)‏ باب إرضاء السعاة
‏[‏ش ‏(‏السعاة‏)‏ جمع الساعي، وهم العاملون على الصدقات‏]‏‏.‏
29- ‏(‏989‏)‏ حدثنا أبو كامل فضيل بن حسين الجحدري‏.‏ حدثنا عبدالواحد بن زياد‏.‏ حدثنا محمد بن أبي إسماعيل‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن هلال العبس عن جرير بن عبدالله ؛ قال‏:‏
جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالوا‏:‏ إن ناسا من المصدقين يأتوننا فيظلموننا‏.‏ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏أرضوا مصدقيكم‏”‏‏.‏ قال جرير‏:‏ ما صدر عنى مصدق، منذ سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا وهو عني راض‏.‏
‏[‏ش ‏(‏المصدقين‏)‏ بتخفيف الصاد‏.‏ وهم السعاة العاملون على الصدقات‏.‏ ‏(‏ارضوا مصدقيكم‏)‏ معناه ببذل الواجب وملا طفتهم وترك مشاقهم ‏]‏‏.‏
‏(‏989‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عبدالرحيم بن سليمان‏.‏ ح وحدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثنا يحيى بن سعيد‏.‏ ح وحدثنا إسحاق‏.‏ أخبرنا أبو أسامة‏.‏ كلهم عن محمد بن أبي إسماعيل، بهذا الإسناد، نحوه‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏8‏)‏ باب تغليظ عقوبة من لا يؤدى الزكاة
30- ‏(‏990‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا الأعشى عن المعرور بن سويد، عن أبي ذر‏.‏ قال‏:‏
انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة‏:‏فلما رآني قال ‏:‏ ‏”‏هم الأخسرون‏.‏ورب الكعبة ‏!‏ ‏”‏ قال فجئت حتى جلست‏.‏ فلم أتقار أن قمت،فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ فداك أبي وأمي ‏!‏ من هم ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏هم الأكثرون أموالا‏.‏ إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ‏(‏من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله‏)‏ وقليل ما هم‏.‏ ما من صاحب إبل ولا بقر ولا غنم لا يؤدى زكاتها إلا جاءت يوم القيامة أعظم ما كانت وأسمنه‏.‏ تنطحه بقرونها وتطوؤه بأظلافها‏.‏ كلما نفذت أخراها عادت عليه أولادها‏.‏ حتى يقضى بين الناس‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فلم أتقار‏)‏ أي لم يمكنني القرار والثبات‏.‏ ‏(‏فداك أبي وأمي‏)‏ بفتح الفاء في جميع النسخ‏.‏ لأنه ماضى خبر بمعنى الدعاء‏.‏ ويحتمل كسر الفاء والقصر لكثرة الاستعمال‏.‏ أي يفديك أبي وأمي وهما أعز الأشياء عندي‏.‏ ‏(‏إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا‏)‏ أي إلا من أشار بيده إلى الجوانب في صرف ماله إلى وجوه الخير‏.‏ فالقول مجاز عن الفعل‏.‏ ‏(‏كلما نفدت‏)‏ هكذا ضبطناه‏:‏ نفدت بالدال المهمله‏.‏ونفذت بالذال المعجمة وفتح الفاء‏.‏ وكلاهما صحيح‏]‏‏.‏
‏(‏990‏)‏ حدثناه أبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن المعرور، عن أبي ذر‏:‏ قال‏:‏
انتهيت إلى النبي صلى الله عليه وسلم وهو جالس في ظل الكعبة‏.‏ فذكر نحو حديث وكيع‏.‏ غير أنه قال‏:‏ ‏”‏والذي نفسى بيده ‏!‏ ماعلى الأرض رجل يموت‏.‏ فيدع إبلا أو بقرا أو غنما، يؤد زكاتها‏”‏‏.‏
31- ‏(‏991‏)‏ حدثنا عبدالرحمن بن سلام الجمحي‏.‏حدثنا الربيع ‏(‏يعني ابن مسلم‏)‏ عن محمد ابن زياد، عن أبي هريرة ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ ما يسرني أن لي أحدا ذهبا‏.‏ تأتي علي ثالثة وعندي منه دينار‏.‏ إلا دينار أرصده لدين علي ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أرصده‏)‏ بفتح الهمزه وضم الصاد‏.‏ أو بضم الهمزة وكسر الصاد أي أعده‏]‏‏.‏
‏(‏991‏)‏ حدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن محمد بن زياد ؛ قال‏:‏ سمعت أبا هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثله‏.‏
*3* ‏(‏9‏)‏ باب الترغيب في الصدقة
32 – ‏(‏94‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وأبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وأبو كريب‏.‏ كلهم عن أبي معاوية‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا أبو معاوية عن الأعمشى، عن زيد بن وهب، عن أبي ذر،‏.‏ قال‏:‏
كنت أمشي مع النبي صلى الله عليه وسلم في حرة المدينة، عشاء‏.‏ ونحن ننظر إلى أحد‏.‏ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏يا أبا ذر‏”‏ قال قلت‏:‏ لبيك يا رسول الله ‏!‏
قال‏:‏ ‏”‏ ما أحب أن أحد ذاك عندي ذهب‏.‏ أمسي ثالثة عندي منه دينار‏.‏ إلا دينارا أرصده لدين‏.‏ إلا أن أقول به في عباد الله‏.‏ هكذا ‏(‏حثا بين يديه‏)‏ وهكذا ‏(‏عن يمينه‏)‏ وهكذا ‏(‏عن شماله‏)‏ ‏”‏ قال‏:‏ ثم مشينا فقال‏:‏ ‏”‏يا أبا ذر ‏!‏ ‏”‏ قال قلت‏:‏ لبيك ‏!‏ يا رسول الله ‏!‏ قال‏:‏ ‏”‏إن الأكثرين هم الأقلين يوم القيامة‏.‏ إلا من قال هكذا وهكذا وهكذا ‏”‏ مثل ما صنع في المرة الأولى‏.‏ قال‏:‏ قال ‏”‏يا إبا ذر ‏!‏ كما أنت حتى أتيك ‏”‏ قال‏:‏ فانطلق حتى توارة عني‏.‏ فقال‏:‏ سمعت لغطا وسمعت صوتا‏.‏ قال فقلت‏:‏ لعل رسول الله صلى الله عليه وسلم عرض له‏.‏ قال‏:‏ فهممت أن أتبعه‏.‏ قال‏:‏ ثم ذكرت قوله‏:‏ ‏”‏لا تبرح حتى آتيك ‏”‏ قال‏:‏ فانتظرته‏.‏ فلما جاء ذكرت له الذي سمعت‏.‏ قال فقال‏:‏ ‏”‏ ذاك جبريل‏.‏ أتاني فقال‏:‏ من مات من أمتك لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة‏.‏ قال قلت‏:‏ وإن زنا وإن سرق ‏؟‏ قال‏:‏ وإن زنا وإن سرق‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏في حرة المدينة‏)‏ هي أرض ذات حجارة سود خارج المدينة المنورة‏.‏ وهي بين حرتين‏.‏ وتسميان لابتين‏.‏ ويوم الحرة وقعة مشهورة في الإسلام‏.‏ ‏(‏حثا بين يديه‏)‏ هو من كلام أبي ذر‏.‏ ومعناه رمى‏.‏ وقوله‏:‏ بين يديه وعن يمينه وعن شماله، من كلامه‏.‏ ‏(‏لغطا‏)‏ هو بفتح الغين وأسكانها، لغتان أي جلبة وصوتا غير مفهوم‏.‏ ‏(‏عرض له‏)‏ أي عرض له الجن أو أصابه منهم مس‏]‏‏.‏
33 – ‏(‏94‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا جرير عن عبدالعزيز ‏(‏وهو ابن رفيع‏)‏ عن زيد بن وهب، عن أبي ذر ؛ قال‏:‏
خرجت ليلة من الليالي‏.‏ فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يمشي وحده‏.‏ ليس معه إنسان‏.‏ قال‏:‏ فظننت أنه يكره أن يمشي معه أحد‏.‏ قال‏:‏ فجعلت أمشي في ظل القمر‏.‏ فالتفت فرآني‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏من هذا ‏؟‏ ‏”‏ فقلت‏:‏ أبو ذر‏.‏ جعلني الله فداءك‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏يا أبا ذر تعاله‏”‏‏.‏ قال‏:‏ فمشيت معه ساعة‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏إن المكثرين هم المقلون يوم القيامة‏.‏ إلا من أعطاه الله خيرا‏.‏ فنفح فيه يمينه وشماله، وبين يديه ووراءه، وعمل فيه خيرا ‏”‏‏.‏
قال‏:‏ فمشيت معه ساعة‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏ أجلس ههنا ‏”‏ قال‏:‏ فأجلسني في قاع حوله حجارة‏.‏ فقال لي‏:‏ ‏”‏ أجلس ههنا حتى أرجع إليك ‏”‏ قال‏:‏ فانطلق في الحرة حتى لا أراه‏.‏ فلبث عني‏.‏ فأطال اللبث‏.‏ ثم أني سمعته وهو مقبل وهو يقول‏:‏ ‏”‏وإن سرق وإن زنى‏”‏ قال‏:‏ فلما جاء لم أصبر فقلت‏:‏ يا نبي الله ‏!‏ جعلني الله فداءك‏.‏ من تكلم في جانب الحرة ‏؟‏ ما سمعت أحدا يرجع إليك شيئا‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏ ذاك جبريل عرض لي في جانب الحرة‏.‏ فقال‏:‏ أمتك أنه من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة‏.‏ فقلت‏:‏ يا جبريل ‏!‏ وإن سرق وإن زنى ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال قلت‏:‏ وإن سرق وإن زنى ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال قلت‏:‏ وإن سرق وإن زنى ‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ وإن شرب الخمر‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تعاله‏)‏ كذا بهاء السكت‏.‏ ‏(‏إلا من أعطاه الله خيرا ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ قال النووي‏:‏ المراد بالخير الأول المال‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ وإنه لحب الخير أي المال‏.‏ والمراد بالخير الثاني طاعة الله تعالى‏.‏ والمراد بيمينه وشماله ما سبق أنه جمع وجوه المكارم والخير‏.‏ ونفح، بالحاء المهملة، أي ضرب يده فيه بالعطاء‏.‏ والنفح الرمي والضرب‏.‏ ‏(‏فأطال اللبث‏)‏ بفتح اللام وضمها، مثل المكث والمكث‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏10‏)‏ باب في الكنازين للأموال والتغليظ عليهم
34 – ‏(‏992‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثني إسماعيل بن إبراهيم عن الجريري، عن أبي العلاء عن الأحنف بن قيس‏.‏ قال‏:‏
قدمت المدينة‏.‏ فبينا أنا في حلقة فيها ملأ من قريش‏.‏ إذ جاء رجل أخشن الثياب‏.‏ أخشن الجسد‏.‏ أخشن الوجه‏.‏ فقام عليهم فقال‏:‏ بشر الكنازين برضف يحمى عليه في نار جهنم‏.‏ فيوضع على حلمة ثدي أحدهم‏.‏ حتى يخرج من نغضى كتفيه‏.‏ ويوضع على نغض كتفيه‏.‏ حتى يخرج من حلمة ثدييه‏.‏ قال‏:‏ فوضع القوم رؤوسهم‏.‏ فما رأيت أحدا منهم رجع إليه شيئا‏.‏ قال‏:‏ فأدبر وأتبعته حتى جلس إلى سارية‏.‏ فقلت‏:‏ ما رأيت هؤلاء إلا كرهوا ما قلت لهم‏.‏ قال‏:‏ إن هؤلاء لا يعقلون شيئا‏.‏ إن خليلي أبا القاسم صلى الله عليه وسلم دعاني فأجبته فقال‏:‏ ‏”‏ أترى أحدا ‏؟‏ ‏”‏ فنظرت ما علي من الشمس وأنا أظن أنه يبعثني في حاجة له‏.‏ فقلت‏:‏ أراه‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏ما يسرني أن لي مثله ذهبا أنفقه كله‏.‏ إلا ثلاثة دنانير ‏”‏ ثم هؤلاء يجمعون الدنيا‏.‏ لا يعقلون شيئا‏.‏ قال قلت‏:‏ مالك ولأخوتك من قريش، لا تعتريهم وتصيب منهم‏.‏ قال‏:‏ لا‏.‏ وربك ‏!‏ لا أسألهم عن دنيا‏.‏ ولا أستفتيهم عن دين‏.‏ حتى ألحق بالله ورسوله‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فبينا أنا في حلقة‏)‏ أي بين أوقات قعودي في الحلقة‏.‏ والحلقة‏.‏ بإسكان اللام‏.‏ وحكى الجوهري لغة رديئة في فتحها‏.‏ ‏(‏ملأ من قريش‏)‏ الملأ الأشراف‏.‏ ويقال أيضا للجماعة‏.‏ ‏(‏أخشن الثياب‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ هو بالخاء‏.‏ والشين معجمتين، في الألفاظ الثلاثة‏.‏ ونقله القاضي هكذا عن الجمهور وهو من الخشونة‏.‏ ‏(‏فقام عليهم‏)‏ أي فوقف‏.‏ ‏(‏بشر الكانزين‏)‏ هم الذين يكنزون الذهب والفضة ولا ينفقونها في سبيل الله‏.‏ والمبالغ في ادخارهما يسمىكنازا‏.‏ ‏(‏برضف‏)‏ الرضف الحجارة المحماة‏.‏ الواحدة رضفة، مثل تمر وتمرة‏.‏ ‏(‏يحمى عليه‏)‏ أي يوقد عليه‏.‏ ‏(‏من نغض كتفيه‏)‏ النغض هو العظم الرقيق الذي على طرف الكتف‏.‏ ويقال له أيضا‏:‏ الناغض‏.‏ ‏(‏يتزلزل‏)‏ التزلزل إنما هو للرضف‏.‏ أي يتحرك من نغض كتفه حتى يخرج من حلمه ثدييه‏.‏ ‏(‏رجع إليه شيئا‏)‏ رجع يتعدى بنفسه في اللغة الفصحى‏.‏ قال تعالى‏:‏ ‏{‏ فإن رجعك الله إلى طائفة منهم ‏}‏‏.‏ ويقال‏:‏ ليس لكلامه مرجوع أي جواب‏.‏ كما في المفردات‏.‏ ‏(‏فنظرت ما علي من الشمس‏)‏ يعني كم بقي من النهار‏.‏ ‏(‏ذهبا‏)‏ تمييز، رافع لإبهام المثلية‏.‏ ‏(‏لا تعتريهم‏)‏ أي تأتيهم وتطلب منهم‏.‏ يقال ‏:‏ عروته واعتريته واعتروته، إذا أتيته تطلب منه حاجة‏.‏ ‏(‏لا أسألهم عن دنيا‏)‏ هكذا هو في الأصول‏:‏ عن دنيا‏.‏ وفي رواية البخاري‏:‏ لا أسألهم دنيا‏.‏ بحذف عن وهو الأجود‏.‏ أي لا أسألهم شيئا من متاعها‏]‏‏.‏
35 – ‏(‏992‏)‏ وحدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا أبو الأشهب‏.‏ حدثنا خليد العصري عن الأحنف بن قيس‏.‏ قال‏:‏
كنت في نفر من قريش‏.‏ فمر أبو ذر وهو يقول‏:‏ بشر الكانزين بكيّ في ظهورهم‏.‏ يخرج من جنوبهم‏.‏ وبكيّ من قبل أقفائهم يخرج من جباههم‏.‏ قال ثم تنحى فقعد‏.‏ قال قلت‏:‏ من هذا ‏؟‏ قالوا‏:‏ هذا أبو ذر‏.‏ قال‏:‏ فقمت إليه فقلت‏:‏ ماشيء سمعتك تقول قبيل ‏؟‏ قال‏:‏ ما قلت إلا شيئا قد سمعته من نبيهم صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال قلت‏:‏ ما تقول في هذا العطاء ‏؟‏ قال‏:‏ خذه فإن فيه اليوم معونة‏.‏ فإذا كان ثمنا لدينك فدعه‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من قبل أقفائهم‏)‏ أي من جهة مؤخر رؤوسهم‏.‏ ‏(‏قبيل‏)‏ مصغر قبل، مبنيا على الضم لانقطاعه عن الإضافة‏.‏ وهو ظرف في القول‏.‏ أي ما الذي قلته آنفا‏]‏‏.‏
(‏11‏)‏ باب الحث على النفقة وبتبشير المنفق بالخلف
36 – ‏(‏993‏)‏ حدثني زهير بن حرب ومحمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة‏.‏ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏ قال الله تبارك وتعالى‏:‏ يا ابن آدم ‏!‏ أنفق أنفق عليك ‏”‏‏.‏ وقال‏:‏ ‏”‏ يمين الله ملآى ‏(‏وقال ابن نمير ملآن‏)‏ سحاء‏.‏ لا يغيضها شيء الليل والنهار‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أنفق أنفق عليك‏)‏ هو معنى قوله عز وجل‏:‏ وما أنفقتم من شيء فهو يخلفه‏.‏ فيتضمن الحث على الأنفاق في وجوه الخير، والتبشير بالخلف من فضل الله تعالى‏.‏ ‏(‏وقال ابن نمير ملآن‏)‏ هكذا وقعت رواية ابن نمير بالنون‏.‏ قالوا وهو غلط منه وصوابه ملأى‏.‏ ‏(‏سحاء لا يغيضها شيء الليل والنهار‏)‏ ضبطوا سحاء بوجهين‏:‏ أحدهما سحا بالتنوين على المصدر وهذا هو الأصح الأشهر‏.‏ والثاني حكاه القاضي‏:‏ سحاء بالمد على الوصف‏.‏ ووزنه فعلاء صفة لليد‏.‏ وهذا الثاني هو الذي عليه النسخ الموجودة‏.‏ والسح‏:‏ الصب الدائم‏.‏ والليل والنهار، في هذه الرواية، منصوبان على الظرف‏.‏ ومعنى لا يغيضها شيء ينقصها، يقال‏:‏ غاض الماء وغاضه الله، لازم ومتعد‏]‏‏.‏
37 – ‏(‏993‏)‏ وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق بن همام‏.‏ حدثنا معمر بن راشد عن همام بن منبه، أخي وهب بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏.‏ وقال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ إن الله قال لي ‏:‏ أنفق أنفق عليك ‏”‏‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏يمين الله ملآى‏.‏ لا يغيضها سحاء الليل والنهار أرأيتم ما أنفق مذ خلق السماء والأرض‏.‏ فإنه لم يغض ما في يمينه ‏”‏‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏وعرشه على الماء وبيده الأخرى القبض‏.‏ يرفع ويخفض‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏لا يغيضها سحاء الليل والنهار‏)‏ ضبطناه بوجهين‏:‏ نصب الليل والنهار ورفعهما‏.‏ النصب على الظرف، والرفع على أنه فاعل‏.‏ ‏(‏وبيده الأخرى القبض يرفع ويخفض‏)‏ ضبطوه بوجهين‏:‏ أحدهما الفيض بالفاء والياء والثاني القبض بالقاف والباء‏.‏ وذكر القاضي أنه بالقاف وهو الموجود لأكثر الرواة‏.‏ قال‏:‏ وهو الأشهر والمعروف‏.‏ قال ومعنى القبض الموت‏.‏ وأما الفيض بالفاء فالإحسان والعطاء والرزق الواسع‏.‏ قال وقد يكون بمعنى القبض، بالقاف، أي الموت‏.‏ ومعنى يخفض ويرفع، قيل‏:‏ هو عبارة عن تقدير الرزق يقتره على من يشاء ويوسعه على من يشاء‏.‏ وقد يكونان عن تصرف المقادير بالخلق، بالعز والذل‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏12‏)‏ باب فضل النفقة على العيال والمملوك، وإثم من ضيعهم أو حبس نفقتهم عنهم
38 – ‏(‏994‏)‏ حدثنا أبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد‏.‏ كلاهما عن حماد بن زياد‏.‏ قال أبو الربيع‏:‏ حدثنا حماد‏.‏ حدثنا أيوب عن أبي قلابة، عن أبي أسماء، عن ثوبان‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ أفضل دينار ينفقه الرجل‏.‏ دينار ينفقه على عياله‏.‏ ودينار ينفقه الرجل على دابته في سبيل الله‏.‏ ودينار ينفقه على أصحابه في سبيل الله ‏”‏‏.‏ قال أبو قلابة‏:‏ وبدأ بالعيال‏.‏ ثم قال أبو قلابة‏:‏ وأي رجل أعظم أجرا من رجل ينفق على عيال صغار‏.‏ يعفهم، أوينفعهم الله به، ويغنيهم‏.‏
‏[‏ش ‏(‏على عياله‏)‏ أي من يعوله ويلزمه مؤنته من نحو زوجة وخادم وولد‏.‏ ‏(‏على دابته‏)‏ أي التي أعدها للغزو عليها‏]‏‏.‏
39 – ‏(‏995‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وأبو كريب ‏(‏واللفظ لأبي كريب‏)‏ قالوا‏:‏ حدثنا وكيع عن سفيان، عن مزاحم بن زفر، عن مجاهد، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏دينار أنفقته في سبيل الله‏.‏ ودينار أنفقته في رقبة‏.‏ ودينار تصدقت به على مسكين‏.‏ ودينار أنفقته على أهلك‏.‏ أعظمها أجرا للذي أنفقته على أهلك‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏في رقبة‏)‏ أي في فك رقبة وإعتاقها‏]‏‏.‏
40 – ‏(‏996‏)‏ حدثنا سعيد بن محمد الجرمي‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن عبدالملك بن أبجر الكناني عن أبيه، عن طلحة بن مصرف، عن خيثمة ؛ قال‏:‏
كنا جلوسا مع عبدالله بن عمرو‏.‏ إذ جاءه قهرمان له، فدخل‏.‏ فقال‏:‏ أعطيت الرقيق قوتهم ‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فانطلق فأعطهم قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏كفى بالمرء إثما أن يحبس، عمن يملك، قوته‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏قهرمان‏)‏ هو الخازن قائم بحوائج الإنسان‏.‏ وهو بمعنى الوكيل‏.‏ ‏(‏قوته‏)‏ مفعول يحبس‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏13‏)‏ باب الإبتداء في النفقة بالنفس ثم أهله ثم القرابه
41- ‏(‏997‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث‏.‏ ح وحدثنا محمد من رمح‏.‏ أخبرنا الليث عن أبي الزبير، عن جابر‏.‏ قال‏:‏
أعتق رجل من بني عزرة عبدا له عن دبر‏.‏ فبلغ ذلك رسول صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏”‏ألك مال غيره‏”‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏من يشتريه مني ‏؟‏‏”‏ فاشتراه نعيم بن عبدالله العدوي بثمانمائة درهم‏.‏ فجاء بها رسول الله صلى الله عليه وسلم فدفعها إليه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏إبدأ بنفسك فتصدق عليها‏.‏ فإن فضل شيء فلأهلك ‏.‏ فإن فضل عن أهلك شيء فلذى قرابتك‏.‏ فإن فضل عن ذى قرابتك شيء فهكذا وهكذا‏”‏ يقول‏:‏ فبين يديك وعن يمينك وعن شمالك‏.‏
‏[‏ش ‏(‏عن دبر‏)‏ أي علق عتقه بموته، فقال‏:‏ أنت حر يوم أموت‏]‏‏.‏
‏(‏997‏)‏ وحدثني يعقوب بن إبراهيم الدورقي‏.‏ حدثنا إسماعيل ‏(‏يعني ابن علية‏)‏ عن أيوب، عن أبي الزبير، عن جابر ؛ أن رجلا من الأنصار ‏(‏يقال له أبو مذكور‏)‏ أعتق غلاما له عن دبر‏.‏ يقال له يعقوب‏.‏ وساق الحديث بمعنى حديث الليث‏.‏
*3* ‏(‏14‏)‏ باب فضل النفقة والصدقة على الأقربين والزوج والأولاد والوالدين ،ولو كانوا مشركين
42 – ‏(‏998‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة ؛ أنه سمع أنس بن مالك يقول‏:‏ كان أبو طلحة أكثر أنصاري بالمدينة مالا‏.‏ وكان أحب أمواله إليه بيرحى‏.‏ وكانت مستقبلة المسجد‏.‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخلها ويشرب من ماء فيها طيب‏.‏ قال أنس‏:‏ فلما أنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏ ‏[‏3/ آل عمران/ الآية 92‏]‏ قام أبو طلحة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏
إن الله يقول في كتابه‏:‏ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏.‏ وإن أحب أموالي إلى بيرحى‏.‏ وإنها صدقة لله‏.‏ أرجو برها وذخرها عند الله‏.‏ فضعها ‏!‏ يا رسول الله، حيث شئت‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏بخ ‏!‏ ذلك مال رابح‏.‏ قد سمعت ما قلت فيها‏.‏ وإني أرى أن تجعلها في الأقربين‏”‏ فقسمها أبو طلحة في أقاربه وبني عمه‏.‏
‏[‏ش ‏(‏بيرحى‏)‏ اختلفوا في ضبط هذه اللفظة على أوجه‏.‏ قال القاضي رحمه الله‏:‏ روينا هذه اللفظة عن شيوخنا بفتح الراء وضمها مع كسر الباء‏.‏ وبفتح الباء والراء‏.‏ وهذا الموضع يعرف بقصر بني جديلة قبلي المسجد‏.‏ وهو حائط يسمى بهذا الاسم‏.‏ ومعنى الحائط، هنا، البستان‏.‏ وقال في الفائق‏:‏ إنها فيعلى، من البراح، وهي الأرض المنكشفة الظاهرة‏.‏ ‏(‏أرجو برها وذخرها‏)‏ يعني لا أريد ثمرتها العاجلة الدنيوية الفانية، بل أطلب مثوبتها الآجلة الأخروية الباقية‏.‏ ‏(‏بخ‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ بخ، بإسكان الخاء وتنوينها مكسورة‏.‏ قال ابن دريد‏:‏ معناه تعظيم الأمر وتفخيمه‏.‏ ‏(‏مال رابح‏)‏ ضبطناه هنا بوجهين‏:‏ بالياء وبالباء‏.‏ وقال القاضي‏:‏ روايتنا فيه في كتاب مسلم بالباء الموحدة واختلفت الرواة فيه عن مالك في البخاري والموطأ وغيرهما‏.‏ فمن رواه بالموحدة فمعناه ظاهر‏.‏ ومن رواه رايح، بالمثناة، فمعناه رايح عليك أجره ونفعه في الأخرة‏]‏‏.‏
43 – ‏(‏998‏)‏ حدثني محمد بن حاتم‏.‏ حدثنا بهز‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏ حدثنا ثابت عن أنس‏.‏ قال‏:‏ لما نزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏ لن تنالوا البر حتى تنفقوا مما تحبون‏}‏‏.‏ قال أبو طلحة‏:‏
أرى ربنا يسألنا من أموالنا‏.‏ فأشهدك، يا رسول الله، أني قد جعلت أرضي، بريحا لله‏.‏ قال فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏اجعلها في قرابتك‏”‏ قال‏:‏ فجعلها في حسان بن ثابت وأبي بن كعب‏.‏
44 – ‏(‏999‏)‏ حدثني هارون بن سعيد الأيلي‏.‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عمرو عن بكير، عن كريب، عن ميمونة بنت الحارث ؛ أنها أعتقت وليدة في زمان رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏لو أعطيتها أخوالك، كان أعظم لأجرك‏”‏‏.‏
45 – ‏(‏1000‏)‏ حدثنا حسن بن الربيع‏.‏ حدثنا أبو الأحوص عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبدالله‏.‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
‏”‏تصدقن يا معشر النساء ‏!‏ ولو من حليكن‏”‏ قالت‏:‏ فرحعت إلى عبدالله فقلت‏:‏ إنك رجل خفيف ذات اليد‏.‏ وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أمرنا بالصدقة‏.‏ فأته فاسأله‏.‏ فإن كان ذلك يجزي عني وإلا صرفتها إلى غيركم‏.‏ قالت‏:‏ فقال لي عبدالله‏:‏ بل ائتيه أنت‏.‏ قالت‏:‏ فانطلقت‏.‏ فإذا امرأة من الأنصار بباب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ حاجتي حاجتها‏.‏ قالت‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد ألقيت عليه المهابة‏.‏ قالت‏:‏ فخرج علينا بلال فقلنا له‏:‏ ائت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأخبره أن امرأتين بالباب تسألانك‏:‏ أتجزي الصدقة عنهما، على أزواجهما، وعلى أيتام في حجورهما ‏؟‏ ولا تخبره من نحن‏.‏ قالت‏:‏ فدخل بلال على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فسأله‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏من هما ‏؟‏‏”‏ فقال‏:‏ امرأة من الأنصار وزينب‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ أي الزيانب ‏؟‏‏”‏ قال امرأة عبدالله‏.‏ فقال له رسول الله عليه وسلم ‏”‏لهما أجران أجر القرابه أجر الصدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من حليكن‏)‏ هو بفتح الحاء وإسكان اللام، مفرد‏.‏ وأما الجمع فيقال بضم الحاء وكسرها، واللام مكسوره فيهما، والياء مشددة وهي ما يزين من مصوغ الذهب أو الفضه، أو من الحجاره الثمينة‏.‏ ‏(‏خفيف ذات اليد‏)‏ أي قليل المال ‏(‏يجزي عني‏)‏ أي يكفي ‏(‏حاجتي حاجتها‏)‏ أي حاجت تلك المرأه عين حاجتي‏.‏ ‏(‏حجورهما‏)‏ الحجور جمع حجر، بالفتح ويكسر، وهو الحصن‏.‏يقال‏:‏ فلان في حجر فلان أي كنفه وحمايته‏]‏‏.‏
46 – ‏(‏1000‏)‏ حدثني أحمد بن يوسف الأزدي‏.‏ حدثنا عمر بن حفص بن غياث‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا الأعمش‏.‏ حدثني شقيق عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبدالله‏.‏ قال‏:‏ فذكرت لإبراهيم‏.‏ فحدثني عن أبي عبيدة، عن عمرو بن الحارث، عن زينب امرأة عبدالله‏.‏ بمثله‏.‏ سواء‏.‏ قال قالت‏:‏ كنت في المسجد‏.‏ فرآني النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏
‏”‏تصدقن‏.‏ ولو من حليكن‏”‏‏.‏ وساق الحديث بنحو حديث أبي الأحوص‏.‏
47 – ‏(‏1001‏)‏ حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ حدثنا هشام عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة قالت‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ هل لي أجر في بني أبي سلمة ‏؟‏ أنفق عليهم‏.‏ ولست بتاركتهم هكذا وهكذا‏.‏ إنما هم بني‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏نعم‏.‏ لك فيهم أجر ما أنفقت عليهم‏”‏‏.‏
‏(‏1001‏)‏ وحدثني سويد بن سعيد‏.‏ حدثنا علي بن مسهر‏.‏ ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر‏.‏ جميعا عن هشام بن عروة، في هذا الإسناد، بمثله‏.‏
48 – ‏(‏1002‏)‏ حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا شعبة عن عدي ‏(‏وهو ابن ثابت‏)‏ عن عبدالله بن يزيد، عن أبي مسعود البدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال‏:‏
‏”‏إن المسلم إذا أنفق على أهله نفقة، وهو يحتسبها، كانت له صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وهو يحتسبها‏)‏ أي والحال أنه يقصد بها الاحتساب وهو طلب الثواب‏.‏ ‏(‏كانت له صدقة‏)‏ أي يثاب عليها كما يثاب على الصدقة‏]‏‏.‏
‏(‏1002‏)‏ وحدثناه محمد بن بشار وأبو بكر بن نافع‏.‏ كلاهما عن محمد بن جعفر‏.‏ ح وحدثناه أبو كريب‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ جميعا عن شعبة، في هذا الإسناد‏.‏
49 – ‏(‏1003‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عبدالله بن إدريس عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن أسماء‏.‏ قالت‏:‏ قلت‏:‏
يا رسول الله ‏!‏ إن أمي قدمت علي‏.‏ وهي راغبة ‏(‏أو راهبة‏)‏ أفأصلها ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏نعم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وهي راغبة أو راهبة‏)‏ هذا الشك إنما هو في هذه الرواية‏.‏ وأما الرواية الثانية ففيها‏.‏ وهي راغبة، بلا شك وتردد‏]‏‏.‏
50 – ‏(‏1003‏)‏ وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا أبو أسامة عن هشام، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر‏.‏ قالت‏:‏
قدمت علي أمي، وهي مشركة، في عهد قريش إذ عاهدهم‏.‏ فاستفتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ قدمت علي أمي وهي راغبة‏.‏ أفأصل أمي ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏نعم‏.‏ صلي أمك‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏في عهد قريش‏)‏ ظرف لقولها‏:‏ قدمت أي أن قدومها كان في مدة عهد قريش‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ أرادت بذلك ما بين الحديبية والفتح‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏15‏)‏ باب وصول ثواب الصدقة عن الميت إليه
51 – ‏(‏1004‏)‏ وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا محمد بن بشر‏.‏ حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة ؛
أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ إن أمي افتلتت نفسها ولم توص‏.‏ وأظنها لو تكلمت تصدقت‏.‏ أفلها أجر، إن تصدقت عنها ‏؟‏ قال ‏”‏ نعم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏افتلتت نفسها‏)‏ ضبطناه‏:‏ نفسها، ونفسها بنصب السين ورفعها‏.‏ فالرفع على أنه مفعول ما لم يسم فاعله‏.‏ والنصب على أنه مفعول ثان‏.‏ قال القاضي‏:‏ أكثر روايتنا فيه النصب‏.‏ وقوله‏:‏ افتلتت، بالفاء، هذا هو الصواب الذي رواه أهل الحديث وغيرهم‏.‏ قالوا‏:‏ ومعناه ماتت فجأة‏:‏ وكل شيء فعل بلا تمكث فقد افتلت‏.‏ ويقال‏:‏ افتلت الكلام واقترحه واقتضبه، إذا ارتجله‏.‏ ‏(‏وأظنها لو تكلمت‏)‏ أي لو قدرت على الكلام‏]‏‏.‏
‏(‏1004‏)‏ وحدثنيه زهير بن حرب‏.‏ حدثنا يحيى بن سعيد‏.‏ ح وحدثنا أبو كريب‏.‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ ح وحدثني علي بن حجر‏.‏ أخبرنا علي بن مسهر‏.‏ ح حدثنا الحكم بن موسى‏.‏ حدثنا شعيب بن إسحاق‏.‏ كلهم عن هشام، بهذا الإسناد‏.‏ وفي حديث أبي أسامة‏:‏ ولم توص‏.‏ كما قال ابن بشر‏.‏ ولم يقل ذلك الباقون‏.‏
*3* ‏(‏16‏)‏ باب بيان أن اسم الصدقة يقع على كل نوع من المعروف
52 – ‏(‏1005‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا أبو عوانة‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عباد بن العوام‏.‏ كلاهما عن أبي مالك الأشجعي، عن ربعي بن حراش، عن حذيفة، ‏(‏في حديث قتيبة‏.‏ قال‏:‏ قال نبيكم صلى الله عليه وسلم‏.‏ وقال ابن شيبة‏:‏ عن النبي صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏
‏”‏كل معروف صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏كل معروف صدقة‏)‏ أي ما عرف فيه رضاء الله فثوابه كثواب الصدقة‏]‏‏.‏
53 – ‏(‏1006‏)‏ حدثنا عبدالله بن محمد بن أسماء الضبعي‏.‏ حدثنا مهدي بن ميمون‏.‏ حدثنا واصل مولى أبي عيينة عن يحيى بن عقيل عن يحيى بن يعمر، عن أبي الأسود الديلي، عن أبي ذر ؛ أن ناسا من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم قالوا للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ذهب أهل الدثور بالأجور‏.‏ يصلون كما نصلي‏.‏ ويصومون كما نصوم‏.‏ ويتصدقون بفضول أموالهم‏.‏ قال‏:‏
‏”‏أو ليس قد جعل الله لكم ما تصدقون ‏؟‏ إن بكل تسبيحة صدقة‏.‏ وكل تكبيرة صدقة‏.‏ وكل تحميدة صدقة‏.‏ وكل تهليلة صدقة‏.‏ وأمر بالمعروف صدقة‏.‏ ونهي عن منكر صدقة‏.‏ وفي بضع أحدكم صدقة‏”‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أياتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏أرأيتم لو وضعها في حرام أكان عليه فيها وزر ‏؟‏ فكذلك إذا وضعها في الحلال كان له أجرا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏الدثور‏)‏ جمع دثر، وهو المال الكثير‏.‏ ‏(‏بكل تسبيحة صدقة 00 الخ‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل تسميتها صدقة أن لها أجرا، كما للصدقة أجر‏.‏ وإن هذه الطاعات تماثل الصدقات في الأجور‏.‏ وسماها صدقة على طريق المقابلة وتجنيس الكلام‏.‏ وقيل‏:‏ معناه أنها صدقة على نفسه‏.‏ ‏(‏وأمر بالمعروف صدقة ونهي عن منكر صدقة‏)‏ فيه إشارة إلى ثبوت حكم الصدقة في كل فرد من أفراد الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ولهذا نكره‏.‏ والثواب في الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أكثر منه في التسبيح والتحميد والتهليل‏.‏ لأن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فرض كفاية‏.‏ وقد يتعين ولا يتصور وقوعه نفلا‏.‏ والتسبيح والتحميد والتهليل نوافل‏.‏ ‏(‏وفي بضع أحدكم‏)‏ هو بضم الباء، ويطلق على الجماع، ويطلق على الفرج نفسه‏.‏ وكلاهما تصح إرادته هنا‏.‏ وفي هذا دليل على أن المباحات تصير طاعات بالنيات الصادقات‏.‏ فالجماع يكون عبادة إذا نوى به قضاء حق الزوجة ومعاشرتها بالمعروف الذي أمر الله تعالى به، أو طلب ولد صالح، أو إعفاف نفسه أو إعفاف زوجته، ومنعهما جميعا من النظر إلى حرام أو الفكر فيه أو الهم به أو غير ذلك من المقاصد الصالحة‏.‏ ‏(‏أجرا‏)‏ ضبطناه أجرا بالنصب والرفع وهما ظاهران‏]‏‏.‏
54 – ‏(‏1007‏)‏ حدثنا حسن بن علي الحلواني‏.‏ حدثنا أبو توبة الربيع بن نافع‏.‏ حدثنا معاوية ‏(‏يعني ابن سلام‏)‏ عن زيد ؛ أنه سمع أبا سلام يقول‏:‏ حدثني عبدالله بن فروخ ؛ أنه سمع عائشة تقول‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏إنه خلق كل إنسان من بني آدم على ستين وثلاثمائة مفصل‏.‏ فمن كبر الله، وحمد الله، وهلل الله، وسبح الله، واستغفر الله، وعزل حجرا عن طريق الناس، أو شوكة أو عظما من طريق الناس، وأمر بمعروف، أو نهي عن منكر، عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى‏.‏ فإنه يمشي يومئذ وقد زحزح نفسه عن النار‏”‏‏.‏
قال أبو توبة‏:‏ وربما قال ‏”‏ يمسي‏”‏ ‏.‏
‏[‏ش ‏(‏مفصل‏)‏ ملتقى العظمين في البدن‏.‏ ‏(‏عدد تلك الستين والثلاثمائة السلامى‏)‏ قد يقال‏:‏ وقع هنا إضافة ثلاثة إلى مائة‏.‏ مع تعريف الأول وتنكير الثاني‏.‏ والمعروف لأهل العربية عكسه‏.‏ وهو تنكير الأول وتعريف الثاني‏.‏ أما السلامى فبضم السين وتخفيف اللام، وهو المفصل‏.‏ وجمعه سلاميات، بفتح الميم وتخفيف الياء‏.‏ وفي القاموس‏:‏ السلامى كحبارى، عظام صغار طول الإصبع في اليد والرجل، وجمعه سلاميات‏]‏‏.‏
‏(‏1007‏)‏ وحدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ أخبرنا يحيى بن حسان‏.‏ حدثني معاوية‏.‏ أخبرني أخي، زيد، بهذا الإسناد‏.‏ مثله‏.‏ غير أنه قال‏:‏ ‏”‏أو أمر بمعروف‏”‏ وقال‏:‏ ‏”‏فإنه يمسي يومئذ‏”‏‏.‏
‏(‏1007‏)‏ وحدثني أبو بكر بن نافع العبدي‏.‏ حدثنا يحيى بن كثير حدثنا علي ‏(‏يعني ابن المبارك‏)‏ حدثنا يحيى عن زيد بن سلام، عن جده أبي سلام‏.‏ قال‏:‏ حدثني عبدالله بن فروخ ؛ أنه سمع عائشة تقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏خلق كل إنسان‏”‏ بنحو حديث معاوية عن زيد‏.‏ وقال‏:‏ ‏”‏فإنه يمشي يومئذ‏”‏‏.‏
55 – ‏(‏1008‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو أسامة عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال‏:‏
‏”‏على كل مسلم صدقة‏”‏ قيل‏:‏ أرأيت إن لم يجد ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏يعتمل بيديه فينفع نفسه ويتصدق‏”‏ قال قيل‏:‏ أرأيت إن لم يستطع ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏يعين ذا الحاجة الملهوف‏”‏ قال قيل له‏:‏ أرأيت إن لم يستطع ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏يأمر بالمعروف أو الخير‏”‏ قال‏:‏ أرأيت إن لم يفعل ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏يمسك عن الشر‏.‏ فإنها صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أرأيت‏)‏ أي أخبرني ما حكم من لم يجد من لم يجد ما يتصدق به‏.‏ ‏(‏يعتمل‏)‏ الاعتمال افتعال، من العمل‏.‏ ‏(‏يعين ذا الحاجة الملهوف‏)‏ الملهوف عند أهل اللغة يطلق على المتحسر وعلى المضطر وعلى المظلوم‏.‏ وقولهم‏:‏ يا لهف نفسي على كذا – كلمة يتحسر بها على ما فات‏.‏ ويقال‏:‏ لهف يلهف لهفا أي حزن وتحسر‏.‏ وكذلك التلهف‏.‏ ‏(‏يمسك عن الشر فإنها صدقة‏)‏ معناه صدقة على نفسه‏.‏ والمراد أنه إذا أمسك عن الشر لله تعالى كان له أجر على ذلك‏.‏ كما أن للمتصدق بالمال أجر‏]‏‏.‏
‏(‏1008‏)‏ وحدثناه محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن مهدي‏.‏ حدثنا شعبة، بهذا الإسناد‏.‏
56 – ‏(‏1009‏)‏ وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق بن همام‏.‏ حدثنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏كل سلامى من الناس عليه صدقة كل يوم تطلع فيه الشمس‏”‏‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏ تعدل بين الاثنين صدقة‏.‏ وتعين الرجل في دابته فتحمله عليها أو ترفع له عليها متاعه، صدقة‏”‏‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏والكلمة الطيبة صدقة‏.‏ وكل خطوة تمشيها إلى الصلاة صدقة وتميط الأذى عن الطريق صدقة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تعدل بين الاثنين صدقة‏)‏ أي تصلح بينهما بالعدل‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏17‏)‏ باب في المنفق والممسك
57 – ‏(‏1010‏)‏ وحدثني القاسم بن زكريا‏.‏ حدثنا خالد بن مخلد‏.‏ حدثني سليمان ‏(‏وهو ابن بلال‏)‏ حدثني معاوية بن أبي مزرد عن سعيد بن يسار، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ما من يوم يصبح العباد فيه، إلا ملكان ينزلان‏.‏ فيقول أحدهما‏:‏ اللهم ‏!‏ أعط منفقا خلفا‏.‏ ويقول الآخر‏:‏ اللهم ‏!‏ أعط ممسكا تلفا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ما من يوم يصبح العباد فيه إلا ملكان ينزلان‏)‏ ما من يوم، يعني ليس من يوم‏.‏ وكلمة من زائدة‏.‏ ويوم اسمه‏.‏ وقوله‏:‏ يصبح العباد فيه، صفة يوم‏.‏ وقوله‏:‏ إلا ملكان، مستثنى من متعلق محذوف، وهو خبر ما‏.‏ والمعنى‏:‏ ليس يوم موصوف بهذا الوصف ينزل فيه أحد إلا ملكان يقولان كيت وكيت‏.‏ ‏(‏أعط منفقا خلفا‏)‏ قال العلماء‏:‏ هذا في الإنفاق في الطاعات ومكارم الأخلاق وعلى العيال والضيفان والصدقات ونحو ذلك، بحيث لا يذم ولا يسمى سرفا‏.‏ والإمساك المذموم هو الإمساك عن هذا‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏18‏)‏ باب الترغيب في الصدقة قبل أن لا يوجد من يقبلها
58 – ‏(‏1011‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ ح وحدثنا محمد بن المثنى ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن معبد بن خالد‏.‏ قال‏:‏ سمعت حارثة بن وهب يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏تصدقوا‏.‏ فيوشك الرجل يمشي بصدقته، فيقول الذي أعطيها‏:‏ لو جئتنا بها الأمس قبلتها‏.‏ فأما الآن، فلا حاجة لي بها‏.‏ فلا يجد من يقبلها‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أعطيها‏)‏ أي عرضت عليه‏]‏‏.‏
59 – ‏(‏1012‏)‏ وحدثنا عبدالله بن براد الأشعري، وأبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو أسامة عن بريد عن أبي بردة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال‏:‏
‏”‏ليأتين على الناس زمان يطوف الرجل فيه بالصدقة من الذهب‏.‏ ثم لا يجد أحدا يأخذها منه‏.‏ ويرى الرجل الواحد يتبعه أربعون امرأة‏.‏ يلذن به من قلة الرجال وكثرة النساء ‏”‏‏.‏ وفي رواية ابن براد‏:‏ ‏”‏وترى الرجل‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يلذن به‏)‏ معنى يلذن به، أي ينتمين إليه ليقوم بحوائجهن، ويذب عنهن ‏.‏كقبيلة بقي من رجالها واحد فقط وبقيت نساؤها‏.‏ فيلذن بذلك الرجل ليذب عنه ويقوم بحوائجهن ولا يطمع فيهن أحد بسببه‏.‏ وهو من لاذ به، يلوذ لوذا ولياذا، إذ التجأ إليه واستغاث‏]‏‏.‏
60 – ‏(‏157‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا يعقوب ‏(‏وهو ابن عبدالرحمن القارئ‏)‏ عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏لا تقوم الساعة حتى يكثر المال ويفيض‏.‏ حتى يخرج الرجل بزكاة ماله فلا يجد أحدا يقبلها منه‏.‏ وحتى تعود أرض العرب مروجا وأنهارا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏مروجا‏)‏ أي رياض ومزارع‏.‏ وقال بعضهم‏:‏ المرج هو الموضع الذي يرعى فيه الدواب‏]‏‏.‏
61 – ‏(‏157‏)‏ وحدثنا أبو الطاهر‏.‏ حدثنا أبو وهب عن عمرو بن الحارث، عن أبي يونس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ قال‏:‏
‏”‏لا تقوم الساعة حتى يكثر فيكم المال‏.‏ فيفيض حتى يهم رب المال من يقبله من صدقة‏.‏ ويدعي إليه الرجل فيقول‏:‏ لا أرب لي فيه‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏حتى يهم رب المال‏)‏ ضبطوه بوجهين‏:‏ أجودهما وأشهرهما بضم الياء وكسر الهاء، ويكون رب المال منصوبا مفعولا، والفاعل من‏.‏ وتقديره يحزنه ويهتم له‏.‏ والثاني يهم بفتح الياي وضم الهاء، ويكون رب المال مرفوعا فاعلا‏.‏ وتقديره يهم رب المال من يقبل صدقته أي يقصده‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ يقال أهمه إذا أحزنه‏.‏ وهمه إذا أذابه‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ همك ما أهمك‏.‏ أي أذابك الشي الذي أحزنك فأذهب شحمك‏.‏ وعلى الوجه الثاني هو من هم به، إذا قصده‏.‏ ‏(‏لا أرب لي فيه‏)‏ أي لا حاجة‏]‏‏.‏
62 – ‏(‏1013‏)‏ وحدثنا واصل بن عبدالأعلى وأبو كريب ومحمد بن يزيد الرفاعي ‏(‏واللفظ لواصل‏)‏ قالوا‏:‏ حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه، عن أبي حازم، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏تقيء الأرض أفلاذ كبدها‏.‏ أمثال الأسطوان من الذهب والفضة‏.‏ فيجيء القاتل فيقول‏:‏ في هذا قتلت‏.‏ ويجيء القاطع فيقول‏:‏ في هذا قطعت رحمي‏.‏ ويجيء السارق فيقول‏:‏ في هذا قطعت يدي‏.‏ ثم يدعونه فلا يأخذون منه شيئا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تقيء الأرض أفلاذ كبدها‏)‏ الأفلاذ جمع فلذ، ككتف‏.‏ والفلذ جمع فلذة وهي قطعة من الكبد مقطوعة طولا‏.‏ وخص الكبد لأنها من أطايب الجزور‏.‏ ومعنى الحديث أنها تخرج ما في جوفها من القطع المدفونة فيها‏.‏ ‏(‏أمثال الأسطوان‏)‏ جمع أسطوانة، وهي السارية والعمود‏.‏ وشبهه بالأسطوانة لعظمه‏.‏ ‏(‏في هذا‏)‏ أي من أجل هذا وبسببه‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏19‏)‏ باب قبول الصدقة من الكسب الطيب وتربيتها
63 – ‏(‏1014‏)‏ وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن سعيد بن يسار ؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ما تصدق أحد بصدقة من طيب، ولا يقبل الله إلا الطيب، إلا أخذها الرحمن بيمينه‏.‏ وإن كانت تمرة‏.‏ فتربو في كف الرحمن حتى تكون أعظم من الجبل‏.‏ كما يربي أحدكم فلوه أو فصيله‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏إلا أخذها الرحمن بيمينه‏)‏ كني عن قبول الصدقة بأخذها في الكف، وعن تضعيف أجرها بالتربية‏.‏ ‏(‏فتربو‏)‏ أي تزيد‏.‏ قال تعالى‏:‏ وما أتيتم من ربا ليربو في أموال الناس فلا يربو عند الله‏.‏ ‏(‏فلوه أو فصيله‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الفلو المهرسمي بذلك لأنه فلي عن أمه، أي فصل وعزل‏.‏ والفصيل ولد الناقة إذا فصل من أرضاع أمه‏.‏ فعيل بمعنى مفعول‏.‏ كجريح وقتيل بمعنى مجروح ومقتول‏.‏ وفي الفلو لغتان فصيحتان‏:‏ أفصحهما وأشهرهما فتح الفاء وضم اللام وتشديد الواو‏.‏ والثانية كسر الفاء وإسكان اللام وتخفيف الواو‏]‏‏.‏
64 – ‏(‏1014‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا يعقوب ‏(‏يعني ابن عبدالرحمن القارئ‏)‏ عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏لا يتصدق أحد بتمرة من كسب طيب‏.‏ إلا أخذها الله بيمينه‏.‏ فيربيها كما يربي أحدكم فلوه أو قلوصه‏.‏ حتى تكون مثل الجبل، أو أعظم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أو قلوصه‏)‏ هي الناقة الفتية‏.‏ ولا يطلق على الذكر‏]‏‏.‏
‏(‏1014‏)‏ وحدثني أمية بن بسطام‏.‏ حدثنا يزيد ‏(‏يعني ابن زريع‏)‏ حدثنا روح بن القاسم‏.‏ ح وحدثنيه أحمد بن عثمان الأودي‏.‏ حدثنا خالد بن مخلد‏.‏ حدثني سليمان ‏(‏يعني ابن بلال‏)‏‏.‏ كلاهما عن سهيل، بهذا الإسناد‏.‏
وفي حديث روح‏:‏ ‏”‏من الكسب الطيب فيضعها في حقها‏”‏ وفي حديث سليمان ‏”‏فيضعها في موضعها‏”‏‏.‏
م ‏(‏1014‏)‏ وحدثنيه أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أحبرني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ نحو حديث يعقوب عن سهيل‏.‏
65 – ‏(‏1015‏)‏ وحدثني أو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ حدثنا فضيل بن مرزوق‏.‏ حدثني عدي بن ثابت عن أبي حازم، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏أيها الناس ‏!‏ إن الله طيب لا يقبل إلا طيبا‏.‏ وإن الله أمر المؤمنين بما أمر به المرسلين‏.‏ فقال‏:‏ ‏{‏ يا أيها الرسل كلوا من الطيبات واعملوا صالحا إني بما تعملون عليم‏}‏‏.‏‏[‏23 / المؤمنون/ الآية 51‏]‏ وقال‏:‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا كلوا من طيبات ما رزقناكم‏}‏ ‏[‏2 / البقرة / الآية 172‏]‏‏”‏‏.‏ ثم ذكر الرجل يطيل السفر‏.‏ أشعث أغبر‏.‏ يمد يديه إلى السماء‏.‏ يا رب ‏!‏ يا رب ‏!‏ ومطعمة حرام، ومشربه حرام، وملبسه حرام، وغذي بالحرام‏.‏ فأنى يستجاب لذلك ‏؟‏ ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏إن الله طيب‏)‏ قال القاضي‏:‏ الطيب في صفة الله تعالى بمعنى المنزه عن النقائص‏.‏ وهو بمعنى القدوس‏.‏ وأصل الطيب الزكاة والطهارة والسلامة من الخبث‏.‏ ‏(‏ثم ذكر الرجل‏)‏ هذه الجملة من كلام الراوي‏.‏ والضمير فيه للنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ والرجل بالرفع، مبتدأ‏.‏ مذكور على وجه الحكاية من لفظ رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ويجوز أن ينصب على أنه مفعول ذكر‏.‏ ‏(‏وغذي‏)‏ بضم الغين وتخفيف الذال‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏20‏)‏ باب الحث على الصدقة ولو بشق تمرة أو كلمة طيبة، وأنها حجاب من النار
66- ‏(‏1016‏)‏ حدثنا عون بن سلام الكوفي‏.‏ حدثنا زهير بن معاوية الجعفي عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن معقل، عن عدي بن حاتم ؛ قال‏:‏ سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏من استطاع منكم أن يستتر من النار ولو بشق تمرة، فليفعل‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏بشق‏)‏ الشق بكسر الشين، نصفها وجانبها‏]‏‏.‏
67 – ‏(‏1016‏)‏ حدثنا علي بن حجر السعدي وإسحاق بن إبراهيم وعلي بن خرشم ‏(‏قال ابن الحجر‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا عيسى بن يونس‏)‏ حدثنا الأعمش عن خيثمة، عن عدي بن حاتم ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ما منكم من أحد إلا سيكلمه الله‏.‏ ليس بينه وبينه ترجمان‏.‏ فينظر أيمن منه فلا يرى إلا ما قدم‏.‏ وينظر أشأم منه فلا يرى إلا ما قدم‏.‏ وينظر بين يديه فلا يرى إلا النار تلقاء وجهه‏.‏ فاتقوا النار ولوبشق تمرة‏”‏‏.‏ زاد ابن حجر‏:‏ قال الأعمش‏:‏ وحدثني عمرو بن مرة عن خثيمة، مثله‏.‏ وزاد فيه ‏”‏ولو بكلمة طيبة‏”‏‏.‏ وقال إسحاق‏:‏ قال الأعمش‏:‏ عن عمرو بن مرة، عن خثيمة‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ما منكم من أحد‏)‏ أي ما أحد منكم‏.‏ ‏(‏ترجمان‏)‏ بفتح التاء وضمها، هو المعبر عن لسان بلسان‏.‏ ‏(‏أيمن منه‏)‏ أي إلى جانبه الأيمن‏.‏ ‏(‏أشأم منه‏)‏ أي إلى جانبه الأيسر‏]‏‏.‏
68 – ‏(‏1016‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي بن حاتم‏.‏ قال‏:‏
ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم النار فأعرض وأشاح‏.‏ ثم قال ‏”‏اتقوا النار‏”‏‏.‏ ثم أعرض وأشاح حتى ظننا أنه كأنما ينظر إليها‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏اتقوا النار ولو بشق تمرة‏.‏ فمن لم يجد، فبكلمة طيبة‏”‏‏.‏ ولم يذكر أبو كريب‏:‏ كأنما‏.‏ وقال‏:‏ حدثنا أبو معاوية‏.‏ حدثنا الأعمش‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وأشاح‏)‏ المشيح الحذر والجاد في الأمر‏.‏ وقيل‏:‏ المقبل إليك المانع لما وراء ظهره‏.‏ فيجوز أن يكون أشاح أحد هذه المعاني، أي حذر النار كأنه ينظر إليها‏.‏ أو جد على الإيصاء باتقائها، أو أقبل إليك في خطابه أو أعرض كالهارب‏.‏ وقال الخليل وغيره‏:‏ معناه نحاه وعدل به‏]‏‏.‏
‏(‏1016‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى وان بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة، عن خيثمة، عن عدي عن حاتم، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه ذكر النار فتعوذ منها‏.‏ وأشاح بوجهه‏.‏ ثلاث مرار‏.‏ ثم قال‏:‏
‏”‏اتقوا النار ولو بشق تمرة‏.‏ فإن لم تجدوا، فبكلمة طيبة‏”‏‏.‏
69 – ‏(‏1017‏)‏ حدثني محمد بن المثنى العنزي‏.‏ أخبرنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن عون بن أبي جحيفة، عن المنذر بن جرير، عن أبيه ؛ قال‏:‏
كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم في صدر النهار‏.‏ قال‏:‏ فجاءه قوم حفاة عراة مجتابي النمار أو العباء‏.‏ متقلدي السيوف‏.‏ عامتهم من مضر‏.‏ بل كلهم من مضر‏.‏ فتمعر وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم لما رأى بهم من الفاقة‏.‏ فدخل ثم خرج‏.‏ فأمر بلال فإذن وأقام‏.‏ فصلى ثم خطب فقال‏:‏ ‏”‏ ‏{‏ يا أيها الناس ‏!‏ اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة ‏}‏ ‏[‏4 /النساء/ الآية 1‏]‏ إلى آخر الآية ‏.‏‏{‏ إن الله كان عليكم رقيبا‏}‏‏.‏ والآية التي في الحشر‏:‏ ‏{‏ اتقوا الله ولتنظر نفس ما قدمت لغد واتقوا الله‏}‏ ‏[‏59/الحشر/ الآية 18‏]‏ تصدق رجل من ديناره ،من درهمه، من ثوبه ،من صاع بره، من صاع تمره ‏(‏حتى قال‏)‏ ولو بشق تمرة ‏”‏قال‏:‏ فجاء رجل من الانصار بصرة كادت كفه تعجز عنها‏.‏ بل قد عجزت ‏.‏قال‏:‏ ثم تتابع الناس ‏.‏حتى رأيت كومين من طعام وثبات‏.‏ رأيت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم يتهلل‏.‏ كأنه مذهبة فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏من سن في الإسلام سنة حسنة، فله أجرها، وأجر من عمل بها بعده‏.‏ من غير أن ينقص من أجورهم شيء‏.‏ ومن سن في الإسلام سنة سيئة، كان عليه وزرها ووزر من عمل بها من بعده‏.‏ من غير أن ينقص من أوزارهم شيء‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏مجتابي النمار‏)‏ نصب على الحالية‏.‏ أي لابسيها خارقين أوساطها مقورين‏.‏ يقال‏:‏ اجتبت القميص أي دخلت فيه‏.‏ والنمار جمع نمرة‏.‏ وهي ثياب صوف فيها تنمير‏.‏ وقيل‏:‏ هي كل شملة مخططة من مآزر الأعراب‏.‏ كأنها أخذت من لون النمر لما فيها من السواد والبياض‏.‏ أراد أنه جاءه قوم لابسي أزر مخططة من صوف‏.‏ ‏(‏العباء‏)‏ بالمد وبفتح العين، جمع عباءة وعباية، لغتان‏.‏ نوع من الأكسية ‏(‏فتعمر‏)‏ أي تغير‏.‏ ‏(‏كومين‏)‏ هو بفتح الكاف وضمها‏.‏ قال القاضي‏:‏ ضبطه بعضهم بالفتح وبعضهم بالضم‏.‏ قال ابن سراج‏:‏ هو بالضم اسم لما كوم‏.‏ وبالفتح المرة الواحدة‏.‏ قال‏:‏ والكومة، بالضم، الصبرة‏.‏ والكوم العظيم من كل شيء‏.‏ والكوم المكان المرتفع كالرابية‏.‏ قال القاضي‏.‏ فالفتح هنا أولى، لأن مقصوده الكثرة والتشبيه بالرابية‏.‏ ‏(‏يتهلل‏)‏ أي يستنير فرحا وسرورا‏.‏ ‏(‏مذهبة‏)‏ ضبطوه بوجهين‏:‏ أحدهما، وهو المشهور، وبه جزم القاضي والجمهور‏:‏ مذهبة‏.‏ والثاني، ولم يذكر الحميدي في الجمع بين الصحيحين غيره مدهنة‏.‏ وقال القاضي عياض‏:‏ في المشارق، وغيره من الأئمة‏:‏ هذا تصيحف‏.‏ وذكر القاضي وجهين في تفسيره‏:‏ أحدهما معناه فضة مذهبة، فهو أبلغ في حسن الوجه وإشراقه‏.‏ والثاني شبهه في حسنه ونوره بالمذهبة من الجلود، وجمعها مذاهب‏.‏ وهي شيء كانت العرب تصنعه من جلود وتجعل فيها خطوط مذهبة يرى بعضها إثر بعض‏]‏‏.‏
‏(‏1017‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ ح وحدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ قالا جميعا‏:‏ حدثنا شعبة‏.‏ حدثني عون بن أبي جحيفة‏.‏ قال‏:‏ سمعت المنذر بن جرير عن أبيه قال‏:‏
كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم صدر النهار‏.‏ بمثل حديث ابن جعفر‏.‏ وفي حديث ابن معاذ من الزيادة قال‏:‏ ثم صلى الظهر ثم خطب‏.‏
70 – ‏(‏1017‏)‏ حدثني عبيدالله بن عمر القواريري وأبو كامل ومحمد بن عبدالملك الأموي‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا أبو عوانة عن عبدالملك ابن عمير، عن المنذر بن جرير، عن أبيه ؛ قال‏:‏
كنت جالسا عند النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأتاه قوم مجتابي النمار‏.‏ وساقوا الحديث بقصته‏.‏ وفيه‏:‏ فصلى الظهر ثم صعد منبرا صغيرا‏.‏ فحمد الله وأثنى عليه‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏ أما بعد‏.‏ فإن الله أنزل في كتابه‏:‏ يا أيها الناس اتقوا ربكم الآية‏”‏‏.‏
71 – ‏(‏1017‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا جرير عن الأعمش، عن موسى بن عبدالله بن يزيد وأبي الضحى، عن عبدالرحمن ابن هلال العبسي، عن جرير بن عبدالله ؛ قال‏:‏
جاء ناس من الأعراب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ عليهم الصوف‏.‏ فرأى سوء حالهم قد أصابتهم حاجة‏.‏ فذكر بمعنى حديثهم‏.‏
*3* ‏(‏21‏)‏ باب الحمل أجرة يتصدق بها، والنهي الشديد عن تنقيص المتصدق بقليل
72 – ‏(‏1018‏)‏ حدثني يحيى بن معين‏.‏ حدثنا غندر‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ ح وحدثنيه بشر بن خالد ‏(‏واللفظ له‏)‏ أخبرنا محمد ‏(‏يعني ابن جعفر‏)‏ عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن أبي مسعود‏.‏ قال‏:‏ أمرنا بالصدقة‏.‏ قال‏:‏ كنا نحامل‏.‏ قال‏:‏ فتصدق أبو عقيل بنصف صاع‏.‏ قال‏:‏ وجاء إنسان بشيء أكثر منه‏.‏ فقال المنافقون‏:‏ إن الله لغني عن صدقة هذا‏.‏ وما فعل هذا الآخر إلا رياء‏.‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏ الذين يلمزون المطوعين من المؤمنين في الصدقات والذين لا يجدون إلا جهدهم ‏}‏ ‏[‏9 / التوبة / 79‏]‏‏.‏ ولم يلفظ بشر بالمطوعين‏.‏
‏[‏ش ‏(‏كنا نحامل‏)‏ معناه نحمل على ظهورنا بالأجرة ونتصدق من تلك الأجرة، أو نتصدق بها كلها‏.‏ وقال ابن الأثير في تفسير المحاملة‏:‏ أي نحمل لمن يحمل لنا، من المفاعلة‏.‏ أو هو من التحامل وهو تكلف الحمل على مشقة‏]‏‏.‏
‏(‏1018‏)‏ وحدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثني سعيد بن الربيع‏.‏ ح وحدثنيه إسحاق بن منصور‏.‏ أخبرنا أبو داود‏.‏ كلاهما عن شعبة، بهذا الإسناد‏.‏ وفي حديث سعيد بن الربيع قال‏:‏ كنا نحامل على ظهورنا‏.‏
*3* ‏(‏22‏)‏ باب فضل المنيحة
73 – ‏(‏1019‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة‏.‏ يبلغ به ‏”‏ ألا رجل يمنح أهل بيت ناقة‏.‏ تغدو بعس‏.‏ إن أجرها لعظيم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يبلغ به‏)‏ معناه يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم، أي يرفعه إليه‏.‏ ‏(‏ألا رجل يمنح أهل بيت ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ الجملة الفعلية صفة رجل‏.‏ وهو مبتدأ خبره جملة‏:‏ إن أجرها لعظيم‏.‏ ومعنى يمنح الخ يعطيهم ناقة يأكلون لبنها وينتفععون من وبرها مدة ثم يردونها إليه‏.‏ وتسمى الناقة المعطاة على هذا الوجه منيحة ومنحة‏.‏ ‏(‏تغدو بعس وتروح بعس‏)‏ أي تذهب تلك الناقة بملء عس لبنا وقت الصباح، وتذهب بملء عس لبنا وقت المساء‏.‏ يعني يحلب من لبنها ملء إناء صباحا ومساء‏.‏ وهذه الجملة صفة مادحة للمنيحة‏.‏ والعس بالضم والتشديد القدح الكبير‏.‏ جمعه عساس كسهام‏.‏ وأعساس أقفال‏.‏ والقدح آنية تروي الرجلين‏]‏‏.‏
74 – ‏(‏1020‏)‏ حدثني محمد بن أحمد بن أبي خلف‏.‏ حدثنا زكرياء بن عدي‏.‏ أخبرنا عبيدالله بن عمرو عن زيد، عن عدي بن ثابت، عن أبي حازم، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم ؛ أنه نهى فذكر خصالا وقال‏:‏
‏”‏من منح منيحة، غدت بصدقة، وراحت بصدقة، صبوحها وغبوقها‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من منح منيحة‏)‏ مبتدأ، وقوله‏:‏ غدت بصدقة، خبره‏.‏ والضمير الراجع إلى الموصول محذوف‏.‏ تقديره غدت تلك المنيحة له ملتبسة بصدقة‏.‏ ‏(‏صبوحها وغبوقها‏)‏ الصبوح ما حلب من اللبن بالغداة‏.‏ والغبوق، بالعشي‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ هما مجروران على البدل من قوله‏:‏ بصدقة‏.‏ ويصح نصبهما على الظرف‏]‏‏.‏
(‏23‏)‏ باب مثل المنفق والبخيل
75 – ‏(‏1021‏)‏ حدثنا عمرو الناقد‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال عمرو‏:‏ وحدثنا سفيان بن عيينة‏.‏ قال‏:‏ وقال ابن جريج‏:‏ عن الحسن بن مسلم، عن طاوس، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏مثل المنفق والمتصدق‏.‏ كمثل رجل عليه جبتان أو جنتان‏.‏ من لدن ثديهما إلى تراقيهما‏.‏ فإذا أراد المنفق ‏(‏وقال الآخر‏:‏ فإذا أراد المتصدق‏)‏ أن يتصدق سبغت عليه أو مرت‏.‏ وإذا أراد البخيل أن ينفق‏.‏ قلصت عليه وأخذت كل حلقة موضعها‏.‏ حتى تجن بنانه وتعفو أثره‏”‏ قال فقال أبو هريرة‏:‏ فقال‏:‏ يوسعها فلا تتسع‏.‏
‏[‏ش ‏(‏مثل المنفق والمتصدق‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ وقع في هذا الحديث أوهام كثيرة من الرواة‏.‏ وتصحيف وتحريف وتقديم وتأخير‏.‏ ويعرف صوابه من الأحاديث التي بعده‏.‏ فمنها‏:‏ مثل المنفق والمتصدق‏.‏ وصوابه مثل المنفق والبخيل‏.‏ ومنها‏:‏ كمثل رجل‏.‏ وصوابه كمثل رجلين عليهما جنتان‏.‏ ومنها‏:‏ قوله جبتان أو جنتان‏.‏ وصوابه جنتان بالنون، بلا شك‏.‏ والجنة الدرع، ويدل عليه الحديث نفسه أي قوله فأخذت كل حلقة موضعها، وقوله في الحديث الآخر‏:‏ جنتان من حديد‏.‏ ‏(‏سبغت عليه‏)‏ أي كملت واتسعت‏.‏ ‏(‏أو مرت‏)‏ قيل‏:‏ إن صوابه مدت، بالدال، بمعنى سبغت‏.‏ كما قال في الحديث الآخر انبسطت‏.‏ لكنه قد يصح مرت على نحو هذا المعنى‏.‏ والسابغ الكامل‏.‏ ‏(‏حتى تجن بنانه وتعفو أثره‏)‏ في هذا الكلام اختلال كثير‏.‏ لأن قوله‏:‏ تجن بنانه وتعفو أثره إنما جاء في المتصدق لا في البخيل‏.‏ وهو على ضد ما هو وصف البخيل من قوله‏:‏ قلصت كل حلقة موضعها، وقوله‏:‏ يوسعها فلا تتسع، وهذا من وصف البخيل فأدخله في وصف المتصدق فاختل الكلام وتناقض‏.‏ ومعنى يعفو أثره أي يمحي أثر مشيه بسبوغها وكمالها‏.‏ وهو تمثيل لنماء المال بالصدقة والإنفاق، والبخل بضد ذلك‏]‏‏.‏
‏(‏1021‏)‏ حدثني سليمان بن عبيدالله أبو أيوب الغيلاني‏.‏ حدثنا أبو عامر ‏(‏يعني العقدي‏)‏‏.‏ حدثنا إبراهيم بن نافع عن الحسن بن مسلم عن طاوس، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ ضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏مثل البخيل والمتصدق‏.‏ كمثل رجلين عليهما جنتان من حديد‏.‏ قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما‏.‏ فجعل المتصدق كلما تصدق بصدقة انبسطت عنه‏.‏ حتى تغشي أنامله وتعفو أثره‏.‏
وجعل البخيل كلما هم بصدقة قلصت‏.‏ وأخذت كل حلقة مكانها‏”‏‏.‏ قال‏:‏ فأنا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول بإصبعه في جيبه‏.‏ فلو رأيته يوسعها ولا توسع‏.‏
‏[‏ش ‏(‏قد اضطرت أيديهما إلى ثديهما وتراقيهما‏)‏ أي ألجئت إليها ولصقت بها كأنها مغلولة إلى أعناقهما‏.‏ ‏(‏حتى تغشي أنامله‏)‏ أي تغطيها أو تسترها‏.‏ من غشيت الشيء إذا غطيته‏.‏ ‏(‏وتعفو أثره‏)‏ أي تمحو أثر مشيته وتطمسه لفضلها عن قامته‏.‏ يعني أن الصدقة تستر خطايا المتصدق كما يستر الثوب الذي يجر على الأرض أثر مشى لابسه بمرور الذيل عليه‏.‏ ‏(‏يقول بأصبعه في جيبه‏)‏ أي يدخلها فيه مشيرا إلى إرادة التوسيع بالاجتهاد‏.‏ فالقول فيه ليس على حقيقته بل هو مجاز عن الفعل‏]‏‏.‏
77 – ‏(‏1021‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أحمد بن إسحاق الحضرمي عن وهيب‏.‏ حدثنا عبدالله بن طاوس عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏مثل البخيل والمتصدق مثل رجلين عليهما جنتان من حديد‏.‏ إذا هم المتصدق بصدقة اتسعت عليه‏.‏ حتى تعفّى أثره‏.‏ وإذا هم البخيل بصدقة تقلّصت عليه‏.‏ وانضمت يداه إلى تراقيه‏.‏ وانقبضت كل حلقة إلى صاحبتها‏”‏‏.‏ قال‏:‏ فسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏فيجهد أن يوسّعها فلا يستطيع‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏24‏)‏ باب ثبوت أجر المتصدق، وإن وقعت الصدقة في يد غير أهلها
78 – ‏(‏1022‏)‏ حدثني سويد بن سعيد‏.‏ حدثني حفص بن ميسرة عن موسى بن عقبة، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏قال رجل‏:‏ لأتصدقن الليلة بصدقة‏.‏ فخرج بصدقته فوضعها في يد زانية‏.‏ فأصبحوا يتحدثون‏:‏ تصدق الليلة على زانية‏.‏ قال‏:‏ اللهم‏!‏ لك الحمد على زانية‏.‏ لأتصدقن بصدقة‏.‏ فخرج بصدقته فوضعها في يد غني‏.‏ فأصبحوا يتحدثون‏:‏ تصدق على غني‏.‏ قال‏:‏ اللهم ‏!‏ لك الحمد على غني‏.‏ لأتصدقن بصدقة‏.‏ فخرج بصدقته فوضعها في يد سارق‏.‏ فأصبحوا يتحدثون‏:‏ تصدق على سارق‏.‏ فقال‏:‏ اللهم ‏!‏ لك الحمد على زانية وعلى غني وعلى سارق‏.‏ فأتي فقيل له‏:‏ أما صدقتك فقد قبلت‏.‏ أما الزانية فلعلها تستعف بها عن زناها‏.‏ ولعل الغنى يعتبر فينفق مما أعطاه الله‏.‏ ولعل السارق يستعف بها عن سرقته‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏25‏)‏ باب أجر الخارق الأمين، والمرأة إذا تصدقت من بيت زوجها غير مفسدة، بإذن الصريح أو العرفي
79 – ‏(‏1023‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو عامر الأشعري وابن نمير وأبو كريب‏.‏ كلهم عن أبي أسامة‏.‏ قال أبو عامر‏:‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ حدثنا بريد عن جده، أبي بريدة، عن أبي موسى، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏إن الخازن المسلم الأمين الذي ينفذ ‏(‏وربما قال يعطى‏)‏ ما أمر به، فيعطيه كاملا موفرا، طيبة به نفسه، فيدفعه إلى الذي أمر له به – أحد المتصدقين‏”‏‏.‏
80 – ‏(‏1034‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم‏.‏ جميعا عن جرير‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا جرير عن منصور، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏إذا أنفقت المرأة من طعام بيتها غير مفسدة، كان لها أجرها بما أنفقت‏.‏ ولزوجها أجره بما كسب‏.‏ وللخازن مثل ذلك‏.‏ لا ينقص بعضهم أجر بعض شيئا‏”‏‏.‏
‏(‏1028‏)‏ وحدثناه ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا فضيل بن عياض عن منصور، بهذا الإسناد‏.‏ وقال ‏”‏من طعام زوجها‏”‏‏.‏
81 – ‏(‏1028‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن مسروق، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏إذا انفقت المرأة من بيت زوجها غير مفسدة‏.‏ كان لها أجرها‏.‏ وله مثله‏.‏ بما اكتسب‏.‏ ولها بما أنفقت‏.‏ وللخازن مثل ذلك‏.‏ من غير أن ينتقص من أجورهم شيئا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏شيئا‏)‏ هكذا وقع في جميع النسخ‏:‏ شيئا بالنصب‏.‏ فيقدر له ناصب فيحتمل أن يكون تقديره‏:‏ من غير أن ينقص الله من أجورهم شيئا‏.‏ ويحتمل أن يقدر‏:‏ من غير أن ينقص الزوج من أجر المرأة والخازن شيئا‏.‏ وجمع ضميرهما مجازا على قول الأكثرين‏:‏ إن أقل الجمع ثلاثة‏.‏ أو حقيقة على قول من قال‏:‏ أقل الجمع اثنان‏]‏‏.‏
‏(‏1024‏)‏ وحدثناه ابن نمير‏.‏ حدثنا أبي معاوية عن الأعمش، بهذا إسناد، نحوه‏.‏
*3* ‏(‏36‏)‏ باب ما أنفق العبد من مال مولاه
82 – ‏(‏1025‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير وزهير بن حرب‏.‏ جميعا عن حفص بن غياث‏.‏ قال ابن نمير‏:‏ حدثنا حفص عن محمد بن زيد، عن عمير مولى آبي اللحم‏.‏ قال‏:‏ كنت مملوكا‏.‏ فسألت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ أأتصدق من مال موالي بشيء قال‏:‏
‏”‏نعم‏.‏ والأجر بينكما نصفان‏”‏‏.‏
83 – ‏(‏1025‏)‏ وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا حاتم ‏(‏يعني ابن إسماعيل‏)‏ عن يزيد ‏(‏يعني ابن أبي عبيدة‏)‏ قال‏:‏ سمعت عميرا مولى آبي اللحم قال‏:‏ أمرني مولاي أن أقدد لحماْ‏.‏ فجاءني مسكين‏.‏ فأطعمته منه‏.‏ فعلم بذلك مولاي فضربني‏.‏ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم فذكرت ذلك له‏.‏ فدعاه فقال‏:‏
‏”‏لم ضربته ‏؟‏ ‏”‏ فقال‏:‏ يعطي طعامي بغير أن آمره‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏الأجر بينكما‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أن أقدد لحما‏)‏ من القد وهو الشق طولا‏]‏‏.‏
84 – ‏(‏1026‏)‏ حدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ حدثنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏لا تصم المرأة وبعلها شاهد إلا بإذنه‏.‏ ولا تأذن في بيته وهو شاهد إلا بإذنه‏.‏ وما أنفقت من كسبه من غير أمره فإن نصف أجره له‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وبعلها شاهد‏)‏ أي مقيم في البلد‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏27‏)‏ باب من جمع الصدقة وأعمال البر
85 – ‏(‏1027‏)‏ حدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى التجيبي ‏(‏واللفظ لأبي الطاهر‏)‏ قالا‏:‏ حدثنا بن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن حميد بن عبدالرحمن، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏من أنفق زوجين في سبيل الله نودي في الجنة‏:‏ يا عبدالله ‏!‏ هذا خير‏.‏ فمن كان من أهل الصلاة، دعي من باب الصلاة‏.‏ ومن كان من أهل الجهاد، دعي من باب الجهاد‏.‏ ومن كان من أهل الصدقة، دعي من باب الصدقة‏.‏ ومن كان من أهل الصيام، دعي من باب الريان‏”‏‏.‏
قال أبو بكر الصديق‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة‏.‏ فهل يدعى أحد من تلك الأبواب كلها ‏؟‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏نعم‏.‏ وأرجو أن تكون منهم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من أنفق زوجين‏)‏ قال القاضي‏:‏ قال الهروي في تفسير هذا الحديث‏:‏ قيل‏:‏ ما زوجان ‏؟‏ قال‏:‏ فرسان أو عبدان أو بعيران‏.‏ وقال ابن عرفة‏:‏ كل شيء قرن بصاحبه فهو زوج‏.‏ يقال‏:‏ زوجت بين الإبل، إذا قرنت بعير ببعير‏.‏ وقيل درهم ودينار أو درهم وثوب‏.‏ قال‏:‏ والزوج يقع على الاثنين ويقع على الواحد‏.‏ وقيل‏:‏ إنما يقع على الواحد إذا كان معه آخر‏.‏ ويقع الزوج أيضا على الصنف، وفسر بقوله تعالى‏:‏ وكنتم أزواجا ثلاثة‏.‏ ‏(‏نودي في الجنة ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ معناه لك هنا خير وثواب وغبطة‏.‏ وقيل‏:‏ معناه هذا الباب، فيما نعتقده، خير لك من غيره من الأبواب لكثرة ثوابه ونعيمه، فتعال فادخل منه‏.‏ ولا بد من تقدير ما ذكرناه أن كل مناد يعتقد أن ذلك الباب أفضل من غيره‏.‏ ‏(‏فمن كان من أهل الصلاة الخ‏)‏ قال العلماء‏:‏ معناه من كان الغالب عليه في عمله وطاعته ذلك‏.‏ ‏(‏دعي من باب الريان‏)‏ قال العلماء‏:‏ سمي باب الريان تنبيها على أن العطشان بالصوم في الهواجر سيروى، وعاقبته إليه، وهو مشتق من الري‏.‏ ‏(‏ما على أحد يدعى من تلك الأبواب من ضرورة‏)‏ من ضرورة اسم ما‏.‏ ومن زائدة استغراقية‏]‏‏.‏
‏(‏1027‏)‏ حدثني عمرو الناقد والحسن الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا يعقوب ‏(‏وهو ابن إبراهيم بن سعد‏)‏ حدثنا أبي عن صالح ح وحدثنا عبد بن حميد‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر‏.‏ كلاهما عن الزهري‏.‏ بإسناد يونس، ومعنى حديثه‏.‏
86 – ‏(‏1027‏)‏ وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن الزبير‏.‏ حدثنا شيبان‏.‏ ح وحدثني محمد بن حاتم ‏(‏واللفظ له‏)‏ حدثنا شبابة‏.‏ حدثني شيبان بن عبدالرحمن عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة بن عبدالرحمن ؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏من أنفق زوجين في سبيل الله دعاه خزنة الجنة‏.‏ كل خزنة باب‏:‏ أي فل ‏!‏ هلم‏”‏‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ذلك الذي لاتوى عليه‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إني لأرجو أن تكون منهم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أي فل هلم‏)‏ هكذا ضبطناه‏:‏ أي فل بضم اللام‏.‏ وهو المشهور‏.‏ ولم يذكر القاضي وأخرون غيره‏.‏ قال القاضي‏:‏ معناه أي فلان‏.‏ فرخم ونقل إعراب الكلمة علىِ إحدى اللغتين في الترخيم‏.‏ ‏(‏لا توى عليه‏)‏ أي لا هلاك‏]‏‏.‏
87 – ‏(‏1028‏)‏ حدثنا ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا مروان ‏(‏يعني الفزاري‏)‏ عن يزيد ‏(‏وهو ابن كيسان‏)‏ عن أبي حازم الأشجعي، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏من أصبح منكم اليوم صائما ‏؟‏‏”‏ قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أنا‏.‏ قال ‏”‏فمن تبع منكم اليوم جنازة‏.‏‏”‏ قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ انا‏.‏ قال فمن أطعم منكم اليوم مسكينا ‏؟‏‏”‏ قال أبو بكر رضي الله عنه‏.‏ أنا‏.‏ قال ‏”‏فمن عاد منكم اليوم مريضا‏.‏‏”‏ قال أبو بكر رضي الله عنه‏:‏ أنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ما اجتمعن في أمريء، إلا دخل الجنة‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏28‏)‏ باب الحث في الإنفاق، وكراهة الإحصاء
88 – ‏(‏1029‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا حفص ‏(‏يعني ابن غياث‏)‏ عن هشام، عن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنها‏.‏ قالت‏:‏ قال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏أنفقى ‏(‏أو انضحي، أو انفحي‏)‏ ولا تحصي، فيحصي الله عليك‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أنفقي أو انضحي أو انفحي ولا تحصي‏)‏ معني انضحي وانفحي أعطي‏.‏ والنضح والنفح العطاء‏.‏ ويطلق النضح أيضا على الصب فلعله المراد هنا، ويكون أبلغ من النفح‏.‏ والإحصاء الإحاطة بالشيء حصرا وعدا‏.‏ والمراد به هنا عدة للتبقية، وادخارها للاعتداد به وترك النفقة منه في سبيل الله تعالى‏]‏‏.‏
‏(‏1029‏)‏ وحدثنا عمرو الناقد وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم‏.‏ جميعا عن أبي معاوية‏.‏ قال زهير‏:‏ حدثنا محمد بن خازم‏.‏ حدثنا هشام بن عروة عن عباد بن حمزة، وعن فاطمة بنت المنذر، عن أسماء‏.‏ قالت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏انفحي ‏(‏أو انضحي، أو أنفقي‏)‏ ولا تحصي‏.‏ فيحصي الله عليك‏.‏ ولا توعي فيوعي الله عليك ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ولا توعي فيوعي الله عليك‏)‏ الإيعاء جعل الشيء في الوعاء‏.‏ وأصله الحفظ‏.‏ والمراد به هنا منع الفضل عمن افتقر إليه‏.‏ ومعنى فيحصي الله عليك ويوعي عليك أي يمنعك فضله ويقتر عليك كما منعت وقترت‏.‏ وهي من مجاز المقابلة وتجنيس الكلام ‏.‏كقوله تعالى‏:‏ ومكروا ومكر الله‏.‏ وقيل‏:‏ معني لا تحصي أي لا تعديه فتستكثريه فيكون سببا لانقطاع إنفاقك، قال الأمام النووي‏:‏ معناه الحث على النفقة في الطاعة والنهي عن الإمساك والبخل، وعن ادخار المال في الوعاء‏]‏‏.‏
‏(‏1029‏)‏ وحدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا محمد بن بشر‏.‏ حدثنا هشام عن عباد بن حمزة، عن أسماء ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها نحو حديثهم‏.‏
89 – ‏(‏1029‏)‏ وحدثني محمد بن حاتم وهارون بن عبدالله‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا حجاج بن محمد‏.‏ قال‏:‏ قال ابن جريج‏:‏ أخبرني ابن أبي مليكة ؛ أن عباد بن عبدالله بن الزبير أخبره عن أسماء بنت أبي بكر ؛ أنها جاءت النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالت‏:‏
يا نبي الله ‏!‏ ليس لي شيء إلا ما أدخل على الزبير‏.‏ فهل على جناح أن أرضخ مما يدخل على ‏؟‏ فقال ‏”‏ارضخي ما استطعت‏.‏ ولا توعي فيوعي الله عليك‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أرضخ‏)‏ الرضخ إعطاء شيء ليس بالكثير‏.‏ ‏(‏ارضخي ما استطعت‏)‏ معناه مما يرضي به الزبير‏.‏ وتقديره إن لك في الرضخ مراتب مباحة بعضها فوق بعض، وكلها يرضاها الزبير فافعلي أعلاها‏.‏ أو يكون معناه ما استطعت مما هو ملك لك‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏29‏)‏ باب الحث على الصدقة ولو بالقليل، ولا تمتنع من القليل لاحتقاره
90 – ‏(‏1030‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا الليث بن سعد‏.‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا الليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول‏:‏
‏”‏يا نساء المسلمات ‏!‏ لا تحقرن جارة لجارتها‏.‏ ولو فرسن شاة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يا نساء المسلمات‏)‏ ذكر القاضي في إعرابه ثلاثة أوجه‏.‏ أصحها وأشهرها نصب النساء وجر المسلمات على الإضافة قال الباجي‏:‏ وبهذا رويناه عن جميع شيوخنا بالمشرق‏.‏ وهو من باب إضافة الشيء إلى نفسه، والموصوف إلى صفته، والأعم إلى الأخص‏.‏ كمسجد الجامع، وجانب الغربي، ولدار الآخرة‏.‏ ‏(‏ولو فرسن شاة‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ هو بكسر الفاء والسين، وهو الظلف‏.‏ قالوا‏:‏ وأصله في الإبل، وهو فيها، مثل القدم في الإنسان‏.‏ قالوا‏:‏ ولا يقال إلا في الإبل‏.‏ ومرادهم أصله مختص بالإبل‏.‏ ويطلق على الغنم استعارة‏.‏ وهذا النهي عن الاحتقار نهي للمعطية المهدية‏.‏ ومعناه لا تمتنع جارة من الصدقة والهدية لجارتها، لا ستقلالها واحتقارها الموجود عندها‏.‏ بل تجود بما تيسر ولو كان قليلا كفرسن شاة‏.‏ وهو خير من العدم‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏30‏)‏ باب فضل إخفاء الصدقة
91 – ‏(‏1031‏)‏ حدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى‏.‏ جميعا عن يحيى القطان‏.‏ قال زهير‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد عن عبيدالله‏.‏ أخبرني خبيب بن عبدالرحمن عن حفص بن عاصم عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، قال‏:‏
‏”‏سبعة يظلهم الله في ضله يوم لا ظل إلا ظله‏:‏ الإمام العادل‏.‏ وشاب نشأ بعبادة الله‏.‏ ورجل قلبه معلق في المساجد‏.‏ ورجلان تحابا في الله، اجتمعا عليه وتفرقا عليه‏.‏ ورجل دعته امرأة ذات منصب وجمال، فقال‏:‏ إني أخاف الله‏.‏ ورجل تصدق بصدقة فأخفاها حتى لا تعلم يمينه ما تنفق شماله‏.‏ ورجل ذكر الله خاليا، ففاضت عيناه‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يظلهم الله في ظله‏)‏ قال القاضي‏:‏ إضافة الظل إلى الله تعالى إضافة ملك‏.‏ وكل ظل فهو لله، وملكه وخلقه وسلطانه‏.‏ والمراد هنا ظل العرش ،كما جاء في حديث آخر مبينا‏.‏ والمراد يوم القيامة إذا قام الناس لرب العالمين ودنت منهم الشمس واشتد عليهم حرها، وأخذهم العرق‏.‏ ولا ظل هناك لشيء إلا للعرش‏.‏ ‏(‏الإمام العادل‏)‏ قال القاضي‏:‏ هو كل من إليه نظر في شيء من مصالح المسلمين من الولاة والحكام‏.‏ وبدأ به لكثرة مصالحه وعموم نفعه‏.‏ ‏(‏وشاب نشأ بعبادة الله‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ نشأ بعبادة الله‏.‏ ومعناه نشأ متلبسا للعبادة، أو مصاحبا لها أو ملتصقا بها‏.‏ ‏(‏ورجل معلق قلبه في المساجد‏)‏ هكذا هو في النسخ كلها‏:‏ في المساجد‏.‏ ومعناه شديد الحب لها، والملازمة للجماعة فيها‏.‏ وليس معناه دوام القعود في المسجد‏.‏ ‏(‏ورجلان تحابا في الله‏)‏ معناه اجتمعا على حب الله وافترقا على حب الله‏.‏ أي كان سبب اجتماعهما حب الله واستمرا على ذلك حتى تفرقا من مجلسهما وهما صادقان في حب كل واحد منهما صاحبه لله تعالى، حال اجتماعهما وافتراقهما‏.‏ ‏(‏ورجل دعته امرأة‏)‏ قال القاضي‏:‏ أخاف الله، باللسان‏.‏ ويحتمل قوله في قلبه ليزجر نفسه‏.‏ وخص ذات المنصب والجمال لكثرة الرغبة فيها وعسر حصولها وهي جامعة للمنصب والجمال‏.‏ لاسيما وهي داعية إلى نفسها طالبة لذلك‏.‏ قد أغنت عن مشاق التوصل إلى مراودة ونحوها‏.‏ فالصبر عنها لخوف الله تعالى، وقد دعت إلى نفسها مع جمعها المنصب والجمال من أكمل المراتب وأعظم الطاعات، فرتب الله تعالى عليه أن يظله في ظله‏.‏ وذات المنصب هي ذات الحسب والنسب الشريف‏.‏ ومعنى دعته أي دعته إلى الزنا بها‏.‏ هذا هو الصواب في معناه‏.‏ ‏(‏ورجل تصدقة بصدقة‏)‏ هكذا وقع في جميع نسخ مسلم في بلادنا وغيرها، وكذا نقله القاضي عن جميع روايات نسخ مسلم‏:‏ لا تعلم يمينه ما تنفق شماله‏.‏ والصحيح المعروف‏:‏ حتى لا تعلم شماله ما تنفق يمينه‏.‏ هكذا رواه مالك في الموطأ والبخاري في صحيحه، وغيرهما من الأئمة‏.‏ وهو وجه الكلام‏.‏ لأن المعروف في النفقة فعلها باليمين‏]‏‏.‏
‏(‏1031‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي سعيد الخدري ‏(‏أو عن أبي هريرة‏)‏ ؛ أنه قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثل حديث عبيدالله‏.‏ وقال ‏”‏ورجل معلق بالمسجد، إذا خرج منه حتى يعود إليه‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏31‏)‏ باب بيان أن أفضل الصدقة صدقة الصحيح الشحيح
92 – ‏(‏1032‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم رجل فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أي الصدقة أعظم ‏؟‏ فقال ‏”‏أن تصدق وأنت صحيح شحيح‏.‏ تخشى الفقر وتأمل الغنى‏.‏ ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت‏:‏ لفلان كذا‏.‏ ولفلان كذا‏.‏ ألا وقد كان لفلان‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وأنت صحيح شحيح‏)‏ قال الخطابي‏:‏ الشح أعم من البخل‏.‏ وكأن الشح جنس والبخل نوع‏.‏ وأكثر ما يقال البخل في أفراد الأمور، والشح عام كالوصف اللازم وما هو من قبل الطبع‏.‏ قال‏:‏ فمعنى الحديث أن الشح غالب في حال الصحة‏.‏ فإذا سمح فيها وتصدق كان أصدق في نيته وأعظم لأجره‏.‏ بخلاف من أشرف على الموت وأيس من الحياة ورأى مصير المال لغيره، فإن صدقته حينئذ ناقصة، بالنسبة إلى حالة الصحة والشح ورجاء البقاء وخوف الفقر‏.‏ ‏(‏وتأمل الغنى‏)‏ أي تطمع فيه‏.‏ ‏(‏حتى إذا بلغت الحلقوم‏)‏ أي بلغت الروح‏.‏ والمراد قاربت بلوغ الحلقوم‏.‏ إذ لو بلغته حقيقة لم تصح وصيته ولا صدقته ولا شيء من تصرفاته‏]‏‏.‏
93 – ‏(‏1032‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وابن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن فضيل عن عمارة، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أي الصدقة أعظم أجرا ‏؟‏ فقال‏:‏
‏”‏ أما وأبيك لتنبأنه‏:‏ أن تصدق وأنت صحيح شحيح‏.‏ تخشى الفقر وتأمل البقاء‏.‏ ولا تمهل حتى إذا بلغت الحلقوم قلت‏:‏ لفلان كذا‏.‏ ولفلان كذا‏.‏ وقد كان لفلان‏”‏‏.‏
‏(‏1032‏)‏ حدثنا أبو كامل الجحدري‏.‏ حدثنا عبدالواحد‏.‏ حدثنا عمارة بن القعقاع، بهذا الإسناد، نحو حديث جرير‏.‏ غير أنه قال‏:‏ أي الصدقة أفضل‏.‏
*3* ‏(‏32‏)‏ باب بيان أن اليد العليا خير من اليد السفلى، وأن اليد العليا هي المنفقة، وأن السفلى هي الآخذة
94 – ‏(‏1033‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس‏.‏ فيما قرئ عليه، عن نافع، عن عبدالله بن عمر ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو على المنبر، وهو يذكر الصدقة والتعفف عن المسألة ‏”‏اليد العليا خير من اليد السفلى‏.‏ واليد العليا المنفقة‏.‏ والسفلى السائلة‏”‏‏.‏
95 – ‏(‏1034‏)‏ حدثنا محمد بن بشار ومحمد بن حاتم وأحمد بن عبدة‏.‏ جميعا عن يحيى القطان‏.‏ قال ابن بشار‏:‏ حدثنا يحيى‏.‏ حدثنا عمرو بن عثمان‏.‏ قال‏:‏ سمعت موسى بن طلحة يحدث ؛ أن حكيم بن حزام حدثه ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏أفضل الصدقة ‏(‏أو خير الصدقة‏)‏ عن ظهر غنى‏.‏ واليد العليا خيرا من اليد السفلى‏.‏ وابدأ بمن تعول‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏عن ظهر غنى‏)‏ معناه أفضل الصدقة ما بقي صاحبها بعدها مستغنيا بما بقي معه‏.‏ وتقديره‏:‏ أفضل الصدقة ما أبقت بعدها غنى يعتمده صاحبها ويستظهر به على مصالحه وحوائجه‏]‏‏.‏
96 – ‏(‏1035‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا سفيان عن الزهري، عن عروة بن الزبير وسعيد، عن حكيم بن حزام ؛ قال‏:‏ سألت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطاني‏.‏ ثم سالته فأعطاني‏.‏ ثم سألته فأعطاني‏.‏ ثم قال‏:‏
‏”‏إن هذا المال خضرة حلوة‏.‏ فمن أخذه بطيب نفس بورك له فيه‏.‏ ومن أخذه بإشراف نفس لم يبارك له فيه‏.‏ وكان كالذي يأكل ولا يشبع‏.‏ واليد العليا خيرا من اليد السفلى‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏خضرة حلوة‏)‏ شبهه، في الرغبة فيه، والميل إليه، وحرص النفوس عليه، بالفاكهة الخضراء الحلوة المستلذة‏.‏ فإن الأخضر مرغوب فيه على انفراده، والحلو كذلك على انفراده‏.‏ فاجتماعهما أشد‏.‏ وفيه إشارة إلى عدم بقائه‏.‏ لأن الخضروات لا تبقى ولا تراد للبقاء‏.‏ ‏(‏بطيب نفس‏)‏ ذكر القاضي فيه احتمالين‏:‏ أظهرهما أنه عائد على الآخذ‏.‏ ومعناه من أخذه بغير سؤال ولا إشراف ولا تطلع بورك له فيه‏.‏ والثاني أنه عائد إلى الدافع‏.‏ ومعناه أنه من أخذ ممن يدفع منشرحا بدفعه إليه طيب النفس، لا بسؤال اضطره إليه أو نحوه، مما لا تطيب معه نفس الدافع‏.‏ ‏(‏بإشراف نفس‏)‏ قال العلماء‏:‏ إشراف النفس تطلعها إليه وتعرضها له وطمعها فيه‏.‏ ‏(‏كالذي يأكل ولا يشبع‏)‏ قيل‏:‏ هو الذي به داء لا يشبع بسببه‏.‏ وقيل‏:‏ يحتمل أن المراد التشبيه بالبهيمة الراعية‏]‏‏.‏
97- ‏(‏1036‏)‏ حدثنا نصر بن علي الجهضمي وزهير بن حرب وعبد بن حميد‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا عمر بن يونس‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثنا شداد‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا أمامة قال‏:‏
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏ يا ابن آدم ‏!‏ إنك أن تبذل الفضل خير لك‏.‏ وأن تمسكه شر لك‏.‏ ولا تلام على كفاف‏.‏ وابدأ بمن تعول‏.‏ واليد العليا خير من اليد السفلى‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أن تبذل الفضل خير لك‏)‏ معناه إن بذلت الفاضل عن حاجتك وحاجة عيالك فهو خير لك لبقاء ثوابه‏.‏ وإن أمسكته فهو شر لك‏.‏ ‏(‏ولا تلام على كفاف‏)‏ معناه أن قدر الحاجة لا لوم على صاحبه‏]‏ ‏.‏
‏(‏33‏)‏ باب النهي عن المسألة
98 – ‏(‏1037‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا زيد بن الحباب‏.‏ أخبرني معاوية بن صالح‏.‏ حدثني ربيعة بن يزيد الدمشقي عن عبدالله بن عامر اليحصبي‏.‏ قال‏:‏ سمعت معاوية يقول‏:‏ إياكم وأحاديث‏.‏ إلا حديثا كان في عهد عمر‏.‏ فإن عمر كان يخيف الناس في الله عز وجل‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقول‏:‏
‏”‏من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين ‏”‏‏.‏ وسمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏ إنما أنا خازن فمن أعطيته عن طيب نفس، فيبارك له فيه‏.‏ ومن أعطيته عن مسألة وشره، كان كالذي يأكل ولا يشبع ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏إنما أنا خازن‏.‏ وفي الرواية الأخرى‏:‏ وإنما أنا قاسم‏)‏ معناه أن المعطي حقيقة هو الله تعالى‏.‏ ولست أنا معطيا‏.‏ إنما أنا خازن على ما عندي، ثم أقسم ما أمرت بقسمته على حسب ما أمرت به‏.‏ فالأمور كلها بمشيئة الله تعالى وتقديره‏.‏ والإنسان مصرف مربوب‏]‏‏.‏
99 – ‏(‏1038‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا سفيان عن عمرو، عن وهب بن منبه‏.‏ عن أخيه همام، عن معاوية ؛ قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
‏”‏لا تلحفوا في المسألة‏.‏ فوالله ‏!‏ لا يسألني أحد منكم شيئا، فتخرج له مسألته مني شيئا، وأنا له كاره، فيبارك له فيما أعطيته‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏لا تلحفوا في المسألة‏)‏ هكذا هو في بعض الأصول‏:‏ في المسألة‏.‏ ‏!‏ ‏(‏في‏)‏‏.‏ وفي بعضها بالباء‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ والإلحاف الإلحاح‏]‏‏.‏
‏(‏1036‏)‏ حدثنا ابن أبي عمر المكي‏.‏ حدثنا سفيان عن عمرو بن دينار‏.‏ حدثني وهب بن منبه ‏(‏ودخلت عليه في داره بصنعاء فأطعمني من جوزة في داره‏)‏ عن أخيه‏.‏ قال‏:‏ سمعت معاوية بن أبي سفيان يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏.‏ فذكر مثله‏.‏
‏[‏ش ‏(‏من جوزة‏)‏ أي من شجرة ثمرها الجوز‏]‏‏.‏
100 – ‏(‏1037‏)‏ وحدثني حرملة بن يحييى‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ قال‏:‏ حدثني حميد بن عبدالرحمن بن عوف قال‏:‏ سمعت معاوية بن أبي سفيان، وهو يخطب يقول‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول
‏”‏من يرد الله به خيرا يفقهه في الدين‏.‏ وإنما أنا قاسم ويعطى الله‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏34‏)‏ باب المسكين الذيي لا يجد غنى، ولا يفطن له فيتصدق عليه
101 – ‏(‏1039‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا المغيرة ‏(‏يعني الحزامي‏)‏ عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏ليس المسكين بهذا الطواف الذي يطوف على الناس‏.‏ فترده اللقمة واللقمتان‏.‏ والتمرة والتمرتان‏”‏‏.‏ قالوا‏:‏ فما المسكين ‏؟‏ يا رسول الله ‏!‏ قال ‏”‏الذي لا يجد غنى يغنيه‏.‏ ولا يفطن له، فيتصدق عليه‏.‏ ولا يسأل الناس شيئا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ليس المسكين بهذا الطواف‏)‏ معناه المسكين الكامل المسكنة الذي هو أحق بالصدقة وأحوج إليها ليس هو هذا الطواف، بل هو الذي لا يجد غنى يغنيه ولا يفطن له ولا يسأل الناس‏.‏ وليس معناه نفي أصل المسكنة عن الطواف، بل معناه نفي كمال المسكنة‏.‏ ‏(‏فما المسكين‏)‏ هكذا هو في الأصول كلها‏:‏ فما المسكين‏.‏ وهو صحيح‏.‏ لأن ما تأتي كثيرا لصفات من يعقل‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ فانكحوا ما طاب لكم من النساء‏]‏‏.‏
102 – ‏(‏1039‏)‏ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة بن سعيد‏.‏ قال ابن أيوب‏:‏ حدثنا إسماعيل ‏(‏وهو ابن جعفر‏)‏ أخبرني شريك عن عطاء ابن يسار مولى ميمونة، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
‏”‏ليس المسكين بالذي ترده التمرة والتمرتان‏.‏ ولا اللقمة واللقمتان‏.‏ إنما المسكين المتعفف‏.‏ اقرؤا إن شئتم‏:‏ لا يسألون الناس إلحافا ‏”‏‏[‏2/ البقرة / الآية 273‏]‏‏.‏
‏(‏1039‏)‏ وحدثنيه أبو بكر بن إسحاق‏.‏ حدثنا ابن أبي مريم‏.‏ أخبرنا محمد بن جعفر‏.‏ أخبرني شريك‏.‏ أخبرني عطاء بن يسار وعبدالرحمن بن أبي عمرة ؛ أنهما سمعا أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثل حديث إسماعيل‏.‏
*3* ‏(‏35‏)‏ باب كراهة المسألة للناس
103 – ‏(‏1040‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عبدالأعلى بن عبدالأعلى عن معمر، عن عبدالله بن مسلم، أخي الزهري، عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏لا تزال المسألة بأحدكم حتى يلقى الله، وليس في وجهه مزعة لحم‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏مزعة لحم‏)‏ أي قطعة‏.‏ قال القاضي‏:‏ قيل معناه يأتي يوم القيامة ذليلا لا وجه له عند الله‏.‏ وقيل هو على ظاهره فيحشر ووجهه عظم لا لحم فيه، عقوبة له وعلامة له بذنبه حين طلب وسأل بوجهه‏]‏‏.‏
‏(‏1040‏)‏ وحدثني عمرو الناقد، حدثني إسماعيل بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا معمر عن أخي الزهري، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ ولم يذكر ‏”‏مزعة‏”‏‏.‏
104 – ‏(‏1040‏)‏ حدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني الليث عن عبيدالله بن أبي جعفر، عن حمزة بن عبدالله بن عمر ؛ أنه سمع أباه يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ما يزال الرجل يسأل الناس، حتى يأتي يوم القيامة وليس في وجهه مزعة لحم‏”‏‏.‏
105 – ‏(‏1041‏)‏ حدثنا أبو كريب وواصل بن عبدالأعلى‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏من سأل الناس أموالهم تكثرا، فإنما يسأل جمرا‏.‏ فليستقل أو ليستكثر‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تكثرا‏)‏ هو مفعول له‏.‏ أي ليكثر ماله، لا للاحتياج‏]‏‏.‏
106 – ‏(‏1042‏)‏ حدثني هناد بن السري‏.‏ حدثنا أبو الأحوص عن بيان أبي بشر، عن قيس بن أبي حازم، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره، فيتصدق به ويستغني به من الناس، خير له من أن يسأل رجلا، أعطاه أو منعه ذلك‏.‏ فإن اليد العليا أفضل من اليد السفلى‏.‏ وابدأ بمن تعول‏”‏‏.‏
‏(‏1042‏)‏ وحدثني محمد بن حاتم‏.‏ حدثنا يحيى بن سعيد عن إسماعيل‏.‏ حدثني قيس بن أبي حازم‏.‏ قال‏:‏ أتينا أبا هريرة فقال‏:‏ قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏والله ‏!‏ لأن يغدو أحدكم فيحطب على ظهره فيبيعه‏”‏‏.‏ ثم ذكر بمثل حديث بيان‏.‏
107 – ‏(‏1042‏)‏ حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبدالأعلى‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن شهاب، عن أبي عبيد مولى عبدالرحمن بن عوف ؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب، فيحملها على ظهره فيبيعها، خير له من أن يسأل رجلا، يعطيه أو يمنعه‏”‏‏.‏
108 – ‏(‏1043‏)‏ حدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي وسلمة بن شبيب ‏(‏قال سلمة‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الدارمي‏:‏ أخبرنا مروان، وهو ابن محمد الدمشقي‏)‏ حدثنا سعيد ‏(‏وهو ابن عبدالعزيز‏)‏ عن ربيعة بن يزيد، عن أبي إدريس الخولاني، عن أبي مسلم الخولاني‏.‏ قال‏:‏ حدثني الحبيب الأمين‏.‏ أما هو فحبيب إلي‏.‏ وأما هو عندي، فأمين‏.‏ عوف بن مالك الأشجعي‏.‏ قال‏:‏ كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ تسعة أو ثمانية أو سبعة‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏ألا تبايعون رسول الله ‏؟‏‏”‏ وكنا حديث عهد ببيعة‏.‏ فقلنا‏:‏ قد بايعناك يا رسول الله ‏!‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏ألا تبايعون رسول الله ‏؟‏‏”‏ فقلنا‏:‏ قد بايعناك يا رسول الله ‏!‏ ثم قال ‏”‏ألا تبايعون رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏‏”‏ قال‏:‏ فبسطنا أيدينا وقلنا‏:‏ قد بايعناك يا رسول الله ‏!‏ فعلام نبايعك ‏؟‏ قال‏:‏ ‏”‏على أن تعبدوا الله ولا تشركوا به شيئا‏.‏ والصلوات الخمس‏.‏ وتطيعوا ‏(‏وأسر كلمة خفية‏)‏ ولا تسألوا الناس شيئا‏”‏ فلقد رأيت بعض أولئك النفر يسقط سوط أحدهم‏.‏ فما يسأل أحدا يناوله إياه‏.‏
*3* ‏(‏36‏)‏ باب من تحل له المسألة
109 – ‏(‏1044‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد‏.‏ كلاهما عن حماد بن زيد‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا حماد بن زيد عن هارون بن رياب‏.‏ حدثني كنانة بن نعيم العدوي عن قبيصة بن مخارق الهلالي‏.‏ قال‏:‏ تحملت حمالة‏.‏ فأتيت رسول الله صلى الله عليه وسلم أسأله فيها‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏أقم حتى تأتينا الصدقة‏.‏ فنأمر لك بها‏”‏‏.‏ قال‏:‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏يا قبيصة ‏!‏ إن المسألة لا تحل إلا لأحد ثلاثة‏:‏ رجل تحمل حمالة فحلت له المسألة حتى يصيبها ثم يمسك‏.‏ ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله فحلت له المسألة حتى يصيب قواما من عيش ‏(‏أو قال سدادا من عيش‏)‏‏.‏ ورجل أصابته فاقة حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه‏:‏ لقد أصابت فلانا فاقة‏.‏ فحلت له المسألة‏.‏ حتى يصيب قواما من عيش ‏(‏أو قال سدادا من عيش‏)‏ فما سواهن من المسألة، ياقبيصة ‏!‏ سحتا يأكلها صاحبها سحتا‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تحملت حمالة‏)‏ الحمالة هي المال الذي يتحمله الإنسان، أي يستدينه ويدفعه في إصلاح ذات البين‏.‏ كالإصلاح بين قبيلتين، ونحو ذلك‏.‏ ‏(‏حتى يصيبها ثم يمسك‏)‏ أي إلى أن يجد الحمالة ويؤدي ذلك الدين، ثم يمسك نفسه عن السؤال‏.‏ ‏(‏ورجل أصابته جائحة اجتاحت ماله‏)‏ قال ابن الأثير‏:‏ الجائحة هي الآفة التي تهلك الثمار والأموال وتستأصلها، وكل مصيبة عظيمة‏.‏ واجتاحت أي أهلكت‏.‏ ‏(‏قواما من عيش‏)‏ أي إلى أن يجد ما تقوم به حاجته من معيشة‏.‏ ‏(‏سدادا من عيش‏)‏ القوام والسداد، بمعنى واحد‏.‏ وهو ما يغنى من الشيء وما تسد به الحاجة‏.‏ وكل شيء سددت به شيئا فهو سداد‏.‏ ومنه‏:‏ سداد الثغر، وسداد القارورة، وقولهم‏:‏ سداد من عوز‏.‏ ‏(‏فاقة‏)‏ أي فقر وضرورة بعد غنى‏.‏ ‏(‏حتى يقوم ثلاثة من ذوي الحجا من قومه‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ حتى يقوم ثلاثة، وهو صحيح‏.‏ أي يقومون بهذا الأمر فيقولون‏:‏ لقد أصابته فاقة‏.‏ والحجا، مقصور، وهو العقل‏.‏ وإنما قال صلى الله عليه وسلم‏:‏ من قومه، لأنهم من أهل الخبرة بباطنه‏.‏ والمال مما يخفى في العادة فلا يعلمه إلا من كان خبيرا بصاحبه‏.‏ ‏(‏سحتا يأكلها صاحبها‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ سحتا‏.‏ وفيه إضمار‏.‏ أي أعتقده سحتا أو يؤكل سحتا‏.‏ والسحت هو الحرام‏]‏‏.‏
(‏37‏)‏ باب إباحة الأخذ لمن أعطى من غير مسألة ولا إشراف
110 – ‏(‏1045‏)‏ وحدثنا هارون بن معروف‏.‏ حدثنا عبدالله بن وهب‏.‏ ح وحدثني حرملة بن يحيى‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله بن عمر، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏ سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول‏:‏
قد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطيني العطاء‏.‏ فأقول‏:‏ أعطه أفقر إليه مني‏.‏ حتى أعطاني مرة مالا‏.‏ فقلت‏:‏ أعطه أفقر إليه مني‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏خذه‏.‏ وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه‏.‏ ومالا، فلا تتبعه نفسك‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏غير مشرف‏)‏ أي غير متطلع إليه، ولا طامع فيه‏.‏ ‏(‏فلا تتبعه نفسك‏)‏ أي فلا تجعل نفسك تابعة له‏]‏‏.‏
111 – ‏(‏1045‏)‏ وحدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن ابن شهاب، عن سالم بن عبدالله، عن أبيه؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يعطي عمرو بن الخطاب رضي الله عنه العطاء‏.‏ فيقول له عمر‏:‏ أعطه، يا رسول الله ‏!‏ أفقر إليه مني‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏خذه فتموله أو تصدق به ‏.‏وما جاءك من هذا المال وأنت غير مشرف ولا سائل، فخذه‏.‏ ومالا، فلا تتبعه نفسك‏”‏‏.‏ قال سالم‏:‏ فمن أجل ذلك كان ابن عمر لا يسأل أحدا شيئا أعطيه‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فتموله‏)‏ أي اجعله لك مالا‏]‏‏.‏
‏(‏1045‏)‏ وحدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ قال عمرو‏:‏ وحدثني ابن شهاب بمثل ذلك عن السائب بن يزيد، عن عبدالله بن السعدي، عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
112 – ‏(‏1045‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن بكير، عن بسر بن سعيد، عن ابن الساعدي المالكي ؛ أنه قال‏:‏
استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة‏.‏ فلما فرغت منها، وأديتها إليه، أمر لي بعمالة‏.‏ فقلت‏:‏ إنما عملت لله، و أجري على الله‏.‏ فقال‏:‏ خذ ما أعطيت‏.‏ فإني عملت على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فعمّلني فقلت مثل قولك‏.‏ فقال لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إذا أعطيت شيئا من غير أن تسأل، فكل‏.‏ وتصدق‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏استعملني‏)‏ أي جعلني عاملا على الصدقة، أي على أخذها وجمعها‏.‏ ‏(‏بعمالة‏)‏ أجرة العمل‏.‏ ‏(‏فعملني‏)‏ أي أعطاني عمالتي وأجرة عملي‏]‏‏.‏
‏(‏1045‏)‏ وحدثني هارون بن سعيد الأيلي‏.‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن ابن السعدي ؛ أنه قال‏:‏ استعملني عمر بن الخطاب رضي الله عنه على الصدقة‏.‏ بمثل حديث الليث‏.‏
*3* ‏(‏38‏)‏ باب كراهة الحرص على الدنيا
113 – ‏(‏1046‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة‏.‏ يبلغ به النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏
‏”‏قلب الشيخ شاب على حب اثنتين‏:‏ حب العيش ، والمال‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏قلب الشيخ شاب 00 الخ‏)‏ هذا مجاز واستعارة‏.‏ ومعناه أن قلب الشيخ كامل الحب للمال محتكم في ذلك كاحتكام قوة الشاب في شبابه‏]‏‏.‏
114 – ‏(‏1046‏)‏ وحدثني أبو الطاهر وحرملة قالا‏:‏ أخبرنا ابن وهب عن يونس، عن ابن شهاب، عن سعيد بن المسيب، عن أبي هريرة ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏قلب الشيخ شاب على حب اثنتين‏:‏ طول الحياة، وحب المال‏”‏‏.‏
114 – ‏(‏1047‏)‏ وحدثني يحيى بن يحيى، وسعيد بن منصور، وقتيبة بن سعيد‏.‏ كلهم عن أبي عوانة‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا أبو عوانة عن قتادة، عن أنس‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏يهرم ابن آدم وتشب منه اثنتان‏:‏ الحرص على المال، والحرص على العمر‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏وتشب منه اثنتان‏)‏ هو بمعنى قلب الشيخ شاب ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏ ‏(‏الحرص على المال والحرص على العمر‏)‏ إنما لم تنكسر هاتان الخصلتان لأن الإنسان مجبول على حب الشهوات، كما قال تعالى‏:‏‏{‏ زين للناس حب الشهوات ‏}‏‏.‏ الآية‏.‏ والشهوة إنما تنال بالمال والعمر‏]‏‏.‏
‏(‏1047‏)‏ وحدثني أبو غسان المسمعي ومحمد بن المثنى‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا معاذ بن هشام‏.‏ حدثني أبي عن قتادة، عن أنس ؛ ان نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال بمثله‏.‏
م ‏(‏1047‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ قال‏:‏ سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بنحوه‏.‏
*3* ‏(‏39‏)‏ باب لو أن لابن آدم واديين لا بتغى ثالثا
116 – ‏(‏1048‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وقتيبة بن سعيد ‏(‏قال يحيى‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا أبو عوانة‏)‏ عن قتادة، عن أنس‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا‏.‏ ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب‏.‏ ويتوب الله على من تاب‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ولا يملأ جوف ابن لآدم إلا التراب‏)‏ معناه أنه لا يزال حريصا على الدنيا حتى يموت ويمتلئ جوفه من تراب قبره‏.‏ ‏(‏ويتوب الله على من تاب‏)‏ معناه أن الله يقبل التوبة من الحرص المذموم، وغيره من المذمومات‏]‏‏.‏
‏(‏1048‏)‏ وحدثنا ابن المثنى وابن بشار‏.‏ قال ابن المثنى‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ أخبرنا شعبة قال‏:‏ سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏(‏فلا أدرى أشيء أنزل أم شيء كان يقوله‏)‏ بمثل حديث أبي عوانة‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فلا أدرى أشيء أنزل‏)‏ أي أمن القرآن هو أنزله الله سبحانه، أم هو من عند رسوله عله الصلاة والسلام، كان يقوله‏]‏‏.‏
117 – ‏(‏1048‏)‏ وحدثني حرملة بن يحيى‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أنه قال‏:‏
‏”‏لو كان لابن آدم واد من ذهب أحب أن له واديا آخر‏.‏ ولن يملأ فاه إلا التراب‏.‏ والله يتوب على من تاب‏”‏‏.‏
118 – ‏(‏1049‏)‏ وحدثني زهير بن حرب وهارون بن عبدالله‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا حجاج بن محمد عن ابن جريج‏.‏ قال‏:‏ سمعت عطاء يقول‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏لو أن لابن آدم ملء واد مالا لأحب أن يكون إليه مثله‏.‏ ولا يملأ نفس ابن آدم إلا التراب‏.‏ والله يتوب على من تاب‏”‏‏.‏
قال ابن عباس‏:‏ فلا أدرى أمن القرآن هو أم لا‏.‏
وفي رواية زهير قال‏:‏ فلا أدرى أمن القرآن‏.‏ لم يذكر ابن عباس‏.‏
119 – ‏(‏1050‏)‏ حدثني سويد بن سعيد‏.‏ حدثنا علي بن مسهر عن داود، عن أبي حرب بن أبي الأسود، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏
بعث أبو موسى الأشعري إلى قراء أهل البصرة‏.‏ فدخل عليه ثلاثمائة رجل قد قرءوا القرآن‏.‏ فقال‏:‏ أنتم خيار أهل البصرة وقراؤهم‏.‏ فاتلوه‏.‏ ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم‏.‏ كما قست قلوب من كان قبلكم‏.‏ وإنا كنا نقرأ سورة‏.‏ كنا نشبهها في الطول والشدة ببراءة‏.‏ فأنسيتها‏.‏ غير أني قد حفظت منها‏:‏ لو كان لابن آدم واديان من مال لابتغى واديا ثالثا‏.‏ ولا يملأ جوف ابن آدم إلا التراب‏.‏ كنا نقرأ سورة كنا نشبهها بإحدى المسبحات‏.‏ فأنسيتها‏.‏ غير أني حفظت منها‏:‏ ‏{‏ يا أيها الذين آمنوا لم تقولون مالا تفعلون ‏}‏‏.‏ فتكتب شهادة في أعناقكم‏.‏ فتسألون عنها ييوم القيامة‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ولا يطولن عليكم الأمد فتقسو قلوبكم‏)‏ الأمد الغاية والمدة‏.‏ والقسوة غلظ القلب‏.‏ وفيه تلميح إلى قوله تعالى، في سورة الحديد فطال عليهم الأمد فقست قلوبهم‏.‏ ‏(‏المسبحات‏)‏ هي من السور ما افتتح بسبحان وسبح ويسبح وسبح اسم ربك‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏40‏)‏ باب ليس الغني عن كثرة العرض
120 – ‏(‏1051‏)‏ حدثنا زهير بن حرب وابن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ليس الغنى عن كثرة العرض‏.‏ ولكن الغنى غنى النفس‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏العرض‏)‏ هو متاع الدنيا‏.‏ ومعنى الحديث‏:‏ الغنى المحمود غنى النفس وشبعها وقلة حرصها‏.‏ لا كثرة المال مع الحرص على الزيادة لأن من كان طالبا للزيادة لم يستغن بما معه، فليس له غنى‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏41‏)‏ باب تخوف ما يخرج من زهرة الدنيا
121 – ‏(‏1052‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا الليث بن سعد‏.‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد ‏(‏وتقاربا في اللفظ‏)‏ قال‏:‏ حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن عياض بن عبدالله بن سعد ؛ أنه سمع أبا سعيد الخدري يقول‏:‏
قام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطب الناس فقال‏:‏ ‏”‏لا والله ‏!‏ ما أخشى عليكم، أيها الناس ‏!‏ إلا ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا‏:‏ فقال رجل‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أيأتي الخير بالشر ‏؟‏ فصمت رسول الله صلى الله عليه وسلم ساعة‏.‏ ثم قال ‏”‏كيف قلت ‏؟‏‏”‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ أيأتي الخير بالشر ‏؟‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إن الخير لا يأتي إلا بخير‏.‏ أو خير هو‏.‏ إن كل ما ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم‏.‏ إلا آكلة الخضر‏.‏ أكلت‏.‏ حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت الشمس‏.‏ ثلطت أو بالت‏.‏ ثم اجترت‏.‏ فعادت‏.‏ فأكلت‏.‏ فمن يأخذ مالا بحقه يبارك له فيه‏.‏ ومن يأخذ مالا بغير حقه فمثله كمثل الذي يأكل ولا يشبع‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أيأتي الخير بالشر‏)‏ أي أيستجلب الخير الشر‏.‏ يعني أن ما يحصل لنا من الدنيا خير إذا كان من جهة مباحة، فهل يترتب عليه شر ‏؟‏ ‏(‏إن الخير لا يأتي إلا بخير‏)‏ أي أن الخير الحقيقي لا يأتي إلا بالخير‏.‏ ولكن ليست هذه الزهرة بخير لما تؤدي إليه من الفتنة والمنافسة والاشتغال بها عن كمال الإقبال على الآخرة‏.‏ ‏(‏أو خير هو‏)‏ معناه أن هذا الذي يحصل لكم من زهرة الدنيا ليس بخير وإنما هو فتنة‏.‏ ‏(‏إن كل ينبت الربيع يقتل حبطا أو يلم‏)‏ معناه أن نبات الربيع وخضره يقتل حبطا بالتخمة لكثرة الأكل، أو يقارب القتل‏.‏ إلا إذا اقتصر منه على اليسير الذي تدعو إليه الحاجة وتحصل به الكفاية المقتصدة فإنه لا يضر‏.‏ وهكذا المال هو كنبات الربيع مستحسن، تطلبه النفوس وتميل إليه‏.‏ فمنهم من يستكثر منه ويستغرق فيه، غير صارف له في وجوهه، فهذا يهلكه أو يقارب إهلاكه‏.‏ ومنهم من يقتصد فيه فلا يأخذ إلا ييسيرا، وإن أخذ كثيرا فرقه في وجوهه، كما تثلطه الدابة، فهذا لا يضره‏.‏ هذا مختصر معنى الحديث‏.‏ ‏(‏حبطا‏)‏ أي تخمة‏.‏ وهي امتلاء البطن وانتفاخه من الإفراط في الأكل‏.‏ ‏(‏و يلم‏)‏ أي يقارب الإهلاك‏.‏ ‏(‏إلا آكلة الخضر‏)‏ أي إلا الماشية التي تأكل الخضر، وهي البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها‏.‏ قال في النهاية‏:‏ الخضر نوع من بقول ليس من أحرارها وجيدها‏.‏ ‏(‏امتلأت خاصرتاها‏)‏ أي امتلأت شبعا وعظم جنباها‏.‏ ‏(‏استقبلت الشمس‏)‏ أي بركت وقعدت مستقبلة عين الشمس‏.‏ ‏(‏ثلطت‏)‏ ثلط البعير يثلط، إذا ألقي رجيعا سهلا رقيقا‏.‏ ‏(‏اجترت‏)‏ أي أخرجت الجرة وهي ما تخرجه الماشية من كرشها لتمضغه ثم تبلعه، تستمرئ بذلك ما أكلت وقال ابن الأثير في النهاية‏.‏ ضرب في هذا الحديث مثلين‏:‏ أحدهما للمفرط في جمع الدنيا والمنع من حقها، والآخر للمقتصد في أخذها والنفع بها‏.‏ فقوله‏:‏ إن مما ينبت الربيع ما يقتل حبطا أو يلم‏.‏ فإنه مثل للمفرط الذي يأخذ الدنيا بغير حقها‏.‏ وذلك أن الربيع ينبت أحرار البقول فتستكثر الماشية منه لاستطابتها إياه حتى تنتفخ بطونها عند مجاوزتها حد الإحتمال فتنشق أمعاؤها من ذلك فتهلك أو تقارب الهلاك‏.‏ وكذلك الذي يجمع الدنيا من غير حلها ويمنعها مستحقها قد تعرض للهلاك في الآخرة بدخول النار، وفي الدنيا بأذى الناس له، وحسدهم إياه، وغير ذلك من أنواع الأذى‏.‏ وأما قوله‏:‏ إلا أكلة الخضر‏.‏ فإنه مثل للمقتصد‏.‏ وذلك أن الخضر ليس من أحرار البقول وجيدها التي ينبتها الربيع بتوالي الأمطار فتحسن وتنعم‏.‏ ولكنه من البقول التي ترعاها المواشي بعد هيج البقول ويبسها، حيث لا تجد سواها‏.‏ فلا ترى الماشية تكثر من أكلها ولا تستمريها‏.‏ فضرب أكلة الخضر من المواشي مثلا لمن يقتصد في أخذ الدنيا وجمعها، ولا يحمله الحرص على أخذها بغير حقها، فهو بنجوة من وبالها كما نجت آكلة الخضر‏.‏ ذلك أنها إذا شبعت منها بركت مستقبلة عين الشمس تستمري بذلك ما أكلت وتجتر وتثلط‏.‏ فإذا ثلطت فقد زال عنها الحبط‏.‏ وإنما تحبط الماشية لأنها تمتلئ بطونها ولا تثلط ولا تبول، فتنتفخ أجوافها، فيعرض لها المرض فتهلك‏.‏ وأراد بزهرة الدنيا حسنها وبهجتها‏.‏ وبركات الأرض ثمارها وما يخرج من نباتها‏]‏‏.‏
122 – ‏(‏1052‏)‏ حدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ قال‏:‏ أخبرني مالك بن أنس عن زيد بن أسلم، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
‏”‏ أخوف ما أخاف عليكم ما يخرج الله لكم من زهرة الدنيا ‏”‏ قالوا‏:‏ وما زهرة الدنيا ‏؟‏ يا رسول الله ‏!‏ قال ‏”‏ بركات الأرض ‏”‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ وهل يأتي الخير بالشر ‏؟‏ قال ‏”‏ لا يأتي الخير إلا بالخير‏.‏ لا يأتي الخير إلا بالخير‏.‏ لا يأتي الخير إلا بالخير‏.‏ إن كل ما أنبت الربيع يقتل أو يلم‏.‏ إلا آكلة الخضر‏.‏ فإنها تأكل ‏.‏ حتى إذا امتدت خاصرتاها استقبلت الشمس‏.‏ ثم اجترت وبالت وثلطت‏.‏ ثم عادت فأكلت‏.‏ إن هذا المال خضرة حلوة‏.‏ فمن أخذه بحقه، ووضعه في حقه، فنعم المعونة هو‏.‏ ومن أخذه بغير حقه، كان كالذي يأكل ولا يشبع ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏إن هذا المال خضرة حلوة‏)‏ قال الحافظ في الفتح‏:‏ وقال ابن الأنباري‏:‏ قوله المال خضرة حلوة، ليس هو صفة المال، وإنما هو للتشبيه‏.‏ كأنه قال‏:‏ المال كالبقلة الخضراء الحلوة‏]‏‏.‏
123 – ‏(‏1052‏)‏ حدثني علي بن حجر‏.‏ أخبرنا إسماعيل بن ابراهيم عن هشام صاحب الدستوائي، عن يحيى بن أبي كثير، عن هلال ابن أبي ميمونة، عن عطاء بن يسار، عن أبي سعيد الخدري‏.‏ قال‏:‏ جلس رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر‏.‏ وجلسنا حوله‏.‏ فقال ‏”‏ إن مما أخاف عليكم بعدي، ما يفتح عليكم من زهرة الدنيا وزينتها ‏”‏ فقال رجل‏:‏ أو يأتي الخير بالشر ‏؟‏ يا رسول الله‏!‏ قال‏:‏ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقيل له‏:‏ ما شأنك ‏؟‏ تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا يكلمك ‏؟‏ قال‏:‏ ورأينا أنه ينزل عليه‏.‏ فأفاق يمسح عنه الرحضاء‏.‏ وقال ‏”‏ إن هذا السائل ‏”‏ ‏(‏وكأنه حمده‏)‏ فقال ‏”‏ إنه لا يأتي الخير بالشر‏.‏ وإن مما ينبت الربيع يقتل أو يلم‏.‏ إلا أكلة الخضر‏.‏ فإنها أكلت‏.‏ حتى إذا امتلأت خاصرتاها استقبلت عين الشمس فثلطت وبالت‏.‏ ثم رتعت‏.‏ وإن هذا المال خضر حلو‏.‏ ونعم صاحب المسلم هو لمن أعطي منه المسكين واليتيم وابن السبيل ‏(‏أو كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ وإنه من يأخذه بغيرحقه كان كالذي يأكل ولا يشبع‏.‏ ويكون عليه شهيدا يوم القيامة ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏الرحضاء‏)‏ أي العرق، من الشدة‏.‏ وأكثر ما يسمى به عرق الحمى‏.‏ ‏(‏إن هذا السائل‏)‏ هكذا هو في بعض النسخ وفي بعضها‏:‏ أبن‏.‏ وفي بعضها‏:‏ أنى، وفي بعضها أي، وكله صحح‏.‏ فمن قال‏:‏ أن وأنى فهما بمعنى‏.‏ ومن قال‏:‏ إن فمعناه، والله أعلم، إن هذا هو السائل الممدوح الحاذق الفطن‏.‏ ولهذ قال‏:‏ وكأنه حمده‏.‏ ومن قال‏:‏ أي فمعناه أيكم‏.‏ فحذف الكاف والميم‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏42‏)‏ باب فضل التعفف والصبر
124 – ‏(‏1053‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد عن مالك بن أنس، فيما قرئ عليه، عن ابن شهاب، عن عطاء بن يزيد الليثي، عن أبي سعيد الخدري؛
أن ناسا من الأنصار سألوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأعطاهم‏.‏ ثم سألوه فأعطاهم‏.‏ حتى إذا نفذ ما عنده قال ‏”‏ ما يكن عندي من خير فلن أدخره عنكم‏.‏ ومن يستعفف يعفه الله‏.‏ ومن يستغن يغنه الله‏.‏ ومن يصبر يصبره الله‏.‏ وما أعطي أحد من عطاء خير وأوسع من الصبر ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏خير وأوسع من الصبر‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ مسلم‏.‏ خير‏.‏ مرفوع وهو صحيح‏.‏ وتقديره هو خير‏]‏‏.‏
‏(‏1053‏)‏ حدثنا عبد بن حميد‏.‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏
*3* ‏(‏43‏)‏ باب في الكفاف والقناعة
125 – ‏(‏1054‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو عبدالرحمن المقري عن سعيد بن أبي أيوب‏.‏ حدثني شرحبيل ‏(‏وهو ابن شريك‏)‏ عن أبي عبدالرحمن الحبلي، عن عبدالله بن عمرو بن العاص ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال
‏”‏ قد أفلح من أسلم، ورزق كفافا، وقنعه الله بما آتاه ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏كفافا‏)‏ قال في النهاية‏:‏ الكفاف هو الذي لا يفضل عن الشيء، ويكون بقدر الحاجة إليه‏.‏ وهو نصب على الحال‏]‏‏.‏
126 – ‏(‏1055‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد وأبو سعيد الأشج‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا الأعمش‏.‏ ح وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا محمد بن فضيل عن أبيه‏.‏ كلاهما عن عمارة بن القعقاع، عن أبي زرعة، عن أبي هريرة ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم
‏”‏اللهم ‏!‏ اجعل رزق آل محمد قوتا ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏قوتا‏)‏ قال أهل اللغة والعربية‏:‏ القوت ما يسد الرمق‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏44‏)‏ باب إعطاء من يسأل بفحش وغلظة
127 – ‏(‏1056‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة، وزهير بن حرب، وإسحاق بن ابراهيم الحنظلي ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا جرير‏)‏ عن الأعمش، عن أبي وائل، عن سلمان بن ربيعة‏.‏ قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏
قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما‏.‏ فقلت‏:‏ والله ‏!‏ يا رسول الله ‏!‏ لغير هؤلاء كان أحق به منهم‏.‏ قال ‏”‏ إنهم خيروني أن يسألوني بالفحش أو يبخلوني‏.‏ فلست بباخل ‏”‏‏.‏
128 – ‏(‏1057‏)‏ حدثني عمرو الناقد‏.‏ حدثنا إسحاق بن سليمان الرازي‏.‏ قال‏:‏ سمعت مالكا‏.‏ ح وحدثني يونس بن عبدالأعلى ‏(‏واللفظ له‏)‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ حدثنا مالك بن أنس عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك ؛ قال‏:‏
كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، وعليه رداء نجراني غليظ الحاشية‏.‏ فأدركه أعرابي‏.‏ فجبذه بردائه جبذة شديدة‏.‏ نظرت إلى صفحة عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد أثرت بها حاشية الرداء‏.‏ من شدة جبذته‏.‏ ثم قال‏:‏ يا محمد ‏!‏ مر لي من مال الله الذي عندك‏.‏ فالتفت إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فضحك‏.‏ ثم أمر له بعطاء‏.‏
‏[‏ش ‏(‏نجراني‏)‏ منسوب إلى نجران‏.‏ موضع بين الحجاو واليمن‏.‏ ‏(‏فجبذه‏)‏ جبذ وجذب لغتان مشهورتان‏.‏ وقوله‏:‏ فجاذبه، في الرواية الثانية، بمعنى جبذه‏]‏‏.‏
‏(‏1057‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث‏.‏ حدثنا همام‏.‏ ح وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عمر بن يونس‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ ح وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا أبو المغيرة‏.‏ حدثنا الأوزاعي‏.‏ كلهم عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بهذا الحديث‏.‏
وفي حديث عكرمة بن عمار من الزيادة‏:‏ قال‏:‏ ثم جبذه إليه جبذة‏.‏ رجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي‏.‏
وفي حديث همام‏:‏ فجاذبه حتى انشق البرد‏.‏ وحتى بقيت حاشيته في عنق رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏
‏[‏ش ‏(‏رجع نبي الله صلى الله عليه وسلم في نحر الأعرابي‏)‏ النحر أعلى الصدر‏.‏ أي استقبل صلى الله عليه وسلم نحره استقبالا تاما‏.‏ ولم يتأثر من سوء أدبه‏.‏ ‏(‏حتى انشق البرد‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل أنه على ظاهره، وأن الحاشية انقطعت وبقت في العنق‏.‏ ويحتمل أن يكون معناه بقي أثرها‏.‏ لقوله في الرواية الأخرى‏:‏ أثرت بها حاشية الرداء‏]‏‏.‏
129 – ‏(‏1058‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة ؛ أنه قال‏:‏ قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم أقبية ولم يعطي مخرمة شيئا‏.‏ فقال مخرمة‏:‏
يا بني ‏!‏ انطلق بنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فانطلقت معه‏.‏ قال‏:‏ ادخل فادعه لي‏.‏ قال‏:‏ فدعوته له‏.‏ فخرج إليه وعليه قباء منها‏.‏ فقال ‏”‏خبأت هذا لك‏”‏‏.‏ قال‏:‏ فنظر إليه فقال ‏”‏رضي مخرمة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أقبية‏)‏ مفردها قباء‏.‏ وهو ثوب يلبس فوق الثياب‏]‏‏.‏
130 – ‏(‏1058‏)‏ حدثنا أبو الخطاب زياد بن يحيى الحساني‏.‏ حدثنا حاتم بن وردان أبو صالح‏.‏ حدثنا أيوب السختياني عن عبدالله ابن أبي مليكة، عن المسور بن مخرمة‏.‏ قال‏:‏ قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم أقبية‏.‏ فقال لي أبي، مخرمة‏:‏
انطلق بنا إليه عسى أن يعطينا منها شيئا‏.‏ قال‏:‏ فقام أبي على الباب فتكلم‏.‏ فعرف النبي صلى الله عليه وسلم صوته فخرج ومعه قباء‏.‏ وهو يريه محاسنه‏.‏ وهو يقول ‏”‏خبأت هذا لك‏.‏ خبأت هذا لك‏”‏‏.‏
*3* باب اعطاء من يخاف على إيمانه
131 – ‏(‏150‏)‏ حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يعقوب ‏(‏وهو ابن إبراهيم بن سعد‏)‏ حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني عامر بن سعد عن أبيه سعد ؛ أنه أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم رهطا وأنا جالس فيهم‏.‏ قال‏:‏
فترك رسول الله صلى الله عليه وسلم منهم رجلا لم يعطه‏.‏ وهو أعجبهم إلي‏.‏ فقمت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فساورته فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ مالك عن فلان ‏؟‏ فوالله ‏!‏ إني لأراه مؤمنا‏.‏ قال ‏”‏ أو مسلما ‏”‏ فسكت قليلا‏.‏ ثم غلبني ما أعلم منه‏.‏فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ مالك عن فلان ‏؟‏ فوالله ‏!‏ إني لأراه مؤمنا‏.‏ قال ‏”‏ أو مسلما ‏”‏ فسكت قليلا‏.‏ ثم غلبني ما أعلم منه‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ مالك عن فلان ‏؟‏ فوالله ‏!‏ إني لأراه مؤمنا‏.‏ قال ‏”‏ أو مسلما‏”‏ قال ‏”‏ إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي منه‏.‏ خشية أن يكب في النار على وجهه ‏”‏‏.‏
وفي حديث الحلواني تكرار القول مرتين‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أنه أعطي‏)‏ هكذا هو في النسخ‏.‏ وهو صحيح‏.‏ وتقديره‏:‏ قال أعطى‏.‏ فحذف لفظة قال‏.‏ معنى هذا الحديث أن سعدا رأى رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي ناسا ويترك من هو أفضل منهم في الدين‏.‏ وظن أن النبي صلى الله عليه وسلم لم يعلم حال هذا الإنسان المتروك فأعلمه به‏.‏ وحلف أنه علمه مؤمنا‏.‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏”‏ أو مسلما ‏”‏‏.‏ فلم يفهم منه النهي عن الشفاعة فيه مرة أخرى‏.‏ فسكت‏.‏ ثم رآه يعطي من هو دونه بكثير‏.‏ فغلبه ما يعلم من حسن حال ذلك الإنسان فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ مالك عن فلان ‏؟‏ تذكيرا‏.‏ وجوز أن يكون النبي صلى الله عليه وسلم همّ بعطائه من المرة الأولى ثم نسيه‏.‏ فأراد تذكيره‏.‏ وهكذا المرة الثالثة‏.‏ إلى أن أعلمه النبي صلى الله عليه وسلم أن العطاء ليس هو على حسب الفضائل في الدين‏.‏ فقال صلى الله عليه وسلم ‏”‏إني لأعطي الرجل وغيره أحب إلي مخافة أن يكبه الله في النار‏”‏ معناه أني أعطي ناسا مؤلفة، في إيمانهم ضعف‏.‏ لو لم أعطهم كفروا‏.‏ فيكبهم الله في النار‏.‏ وأترك أقواما هم أحب إلي من الذين أعطيتهم‏.‏ ولا أتركهم احتقارا لهم‏.‏ ولا لنقص دينهم، ولا إهمالا لجانبهم، بل أكلهم إلى ما جعل الله في قلوبهم من النور والإيمان التام، وأثق بأنهم لا يتزلزل إيمانهم لكماله‏.‏ ‏(‏وهو أعجبهم إلي‏)‏ أي أفضلهم عندي‏.‏ ‏(‏فساورته‏)‏ أي فكلمته سرا، دون جهر، تأدبا معه صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏
‏(‏150‏)‏ حدثنا ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ ح وحدثنيه زهير بن حرب‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد‏.‏ حدثنا ابن أخي بن شهاب‏.‏ ح وحدثناه إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر‏.‏ كلهم عن الزهري، بهذا الإسناد، على معنى حديث صالح عن الزهري‏.‏
م ‏(‏150‏)‏ حدثنا الحسن بن علي الحلواني‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد‏.‏ حدثنا أبي عن صالح، عن إسماعيل بن محمد بن سعد ؛ قال‏:‏ سمعت محمد بن سعد يحدث بهذا الحديث‏.‏ يعني حديث الزهري الذي ذكرنا‏.‏ فقال في حديثه‏:‏
فضرب رسول الله صلى الله عليه وسلم بيده بين عنقي وكتفي‏.‏ ثم قال ‏”‏ أقتالا ‏؟‏ أي سعد ‏!‏ إني لأعطي الرجل ‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أقتالا‏.‏ أي سعد‏)‏ أي أتدافع مدافعة، وتكابرني يا سعد‏.‏ شبه تكريره، بعد التنبيه، بالقتال‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏46‏)‏ باب إعطاء المؤلفة قلوبهم على الإسلام وتصبر من قوى إيمانه
123 – ‏(‏1059‏)‏ حدثني حرملة بن يحيى التجيبي‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني أنس بن مالك؛
أن أناسا من الأنصار قالوا، يوم حنين، حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازان ما أفاء‏.‏ فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي رجالا من قريش‏.‏ المائة من الإبل‏.‏ فقالوا‏:‏ يغفر الله لرسول الله‏.‏ يعطي قريشا ويتركنا وسيوفنا تقطر من دمائهم‏!‏‏.‏
قال أنس بن مالك‏:‏ فحدث ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم، من قولهم‏.‏ فأرسل إلى الأنصار‏.‏ فجمعهم في قبة من آدم‏.‏ فلما اجتمعوا جاءهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏ما حديث بلغني عنكم ‏؟‏ ‏”‏ فقال له فقهاء الأنصار‏:‏ أما ذوو رأينا، يا رسول الله ‏!‏ فلم يقولوا شيئا‏.‏ وأما أناس منا حديثه أسنانهم، قالوا يغفر الله لرسوله‏.‏ يعطي قريشا ويتركنا، وسيوفنا تقطر من دمائهم ‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏فإني أعطي رجالا حديثي عهد بكفر‏.‏ أتألفهم‏.‏ أفلا ترضون أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رحالكم برسول الله ‏؟‏ فوالله ‏!‏ لما تنقلبون به خير مما ينقلبون به‏”‏ فقالوا‏:‏ بلى‏.‏ يا رسول الله ‏!‏ قد رضينا‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏فإنكم ستجدون أثرة شديدة‏.‏ فاصبروا حتى تلقوا الله ورسوله‏.‏ فإني على الحوض‏”‏‏.‏ قالوا سنصبر‏.‏
‏[‏ش ‏(‏حين أفاء الله على رسوله من أموال هوازن ما أفاء‏)‏ أي حين جعل الله من أموالهم ما جعله فيئا على رسوله‏.‏ وهو من الغنيمة مالا تلحقه مشقة‏.‏ وهوازن قبيلة‏.‏ ‏(‏في قبة من آدم‏)‏ القبة من الخيام‏:‏ بيت صغير مستدير‏.‏ وهو من بيوت العرب‏.‏ ومن أدم معناه من جلود‏.‏ وهو جمع أديم بمعنى الجلد المدبوغ‏.‏ ويجمع أيضا على أدم‏.‏ ‏(‏أتألفهم‏)‏ أي أستميل قوبهم بالإحسان ليثبتوا على الإسلام، رغبة في المال‏.‏ وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعطي المؤلفة من الصدقات‏.‏ وكانوا أشراف العرب‏.‏ فمنهم من كان يعطيه دفعا لأذاه ومنهم من كان يعطيه طمعا في إسلامه وإسلام نظرائه وأتباعه‏.‏ ومنهم من كان يعطيه ليثبت على إسلامه، لقرب عهده بالجاهلية‏.‏ ‏(‏رحالكم‏)‏ أي منازلكم‏.‏ ‏(‏أثرة شديدة‏)‏ فيها لغتان‏:‏ أحداهما ضم الهمزة وإسكان الثاء، وأصحهما وأشهرهما بفتحهما جميعا‏.‏ والأثرة الاستئثار بالمشترك، أي يستأثر عليكم ويفضل عليكم غيركم بغير حق‏]‏‏.‏
‏(‏1059‏)‏ حدثنا حسن الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يعقوب ‏(‏وهو ابن إبراهيم بن سعد‏)‏ حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب‏.‏ حدثني أنس بن مالك ؛ أنه قال‏:‏
لما أفاء الله على رسوله ما أفاء من أموال هوازن‏.‏ واقتص الحديث بمثله‏.‏ غير أنه قال‏:‏ قال أنس‏:‏ فلم نصبر‏.‏ وقال‏:‏ فأما أناس حديثة أسنانهم‏.‏
‏(‏1059‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم‏.‏ حدثني ابن أخي ابن شهاب عن عمه، قال‏:‏ أخبرني أنس بن مالك‏.‏ وساق الحديث بمثله‏.‏ إلا أنه قال‏:‏ قال أنس‏:‏ قالوا‏:‏ نصبر‏.‏ كرواية يونس عن الزهري‏.‏
133 – ‏(‏1059‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قال ابن المثنى‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ أخبرنا شعبة‏.‏ قال‏:‏ سمعت قتادة يحدث عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏
جمع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏أفيكم أحد من غيركم ‏؟‏‏”‏ فقالوا‏:‏ لا‏.‏ إلا ابن أخت لنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إن ابن أخت القوم منهم‏”‏ فقال‏:‏ ‏”‏إن قريشا حديث عهد بجاهلية ومصيبة‏.‏ وإني أرادت أن أجبرهم وأتألفهم‏.‏ أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ‏؟‏ لو سلك الناس واديا، وسلك الأنصار شعبا، لسلكت شعب الأنصار‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏حديث عهد بجاهلية‏)‏ أي كانوا قريب عهد بجاهلية، يعني أن زمانهم قريب من زمان الكفر‏.‏ قال الحافظ ابن حجر‏:‏ وقع بالإفراد في الصحيحين‏.‏ والمعروف حديثو عهد‏.‏ وفعيل يستوي فيه الإفراد وغيره‏.‏ ‏(‏أجبرهم‏)‏ أي أفعل معهم ما ينجبر به خاطرهم وينسيهم مصيبتهم‏.‏ ‏(‏وسلك الأنصار شعبا‏)‏ قال الخليل‏:‏ الشعب هو ما انفرج بين جبلين‏.‏ وقال ابن السكيت‏:‏ هو الطريق في الجبل‏]‏‏.‏
134 – ‏(‏1059‏)‏ حدثنا محمد بن الوليد‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن أبي التياح‏.‏ قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك قال‏:‏
لما فتحت مكة قسم الغنائم في قريش فقالت الأنصار‏:‏ إن هذا لهو العجب‏.‏ إن سيوفنا تقطر من دمائهم‏.‏ وإن غنائمنا ترد عليهم ‏!‏ فبلغ ذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم فجمعهم‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏ما الذي بلغني عنكم ‏؟‏‏”‏ قالوا‏:‏ هو الذي بلغك‏.‏ وكانوا لا يكذبون‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏أما ترضون أن يرجع الناس بالدنيا إلى بيوتهم، وترجعون برسول الله إلى بيوتكم ‏؟‏ لو سلك الناس واديا أو شعبا، وسلكت الأنصار واديا أو شعبا، لسلكت وادي الأنصار أو شعب الأنصار‏”‏‏.‏
135 – ‏(‏1059‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وإبراهيم بن محمد بن عرعرة ‏(‏يزيد أحدهما على الآخر الحرف بعد الحرف‏)‏ قالا‏:‏ حدثنا معاذ ابن معاذ‏.‏ حدثنا ابن عون عن هشام بن زيد بن أنس، عن أنس بن مالك ؛ قال‏:‏
لما كان يوم حنين أقبلت هوازن وغطفان، بذراريهم ونعمهم‏.‏ ومع النبي صلى الله عليه وسلم يومئذ عشرة آلاف‏.‏ ومعه الطلقاء‏.‏ فأدبروا عنه‏.‏ حتى بقي وحده‏.‏ قال‏:‏ فنادى يومئذ نداءين‏.‏ لم يخلط بينهما شيئا‏.‏ قال‏:‏ فالتفت عن يمينه فقال ‏”‏يا معشر الأنصار ‏!‏ ‏”‏ فقالوا‏:‏ لبيك، يا رسول الله ‏!‏ أبشر نحن معك‏.‏ قال‏:‏ ثم التفت عن يساره فقال ‏”‏يا معشر الأنصار‏!‏‏”‏ قالوا‏:‏ لبيك، يا رسول الله ‏!‏ أبشر نحن معك‏.‏ قال‏:‏ ثم التفت عن يساره فقال ‏”‏يا معشر الأنصار‏!‏‏”‏ قالوا‏:‏ لبيك، يا رسول الله ‏!‏ أبشر نحن معك‏.‏ قال‏:‏ وهو على بغلة بيضاء‏.‏ فنزل فقال‏:‏ أنا عبدالله ورسوله‏.‏ فانهزم المشركون‏.‏ وأصاب رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائم كثيرة‏.‏ فقسم في المهاجرين والطلقاء‏.‏ ولم يعط الأنصار شيئا‏.‏ فقالت الأنصار‏:‏ إذا كانت الشدة فنحن ندعى‏.‏ وتعطي الغنائم غيرنا ‏!‏ فبلغه ذلك‏.‏ فجمعهم في قبة‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏يا معشر الأنصار ‏!‏ ما حديث بلغني عنكم ‏؟‏‏”‏ فسكتوا‏.‏ فقال‏:‏
‏”‏يا معشر الأنصار ‏!‏ أما ترضون أن يذهب الناس بالدنيا وتذهبون بمحمد تحوزونه إلى بيوتكم ‏؟‏‏”‏ قالوا‏:‏ بلى‏.‏ يا رسول الله ‏!‏ رضينا‏.‏ قال‏:‏ فقال‏:‏
‏”‏لو سلك الناس واديا، وسلكت الأنصار شعبا، لأخذت شعب الأنصار‏”‏‏.‏
قال هشام‏:‏ فقلت‏:‏ يا أبا حمزة ‏!‏ أنت شاهد ذاك ‏؟‏ قال وأين أغيب عنه ‏؟‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ونعمهم‏)‏ النعم واحد الأنعام‏.‏ وهي الأموال الراعية‏.‏ وأكثر ما يقع على الإبل‏.‏ قال القسطلاني‏:‏ وكانت عادتهم، إذا أرادوا التثبت في القتال، استصحاب الأهالي وثقلهم معهم إلى موضع القتال‏.‏ ‏(‏ومعهم الطلقاء‏)‏ يعني مسلمة الفتح الذين من عليهم رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم الفتح، فلم يأسرهم ولم يقتلهم‏.‏ وهو جمع طليق‏.‏ ‏(‏فأدبروا عنه‏)‏ أي ولوا عنه أدبارهم‏.‏ وما أقبلوا على العدو معه، حتى بقي صلى الله عليه وسلم وحده‏.‏ ‏(‏تحوزونه‏)‏ في المصباح‏:‏ وكل من ضم إلى نفسه شيئا فقد حازه‏]‏‏.‏
136 – ‏(‏1059‏)‏ حدثنا عبيدالله بن معاذ وحامد بن عمر ومحمد بن عبدالأعلى‏.‏ قال ابن معاذ‏:‏ حدثنا المعتمر بن سليمان عن أبيه‏.‏ قال‏:‏
حدثني السميط عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏ افتتحنا مكة‏.‏ ثم إنا غزونا حنينا‏.‏ فجاء المشركون بأحسن صفوف رأيت‏.‏ قال‏:‏ فصفت الخيل‏.‏ ثم صفت المقاتلة‏.‏ ثم صفت النساء من وراء ذلك‏.‏ ثم صفت الغنم‏.‏ ثم صفت النعم‏.‏ قال‏:‏ ونحن بشر كثير‏.‏ قد بلغنا ستة آلاف‏.‏ وعلى مجنبة خيلنا خالد بن الوليد‏.‏ قال‏:‏ فجعلت خيلنا تلوى خلف ظهورنا‏.‏ فلم نلبث أن انكشفت خيلنا، وفرت الأعراب، ومن نعلم من الناس‏.‏ قال‏:‏ فنادى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏يال المهاجرين ‏!‏ يال المهاجرين‏”‏‏.‏ ثم قال ‏”‏يال الأنصار ‏!‏ يال الأنصار‏!‏‏”‏‏.‏ قال‏:‏ قال أنس‏:‏ هذا حديث عمية‏.‏ قال‏:‏ قلنا‏:‏ لبيك‏.‏ يا رسول الله ‏!‏ قال‏:‏ فتقدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ فايم الله ‏!‏ ما أتيناهم حتى هزمهم الله‏.‏ قال‏:‏ فقبضنا ذلك المال‏.‏ ثم انطلقنا إلى الطائف فحاصرناهم أربعين ليلة‏.‏ ثم رجعنا إلى مكة فنزلنا‏.‏ قال‏:‏ فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يعطي الرجل المائة من الإبل‏.‏ ثم ذكر باقي الحديث‏.‏ كنحو حديث قتادة، وأبي التياح،وهشام ابن زيد‏.‏
‏[‏ش ‏(‏قد بلغنا ستة آلاف‏)‏ قال القاضي‏:‏ هذا وهم من الراوي عن أنس‏.‏ والصحيح ما جاء في الرواية الأولى‏:‏ عشرة آلاف ومعه الطلقاء‏.‏ لأن المشهور في كتب المغازي أن المسلمين كانوا يومئذ اثني عشر ألفا‏:‏ عشرة آلاف شهدوا الفتح‏.‏ وألفان من أهل مكة‏.‏ ومن انضاف إليهم‏.‏ ‏(‏وعلى مجنبة‏)‏ قال شمر‏:‏ المجنبة هي الكتيبة من الخيل التي تأخذ جانب الطريق‏.‏ وهما مجنبتان‏:‏ ميمنة، وميسرة، بجانبي الطريق، والقلب بينهما‏.‏ ‏(‏فجعلت خيلنا تلوى‏)‏ هكذا هو في أكثر النسخ‏:‏ تلوى‏:‏ وفي بعضها‏:‏ تلوذ‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ أي فجعلت فرساننا يثنون أفراسهم ويعطفونها خلف ظهورنا‏.‏ ‏(‏يال المهاجرين يال المهاجرين‏.‏ ثم قال يال الأنصار يال الأنصار‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ في المواضع الأربعة‏:‏ يال، بلام مفصولة مفتوحة‏.‏ والمعروف وصلها بلام التعريف التي بعدها‏.‏ وهي لام الجر‏.‏ إلا أنها تفتح في المستغاث به، فرقا بينها وبين مستغاث له‏.‏ فيقال‏:‏ يا لزيد لعمرو‏.‏ بفتح في الأولى وكسر في الثانية‏.‏ ‏(‏هذا حديث عمية‏)‏ هذه اللفظة‏:‏ ضبطوها في صحيح مسلم على أوجه‏:‏ أحدها عمية، قال القاضي‏:‏ كذا روينا هذا الحرف عن عامة شيوخنا، وفسر بالشدة‏.‏ والثاني عمية‏.‏ والثالث عميه أي حدثني به عمى‏.‏ وقال القاضي‏:‏ على هذا الوجه معناه عندى جماعتي‏.‏ أي هذا حديثهم‏.‏ قال صاحب العين‏:‏ العم الجماعة‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهذا أشبه بالحديث‏.‏ والوجه الرابع كذلك، إلا أنه بتشديد الياء، وهو الذي ذكره الحميدي صاحب الجمع بين الصحيحين، وفسره بعمومتى‏.‏ أي حديث فضل أعمامي‏.‏ أو هذا الحديث الذي حدثني به أعمامي‏.‏ كأنه حدث بأول الحديث عن مشاهدة، ثم لعله لم يضبط هذا الموضع لتفرق الناس، فحدثه به من شهده من أعمامه أو جماعته الذين شهدوه‏]‏‏.‏
137 – ‏(‏1060‏)‏ حدثنا محمد بن أبي عمر المكي‏.‏ حدثنا سفيان عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عباية بن رفاعة، عن رافع ابن خديج ؛ قال‏:‏
أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أبا سفيان بن حرب، وصفوان بن أمية، وعيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، كل إنسان منهم، مائة من الإبل‏.‏ وأعطى عباس بن مرداس دون ذلك‏.‏ فقال عباس بن مرداس‏:‏
أتجعل نهـبى ونهب العبيـ * ـد بيـن عيينـة والأقرع ‏؟‏
فما كان بدر ولا حابس * يفوقان مرداس في المجمع
وماكنت دون امرئ منهما * ومن تخفض اليوم لا يرفع
قال‏:‏ فأتم له رسول الله صلى الله عليه وسلم مائة‏.‏
‏[‏ش ‏(‏ونهب العبيد‏)‏ النهب الغنيمة‏.‏ والعبيد اسم فرسه‏.‏ ‏(‏يفوقان مرداس‏)‏ هكذا هو في جميع الروايات‏:‏ مرداس، غير مصروف‏.‏ وهو حجة لمن جوز ترك الصرف بعلة واحدة‏.‏ وأجاب الجمهور بأنه في ضرورة الشعر‏]‏‏.‏
138 – ‏(‏1060‏)‏ وحدثنا أحمد بن عبدة الضبي‏.‏ أخبرنا ابن عيينة عن عمر بن سعيد بن مسروق، بهذا الإسناد ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم قسم غنائم حنين فأعطى أبا سفيان بن حرب مائة من الإبل‏.‏ وساق الحديث بنحوه‏.‏ وزاد‏:‏ وأعطى علقمة بن علاثة مائة‏.‏
‏(‏1060‏)‏ وحدثنا مخلد بن خالد الشعيري‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ حدثني عمر بن سعيد، بهذا الإسناد‏.‏ ولم يذكر في الحديث علقمة بن علاثة، ولا صفوان بن أمية‏.‏ ولم يذكر الشعر في حديثه‏.‏
139 – ‏(‏1061‏)‏ حدثنا سريج بن يونس‏.‏ حدثنا إسماعيل بن جعفر عن عمرو بن يحيى بن عمارة، عن عباد بن تميم، عن عبدالله بن زيد؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فتح حنينا قسم الغنائم‏.‏ فأعطى المؤلفة قلوبهم‏.‏ فبلغه أن الأنصار يحبون أن يصيبوا ما أصاب الناس‏.‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فخطبهم‏.‏ فحمد الله وأثنى عليه‏.‏ ثم قال ‏”‏يا معشر الأنصار ‏!‏ ألم أجدكم ضلالا فهداكم الله بي‏؟‏ وعالة، فأغناكم الله بي‏؟‏ ومتفرقين، فجمعكم الله بي‏؟‏ ‏”‏ ويقولون‏:‏ الله ورسوله أمن‏.‏ فقال‏”‏ ألا تجيبوني ‏؟‏‏”‏ فقالوا‏:‏ الله ورسوله أمن‏.‏ فقال‏:‏‏”‏أما إنكم لوشئتم أن تقولوا كذا وكذا‏.‏ وكان من الأمر كذا وكذا‏”‏‏.‏ لأشياء عددها‏.‏ زعم عمرو أن لا يحفظها‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏ ألا ترضون أن يذهب الناس بالشاء والإبل، وتذهبون برسول الله إلى رحالكم‏؟‏ الأنصار شعار والناس دثار‏.‏ ولولا الهجرة لكنت امرأ من الأنصار‏.‏ ولو سلك الناس واديا وشعبا، لسلكت وادي الأنصار وشعبهم‏.‏ إنكم ستلقون بعدي أثرة‏.‏ فاصبروا حتى تلقوني على الحوض‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏أن يصيبوا ما أصاب الناس‏)‏ أي أن يجدوا ما وجد الناس من القسمة‏.‏ ‏(‏عالة‏)‏ أي فقراء، جمع عائل‏.‏ وهو جمع مطرد في الأجوف الثلاثي‏.‏ ‏(‏ومتفرقين‏)‏ يعني متدابرين، يعادي بعضكم بعضا‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ إذ كنتم أعداء فألف بين قلوبكم‏.‏ الآية‏.‏ ‏(‏بالشاء‏)‏ هو جمع شاة، كشياه، وهي الغنم‏.‏ ‏(‏الأنصار شعار والناس دثار‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الشعار الثوب الذي يلي الجسد، والدثار فوقه‏.‏ ومعني الحديث الأنصار هم البطانة والخاصة والأصفياء وألصق الناس بي من سائر الناس‏]‏‏.‏
140 – ‏(‏1062‏)‏ حدثنا زهير بن حرب وعثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا جرير‏)‏ عن منصور، عن أبي وائل، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏
لما كان يوم حنين آثر رسول الله صلى الله عليه وسلم ناسا في القسمة‏.‏ فأعطى الأقرع بن حابس مائة من الإبل‏.‏ وأعطى عيينة مثل ذلك‏.‏ وأعطى أناسا من أشراف العرب‏.‏ وآثرهم يومئذ في القسمة‏.‏ فقال رجل‏:‏ والله ‏!‏ إن هذه لقسمة ما عدل فيها، وما أريد فيها وجه الله‏.‏ قال فقلت‏:‏ والله ‏!‏ لأخبرن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ فأتيته فأخبرته بما قال‏.‏ قال‏:‏ فتغير وجهه حتى كان كالصرف‏.‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏فمن يعدل إن لم يعدل الله ورسوله‏!‏‏”‏ قال‏:‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏يرحم الله موسى‏.‏ قد أوذي بأكثر من هذا فصبر‏”‏‏.‏ قال قلت‏:‏ لا جرم لا أرفع إليه بعدها حديثا‏.‏
‏[‏ش ‏(‏حتى كان كالصرف‏)‏ هو صبغ أحمر يصبغ به الجلود‏.‏ قال ابن دريد‏:‏ وقد يسمى الدم أيضا صرفا‏.‏ ‏(‏قد أوذي بأكثر من هذا‏)‏ أي أذاه قومه أكثر من هذا الإيذاء‏.‏ ‏(‏لاجرم‏)‏ أي لا بد‏.‏ أو حقا‏.‏ أو لا محالة‏.‏ أو هذا أصله ثم كثر حتى تحول إلى معنى القسم‏]‏‏.‏
141 – ‏(‏1062‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا حفص بن غياث عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏
قسم رسول الله صلى الله عليه وسلم قسما‏.‏ فقال رجل‏:‏ إنها لقسمة ما أريد بها وجه الله‏.‏ قال‏:‏ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فساورته‏.‏ فغضب من ذلك غضبا شديدا‏.‏ واحمر وجهه حتى تمنيت أني لم أذكره له‏.‏ قال‏:‏ ثم قال‏:‏ ‏”‏قد أوذى موسى بأكثر من هذا فصبر‏”‏‏.‏
*3* ‏(‏47‏)‏ باب ذكر الخوارج وصفاتهم
142 – ‏(‏1063‏)‏ حدثنا محمد بن رمح بن المهاجر‏.‏ أخبرنا الليث عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزبير، عن جابر بن عبدالله‏.‏ قال‏:‏
أتي رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم بالجعرانة‏.‏ منصرفه من حنين‏.‏ وفي ثوب بلال فضة‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم يقبض منها‏.‏ يعطى الناس‏.‏ فقال‏:‏ يا محمد ‏!‏ اعدل‏.‏ قال‏:‏ ‏”‏ويلك ‏!‏ ومن يعدل إذا لم أكن أعدل ‏؟‏ لقد خبت وخسرت إن لم أكن أعدل ‏”‏ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ دعني‏.‏ يا رسول الله ‏!‏ فأقتل هذا المنافق‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏معاذ الله ‏!‏ أن يتحدث الناس أني أقتل أصحابي‏.‏ إن هذا وأصحابه يقرأون القرآن‏.‏ لا يجاوز حناجرهم‏.‏ يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏بالجعرانة‏)‏ موضع قريب من مكة‏.‏ وهو بتسكين العين والتخفيف‏.‏ وقد تكسر العين وتشدد الراء‏.‏ ‏(‏منصرفه من حين‏)‏ هو ظرف زماني لأتي‏.‏ أي حين انصرفه، عليه الصلاة والسلام، من حنين‏.‏ ‏(‏لقد خبت وخسرت‏)‏ روى بفتح التاء في خبت وخسرت‏.‏ وبضمها فيهما‏.‏ ومعنى الضم ظاهر‏.‏ وتقدير الفتح‏:‏ لقد خبت أنت أيها التابع إذا كنت لا أعدل، لكونك تابعا ومقتديا بمن لا يعدل‏.‏ والفتح أشهر‏.‏ ‏(‏معاذ الله‏)‏ أي أعوذ به عوذا من أن يتحدث الناس الخ‏.‏ ‏(‏لا يجاوز حناجرهم‏)‏ قال القاضي‏:‏ فيه تأويلان‏.‏ أحدهما معناه لا تفقهه قلوبهم ولا ينتفعون بما تلوا منه ولا لهم حظ سوى تلاوة الفم والحنجرة والحلق، إذ بهما تقطيع الحروف‏.‏ والثاني معناه لا يصعد لهم عمل ولا تلاوة ولا يتقبل‏.‏ والحناجر جمع حنجرة، وهي رأس الغلصمة، حيث تراه ناتئا من خارج الحلق‏.‏ ‏(‏يمرقون منه كما يمرق السهم من الرمية‏)‏ قال القاضي‏:‏ معناه يخرجون منه خروج السهم، إذا نفذ الصيد، من جهة أخرى‏.‏ ولم يتعلق به شيء منه‏.‏ والرمية هي الصيد المرمى، وهي فعيلة بمعنى مفعولة‏]‏‏.‏
‏(‏1063‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا عبدالوهاب الثقفي‏.‏ قال‏:‏ سمعت يحيى بن سعيد يقول‏:‏ أخبرني أبو الزبير ؛ أنه سمع جابر بن عبدالله‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا زيد بن الحباب‏.‏ حدثني قرة بن خالد‏.‏ حدثني أبو الزبير عن جابر بن عبدالله ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقسم مغانم وساق الحديث‏.‏
‏[‏ش ‏(‏كان يقسم مغانم‏)‏ جمع مغنم‏.‏ وهو كالغنيمة، ما أصيب من أموال أهل الحرب من الكفار‏]‏‏.‏
143 – ‏(‏1064‏)‏ حدثنا هناد بن السري‏.‏ حدثنا أبو الأحوص عن سعيد بن مسروق، عن عبدالرحمن بن أبي نعم، عن أبي سعيد الخدري ؛ قال‏:‏
بعث علي رضي الله عنه، وهو باليمن، بذهبة في تربتها، إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقسمها رسول الله صلى الله عليه وسلم بين أربعة نفر‏:‏ الأقرع بن حابس الحنظلي، وعيينة بن بدر الفزاري، وعلقمة بن علاثة العاشمري، ثم أحد بني كلاب، وزيد الخير الطائي، ثم أحد بني نبهان‏.‏ قال‏:‏ فغضبت قريش‏.‏ فقالوا‏:‏ أتعطي صناديد نجد وتدعنا ‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إني إنما فعلت ذلك لأتألفهم‏”‏ فجاء رجل كث اللحية‏.‏ مشرف الوجنتين‏.‏ غائر العينين‏.‏ ناتئ الجبين محلوق الرأس‏.‏ فقال‏:‏ اتق الله‏.‏ يا محمد ‏!‏ قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏فمن يطع الله إن عصيته ‏!‏ أيأمنني على أهل الأرض ولا تأمنوني ‏؟‏‏”‏ قال‏:‏ ثم أدبر الرجل‏.‏ فاستأذن رجل من القوم في قتله‏.‏ ‏(‏يرون أنه خالد بن الوليد‏)‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إن من ضئضئ هذا قوما يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم‏.‏ يقتلون أهل الإسلام‏.‏ ويدعون أهل الأوثان‏.‏ يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية‏.‏ لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏بذهبة‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏:‏ بذهبة، بفتح الذال‏.‏ وكذا نقله القاضي عن جميع رواة مسلم عن الجلودى‏.‏ ‏(‏في تربتها‏)‏ صفة لذهبة‏.‏ يعني أنهاغير مسبوكة لم تخلص من ترابها‏.‏ ‏(‏وزيد الخير‏)‏ كذا هو في جميع النسخ‏:‏ الخير‏.‏ وفي الرواية التي بعدها زيد الخيل‏.‏ وكلاهما صحيح، يقال بالوجهين‏.‏ كان يقال له في الجاهلية زيد الخيل، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم، في الإسلام، زيد الخير‏.‏ ‏(‏صناديد نجد‏)‏ أي ساداتها‏.‏ واحدها صنديد‏.‏ ‏(‏كث اللحية‏)‏ قال ابن الأثير‏:‏ الكثاثة في اللحية أن تكون غير دقيقة ولا طويلة، وفيها كثافة‏.‏ يقال‏:‏ رجل كث اللحية، بالفتح‏.‏ وقوم كث، بالضم‏.‏ ‏(‏مشرف الوجنتين‏)‏ أي غليظهما‏.‏ والوجنتان تثنية وجنة‏.‏ والوجنة من الإنسان، ما ارتفع من لحم خده‏.‏ ‏(‏غائر العينين‏)‏ أي أن عينيه داخلتان في محاجرهما، لاصقتان بقعر الحدقة‏.‏ ‏(‏ناتئ الجبين‏)‏ أي بارز الجبين‏.‏ من النتوء، وهو الإرتفاع‏.‏ ولعل الجبين وقع هنا غلطا من الجبهة‏.‏ والرواية الصحيحة هي ما يأتي بعد هذه من قوله‏:‏ ناشز الجبهة أو ناتئ الجبهة‏.‏ فإن الجبين جانب الجبهة‏.‏ ولكل إنسان جبينان يكتنفان الجبهة، وهما لا يوصفان بالنتوء‏.‏ ‏(‏محلوق الرأس‏)‏ وحلق الرأس، إذ ذاك، مخالف للعرب‏.‏ فإنهم لا يحلقون رؤوسهم، وكانوا يفرقون شعورهم‏.‏ ‏(‏إن من ضئضئى هذا‏)‏ هو أصل الشيء‏.‏ وهكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏.‏ وحكاه القاضي عن الجمهور‏.‏ وعن بعضهم أنه ضبطه بالمعجمتين والمهملتين جميعا وهذا صحيح في اللغة‏:‏ قالوا‏:‏ ولأصل الشيء أسماء كثيرة‏:‏ منها الضئضئى بالمعجمتين والمهملتين، والنجار، والنحاس، والسنخ، والعنصر، والعيص، والأرومة‏.‏ ‏(‏قتل عاد‏)‏ أي قتلا عاما مستأصلا‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ فهل ترى لهم من باقية‏]‏‏.‏
144 – ‏(‏1064‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا عبدالواحد عن عمارة بن القعقاع‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن أبي نعيم‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدري يقول‏:‏
بعث علي بن أبي طالب إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، من اليمن، بذهبة في أديم مقروظ‏.‏ لم تحصل من ترابها‏.‏ قال‏:‏ فقسمها بين أربعة نفر‏:‏ بين عيينة بن حصن، والأقرع بن حابس، وزيد الخيل، والرابع إما علقمة بن علاثة وإما عامر بن الطفيل‏.‏ فقال رجل من أصحابه‏:‏ كنا نحن أحق بهذا من هؤلاء‏.‏ قال‏:‏ فبلغ ذلك النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ ‏”‏ألا تأمنوني ‏؟‏ وأنا أمين من في السماء، يأتيني خبر السماء صباحا ومساء‏”‏ قال‏:‏ فقام رجل غائر العينين‏.‏ مشرف الوجنتين‏.‏ ناشز الجبهة‏.‏ كث اللحية‏.‏ محلوق الرأس‏.‏ مشمر الإزار‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ اتق الله‏.‏ فقال‏:‏ ‏”‏ويلك ‏!‏ أو لست أحق أهل الأرض أن يتقى الله‏”‏ قال‏:‏ ثم ولي الرجل‏.‏ فقال خالد بن الوليد‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ألا أضرب عنقه ‏؟‏ فقال ‏”‏لا‏.‏ لعله أن يكون يصلي‏”‏‏.‏ قال خالد‏:‏ وكم من مصل يقول بلسانه ما ليس في قلبه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏إني لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس‏.‏ ولا أشق بطونهم‏”‏ قال‏:‏ ثم نظر إليه وهو مقف فقال‏:‏ ‏”‏إنه يخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله‏.‏ رطبا لا يجاوز حناجرهم‏.‏ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏”‏‏.‏ قال‏:‏ أظنه قال‏:‏ ‏”‏لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏في أديم مقروظ‏)‏ أي في جلد مدبوغ بالقرظ‏.‏ والقرظ حب معروف يخرج في غلف كالعدس من شجر العضاه‏.‏ ‏(‏لم تحصل من ترابها‏)‏ أي لم تميز ولم تصف من تراب معدنها‏.‏ ‏(‏وإما عامر بن الطفيل‏)‏ قال العلماء‏:‏ ذكر عامر، هنا، غلط ظاهر‏.‏ لأنه توفي قبل هذا بسنين‏.‏ والصواب الجزم بأنه علقمة بن علاثة‏.‏ كما هو مجزوم به في باقي الروايات‏.‏ ‏(‏ناشز الجبهة‏)‏ أي مرتفعها‏.‏ ‏(‏لم أومر أن أنقب عن قلوب الناس‏)‏ أي أفتش وأكشف‏.‏ ومعناه إني أمرت بالحكم بالظاهر، والله يتولى السرائر‏.‏ ‏(‏وهو مقف‏)‏ أي مول، قد أعطانا قفاه‏]‏‏.‏
145 – ‏(‏1064‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا جرير عن عمارة بن القعقاع، بهذا الإسناد‏.‏ قال‏:‏ وعلقمة بن علاثة‏.‏ ولم يذكر عامر بن الطفيل‏.‏ وقال‏:‏
ناتيء الجبهة‏.‏ ولم يقل‏:‏ ناشز‏.‏ وزاد‏:‏ فقام إليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ألا أضرب عنقه ‏؟‏ قال ‏”‏لا‏”‏‏.‏ قال‏:‏ ثم أدبر فقام إليه خالد، سيف الله، فقال‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ألا أضرب عنقه ‏؟‏ قال ‏”‏لا‏”‏، فقال ‏”‏إنه سيخرج من ضئضئ هذا قوم يتلون كتاب الله لينا رطبا‏”‏‏.‏ وقال‏:‏ قال عمارة‏:‏ حسبته قال ‏”‏لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏لينا رطبا‏)‏ هكذا هو في أكثر النسخ‏:‏ لينا، بالنون أي سهلا‏.‏ وفي كثير من النسخ‏:‏ ليّا‏.‏ وأشار القاضي إلى أنه رواية أكثر شيوخهم‏.‏ قال‏:‏ ومعناه سهلا لكثرة حفظهم‏.‏ قال‏:‏ وقيل ليّا أي يلوون ألسنتّهم به، أي يحرفون معانيه وتأويله‏]‏‏.‏
146 – ‏(‏1064‏)‏ وحدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا ابن فضيل عن عمارة بن القعقاع، بهذا الإسناد‏.‏ وقال بين أربعة نفر‏:‏ زيد الخير، والأقرع ابن حابس، وعيينة بن حصن، وعلقمة بن علاثة أو عامر بن الطفيل‏.‏ وقال‏:‏ ناشز الجبهة‏.‏ كرواية عبدالواحد‏.‏ وقال‏:‏
إنه سيخرج من ضئصئ هذا قوم‏.‏ ولم يذكر ‏”‏لئن أدركتهم لأقتلنهم قتل ثمود‏”‏‏.‏
147 – ‏(‏1064‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا عبدالوهاب‏.‏ قال‏:‏ سمعت يحيى بن سعيد يقول‏:‏ أخبرني محمد بن إبراهيم عن أبي سلمة وعطاء بن يسار ؛ أنهما أتيا أبا سعيد الخدري فسألاه عن الحرورية ‏؟‏ هل سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكرها قال‏:‏ لا أدري من الحرورية‏.‏ ولكني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏
‏”‏يخرج في هذه الأمّة ‏(‏ولم يقل‏:‏ منها‏)‏ قوم تحقرون صلاتكم مع صلاتهم‏.‏ فيقرأون القرآن‏.‏ لا يجاوز حلوقهم ‏(‏أو حناجرهم‏)‏ يمرقون من الدين مروق السهم من الرمية‏.‏ فينظر الرامي إلى سهمه‏.‏ إلى نصله‏.‏ إلى رصافه‏.‏ فيتمارى في الفوقة‏.‏ هل علق بها من الدم شيء‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يخرج في هذه الأمة، ولم يقل منها‏)‏ قال المازري‏:‏ هذا من أدل الدلائل على سعة علم الصحابة رضي الله عنهم ودقيق نظرهم وتحريرهم الألفاظ وفرقهم بين مدلولاتها الخفية‏.‏ لأن لفظة من تقتضي كونهم من الأمة، لا كفارا‏.‏ بخلاف في‏.‏ ‏(‏إلى رصافه‏)‏ الرصاف مدخل النصل من السهم‏.‏ والنصل هو حديدة السهم‏.‏ ‏(‏فيتمارى‏)‏ التماري، هنا، تفاعل من المرية وهي الشك، لا من المراء وهو الجدال‏.‏ أي فيشك‏.‏ ‏(‏في الفوقة‏)‏ الفوق والفوقة هو الحز الذي يجعل فيه الوتر‏]‏‏.‏
148 – ‏(‏1064‏)‏ حدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني يونس بن ابن شهاب‏.‏ أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن عن أبي سعيد الخدري‏.‏ ح وحدثني حرملة بن يحيى وأحمد بن عبدالرحمن الفهري‏.‏ قالا‏:‏ أخبرني ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن والضحاك الهمداني ؛ أن أبا سعيد الخدري قال‏:‏
بينا نحن عند رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو يقسم قسما‏.‏ أتاه ذو الخويصرة‏.‏ وهو رجل من بني تميم‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله اعدل‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏ويلك ‏!‏ ومن يعدل إن لم أعدل ‏؟‏ قد خبت وخسرت إن لم أعدل‏”‏‏.‏ فقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏:‏ يا رسول الله ‏!‏ ائذن لي فيه أضرب عنقه‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏دعه‏.‏ فإن له أصحابا يحقر أحدكم صلاته مع صلاتهم‏.‏ وصيامه مع صيامهم‏.‏ يقرأون القرآن‏.‏ لا يجاوز تراقيهم‏.‏ يمرقون من اإسلام كما يمرق السهم من الرمية‏.‏ ينظر إلى نصله فلا يوجد فيه شيء‏.‏ ثم ينظر إلى رصافه فلا يوجد فيه شيء‏.‏ ثم ينظر إلى نضيّه فلا يوجد فيه شيء ‏(‏وهو القدح‏)‏‏.‏ ثم ينظر إلى قذذه فلا يوجد فيه شيء‏.‏ سبق الفرث والدم‏.‏ آيتهم رجل أسود‏.‏ إحدى عضديه مثل ثدي المرأة‏.‏ أو مثل البضعة تدردر‏.‏ يخرجون على حين فرقة من الناس‏”‏‏.‏ قال أبو سعيد‏:‏ فأشهد أني سمعت هذا من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأشهد أن علي بن أبي طالب رضي الله عنه قاتلهم وأنا معه‏.‏ فأمر ذلك الرجل فالتمس‏.‏ فوجد‏.‏ فأتي به‏.‏ حتى نظرت إليه، على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم الذي نعت‏.‏
‏[‏ش ‏(‏نضيّه‏)‏ النضي، كغني، السهم بلا نصل ولا ريش‏.‏ ‏(‏القدح‏)‏ قال ابن الأثير‏:‏ القدح هو السهم الذي كانوا يستقسمون به، أو الذي يرمى به عن القوس‏.‏ يقال للسهم أول ما يقطع‏:‏ قطع‏.‏ ثم ينحت ويبرى فيسمى‏:‏ تريا‏.‏ ثم يقوم فيسمي‏:‏ قدحا‏.‏ ثم يراش ويركب نصله فيسمى‏:‏ سهما‏.‏ ‏(‏إلى قذذه‏)‏ القذذ ريش السهم، واحدتها قذّة‏.‏ ‏(‏سبق الفرث والدم‏)‏ أي أن السهم قد جاوزهما ولم يعلق فيه منهما شيء‏.‏ والفرث اسم ما في الكرش‏.‏ ‏(‏مثل البضعة تدردر‏)‏ البضعة القطعة من اللحم‏.‏ وتدردر أصله تتدردر، معناه تضطرب وتذهب وتجيء‏.‏ ‏(‏على حين فرقة‏)‏ ضبطوه في الصحيحين بوجهين‏:‏ أحدهما حين فرقة، أي وقت افتراق الناس، أي افتراق يقع بين المسلمين، وهو الإفتراق الذي كان بين علي ومعاوية رضي الله عنهما‏.‏ والثاني خير فرقة، أي أفضل الفرقتين‏.‏ والأول أكثر وأشهر‏.‏ ويؤيده الرواية التي بعد هذه‏:‏ يخرجون في فرقة من الناس، فإنه بضم الفاء بلا خلاف، ومعناه ظاهر‏.‏ ‏(‏على نعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي على الصفة التي وصفه رسول الله صلى الله عليه وسلم، بها‏]‏‏.‏
149 – ‏(‏1064‏)‏ وحدثني محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا ابن أبي عدي عن سليمان، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد ؛ أن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر قوما يكونون في أمته‏.‏ يخرجون في فرقة من الناس‏.‏ سيماهم التحالق‏.‏ قال‏:‏
‏”‏هم شر الخلق ‏(‏أو من أشر الخلق‏)‏‏.‏ يقتلهم أدنى الطائفتين إلى الحق ‏”‏‏.‏ قال‏:‏ فضرب النبي صلى الله عليه وسلم لهم مثلا‏.‏ أو قال قولا ‏”‏ الرجل يرمي الرمية ‏(‏أو قال الغرض‏)‏ فينظر في النصل فلا يرى بصيرة‏.‏ وينظر في النضي فلا يرى بصيرة‏.‏ وينظر في الفوق فلا يرى بصيرة ‏”‏‏.‏ قال‏:‏ قال أبو سعيد‏:‏ وأنتم قتلتموهم‏.‏ يا أهل العراق ‏!‏
‏[‏ش ‏(‏سيماهم التحالق‏)‏ السيما العلامة‏.‏ وفيها ثلاث لغات‏:‏ القصر، وهو الأفصح، وبه جاء القرآن‏.‏ والمد‏.‏ والثالثة السيمياء، بزيادة ياء مع المد، لا غير‏.‏ والمراد بالتحالق حلق الرؤوس‏.‏ وفي الرواية الأخرى‏:‏ التحلق‏.‏ ‏(‏أو من أشر الخلق‏)‏ هكذا هو في كل النسخ أو من أشر ‏.‏ بالألف‏.‏ وهي لغة قليلة‏.‏ والمشهور شر بغير ألف‏.‏ ‏(‏أدنى الطائفتين إلى الحق‏)‏ أي أقرب الطائفتين من الحق‏.‏ ‏(‏فلا يرى بصيرة‏)‏ أي حجة‏.‏ يعني شيئا من الدم يستدل به على إصابة الرمية‏]‏‏.‏
150 – ‏(‏1064‏)‏ حدثنا شيبان بن فروخ حدثنا القاسم ‏(‏وهو ابن الفضل الحداني‏)‏ حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد الخدري‏.‏ قال ‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏ تمرق مارقة عند فرقة من المسلمين‏.‏ يقتلها أولى الطائفتين بالحق‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏تمرق مارقة‏)‏ أي طائفة مارقة‏]‏‏.‏
151 – ‏(‏1064‏)‏ حدثنا أبو الربيع الزهراني وقتيبة بن سعيد‏.‏ قال قتيبة‏:‏ حدثنا أبو عوانة عن قتادة، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏
‏”‏يكون في أمتي فرقتان‏.‏ فيخرج من بينهما مارقة‏.‏ يلي قتلهم أولاهم بالحق‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏يلي قتلهم أولاهم بالحق‏)‏ الجملة صفة لمارقة‏.‏ أي يباشر قتلهم من هو أولى الأمة بالحق ‏]‏‏.‏
152- ‏(‏1064‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا عبدالأعلى‏.‏ حدثنا داود عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري ؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏
‏”‏تمرق مارقة في فرقة من الناس‏.‏ فيلي قتلهم أولى الطائفتين بالحق‏”‏‏.‏
153 – ‏(‏1064‏)‏ حدثني عبيدالله القواريري‏.‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن الزبير‏.‏ حدثنا سفيان عن حبيب بن أبي ثابت، عن الضحاك المشرقي، عن أبي سعيد الخدري، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ في حديث ذكر فيه قوما يخرجون على فرقة مختلفة‏.‏ يقتلهم أقرب الطائفتين من الحق‏.‏
‏[‏ش ‏(‏على فرقة مختلفة‏)‏ ضبطوه بكسر الفاء وضمها‏]‏‏.‏
‏(‏48‏)‏ باب التحريض على قتل الخوارج
154 – ‏(‏1066‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير وعبدالله بن سعيد الأشج‏.‏ جميعا عن وكيع‏.‏ قال الأشج‏:‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا الأعمش عن خيثمة، عن سويد بن غفلة‏.‏ قال‏:‏ قال علي‏:‏
إذا حدثتكم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلأن أخرّ من السماء أحبّ إلي من أن أقول عليه ما لم يقل‏.‏ وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة‏.‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏”‏ سيخرج في أخر الزمان قوم أحداث الأسنان، سفهاء الأحلام، يقولون من خير قول البرية‏.‏ يقرأون القرآن لا يجاوز حناجرهم‏.‏ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏.‏ فإذا لقيتموه فاقتلوهم‏.‏ فإن في قتلهم أجرا، لمن قتلهم، عند الله يوم القيامة‏”‏‏.‏
‏[‏ش ‏(‏فلأن أخرّ من السماء‏)‏ أي أسقط منها على الأرض فأهلك‏.‏ وهو في تأويل الاسم مبتدأ‏.‏ مصدر بلام الإبتداء، بعدها أداة المصدر خبره قوله‏:‏ أحب‏.‏ والجملة جواب إذا‏.‏ أي فخروري من السماء أحب إلي من أن أكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏(‏وإذا حدثتكم فيما بيني وبينكم فإن الحرب خدعة‏)‏ معناه أجتهد رأيي‏.‏ وقال القاضي‏:‏ وفيه جواز التورية، والتعريض في الحرب‏.‏ فكأنه تأول الحديث على هذا‏.‏ وقوله‏:‏ خدعة، بفتح الخاء‏.‏ وإسكان الدال على الأفصح‏.‏ ويقال بضم الخاء‏.‏ ويقال خدعة‏.‏ ثلاث لغات مشهورات‏.‏ ‏(‏أحداث الأسنان سفهاء الأحلام‏)‏ معناه صغار الأسنان ضعاف العقول‏.‏ ‏(‏يقولون من خير قول البرية‏)‏ معناه‏:‏ في ظاهر الأمر‏.‏ كقولهم‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏ ونظائره من دعائهم إلى كتاب الله تعالى‏]‏‏.‏
‏(‏1066‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا عيسى بن يونس‏.‏ ح وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدّمي وأبو بكر بن أبي نافع‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالرحمن بن مهدي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد، مثله‏.‏
‏(‏1066‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا جرير‏.‏ ح وحدثني أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب وزهير بن حرب‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا أبو معاوية‏.‏ كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد‏.‏ وليس في حديثهما ‏”‏ يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية‏”‏‏.‏
155 – ‏(‏1066‏)‏ وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي‏.‏ حدثنا ابن علية وحماد بن زيد‏.‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا حماد بن زيد ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب ‏(‏واللفظ لهما‏)‏ قالا‏:‏ حدثنا إسماعيل بن علية عن أيوب، عن محمد، عن عبيدة، عن علي‏.‏ قال‏:‏
ذكر الخوارج فقال‏:‏ فيهم رجل مخدج اليد، أو مودن اليد، أو مثدون اليد، لولا أن تبطروا لحدثتكم بما وعد الله الذين يقتلونهم، على لسان محمد صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال قلت‏:‏ آنت سمعته من محمد صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ قال‏:‏ إي‏.‏ ورب الكعبة ‏!‏ إي‏.‏ ورب الكعبة ‏!‏ إي‏.‏ ورب الكعبة‏!‏
‏[‏ش ‏(‏مخدج اليد أو مودن اليد أو مثدون اليد‏)‏ مخدج اليد أي ناقص الييد‏.‏ ومودن اليد ناقص اليد‏.‏ ومثدون اليد صغير اليد مجتمعها‏.‏ ‏(‏لولا أن تبطروا‏)‏ البطر، هنا، التجبر وشدة النشاط‏]‏‏.‏
‏(‏1066‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون، عن محمد عن عبيدة‏.‏ قال‏:‏ لا أحدثكم إلا ما سمعته منه‏.‏ فذكر عن علي، نحو حديث أيوب، مرفوعا‏.‏
156 – ‏(‏1566‏)‏ حدثنا عبد بن حميد‏.‏ حدثنا عبدالرزاق بن همام‏.‏ حدثنا عبدالملك بن أبي سليمان حدثنا سلمة بن كهيل‏.‏ حدثني زيد بن وهب الجهني ؛
أنه كان في الجيش الذين كانوا مع علي رضي الله عنه‏.‏ الذين ساروا إلى الخوارج‏.‏ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ أيها الناس ‏!‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏ يخرج قوم من أمتي يقرأون القرآن‏.‏ ليس قراءتكم إلى قرائتهم بشيء‏.‏ ولا صلاتكم إلى صلاتهم بشيء‏.‏ ولا صيامكم إلى صيامهم بشيء‏.‏ يقرأون القرآن‏.‏ يحسبون أنه لهم وهو عليهم‏.‏ لا تجاوز صلاتهم تراقيهم‏.‏ يمرقون من الإسلام كما يمرق السهم من الرمية‏”‏‏.‏ لو يعلم الجيش الذي يصيبونهم، ما قضي لهم على لسان نبيهم صلى الله عليه وسلم، لاتكلوا عن العمل‏.‏ وآية ذلك أن فيهم رجلا له عضد، وليس له ذراع‏.‏ على رأس عضده مثل حلمة الثدي‏.‏ عليه شعرات بيض‏.‏ فتذهبون إلى معاوية وأهل الشام وتتركون هؤلاء يخلفونكم في ذراريكم وأموالكم ‏!‏ والله ‏!‏ إني لأرجو أن يكونوا هؤلاء القوم‏.‏ فإنهم قد سفكوا الدم الحرام‏.‏ وأغاروا في سرح الناس‏.‏ فسيروا على اسم الله‏.‏ قال سلمة بن كهيل‏:‏ فنزلني زيد بن وهب منزلا‏.‏ حتى قال‏:‏ مررنا على قنطرة‏.‏ فلما التقينا وعلى الخوارج يومئذ عبدالله بن وهب الراسبي‏.‏ فقال لهم‏:‏ ألقوا الرماح‏.‏ وسلوا سيوفكم من جفونها فإني أخاف أن يناشدوكم كما ناشدوكم يوم حروراء‏.‏ فرجعوا فوحّشوا برماحهم‏.‏ وسلوا السيوف‏.‏ وشجرهم الناس برماحهم‏.‏ قال‏:‏ وقتل بعضهم على بعض‏.‏ وما أصيب من الناس يومئذ إلا رجلان‏.‏ فقال علي رضي الله عنه‏:‏ التمسوا فيهم المخدج‏.‏ فالتمسوه فلم يجدوه‏.‏ فقام علي رضي الله عنه بنفسه حتى أتى ناسا قد قتل بعضهم على بعض‏.‏ قال‏:‏ أخّروهم‏.‏ فوجدوه مما يلي الأرض‏.‏ فكّبر‏.‏ ثم قال‏:‏ صدق الله‏.‏ وبلّغ رسوله‏.‏ قال‏:‏ فقام إليه عبيدة السلماني‏.‏ فقال‏:‏ يا أمير المؤمنين ‏!‏ ألله الذي لا إله إلا هو ‏!‏ لسمعت هذا الحديث من رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏؟‏ فقال‏:‏ إي‏.‏ والله الذي لا إله إلا هو ‏!‏ حتى استحلفه ثلاثا‏.‏ وهو يحلف له‏.‏
‏[‏ش ‏(‏لا تجاوز صلاتهم تراقيهم‏)‏ المراد بالصلاة، هنا، القراءة، لأنها جزؤها‏.‏ ‏(‏وأغاروا في سرح الناس‏)‏ السرح والسارح والسارحة الماشية‏.‏ أي أغاروا على مواشيهم السائمة‏.‏ ‏(‏فنزلني زيد بن وهب منزلا‏)‏ هكذا هو في معظم النسخ‏:‏ منزلا، مرة واحدة‏.‏ وفي نادر منها‏.‏ منزلا منزلا، مرتين‏.‏ وهو وجه الكلام‏.‏ أي ذكر لي مراحلهم بالجيش منزلا منزلا حتى بلغ القنطرة التي كان القتال عندها‏.‏ ‏(‏وسلوا سيوفكم من جفونها‏)‏ أي أخرجوهامن أغمادها‏.‏ جمع جفن، وهو الغمد‏.‏ ‏(‏فإني أخاف أن يناشدوكم‏)‏ يقال‏:‏ نشدتك الله وناشدتك الله أي سألتك بالله وأقسمت عليك‏.‏ ‏(‏فوحشوا برماحهم‏)‏ أي رموا بها عن بعد منهم، ودخلوا فيهم بالسيوف حتى لا يجدوا فرصة‏.‏ ‏(‏وشجرهم الناس برماحهم‏)‏ أي مدوها إليهم وطاعنوهم بها‏.‏ ومنه التشاجر، في الخصومة‏.‏ وسمي الشجر شجرا لتداخل أغصانه، والمراد بالناس أصحاب علي‏.‏ ‏(‏حتى استحلفه ثلاثا‏)‏ قال الإمام النووي‏:‏ وإنما استحلفه ليسمع الحاضرين ويؤكد ذلك عندهم ويظهر لهم المعجزة التي أخبر بها رسول الله صلى الله عليه وسلم ويظهر لهم أن عليا وأصحابه أولى الطائفتين بالحق، وأنهم محقون في قتالهم‏]‏‏.‏
157 – ‏(‏1066‏)‏ حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبدالأعلى‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن الأشج، عن بسر بن سعيد، عن عبيدالله بن أبي رافع ، مولى رسول الله صلى الله عليه وسلم ؛ أن الحرورية لما خرجت، وهو مع علي بن أبي طالب رضي الله عنه، قالوا‏:‏ لا حكم إلا لله‏.‏ قال علي‏:‏ كلمة حق أريد بها باطل‏.‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم وصف ناسا‏.‏ إني لأعرف صفتهم في هؤلاء‏.‏
‏”‏يقولون الحق بألسنتهم لا يجوز هذا، منهم‏.‏ ‏(‏وأشار إلى حلقه‏)‏ من أبغض خلق الله إليه منهم أسود‏.‏ إحدى يديه طبى شاة أو حلمة ثدي‏”‏‏.‏ فلما قتلهم علي بن أبي طالب رضي الله عنه قال‏:‏ انظروا‏.‏ فنظروا فلم يجدوا شيئا‏.‏ فقال‏:‏ ارجعوا‏.‏ فوالله ‏!‏ ما كذبت ولا كذبت‏.‏ مرتين أو ثلاثا‏.‏ ثم وجدوه في خربة‏.‏ فأتوا به حتى وضعوه بين يديه‏.‏ قال عبيدالله‏:‏ وأنا حاضر ذلك من أمرهم‏.‏ وقول علي فيهم‏.‏ زاد يونس في روايته‏:‏ قال بكير‏:‏ وحدثني رجل عن ابن حنين أنه قال‏:‏ رأيت ذلك الأسود‏.‏
‏[‏ش ‏(‏كلمة حق أريد بها باطل‏)‏ معناه أن الكلمة أصلها صدق‏.‏ قال تعالى‏:‏ إن الحكم إلا لله‏.‏ لكنهم أرادوا بها الإنكار على علي رضي الله عنه في تحكيمه‏.‏ ‏(‏إحدى يديه طبى شاة‏)‏ المراد به ضرع الشاة‏.‏ وهو فيها مجاز واستعارة‏.‏ وإنما أصله للكلبة والسباع‏.‏ ‏(‏في خربة‏)‏ أي في خرق من خروق الأرض‏.‏ والخربة أيضا، موضع الخراب، وهو ضد العمران ‏]‏‏.‏
*3* ‏(‏49‏)‏ باب الخوارج شر الخلق والخليقة
158 – ‏(‏1067‏)‏ حدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا سليمان بن المغيرة‏.‏ حدثنا حميد بن هلال عن عبدالله بن الصامت، عن أبي ذر‏.‏ قال‏:‏ ق