كتاب الجهاد والسير


                                                                                            صحيح مسلم

 

كتاب الجهاد والسير

*3*1 – باب جواز الإغارة على الكفار الذين بلغتهم دعوة الإسلام، من غير تقدم الإعلام بالإغارة

1 – ‏(‏1730‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ حدثنا سليم بن أخضر عن ابن عون‏.‏ قال‏:‏ كتبت إلى نافع أسأله عن الدعاء قبل القتال‏؟‏ قال‏:‏ فكتب إلي‏:‏

إنما كان ذلك في أول الإسلام‏.‏ قد أغار رسول الله صلى الله عليه وسلم على بني المصطلق وهم غارون‏.‏ وأنعامهم تسقى على الماء‏.‏ فقتل مقاتلتهم وسبى سبيهم وأصاب يومئذ‏.‏ ‏(‏قال يحيى‏:‏ أحسبه قال‏)‏ جويرية‏.‏ ‏(‏أو قال البتة‏)‏ ابنة الحارث‏.‏

وحدثني هذا الحديث عبدالله بن عمر‏.‏ وكان في ذاك الجيش‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وهم غارون‏)‏ أي غافلون‏.‏

‏(‏فقتل مقاتلتهم‏)‏ أي الذين يصلحون للقتال‏.‏

‏(‏وسبى سبيهم‏)‏ أي أخذ منهم من لا يصلح للقتال عبيدا وإماء‏.‏ والسبي مصدر وصف به‏.‏ كما يسمى الجيش بعثا‏.‏

‏(‏أو قال البتة‏)‏ معناه أن يحيى بن يحيى قال‏:‏ أصاب يومئذ بنت الحارث‏.‏ وأظن شيخي سليم بن أخضر سماها في روايته جويرية‏.‏ أو أعلم وأجزم به وأقوله البتة‏.‏ وحاصله أنها جويرية فيما أحفظه، إما ظنا وإما علما‏]‏‏.‏

‏(‏1730‏)‏ – وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ وقال‏:‏ جويرية بنت الحارث‏.‏ ولم يشك‏.‏

*3*2 – باب تأمير الإمام الأمراء على البعوث، ووصية إياهم بآداب الغزو وغيرها

2 – ‏(‏1731‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع بن الجراح عن سفيان‏.‏ ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا يحيى بن آدم‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ أملاه علينا إملاء‏.‏

3 – ‏(‏1731‏)‏ ح وحدثني عبدالله بن هاشم ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثني عبدالرحمن ‏(‏يعني ابن مهدي‏)‏‏.‏ حدثنا سفيان عن علقمة بن مرثد، عن سليمان ابن بريدة، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا أمر أمير على جيش أو سرية، أوصاه خاصته بتقوى الله ومن معه من المسلمين خيرا‏.‏ ثم قال ‏(‏اغزوا باسم الله‏.‏ وفي سبيل الله‏.‏ قاتلوا من كفر بالله‏.‏ اغزوا ولا تغلوا ولا تغدروا ولا تمثلوا ولا تقتلوا وليدا‏.‏ وإذا لقيت عدوك من المشركين فادعهم إلى ثلاث خصال ‏(‏أو خلال‏)‏‏.‏ فأيتهن ما أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم‏.‏ ثم ادعهم إلى الإسلام‏.‏ فإن أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم‏.‏ ثم ادعهم إلى التحول من دارهم إلى دار المهاجرين‏.‏ وأخبرهم أنهم، إن فعلوا ذلك، فلهم ما للمهاجرين وعليهم ما على المهاجرين‏.‏ فإن أبوا أن يتحولوا منها، فأخبرهم أنهم يكونون كأعراب المسلمين‏.‏ يجري عليهم حكم الله الذي يجري على المؤمنين‏.‏ ولا يكون لهم في الغنيمة والفيء شيء‏.‏ إلا أن يجاهدوا مع المسلمين‏.‏ فإن هم أبوا فسلهم الجزية‏.‏ فإن هم أجابوك فاقبل منهم وكف عنهم‏.‏ فإن هم أبوا فاستعن بالله وقاتلهم‏.‏ وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه‏.‏ فلا تجعل لهم ذمة الله وذمة نبيه‏.‏ ولكن اجعل لهم ذمتك وذمة أصحابك‏.‏ فإنكم، أن تخفروا ذممكم وذمم أصحابكم، أهون من أن تخفروا ذمة الله وذمة رسوله‏.‏ وإذا حاصرت أهل حصن، فأرادوك أن تنزلهم على حكم الله، فلا تنزلهم على حكم الله‏.‏ ولكن أنزلهم على حكمك‏.‏ فإنك لا تدري أتصيب حكم الله فيهم أم لا‏)‏‏.‏

قال عبدالرحمن هذا أو نحوه‏.‏ وزاد إسحاق في آخر حديثه عن يحيى بن آدم قال‏:‏ فذكرت هذا الحديث لمقاتل بن حيان‏.‏ ‏(‏قال يحيى‏:‏ يعني أن علقمة يقوله لابن حيان‏)‏ فقال‏:‏ حدثني مسلم بن هيصم عن النعمان بن مقرن عن النبي صلى الله عليه وسلم نحوه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏سرية‏)‏ هي قطعة من الجيش تخرج منه تغير وتعود إليه‏.‏ قال إبراهيم الحربي‏:‏ هي الخيل تبلغ أربعمائة ونحوها‏.‏ قالوا‏:‏ سميت سرية لأنها تسري في الليل ويخفى ذهابها‏.‏ وهي فعيلة بمعنى فاعلة‏.‏ يقال‏:‏ سرى وأسرى، إذا ذهب ليلا‏.‏

‏(‏في خاصته‏)‏ أي في حق نفس ذلك الأمير خصوصا‏.‏

‏(‏ولا تغلوا‏)‏ من الغلول‏.‏ ومعناه الخيانة في الغنم‏.‏ أي لا تخونوا في الغنيمة‏.‏

‏(‏ولا تغدروا‏)‏ أي ولا تنقضوا العهد‏.‏

‏(‏ولا تمثلوا‏)‏ أي لا تشوهوا القتلى بقطع الأنوف والآذان‏.‏

‏(‏وليدا‏)‏ أي صبيا، لأنه لا يقاتل‏.‏

‏(‏ثم ادعهم إلى الإسلام‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم‏:‏ ثم ادعهم‏.‏ قال القاضي عياض رضي الله عنه‏:‏ صواب الرواية‏:‏ ادعهم، بإسقاط ثم‏.‏ وقد جاء بإسقاطها على الصواب في كتاب أبي عبيد وفي سنن أبي داود وغيرهما‏.‏ لأنه تفسير للخصال الثلاث، وليست غيرها‏.‏ وقال المازري‏:‏ ليست ثم، هنا، زائدة‏.‏ بل دخلت لاستفتاح الكلام والأخذ‏.‏

‏(‏ذمة الله‏)‏ الذمة، هنا، العهد‏.‏

‏(‏أن تخفروا‏)‏ يقال‏:‏ أخفرت الرجل إذا نقضت عهده‏.‏ وخفرته أمنته وحميته‏]‏‏.‏

4 – ‏(‏1731‏)‏ وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثني عبدالصمد بن عبدالوارث‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ حدثني علقمة بن مرثد؛ أن سليمان بن بريدة حدثه عن أبيه‏.‏ قال‏:‏ كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا بعث أميرا أو سرية دعاه فأوصاه‏.‏ وساق الحديث بمعنى حديث سفيان‏.‏

5 – ‏(‏1731‏)‏ حدثنا إبراهيم‏.‏ حدثنا محمد بن عبدالوهاب الفراء عن الحسين بن الوليد، عن شعبة، بهذا‏.‏

*3*3 – باب في الأمر بالتيسير وترك التنفير

6 – ‏(‏1732‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وأبو كريب ‏(‏واللفظ لأبي بكر‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو أسامة عن بريد بن عبدالله، عن أبي بردة، عن أبي موسى‏.‏ قال‏:‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا بعث أحدا من أصحابه في بعض أمره، قال ‏(‏بشروا ولا تنفروا‏.‏ ويسروا ولا تعسروا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏بشروا ولا تنفروا‏.‏ ويسروا ولا تعسروا‏)‏ إنما جمع في هذه الألفاظ بين الشيء وضده لأنه قد يفعلهما في وقتين‏.‏ فلو اقتصر على يسروا لصدق ذلك على من يسر مرة أو مرات وعسر في معظم الحالات فإذا قال‏:‏ ولا تعسروا انتفى التعسير في جميع الأحوال من جميع وجوهه‏.‏ وهذا هو المطلوب‏.‏ وكذا يقال في‏:‏ بشرا ولا تنفرا‏.‏ وتطاوعا ولا تختلفا‏.‏ لأنهما قد يتطاوعان في وقت ويختلفان في وقت‏.‏ وقد يتطاوعان في شيء ويختلفان في شيء‏.‏

وفي هذا الحديث الأمر بالتبشير بفضل الله وعظيم ثوابه وجزيل عطائه وسعة رحمته‏.‏ والنهي عن التنفير بذكر التخويف وأنواع الوعيد، محضة من غير ضمها إلى التبشير‏]‏‏.‏

7 – ‏(‏1733‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع عن شعبة، عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم بعثه ومعاذا إلى اليمن‏.‏ فقال ‏(‏يسرا ولا تعسرا‏.‏ وبشرا ولا تنفرا‏.‏ وتطاوعا ولا تختلفا‏)‏‏.‏

‏(‏1733‏)‏ – وحدثنا محمد بن عباد‏.‏ حدثنا سفيان عن عمرو‏.‏ ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وابن أبي خلف عن زكرياء بن عدي‏.‏ أخبرنا عبيدالله عن زيد بن أبي أنيسة‏.‏ كلاهما عن سعيد بن أبي بردة، عن أبيه، عن جده، عن النبي صلى الله عليه وسلم، نحو حديث شعبة‏.‏ وليس في حديث زيد بن أبي أنيسة ‏(‏وتطاوعا ولا تختلفا‏)‏‏.‏

8 – ‏(‏1734‏)‏ حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا شعبة عن أبي التياح، عن أنس‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عبيدالله بن سعيد‏.‏ ح وحدثنا محمد بن الوليد‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ كلاهما عن شعبة، عن أبي التياح‏.‏ قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك يقول‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏يسروا ولا تعسروا‏.‏ وسكنوا ولا تنفروا‏)‏‏.‏

*3*4 – باب تحريم الغدر

9 – ‏(‏1735‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة‏.‏ ح وحدثني زهير بن حرب وعبيدالله بن سعيد ‏(‏يعني أبا قدامة السرخسي‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يحيى ‏(‏وهو القطان‏)‏‏.‏ كلهم عن عبيدالله‏.‏ ح وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا عبيدالله عن نافع، عن ابن عمر، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إذا جمع الله الأولين والآخرين يوم القيامة، يرفع لكل غادر لواء، فقيل‏:‏ هذه غدرة فلان بن فلان‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يرفع لكل غادر لواء‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ اللواء الراية العظيمة، لا يمسكها إلا صاحب جيش الحرب أو صاحب دعوة الجيش ويكون الناس تبعا له‏.‏ قالوا‏:‏ فمعنى لكل لواء غادر أي علامة يشهر بها في الناس‏.‏ وكانت العرب تنصب الألوية في الأسواق الحفلة لغدرة الغادر، لتشهيره بذلك‏.‏ وأما الغادر فإنه الذي يواعد على أمر ولا يفي به‏.‏ وذكر القاضي عياض احتمالين‏:‏ أحدهما نهي الإمام أن يغدر في عهوده لرعيته، وللكفار أو غيرهم‏.‏ أو غدره للأمانة التي قلدها لرعيته والتزم القيام بها والمحافظة عليها‏.‏ ومتى خانهم أو ترك الشفقة عليهم أو الرفق بهم فقد غدر بعهده‏.‏ والاحتمال الثاني أن يكون المراد نهي الرعية عن الغدر بالإمام، فلا يشقوا عليه الطاعة ولا يتعرضوا لما يخاف حصول فتنة بسببه‏.‏ والصحيح الأول‏]‏‏.‏

‏(‏1735‏)‏ – حدثنا أبو الربيع العتكي‏.‏ حدثنا حماد‏.‏ حدثنا أيوب‏.‏ ح وحدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ حدثنا صخر بن جويرية‏.‏ كلاهما عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، بهذا الحديث‏.‏

10 – ‏(‏1735‏)‏ وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر عن إسماعيل ابن جعفر، عن عبدالله بن دينار؛ أنه سمع عبدالله بن عمر يقول‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن الغادر ينصب الله له لواء يوم القيامة‏.‏ فيقال‏:‏ ألا هذه غدرة فلان‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ينصب له لواء‏)‏ أي يركز، لأجل فضحه وكشف عيبه، لواء أي علما قائما‏.‏

‏(‏ألا هذه غدرة فلان‏)‏ أي علامتها الفاضحة له على رؤوس الأشهاد‏]‏‏.‏

11 – ‏(‏1735‏)‏ حدثني حرملة بن يحيى‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن حمزة وسالم ابني عبدالله؛ أن عبدالله بن عمر، قال‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏(‏لكل غادر لواء يوم القيامة‏)‏‏.‏

12 – ‏(‏1736‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن أبي عدي‏.‏ ح وحدثني بشر بن خالد‏.‏ أخبرنا محمد ‏(‏يعني ابن جعفر‏)‏‏.‏ كلاهما عن شعبة، عن سليمان، عن أبي وائل، عن عبدالله،

عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ‏(‏لكل غادر لواء يوم القيامة‏.‏ يقال‏:‏ هذه غدرة فلان‏)‏‏.‏

‏(‏1736‏)‏ وحدثناه إسحاق بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا النضر بن شميل‏.‏ ح وحدثني عبيدالله بن سعيد‏.‏ حدثنا عبدالرحمن‏.‏ جميعا عن شعبة، في هذا الإسناد‏.‏ وليس في حديث عبدالرحمن ‏(‏يقال‏:‏ هذه غدرة فلان‏)‏‏.‏

13 – ‏(‏1736‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا يحيى بن آدم عن يزيد بن عبدالعزيز، عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به‏.‏ يقال‏:‏ هذه غدرة فلان‏)‏‏.‏

14 – ‏(‏1737‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وعبيدالله بن سعيد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن شعبة، عن ثابت، عن أنس‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لكل غادر لواء يوم القيامة يعرف به‏)‏‏.‏

15 – ‏(‏1738‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وعبيدالله بن سعيد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالرحمن‏.‏ حدثنا شعبة عن خليد، عن أبي منضرة، عن أبي سعيد،

عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏لكل غادر لواء عند أسته يوم القيامة‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عند أسته‏)‏ أي خلف ظهره‏.‏ لأن لواء العزة ينصب تلقاء الوجه‏.‏ فناسب أن يكون علم المذلة فيما هو كالمقابل له‏.‏ قال في الفتح‏:‏ قال ابن المنير‏:‏ كأنه عومل بنقيض قصده‏.‏ لأن عادة اللواء أن يكون على الرأس‏.‏ فنصب عند السفل زيادة في فضيحته‏.‏ لأن الأعين غالبا تمتد إلى الألوية فيكون ذلك سببا لامتدادها إلى التي بدت له ذلك اليوم، فيزداد بها فضيحة‏]‏‏.‏

16 – ‏(‏1738‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عبدالصمد بن عبدالوارث‏.‏ حدثنا المستمر بن الريان‏.‏ حدثنا أبو نضرة عن أبي سعيد‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لكل غادر لواء يوم القيامة يرفع له بقدر غدره‏.‏ ألا ولا غادر أعظم غدرا من أمير عامة‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من أمير عامة‏)‏ أي من غدر صاحب الولاية العامة، لأن غدره يتعدى ضرره إلى خلق كثير‏]‏‏.‏

*3*5 – باب جواز الخداع في الحرب

17 – ‏(‏1739‏)‏ وحدثنا علي بن حجر السعدي وعمرو الناقد وزهير بن حرب ‏(‏واللفظ لعلي وزهير‏)‏ ‏(‏قال علي‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا سفيان‏)‏ قال‏:‏ سمع عمرو جابرا يقول‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الحرب خدعة‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الحرب خدعة‏)‏ فيها ثلاث لغات مشهورات‏.‏ واتفقوا على أن أفصحهن خدعة‏.‏ قال ثعلب وغيره‏:‏ هي لغة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ والثانية خدعة‏.‏ والثالثة خدعة‏.‏ واتفق العلماء على جواز خدع الكفار في الحرب، كيف أمكن الخداع‏.‏ إلا أن يكون فيه نقض عهد أو أمان، فلا يحل‏.‏ والمعنى على اللغة الأولى‏:‏ أن الحرب ينقضي أمرها بخدعة واحدة من الخداع‏.‏ أي أن المقاتل إذا خدع مرة واحدة لم تكن لها إقالة‏.‏ وهي أفصح الروايات وأصحها‏.‏ ومعنى الثانية هو الاسم من الخداع‏.‏ ومعنى اللغة الثالثة أن الحرب تخدع الرجال وتمنيهم ولا تفي لهم‏]‏‏.‏

18 – ‏(‏1740‏)‏ وحدثنا محمد بن عبدالرحمن بن سهم‏.‏ أخبرنا عبدالله ابن المبارك‏.‏ أخبرنا معمر، عن همام بن منبه، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الحرب خدعة‏)‏‏.‏

*3*6 – باب كراهة تمني لقاء العدو، والأمر بالصبر عند اللقاء

19 – ‏(‏1741‏)‏ حدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو عامر العقدي عن المغيرة ‏(‏وهو ابن عبدالرحمن الحزامي‏)‏، عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا تمنوا لقاء العدو‏.‏ فإذا لقيتموهم فاصبروا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا تمنوا لقاء العدو‏)‏ إنما نهى عن تمني لقاء العدو لما فيه من صورة الإعجاب والإنكال على النفس والوثوق بالقوة، وهو نوع بغي‏.‏ وقد ضمن الله تعالى لمن بغى عليه أن ينصره‏.‏ ولأنه يتضمن قلة الاهتمام بالعدو واحتقاره‏.‏ وهذا يخالف الاحتياط والحزم‏]‏‏.‏

20 – ‏(‏1742‏)‏ وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني موسى بن عقبة عن أبي النضر، عن كتاب رجل من أسلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم، يقال له عبدالله بن أبي أوفى‏.‏ فكتب إلى عمر بن عبيدالله، حين سار إلى الحرورية‏.‏

يخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان، في بعض أيامه التي لقي فيها العدو، ينتظر حتى إذا مالت الشمس قام فيهم فقال ‏(‏يا أيها الناس‏!‏ لا تتمنوا لقاء العدو واسألوا الله العافية‏.‏ فإذا لقيتموهم فاصبروا‏.‏ واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏‏.‏ ثم قام النبي صلى الله عليه وسلم وقال ‏(‏اللهم‏!‏ منزل الكتاب‏.‏ ومجري السحاب‏.‏ وهازم الأحزاب‏.‏ اهزمهم وانصرنا عليهم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الحرورية‏)‏ أي لقتالهم‏.‏ وهم الخوارج‏.‏

‏(‏واسألوا الله العافية‏)‏ قد كثرت الأحاديث في الأمر بسؤال العافية‏.‏ وهي من الألفاظ العامة المتناولة لدفع جميع المكروهات في البدن والباطن، في الدين والدنيا والآخرة‏.‏

‏(‏فإذا لقيتموهم فاصبروا‏)‏ هذا حث على الصبر والقتال‏.‏ وهو آكد أركانه‏.‏ وقد جمع الله سبحانه آداب القتال في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا لقيتم فئة فاثبتوا واذكروا الله كثيرا لعلكم تفلحون‏.‏ وأطيعوا الله ورسوله ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم واصبروا إن الله مع الصابرين‏.‏ ولا تكونوا كالذين خرجوا من ديارهم بطرا ورئاء الناس ويصدون عن سبيل الله‏}‏‏.‏

‏(‏واعلموا أن الجنة تحت ظلال السيوف‏)‏ معناه‏:‏ ثواب الله والسبب الموصل إلى الجنة عند الضرب بالسيوف في سبيل الله، ومشي المجاهدين في سبيل الله‏.‏ فاحضروا فيه بصدق وأثبتوا‏]‏‏.‏

*3*7 – باب استحباب الدعاء بالنصر عند لقاء العدو

21 – ‏(‏1742‏)‏ حدثنا سعيد بن منصور‏.‏ حدثنا خالد بن عبدالله عن إسماعيل بن أبي خالد، عن عبدالله بن أبي أوفى‏.‏ قال‏:‏

دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم على الأحزاب فقال ‏(‏اللهم‏!‏ منزل الكتاب‏.‏ سريع الحساب‏.‏ اهزم الأحزاب‏.‏ اللهم‏!‏ اهزمهم وزلزلهم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏اللهم اهزمهم وزلزلهم‏)‏ أي أزعجهم وحركهم بالشدائد‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الزلزال والزلزلة‏:‏ الشدائد التي تحرك الناس‏]‏‏.‏

22 – ‏(‏1742‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع بن الجراح عن إسماعيل بن أبي خالد، قال سمعت ابن أبي أوفى‏.‏ يقول‏:‏ دعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بمثل حديث خالد‏.‏ غير أنه قال ‏(‏هازم الأحزاب‏)‏ ولم يذكر قوله ‏(‏اللهم‏!‏‏)‏‏.‏

‏(‏1742‏)‏ – وحدثناه إسحاق بن إبراهيم وابن أبي عمر‏.‏ جميعا عن ابن عيينة، عن إسماعيل، بهذا الإسناد‏.‏ وزاد ابن أبي عمر في روايته ‏(‏مجري السحاب‏)‏‏.‏

23 – ‏(‏1743‏)‏ وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا عبدالصمد‏.‏ حدثنا حماد عن ثابت، عن أنس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يقول يوم أحد ‏(‏اللهم‏!‏ إنك إن تشأ، لا تعبد في الأرض‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إن تشأ لا تعبد في الأرض‏)‏ قال العلماء‏:‏ فيه التسليم لقدر الله تعالى والرد على غلاة القدرية، الزاعمين أن الشر غير مراد ولا مقدر‏.‏ تعالى الله عن قولهم‏.‏ وهذا الكلام متطلب أيضا النصر‏.‏ وجاء في هذه الرواية أنه صلى الله عليه وسلم قال هذا يوم أحد‏.‏ وجاء بعده أنه قاله يوم بدر‏.‏ وهو المشهور في كتب السيرة والمغازي‏.‏ ولا معارضة بينهما، فقاله في اليومين‏]‏‏.‏

*3*8 – باب تحريم قتل النساء والصبيان في الحرب

24 – ‏(‏1744‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا الليث‏.‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن نافع، عن عبدالله؛

أن امرأة وجدت في بعض مغازي رسول الله صلى الله عليه وسلم مقتولة‏.‏ فأنكر رسول الله صلى الله عليه وسلم قتل النساء والصبيان‏.‏

25 – ‏(‏1744‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا محمد بن بشر وأبو أسامة‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبيدالله بن عمر عن نافع، عن ابن عمر، قال‏:‏

وجدت امرأة مقتولة في بعض تلك المغازي‏.‏ فنهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن قتل النساء والصبيان‏.‏

*3*9 – باب جواز قتل النساء والصبيان في البيات من غير تعمد

26 – ‏(‏1745‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى وسعيد بن منصور وعمرو الناقد‏.‏ ميعا عن ابن عيينة‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا سفيان بن عيينة عن الزهري، عن عبيدالله، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة‏.‏ قال‏:‏

سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين‏؟‏ يبيتون فيصيبون من نسائهم وذراريهم‏.‏ فقال ‏(‏هم منهم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الذراري‏)‏ بتشديد الياء وتخفيفها لغتان‏.‏ التشديد أفصح وأشهر‏.‏ والمراد بالذراري، هنا، النساء والصبيان‏.‏

‏(‏سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن الذراري من المشركين‏)‏ هكذا هو في أكثرنسخ بلادنا‏:‏ سئل عن الذراري‏.‏ وفي رواية‏:‏ عن أهل الدار من المشركين‏.‏ ونقل القاضي هذه عن رواية جمهور رواة صحيح مسلم‏.‏ قال‏:‏ وهي الصواب‏.‏ وأما الرواية الأولى فقال‏:‏ ليست بشيء بل هي تصحيف‏.‏ قال‏:‏ وما بعده يبين الغلط فيه‏.‏ قلت ‏(‏أي الإمام النووي‏)‏‏:‏ وليست باطلة كما ادعى القاضي بل لها وجه‏.‏ وتقديره‏:‏ سئل عن حكم صبيان المشركين الذين يبيتون فيصاب من نسائهم وصبيانهم بالقتل‏.‏ فقال‏:‏ هم من آبائهم‏.‏ أي لا بأس بذلك‏.‏ لأن أحكام آبائهم جارية عليهم في الميراث وفي النكاح وفي القصاص والديات وغير ذلك‏.‏ والمراد إذا لم يتعمدوا من غير ضرورة‏.‏

‏(‏يبيتون‏)‏ معنى يبيتون، أن يغار عليهم بالليل بحيث لا يعرف الرجل من المرأة والصبي‏.‏ ومنه البيات‏]‏‏.‏

27 – ‏(‏1745‏)‏ حدثنا عبد بن حميد‏.‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة‏.‏ قال‏:‏

قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنا نصيب في البيات من ذراري المشركين‏.‏ قال ‏(‏هم منهم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏هم منهم‏)‏ أي في الحكم، تلك الحالة‏.‏ وليس المراد إباحة قتلهم بطريق القصد إليهم‏.‏ بل المراد إذا لم يمكن الوصول إلى الآباء إلا بوطء الذرية، فإذا أصيبوا، لاختلاطهم بهم، جاز قتلهم‏.‏ ومعنى الوطء، هنا، حقيقته‏.‏ وهي الوطء بالرجل والاستعلاء‏]‏‏.‏

28 – ‏(‏1745‏)‏ وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني عمرو بن دينار؛ أن ابن شهاب أخبره عن عبيدالله بن عبدالله ب عتبة، عن ابن عباس، عن الصعب بن جثامة؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم قيل له‏:‏ لو أن خيلا أغارت من الليل فأصابت من أبناء المشركين‏؟‏ قال ‏(‏هم من آبائهم‏)‏‏.‏

*3*10 – باب جواز قطع أشجار الكفار وتحريقها

29 – ‏(‏1746‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى ومحمد بن رمح‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا الليث‏.‏ ح وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن نافع، عن عبدالله؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم حرق نخل بني النضير وقطع‏.‏ وهي البويرة‏.‏

زاد قتيبة وابن رمح في حديثهما‏:‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها فبإذن الله وليخزي الفاسقين‏}‏ ‏[‏59 /الحشر / 5‏]‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏حرق نخل بني النضير وقطع‏)‏ أي أكثر إحراقها بالنار‏.‏ وقطع بعضها‏.‏ وبنو النضير طائفة من اليهود‏.‏

‏(‏البويرة‏)‏ موضع نخل بني النضير‏.‏

‏(‏لينة‏)‏ هي أنواع التمر كلها إلا العجوة‏.‏ وقيل‏:‏ كرام النخل‏.‏ وقيل‏:‏ كل النخل‏.‏ وقيل‏:‏ كل الأشجار للينها‏.‏ وأصله لونة‏.‏ فقلبت الواو ياء لكسرة اللام‏]‏‏.‏

30 – ‏(‏1746‏)‏ حدثنا سعيد بن منصور وهناد بن السري‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا ابن المبارك عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قطع نخل بني النضير، وحرق‏.‏ ولها يقول حسان‏:‏

وهان على سراة بني لؤي * حريق بالبويرة مستطير

وفي ذلك نزلت‏:‏ ‏{‏ما قطعتم من لينة أو تركتموها قائمة على أصولها‏}‏‏.‏ الآية‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ولها‏)‏ أي لهذه الحادثة‏.‏

‏(‏هان‏)‏ أي جاء هينا لا يبالي به‏.‏

‏(‏سراة بني لؤي‏)‏ أي أشراف القوم ورؤساؤهم‏.‏

‏(‏مستطير‏)‏ صفة الحريق، أي منتشر كأنه طار في نواحيها‏]‏‏.‏

31 – ‏(‏1746‏)‏ وحدثنا سهل بن عثمان‏.‏ أخبرني عقبة بن خالد السكوني عن عبيدالله، عن نافع، عن عبدالله بن عمر‏.‏ قال‏:‏

حرق رسول الله صلى الله عليه وسلم نخل بني النضير‏.‏

*3*11 – باب تحليل الغنائم لهذه الأمة خاصة

32 – ‏(‏1747‏)‏ وحدثنا أبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا ابن المبارك عن معمر‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رافع ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏:‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏غزا نبي من الأنبياء فقال لقومه‏:‏ لا يتبعني رجل ملك بضع امرأة، وهو يريد أن يبني بها، ولما يبن‏.‏ ولا آخر قد بنى بنيانا، ولما يرفع سقفها‏.‏ ولا آخر قد اشترى غنما أو خلفات، وهو منتظر ولا دها‏.‏ قال‏:‏ فغزا‏.‏ فأدنى للقرية حين صلاة العصر‏.‏ أو قريبا من ذلك‏.‏ فقال للشمس‏:‏ أنت مأمورة وأنا مأمور‏.‏ اللهم‏!‏ احبسها على شيئا‏.‏ فحبست عليه حتى فتح الله عليه‏.‏ قال‏:‏ فجمعوا ما غنموا‏.‏ فأقبلت النار لتأكله‏.‏ فأبت أن تطعمه‏.‏ فقال‏:‏ فيكم غلول‏.‏ فليبايعني من كل قبيلة رجل‏.‏ فبايعوه‏.‏ فلصقت يد رجل بيده‏.‏ فقال‏:‏ فيكم الغلول‏.‏ فلتبايعني قبيلتك‏.‏ فبايعته‏.‏ قال‏:‏ فلصقت بيد رجلين أو ثلاثة‏.‏ فقال‏:‏ فيكم الغلول‏.‏ أنتم غللتم‏.‏ قال‏:‏ فأخرجوا له مثل رأس بقرة من ذهب‏.‏ قال‏:‏ فوضعوه في المال وهو بالصعيد‏.‏ فأقبلت النار فأكلته‏.‏ فلم تحل الغنائم لأحد من قبلنا‏.‏ ذلك بأن الله تبارك وتعالى رأى ضعفنا وعجزنا، فطيبها لنا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏بضع‏)‏ بضم الباء هو فرج المرأة‏.‏ أي ملك فرجها بالنكاح‏.‏

‏(‏خلفات‏)‏ جمع خلفة ككلمة وكلمات‏.‏ وهي الحامل من الإبل‏.‏

‏(‏ولادها‏)‏ أي نتاجها‏.‏ وقال النووي‏:‏ وفي هذا الحديث أن الأمور المهمة ينبغي أن لا تفوض إلا إلى أولي الحزم وفراغ البال لها‏.‏ ولا تفوض إلى متعلق القلب بغيرها‏.‏ لأن ذلك يضعف عزمه، ويفوت كمال بذل وسعه‏.‏

‏(‏فأدنى للقرية‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ فأدنى‏.‏ بهمزة قطع‏.‏ قال القاضي‏:‏ كذا هو في جميع النسخ‏:‏ فأدنى رابعي‏.‏ إما أن يكون تعدية لدنا، أي قرب، فمعناه أدنى جيوشه وجموعه للقرية‏.‏ وإما أن يكون أدنى بمعنى حان أي قرب فتحها‏.‏ من قولهم‏:‏ أدنت الناقة إذا حان نتاجها‏.‏ ولم يقولوه في غير الناقة‏.‏

‏(‏اللهم احبسها‏)‏ قال القاضي‏:‏ اختلف في حبس الشمس المذكور هنا‏.‏ فقيل‏:‏ ردت على أدراجها‏.‏ وقيل‏:‏ وقفت ولم ترد‏.‏ وقيل‏:‏ أبطئ حركتها‏.‏

‏(‏فأقبلت النار‏)‏ أي من جانب السماء لتأكله، كما هو في السنة من الأمم الماضية، لغنائهم وقرابينهم المتقبلة‏.‏

‏(‏فأخرجوا له مثل رأس بقرة‏)‏ أي كقدره أو كصورته من ذهب كانوا غلوه وأخفوه‏.‏

‏(‏بالصعيد‏)‏ يعني وجه الأرض‏.‏

‏(‏فطيبها‏)‏ أي جعلها لنا حلالا بحتا، ورفع عنا محقها بالنار، تكرمة لنا‏]‏‏.‏
12 – باب الأنفال

33 – ‏(‏1748‏)‏ وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا أبو عوانة عن سماك، عن مصعب بن سعد، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏

أخذ أبي من الخمس سيفا‏.‏ فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ هب لي هذا‏.‏ فأبى‏.‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول‏}‏ ‏[‏8 /الأنفال /1‏]‏

‏[‏ش ‏(‏عن أبيه قال‏:‏ أخذ أبي‏)‏ هو من تلوين الخطاب‏.‏ وتقديره‏:‏ عن مصعب بن سعد أنه حدث عن أبيه بحديث قال فيه‏:‏ قال أبي‏:‏ أخذت من الإبل سيفا الخ‏]‏‏.‏

34 – ‏(‏1748‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار ‏(‏واللفظ لابن المثنى‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن سماك بن حرب، عن مصعب بن سعد، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏

نزلت في أربع آيات‏.‏ أصبت سيفا فأتى به النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نفلنيه‏.‏ فقال ‏(‏ضعه‏)‏ ثم قام‏.‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ضعه من حيث أخذته‏)‏‏.‏ ثم قام فقال‏:‏ نفلينه‏.‏ يا رسول الله‏!‏ فقال ‏(‏ضعه‏)‏ فقام‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نفلينه‏.‏ أأجعل كمن لا غناء له‏؟‏ فقال له النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏ضعه من حيث أخذته‏)‏ قال‏:‏ فنزلت هذه الآية‏:‏ ‏{‏يسألونك عن الأنفال قل الأنفال لله والرسول‏}‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أربع آيات‏)‏ لم يذكر هنا من الأربع إلا هذه الواحدة‏.‏ وقد ذكر مسلم الأربع، بعد هذا، في كتاب الفضائل‏.‏ وهي‏:‏ بر الوالدين، وتحريم الخمر، ولا تطرد الذين يدعون ربهم، وآية الأنفال‏.‏

‏(‏فأتى به‏)‏ عدول من التكلم إلى الغيبة‏.‏

‏(‏نفلينه‏)‏ أي أعطنيه زائدا على نصيبي من الغنيمة‏.‏

‏(‏كمن لا غناء له‏)‏ الغناء هو الكفاية‏.‏ أي لا نفع ولا كفاية له في الحرب‏.‏

‏(‏الأنفال‏)‏ النفل الغنيمة‏.‏ وجمعه أنفال‏]‏‏.‏

35 – ‏(‏1749‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن نافع، عن ابن عمر‏.‏ قال‏:‏

بعث النبي صلى الله عليه وسلم سرية، وأنا فيهم، قبل نجد‏.‏ فغنموا إبلا كثيرة‏.‏ فكانت سهمانهم اثنا عشر بعيرا‏.‏ أو أحد عشر بعيرا‏.‏ ونفلوا بعيرا بعيرا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قبل نجد‏)‏ أي جهته، وهو ظرف لبعث‏.‏

‏(‏سهمانهم‏)‏ أي أنصباؤهم‏.‏ فهو جمع سهم بمعنى النصيب‏.‏

‏(‏اثنا عشر بعيرا‏)‏ هكذا هو في أكثر النسخ‏:‏ اثنا عشر‏.‏ وفي بعضها‏:‏ اثني عشر وهذا ظاهر‏.‏ والأول أصح على لغة من يجعل المثنى بالألف، سواء كان مرفوعا أو منصوبا أو مجرورا‏.‏ وهي لغة أربع قبائل من العرب‏.‏ وقد كثرت في كلام العرب‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذان لساحران‏}‏‏.‏

‏(‏ونفلوا بعيرا بعيرا‏)‏ أي أعطى كلا منهم النبي صلى الله عليه وسلم بعيرا، زيادة على نصيبه من الغنيمة‏.‏ وقوله في الرواية الثانية‏:‏ ونفلوا سوى ذلك بعيرا، معناه نفلهم أميرهم، فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏

36 – ‏(‏1749‏)‏ وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رمح أخبرنا الليث عن نافع، عن ابن عمر؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث سرية قبل نجد‏.‏ وفيهم ابن عمر‏.‏ وأن سهمانهم بلغت اثني عشر بعيرا‏.‏ ونفلوا، سوى ذلك، بعيرا‏.‏ فلم يغيره رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

37 – ‏(‏1749‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا علي بن مسهر وعبدالرحيم بن سليمان عن عبيدالله بن عمر، عن نافع، عن ابن عمر‏.‏ قال‏:‏

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية إلى نجد‏.‏ فخرجت فيها‏.‏ فأصبنا إبلا وغنما، فبلغت سهمانا اثني عشر بعيرا، اثني عشر بعيرا‏.‏ ونفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعيرا، بعيرا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏اثني عشر بعيرا اثني عشر بعيرا‏)‏ بهامش طبعة دار الطباعة العامرة ما يأتي‏:‏ كذا وقد هنا مرتين في جميع النسخ، سوى المتن المطبوع ضمن شرح النووي‏.‏ وهذا التكرير لتعيين العدد على خلاف ما سبق في رواية مالك من الترديد بين اثني عشر وأحد عشر‏]‏‏.‏

‏(‏1749‏)‏ – وحدثنا زهير بن حرب ومحمد بن المثنى‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يحيى ‏(‏وهو القطان‏)‏ عن عبيدالله، بهذا الإسناد‏.‏

2 م – ‏(‏1749‏)‏ وحدثناه أبو الربيع وأبو كامل‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا حماد عن أيوب‏.‏ ح وحدثنا ابن المثنى‏.‏ حدثنا ابن أبي عدي عن ابن عون‏.‏ قال‏:‏ كتبت إلى نافع أسأله عن النفل‏؟‏ فكتب إلي‏:‏ أن ابن عمر كان في سرية‏.‏ ح وحدثنا ابن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني موسى‏.‏ ح وحدثنا هارون بن سعيد الأيلي‏.‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ أخبرني أسامة بن زيد‏.‏ كلهم عن نافع، بهذا الإسناد، نحو حديثهم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أسأله عن النفل‏)‏ هو اسم لزيادة، يعطيها الإمام بعض الجيش، على القدر المستحق‏]‏‏.‏

38 – ‏(‏1750‏)‏ وحدثنا سريج بن يونس وعمرو الناقد ‏(‏واللفظ لسريج‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالله بن رجاء عن يونس، عن الزهري، عن سالم، عن أبيه‏.‏ قال‏:‏

نفلنا رسول الله صلى الله عليه وسلم نفلا سوى نصيبنا من الخمس‏.‏ فأصابني شارف ‏(‏والشارف المسن الكبير‏)‏‏.‏

39 – ‏(‏1750‏)‏ وحدثنا هناد بن السري‏.‏ حدثنا ابن المبارك‏.‏ ح وحدثني حرمة بن يحيى‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ كلاهما عن يونس، عن ابن شهاب‏:‏ قال‏:‏ بلغني أن ابن عمر قال‏:‏ نفل رسول الله صلى الله عليه وسلم سرية، بنحو حديث ابن رجاء‏.‏

40 – ‏(‏1750‏)‏ وحدثنا عبدالملك بن شعيب بن الليث‏.‏ حدثني أبي عن جدي‏.‏ قال‏:‏ حدثني عقيل بن خالد عن ابن شهاب، عن سالم، عن عبدالله؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد كان ينفل بعض من يبعث من السرايا‏.‏ لأنفسهم خاصة‏.‏ سوى قسم عامة الجيش‏.‏ والخمس في ذلك، واجب، كله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كله‏)‏ مجرورا، تأكيد لقوله‏:‏ في ذلك‏]‏‏.‏

*3*13 – باب استحقاق القاتل سلب القتيل

41 – ‏(‏1751‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ أخبرنا هشيم عن يحيى ابن سعيد، عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد الأنصاري‏.‏ وكان جليسا لأبي قتادة‏.‏ قال‏:‏ قال أبو قتادة‏.‏ واقتص الحديث‏.‏

‏[‏ش ‏(‏واقتص الحديث‏)‏ اعلم أن قوله في الطريق الأول‏:‏ واقتص الحديث‏.‏ وقوله في الطريق الثاني‏:‏ وساق الحديث، يعني بهما الحديث المذكور في الطريق الثالث بعدهما وهو قوله‏:‏ وحدثنا أبو الطاهر‏.‏ وهذا غريب من عادة مسلم‏.‏ فاحفظ ما حققته لك‏]‏‏.‏

‏(‏1751‏)‏ – وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كثير، عن أبي محمد مولى أبي قتادة؛ أن أبا قتادة قال‏.‏ وساق الحديث‏.‏

2 م – ‏(‏1751‏)‏ – وحدثنا أبو الطاهر وحرملة ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ قال‏:‏ سمعت مالك بن أنس يقول‏:‏ حدثني يحيى بن سعيد عن عمر بن كثير بن أفلح، عن أبي محمد مولى قتادة، عن أبي قتادة‏.‏ قال‏:‏

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم عام حنين‏.‏ فلما التقينا كانت للمسلمين جولة‏.‏ قال‏:‏ فرأيت رجلا من المشركين قد علا رجلا من المسلمين‏.‏ فاستدرت إليه حتى أتيته من ورائه‏.‏ فضربته على حبل عاتقه‏.‏ وأقبل على فضمني ضمة وجدت منها ريح الموت‏.‏ ثم أدركه الموت‏.‏ فأرسلني‏.‏ فلحقت عمر بن الخطاب فقال‏:‏ ما للناس‏؟‏ فقلت‏:‏ أمر الله‏.‏ ثم إن الناس رجعوا‏.‏ وجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏(‏من قتل قتيلا، له عليه بينة، فله سلبه‏)‏ قال‏:‏ فقمت‏.‏ فقلت‏:‏ من يشهد لي‏؟‏ ثم جلست‏.‏ ثم قال مثل ذلك‏.‏ فقال فقمت فقلت‏:‏ من يشهد لي‏؟‏ ثم جلست‏.‏ ثم قال ذلك، الثالثة‏.‏ فقمت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ما لك‏؟‏ يا أبا قتادة‏!‏‏)‏ فقصصت عليه القصة‏.‏ فقال رجل من القوم‏:‏ صدق‏.‏ يا رسول الله‏!‏ سلب ذلك القتيل عندي‏.‏ فأرضه من حقه‏.‏ وقال أبو بكر الصديق‏:‏ لاها الله‏!‏ إذا لا يعمد إلى أسد من أسد الله يقاتل عن الله وعن رسوله فيعطيك سلبه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏صدق فأعطه إياه‏)‏ فأعطاني‏.‏ قال‏:‏ فبعت الدرع فابتعت به مخرفا في بني سلمة‏.‏ فإنه لأول مال تأثلته في الإسلام‏.‏

وفي حديث الليث فقال أبو بكر‏:‏ كلا لا يعطيه أضيبع من قريش ويدع أسدا من أسد الله‏.‏ وفي حديث الليث‏:‏ لأول مال تأثلته‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جولة‏)‏ أي انهزام وخيفة ذهبوا فيها‏.‏ وهذا إنما كان في بعض الجيش‏.‏ وأما رسول الله صلى الله عليه وسلم وطائفة معه فلم يولوا‏.‏ والأحاديث الصحيحة بذلك مشهورة‏.‏ وسيأتي بيانها في مواضعها‏.‏ وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يقال انهزم النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولم يرو أحد أنه انهزم بنفسه صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن‏.‏ بل ثبتت الأحاديث الصحيحة بإقدامه وثباته صلى الله عليه وسلم في جميع المواطن‏.‏

‏(‏قد علا رجلا من المسلمين‏)‏ يعني ظهر عليه وأشرف على قتله‏.‏ أو صرعه وجلس عليه لقتله‏.‏

‏(‏على حبل عاتقه‏)‏ هو ما بين العنق والكتف‏.‏

‏(‏وجدت منها ريح الموت‏)‏ يحتمل أنه أراد شدة كشدة الموت‏.‏ ويحتمل قاربت الموت‏.‏

‏(‏له عليه بينة‏)‏ أي ببينة على قتله‏.‏ أي شاهد‏.‏ ولو واحد‏.‏

‏(‏فله سلبه‏)‏ هو ما على القتيل ومعه من ثياب وسلاح ومركب وجنيب يقاد بين يديه‏.‏

‏(‏من يشهد لي‏)‏ أي بأني قتلت رجلا من المشركين، فيكون سلبه لي‏.‏

‏(‏لاها الله إذا‏)‏ هكذا هو في جميع روايات المحدثين الصحيحين وغيرهما‏:‏ لاها الله إذا بالألف‏.‏ وأنكر الخطابي هذا وأهل العربية‏.‏ وقالوا‏:‏ هو تغيير من الرواة‏.‏ وصوابه‏:‏ لاها الله ذا‏.‏ بغير ألف‏.‏ في أوله‏.‏ وقالوا‏:‏ وها بمعنى الواو التي يقسم بها‏.‏ فكأنه قال‏:‏ لا والله ذا‏.‏ قال أبو عثمان المازري رضي الله عنه‏:‏ معناه لاها الله ذا يميني أو ذا قسمي‏.‏ وقال أبو زيد‏:‏ ذا زائدة‏.‏ وفي ها لغتان‏:‏ المد والقصر‏.‏ قالوا‏:‏ ويلزم الجر بعدها كما يلزم بعد الواو‏.‏ قالوا ولا يجوز الجمع بينهما‏.‏ فلا يقال‏:‏ لاها والله‏.‏ وفي هذا الحديث دليل على أن هذه اللفظة تكون يمينا‏.‏ ا هـ‏.‏ كلام الإمام النووي رضي الله تعالى عنه، وانظر، في نقض ذلك كله، مع التحقيق الدقيق، الوافي الشافي، كلمة أستاذ الدنيا في علم الحديث، الحافظ ابن حجر العسقلاني، في كتابه، قاموس السنة المحيط، فتح الباري، ج 8 صلى الله عليه وسلم 30 طبعة بولاق‏.‏

‏(‏لا يعمد‏)‏ الضمير عائد إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ أي لا يقصد عليه السلام إلى إبطال حق أسد من أسود الله يقاتل في سبيله، وهو أبو قتادة، بإعطاء سلبه إياك‏.‏

‏(‏صدق‏)‏ أي أبو بكر الصديق‏.‏

‏(‏مخرفا‏)‏ بفتح الميم والراء، وهذا هو المشهور‏.‏ وقال القاضي‏:‏ رويناه بفتح الميم وكسر الراء كالمسجد والمسكن، بكسر الكاف‏.‏ والمراد بالمخرف، هنا، النستان‏.‏ وقيل‏:‏ السكة من النخل تكون صفين يخرف من أيها شاء، أي يجتني‏.‏ وقال ابن وهب‏:‏ هي الجنينة الصغيرة‏.‏ وقال غيره‏:‏ هي نخلات يسيرة‏.‏ وأما المخرف، بكسر الميم وفتح الراء، فهو كالوعاء الذي يجعل فيه ما يجتني من الثمار‏.‏ ويقال‏:‏ اخترف الثمر، إذا جناه، وهو ثمر مخروف‏.‏

‏(‏تأثلته‏)‏ أي اقتنيته وتأصلته‏.‏ وأثلة الشيء أصله‏.‏

‏(‏أضيبع‏)‏ قال القاضي‏:‏ اختلف رواة كتاب مسلم في هذا الحرف على وجهين‏:‏ أحدهما رواية السمرقندي‏:‏ أصيبغ، بالصاد المهملة والغين المعجمة‏.‏ والثاني رواية سائر الرواة‏:‏ أضيبع‏.‏ بالضاد المعجمة والعين المهملة‏.‏ فعلى الثاني هو تصغير ضبع على غير قياس‏.‏ كأنه لما وصف أبا قتادة بأنه أسد، صغر هذا بالإضافة إليه‏.‏ وشبهه بالضبيع، لضعف افتراسها وما توصف به من العجز والحمق‏.‏ وأما على الوجه الأول، فوصفه به لتغير لونه‏.‏ وقيل‏:‏ حقره وذمه بسواد لونه‏.‏ وقيل‏:‏ معناه أنه صاحب لون غير محمود‏.‏ وقيل‏:‏ وصفه بالمهانة والضعف‏.‏ قال الخطابي‏:‏ الأصيبغ نوع من الطير‏.‏ قال‏:‏ ويجوز أنه شبهه بنبات ضعيف يقال له الصيبغا، أول ما يطلع في الأرض يكون مما يلي الشمس منه أصفر‏]‏‏.‏

42 – ‏(‏1752‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ أخبرنا يوسف بن الماجشون عن صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن عوف؛ أنه قال‏:‏

بينا أنا واقف في الصف يوم بدر‏.‏ نظرت عن يميني وشمالي‏.‏ فإذا أنا بين غلامين من الأنصار‏.‏ حديثة أسنانهما‏.‏ تمنيت لو كنت بين أضلع منهما‏.‏ فغمزني أحدهما‏.‏ فقال‏:‏ يا عم‏!‏ هل تعرف أبا جهل‏؟‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ وما حاجتك إليه‏؟‏ يا ابن أخي‏!‏ أخبرت أنه يسب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والذي نفسي بيده‏!‏ لئن رأيته لا يفارق سوادي سواده حتى يموت الأعجل منا‏.‏ قال‏:‏ فتعجبت لذلك‏.‏ فغمزني الآخر فقال مثلها‏.‏ قال‏:‏ فلم أنشب أن نظرت إلى أبي جهل يزول في الناس‏.‏ فقلت‏:‏ ألا تريان‏؟‏ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه‏.‏ قال‏:‏ فابتدراه، فضرباه بسيفهما، حتى قتلاه‏.‏ ثم انصرفا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأخبراه‏.‏ فقال ‏(‏أيكما قتله‏؟‏‏)‏ فقال كل واحد منهما‏:‏ أنا قتلت‏.‏ فقال ‏(‏هل مسحتما سيفيكما‏؟‏‏)‏ قالا‏:‏ لا‏.‏ فنظر في السيفين فقال ‏(‏كلاكما قتله‏)‏ وقضى بسلبه لمعاذ بن عمرو بن الجموح‏.‏ ‏(‏والرجلان‏:‏ معاذ بن عمر بن الجموح ومعاذ بن عفراء‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أضلع منهما‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ أضلع بالضاد المعجمة وبالعين‏.‏ وكذا حكاه القاضي عن جميع نسخ صحيح مسلم، وهو الأصوب‏.‏ ومعنى أضلع أقوى‏.‏

‏(‏سوادي سواده‏)‏ أي شخصي شخصه‏.‏

‏(‏حتى يموت الأعجل منا‏)‏ أي لا أفارقه حتى يموت أحدنا، وهو الأقرب أجلا‏.‏

‏(‏لم أنشب‏)‏ أي لم ألبث‏.‏ أي لم يمض زمن كثير على سؤالهما إلا وأنا رأيته‏.‏

‏(‏يزول‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏.‏ وكذا رواه القاضي عن جماهير شيوخهم‏.‏ ومعناه يتحرك وينزعج ولا يستقر على حاله ولا في مكان‏.‏ والزوال القلق‏.‏

‏(‏كلاكما قتله‏)‏ تطييا لقلب الآخر من حيث أن له مشاركة في قتله‏.‏ وإلا فالقتل الشرعي الذي يتعلق به استحقاق السلب، وهو الإثخان وإخراجه عن كونه ممتنعا، إنما وجد من معاذ بن عمرو بن الجموح‏.‏ فلهذا قضى له بالسلب‏]‏‏.‏

43 – ‏(‏1753‏)‏ وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني معاوية ين صالح عن عبدالرحمن بن جبير، عن أبيه، عن عوف بن مالك‏.‏ قال‏:‏

قتل رجل من حمير رجلا من العدو‏.‏ فأراد سلبه‏.‏ فمنعه خالد بن الوليد‏.‏ وكان واليا عليهم‏.‏ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم عوف بن مالك‏.‏ فأخبره‏.‏ فقال لخالد ‏(‏ما منعك أن تعطيه سلبه‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ استكثرته‏.‏ يا رسول الله‏!‏ قال ‏(‏ادفعه إليه‏)‏ فمر خالد بعوف فجر بردائه‏.‏ ثم قال‏:‏ هل أنجزت لك ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فسمعه رسول الله صلى الله عليه وسلم فاستغضب‏.‏ فقال ‏(‏لا تعطه‏.‏ يا خالد‏!‏ لا تعطه‏.‏ يا خالد‏!‏ هل أنتم تاركون لي أمرائي‏؟‏ إنما أنا مثلكم ومثلهم كمثل رجل استرعى إبلا أو غنما فرعاها‏.‏ ثم تحين سقيها‏.‏ فأوردها حوضا‏.‏ فشرعت فيه‏.‏ فشربت صفوه وتركت كدره‏.‏ فصفوه لكم وكدره عليهم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قتل رجلا من حمير‏)‏ هذه القضية جرت في غزوة مؤتة سنة ثمان‏.‏ كما بينه في الرواية التي بعد هذه‏.‏ وهذا الحديث قد يستشكل من حيث إن القاتل قد استحق السلب، فكيف منعه إياه‏؟‏ ويجاب عنه بوجهين‏:‏ أحدهما لعله أعطاه ذلك للقاتل، وإنما أخره تعزيرا له ولعوف بن مالك، لكونهما أطلقا ألسنتهما في خالد رضي الله عنه، وانتهكا حرمة الوالي ومن ولا ه‏.‏ الثاني لعله استطاب قلب صاحبه باختياره وجعله للمسلمين‏.‏ وكان المقصود بذلك استطابة قلب خالد رضي الله عنه، للمصلحة في إكرام الأمراء‏.‏

‏(‏فجر بردائه‏)‏ أي جذب عوف برداء خالد ووبخه على منعه السلب منه‏.‏

‏(‏ثم قال هل أنجزت لك ما ذكرت لك‏)‏ أي قال عوف بن مالك‏:‏ هل أنجزت لك ما ذكرت ما ذكرت لك من رسول الله صلى الله عليه وسلم فإنه قد كان قال لخالد‏:‏ لابد أن أشتكي منك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏(‏فاستغضب‏)‏ أي صار، عليه السلام، مغضبا‏.‏

‏(‏هل أنتم تاركو لي أمرائي‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ تاركو، بغير نون‏.‏ وفي بعضها تاركون، بالنون‏.‏ وهذا هو الأصل‏.‏ والأول صحيح أيضا‏.‏ وهي لغة معروفة‏.‏ وقد جاءت بها أحاديث كثيرة‏:‏ منها قوله صلى الله عليه وسلم لا تدخلوا الجنة حتى تؤمنوا، ولا تؤمنوا حتى تحابوا‏.‏ وقد سبق بيانه في كتاب الإيمان‏.‏

‏(‏استرعى إبلا‏)‏ أي طولب برعيها‏.‏

‏(‏ثم تحين سقيها‏)‏ أي طلب ذلك الراعي وقت سقيها حتى يسقيها في وقت معين‏.‏

‏(‏فصفوه لكم وكدره عليهم‏)‏ فصفوه لكم، يعني الرعية‏.‏ وكدره عليهم يعني على الأمراء‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الصفو هنا، بفتح الصاد لا غير‏.‏ وهو الخالص فإذا ألحقوه الهاء فقالوا الصفوة – كانت الصاد مضمومة ومفتوحة ومكسورة ثلاث لغات‏.‏ ومعنى الحديث أن الرعية يأخذون صفو الأمور فتصلهم أعطياتهم بغير نكد‏.‏ وتبتلى الولاة بمقاساة الأمور وجمع الأموال من وجوهها وصرفها في وجوهها‏.‏ وحفظ الرعية، والشفقة عليهم وإنصاف بعضهم من بعض‏.‏ ثم متى وقع علقة ‏(‏كذا‏)‏ أو عتب في بعض ذلك، توجه على الأمراء، دون الناس‏]‏‏.‏

44 – ‏(‏1753‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا الوليد بن مسلم‏.‏ حدثنا صفوان بن عمرو عن عبدالرحمن بن جبير بن نفير، عن أبيه، عن عوف بن مالك الأشجعي‏.‏ قال‏:‏ خرجت مع من خرج مع زيد بن حارثة، في غزوة مؤتة‏.‏ ورافقني مددي من اليمن‏.‏ وساق الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم بنحوه‏.‏ غير أنه قال في الحديث‏:‏ قال عوف‏:‏ فقلت‏:‏ يا خالد‏!‏ أما علمت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بالسلب للقاتل‏؟‏ قل‏:‏ بلى‏.‏ ولكني استكثرته‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مؤتة‏)‏ هي بالهمز وترك الهمز‏.‏ وهي قرية معروفة في طرف الشام عند الكرك‏.‏

‏(‏مددي‏)‏ يعني رجلا من المدد الذين جاءوا يمدون مؤتة ويساعدونهم‏]‏‏.‏

45 – ‏(‏1754‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عمر بن يونس الحنفي‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثني إياس بن سلمة‏.‏ حدثني أبي، سلمة بن الأكوع‏.‏ قال‏:‏

غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم هوازن‏.‏ فبينا نحن نتضحى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ جاء رجل على جمل أحمر‏.‏ فأناخه‏.‏ ثم انتزع طلقا من حقبه فقيد به الجمل‏.‏ ثم تقدم يتغدى مع القوم‏.‏ وجعل ينظر‏.‏ وفينا ضعفة ورقة في الظهر‏.‏ وبعضنا مشاة‏.‏ إذ خرج يشتد‏.‏ فأتى جمله فأطلق قيده‏.‏ ثم أناخ وقعد عليه‏.‏ فأثاره‏.‏ فاشتد به الجمل‏.‏ فاتبعه رجل على ناقة ورقاء‏.‏

قال سلمة‏:‏ وخرجت أشتد‏.‏ فكنت عند ورك الناقة‏.‏ ثم تقدمت‏.‏ حتى كنت عند ورك الجمل‏.‏ ثم تقدمت حتى أخذت بخطام الجمل فأنخته‏.‏ فلما وضع ركبته في الأرض اخترطت سيفي فضربت رأس الرجل‏.‏ فندر‏.‏ ثم جئت بالجمل أقوده، عليه رحله وسلاحه‏.‏ فاستقبلني رسول الله صلى الله عليه وسلم والناس معه‏.‏ فقال ‏(‏من قتل الرجل‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ ابن الأكوع‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏له سلبه أجمع‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نتضحى‏)‏ أي نتغدى‏.‏ مأخوذ من الضحاء، وهو بعد امتداد النهار وفوق الضحى‏.‏

‏(‏انتزع طلقا من حقبه‏)‏ الطلق العقال من جلد‏.‏ والحقب حبل يشد على حقو البعير‏.‏ قال القاضي‏:‏ لم يرو هذا الحرف إلا بفتح القاف‏.‏ قال‏:‏ وكان بعض شيوخنا يقول‏:‏ صوابه بإسكانها، أي مما احتقب خلفه وجعله في حقيبته‏.‏ وهي الرفادة في مؤخر القتب‏.‏ ووقع هذا الحرف في سنن أبي داود حقوه، وفسره مؤخره‏.‏ قال القاضي‏:‏ والأشبه عندي أن يكون حقوه في هذه الرواية حجزته وحزامه‏.‏ والحقو معقد الإزار من الرجل‏.‏ وبه سمي الإزار حقوا‏.‏ ووقع في رواية السمرقندي رضي الله عنه، في مسلم، من جعبته‏.‏ فإن صح، ولم يكن تصحيفا، فله وجه‏.‏ بأن علقه بجعبة سهامه وأدخله فيها‏.‏

‏(‏وفينا ضعفة ورقة‏)‏ ضبطوه على وجهين‏:‏ الصحيح المشهور ورواية الأكثرين‏:‏ بفتح الضاد وإسكامن العين‏.‏ أي حالة ضعف وهزال‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهذا هو الصواب‏.‏ والثاني بفتح العين، جمع ضعيف‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ وفينا ضعف، بحذف الهاء‏.‏

‏(‏في الظهر‏)‏ أي في الإبل‏.‏

‏(‏يشتد‏)‏ أي يعدو‏.‏

‏(‏فأثاره‏)‏ أي ركبه ثم بعثه قائما‏.‏

‏(‏ورقاء‏)‏ أي في لونها سواد كالغبرة‏.‏

‏(‏اخترطت سيفي‏)‏ أي سللته‏.‏

‏(‏فندر‏)‏ أي سقط‏]‏‏.‏

*3*14 – باب التنفيل وفداء المسلمين بالأسارى

46 – ‏(‏1755‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عمر بن يونس‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثني إياس بن سلمة‏.‏ حدثني أبي قال‏:‏

غزونا فزارة وعلينا أبو بكر‏.‏ أمره رسول الله صلى الله عليه وسلم علينا‏.‏ فلما كان بيننا وبين الماء ساعة، أمرنا أبو بكر فعرسنا‏.‏ ثم شن الغارة‏.‏ فورد الماء‏.‏ فقتل من قتل عليه، وسبى‏.‏ وأنظر إلى عنق من الناس‏.‏ فيهم الذراري‏.‏ فخشيت أن يسبقوني إلى الجبل‏.‏ فرميت بسهم بينهم وبين الجبل‏.‏ فلما رأوا السهم وقفوا‏.‏ فجئت بهم أسوقهم‏.‏ وفيهم امرأة من بني فزارة‏.‏ عليها قشع من أدم‏.‏ ‏(‏قال‏:‏ القشع النطع‏)‏ معها ابنة لها من أحسن العرب‏.‏ فسقتهم حتى أتيت بهم أبا بكر فنفلني أبو بكر ابنتها‏.‏ فقدمنا المدينة وما كشفت لها ثوبا‏.‏ فلقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم في السوق‏.‏ فقال ‏(‏يا سلمة‏!‏ هب لي المرأة‏)‏‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ والله‏!‏ لقد أعجبتني‏.‏ وما كشفت لها ثوبا‏.‏ ثم لقيني رسول الله صلى الله عليه وسلم من الغد في السوق‏.‏ فقال لي ‏(‏يا سلمة‏!‏ هب لي المرأة‏.‏ لله أبوك‏!‏‏)‏ فقلت‏:‏ هي لك‏.‏ يا رسول الله‏!‏ فوالله‏!‏ ما كشفت لها ثوبا‏.‏ فبعث بها رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أهل مكة‏.‏ ففدى بها ناسا من المسلمين، كانوا أسروا بمكة‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فعرسنا‏)‏ التعريس نزول آخر الليل‏.‏

‏(‏شن الغارة‏)‏ أي فرقها‏.‏

‏(‏عنق من الناس‏)‏ جماعة‏.‏

‏(‏فيهم الذراري‏)‏ يعني النساء والصبيان‏.‏

‏(‏قشع‏)‏ في القاف لغتان‏.‏ فتحها وكسرها‏.‏ وهما مشهورتان‏.‏ وفسره في الكتاب بالنطع، وهو صحيح‏.‏

‏(‏وما كشفت لها ثوبا‏)‏ كناية عن الوقاع‏.‏

‏(‏لله أبوك‏)‏ كلمة مدح تعتاد العرب الثناء بها‏.‏ مثل قولهم‏:‏ لله درك‏.‏ فإن الإضافة إلى العظيم تشريف‏.‏ فإذا وجد من الولد ما يحمد يقال‏:‏ لله أبوك، حيث أتى بمثلك‏]‏‏.‏

*3*15 – باب حكم الفيء

47 – ‏(‏1756‏)‏ حدثنا أحمد بن حنبل ومحمد بن رافع‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏.‏ وقال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أيما قرية دخلتموها، وأقمتم فيها، فسهمكم فيها‏.‏ وأيما قرية عصت الله ورسوله، فإن خمسها لله ولرسوله، ثم هي لكم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أيما قرية دخلتموها‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل أن يكون المراد بالأولى الفيء الذي لم يوجف المسلمون عليه بخيل ولا ركاب، بل جلا عنه أهله أو صالحوا عليه‏.‏ فيكون سهمهم فيها أي حقهم من العطايا كما يصرف الفيء‏.‏ ويكون المراد بالثانية ما أخذ عنوة فيكون غنيمة، يخرج منه الخمس وباقية للغانمين‏.‏ وهو معنى قوله‏:‏ ثم هي لكم، أي باقيها‏]‏‏.‏

48 – ‏(‏1757‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ ومحمد بن عباد، وأبو بكر بن أبي شيبة، وإسحاق بن إبراهيم ‏(‏واللفظ لابن أبي شيبة‏)‏ ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخرون‏:‏ حدثنا سفيان‏)‏ عن عمرو، عن الزهري، عن مالك بن أوس، عن عمر‏.‏ قال‏:‏

كانت أموال بني النضير مما أفاء الله على رسوله‏.‏ مما لم يوجف عليه المسلمون بخيل ولا ركاب‏.‏ فكانت للنبي صلى الله عليه وسلم خاصة‏.‏ فكان ينفق على أهله نفقة سنة‏.‏ وما بقي يجعله في الكراع والسلاح‏.‏ عدة في سبيل الله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مما لم يوجف عليه المسلمون‏)‏ الإيجاف هو الإسراع أي لم يعدوا في تحصيله خيلا ولا إبلا‏.‏ بل حصل بلا قتال‏.‏ والركاب هي الإبل التي يسافر عليها، لا واحد لها من لفظها، واحدة راحلة‏.‏ وكذلك الخيل، لا واحد لها من لفظها، واحده فرس‏.‏

‏(‏ينفق على أهله نفقة سنة‏)‏ أي يعزل لهم نفقة سنة، ولكنه كان ينفقه قبل انقضاء السنة في وجوه الخير، فلا تتم عليه السنة‏.‏

‏(‏الكراع‏)‏ أي الدواب التي تصلح للحرب‏.‏

‏(‏عدة في سبيل الله‏)‏ هي ما أعد للحوادث أهبة وجهازا للغزو‏]‏‏.‏

‏(‏1757‏)‏ – حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ أخبرنا سفيان بن عيينة عن معمر، عن الزهري، بهذا الإسناد‏.‏

49 – ‏(‏1757‏)‏ وحدثني عبدالله بن محمد بن أسماء الضبعي‏.‏ حدثنا جويرية عن مالك، عن الزهري؛ أن مالك بن أوس حدثه‏.‏ قال

أرسل إلي عمر بن الخطاب‏.‏ فجئته حين تعالى النهار‏.‏ قال‏:‏ فوجدته في بيته جالسا على سرير‏.‏ مفضيا إلى رماله‏.‏ متكئا على وسادة من أدم‏.‏ فقال لي‏:‏ يا مال‏!‏ إنه قد دف أهل أبيات من قومك‏.‏ وقد أمرت فيهم برضخ‏.‏ فخذه فاقسمه بينهم‏.‏ قال‏:‏ قلت‏:‏ لو أمرت بهذا غيري‏؟‏ قال‏:‏ خذه‏.‏ يا مال‏!‏ قال‏:‏ فجاء يرفا‏.‏ فقال‏:‏ هل لك، يا أمير المؤمنين‏!‏ في عثمان وعبدالرحمن بن عوف والزبير وسعد‏؟‏ فقال عمر‏:‏ نعم‏.‏ فأذن لهم‏.‏ فدخلوا‏.‏ ثم جاء فقال‏:‏ هل لك في عباس وعلي‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فأذن لهما‏.‏ فقال عباس‏:‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ اقض بيني وبين هذا الكاذب الآثم الغادر الخائن‏.‏ فقال القوم‏:‏ أجل‏.‏ يا أمير المؤمنين‏!‏ فاقض بينهم وأرحهم‏.‏ ‏(‏فقال مالك بن أوس‏:‏ يخيل إلي أنهم قد كانوا قدموهم لذلك‏)‏ فقال عمر‏:‏ اتئدا‏.‏ أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض‏!‏ أتعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا نورث‏.‏ ما تركنا صدقة‏)‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ ثم أقبل على العباس وعلي فقال‏:‏ أنشدكما بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض‏!‏ أتعلمان أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لا نورث‏.‏ ما تركناه صدقة‏)‏ قالا‏:‏ نعم‏.‏ فقال عمر‏:‏ إن الله عز وجل كان خص رسولهل صلى الله عليه وسلم بخاصة لم يخصص بها أحدا غيره‏.‏ قال‏:‏ ما أفاء الله على رسوله من أهل القرى فلله وللرسول ‏[‏59 /الحشر /7‏]‏ ‏(‏ما أدري هل قرأ الآية التي قبلها أم لا‏)‏ قال‏:‏ فقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم بينكم أموال بني النضير‏.‏ فوالله‏!‏ ما استأثر عليكم‏.‏ ولا أخذها دونكم‏.‏ حتى بقي هذا المال‏.‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يأخذ منه نفقة سنة‏.‏ ثم يجعل ما بقي أسوة المال‏.‏ ثم قال‏:‏ أنشدكم بالله الذي بإذنه تقوم السماء والأرض‏!‏ أتعلمون ذلك‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ ثم نشد عباسا وعليا بمثل ما نشد به القوم‏:‏ أتعلمان ذلك‏؟‏ قالا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فلما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم قال أبو بكر‏:‏ أنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فجتئما، تطلب ميراثك من ابن أخيك، ويطلب هذا ميراث امرأته من أبيها‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ما نورث‏.‏ ما تركنا صدقة‏)‏ فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا، والله يعلم إنه لصادق بار راشد تابع للحق‏.‏ ثم توفي أبو بكر‏.‏ وأنا ولي رسول الله صلى الله عليه وسلم وولي أبا بكر‏.‏ فرأيتماني كاذبا آثما غادرا خائنا‏.‏ والله يعلم إني بار راشد تابع للحق‏.‏ فوليتها‏.‏ ثم جئتني أنت وهذا‏.‏ وأنتما جميع وأمركما واحد‏.‏ فقلتما‏:‏ ادفعها إلينا‏.‏ فقلت‏:‏ إن شئتم دفعتها إليكما على أن عليكما عهد الله أن تعملا فيها بالذي كان يعمل رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأخذتماها بذلك‏.‏ قال‏:‏ أكذلك‏؟‏ قالا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ثم جئتماني لأقضي بينكما‏.‏ ولا ، والله‏!‏ لا أقضي بينكما بغير ذلك حتى تقوم الساعة‏.‏ فإن عجزتما عنها فرداها إلي‏.‏

‏[‏ش ‏(‏تعالى النهار‏)‏ أي ارتفع‏.‏

‏(‏مفضيا‏)‏ يعني ليس بينه وبين رماله شيء‏.‏ وإنما قال هذا، لأن العادة أن يكون فوق الرمال فراش أو غيره‏.‏

‏(‏رماله‏)‏ بضم الراء وكسرها‏.‏ وهو ما ينسج من سعف النخل ونحوه، ليضطجع عليه‏.‏

‏(‏يا مال‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ يا مالك‏.‏ وهو ترخيم مالك، بحذف الكاف‏.‏ ويجوز كسر اللام وضمها‏.‏ وجهان مشهوران لأهل العربية‏.‏ فمن كسرها تركها على ما كانت‏.‏ ومن ضمها جعله اسما مستقلا‏.‏

‏(‏دف أهل أبيات‏)‏ الدف المشي بسرعة‏.‏ كأنهم جاءوا مسرعين، للضر الذي نزل بهم، وقيل‏:‏ السير اليسير‏.‏

‏(‏برضخ‏)‏ العطية القليلة‏.‏

‏(‏يرفا‏)‏ غير مهموز‏.‏ هكذا ذكره الجمهور‏.‏ ومنهم من همزه‏:‏ يرفأ وهو حاجب عمر ن الخطاب‏.‏

‏(‏هل لك‏)‏ أي هل لهم إذن منك في الدخول عليك‏.‏

‏(‏اقض بيني وبين هذا الكاذب‏)‏ قال جماعة من العلماء‏:‏ معناه هذا الكاذب إن لم ينصف، فحذف الجواب‏.‏ وقال القاضي عياض‏:‏ قال المازري‏:‏ هذا اللفظ الذي وقع لا يليق ظاهره بالعباس‏.‏ وحاش لعلي أن يكون فيه بعض هذه الأوصاف فضلا عن كلها‏.‏ ولسنا نقطع بالعصمة إلا للنبي صلى الله عليه وسلم ولمن شهد له بها‏.‏ ولكنا مأمورون بحسن الظن بالصحابة رضي الله عنهم أجمعين، ونفي كل رذيلة عنهم‏.‏ وإذا انسدت طرق تأويلها نسبنا الكذب إلى رواتها قال‏:‏ وقد حمل هذا المعنى بعض الناس على أن أزال هذا اللفظ من نسخته، تورعا عن إثبات مثل هذا‏.‏ ولعله حمل الوهم على رواته‏.‏ قال المازري‏:‏ وإن كان هذا اللفظ لابد من إثباته، ولم نضف الوهم إلى رواته – فأجود ما حمل عليه أنه صدر من العباس على جهة الإدلال على ابن أخيه، لأنه بمنزلة ابنه‏.‏ وقال ما لا يعتقده، وما يعلم براءة ذمة ابن أخته منه‏.‏ ولعله قصد بذلك ردعه عما يعتقد أنه مخطئ فيه‏.‏ وإن هذه الأوصاف يتصف بها لو كان يفعل ما يفعله عن قصد‏.‏ ولا بد من هذا التأويل‏.‏ لأن هذه القضية جرت في مجلس عمر رضي الله عنه، وهو الخليفة‏.‏ وعثمان وسعد وزيد وعبدالرحمن رضي الله عنهم لم ينكر أحد منهم هذا الكلام، مع تشددهم في إنكار المنكر‏.‏ وما ذلك إلا لأنهم قد فهموا، بقرينة الحال، أنه تكلم بما لا يعتقد ظاهره‏.‏ مبالغة في الزجر‏.‏ قال المازري‏:‏ وكذلك قول عمر رضي الله عنه‏:‏ إنكما جئتما أبا بكر فرأيتماه كاذبا آثما غادرا خائنا‏.‏ وكذلك ذكر عن نفسه أنهما رأياه كذلك‏.‏ وتأويل هذا على نحو ما سبق‏.‏ وهو أن المراد أنكما تعتقدان أن الواجب أن نفعل في هذه القضية خلاف ما فعلته أنا وأبو بكر‏.‏ فنحن على مقتضى رأيكما لو أتينا ونحن معتقدان ما تعتقدانه لكنا بهذه الأوصاف‏.‏

‏(‏اتئدا‏)‏ أي اصبرا وأمهلا‏.‏

‏(‏أنشدكم بالله‏)‏ أي أسالكم بالله‏.‏ مأخوذ من النشيد، وهو رفع الصوت‏.‏ يقال‏:‏ أنشدتك، ونشدتك بالله‏.‏

‏(‏وأنتما جميع وأمركما واحد‏)‏ أي متحد غير متنازع‏.‏ وأمركما مطلوبكما واحد، وهو دفعي إياها إليكما‏]‏‏.‏

50 – ‏(‏1757‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد ‏(‏قال ابن رافع‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا عبدج الرزاق‏)‏‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن مالك بن أوس بن الحدثان‏.‏ قال‏:‏ أرسل إلي عمر ابن الخطاب‏.‏ فقال‏:‏ إنه قد حضر أهل أبيات من قومك‏.‏ بنحو حديث مالك‏.‏ غير أنه فيه‏:‏ فكان ينفق على أهله منه سنة‏.‏ وربما قال معمر‏:‏ يحبس قوت أهله منه سنة‏.‏ ثم يجعل ما بقي منه مجعل مال الله عز وجل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مجعل مال الله‏)‏ أي في مصرف ما جعل عدة في سبيل الله من مصالح المسلمين‏]‏‏.‏

*3*16 – باب قول النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لا نورث ما تركنا فهو صدقة‏)‏

51 – ‏(‏1758‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن ابن شهاب، عن عروة، عن عائشة؛ أنها قالت‏:‏

إن أزواج النبي صلى الله عليه وسلم، حين توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم، أردن أن يبعثن عثمان بن عفان إلى أبي بكر‏.‏ فيسألنه ميراثهن من النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قالت عائشة لهن‏:‏ أليس قد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لا نورث‏.‏ ما تركنا فهو صدقة‏)‏‏؟‏

52 – ‏(‏1759‏)‏ حدثني محمد بن رافع‏.‏ أخبرنا حجين‏.‏ حدثنا ليث عن عقيل، عن ابن شهاب، عن عروة بن الزبير، عن عائشة؛ أنها أخبرته‏:‏

أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم أرسلت إلى أبي بكر الصديق تسأله ميراثها من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ مما أفاء عليه بالمدينة وفدك‏.‏ وما بقي من خمس خيبر‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا نورث ما تركنا صدقة‏.‏ إنما يأكل آل محمد ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ في هذا المال‏)‏‏.‏ وإني والله‏!‏ لا أغير شيئا من صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم، عن حالها التي كانت عليها، في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولأعملن فيها، بما عمل به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأبى أبو بكر أن يدفع إلى فاطمة شيئا‏.‏ فوجدت فاطمة على أبي بكر في ذلك‏.‏ قال‏:‏ فهجرته‏.‏ فلم تكلمه حتى توفيت‏.‏ وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر‏.‏ فلما توفيت دفنها زوجها علي بن أبي طالب ليلا‏.‏ ولم يؤذن بها أبا بكر‏.‏ وصلى عليها علي‏.‏ وكان لعلي من الناس وجهة، حياة فاطمة‏.‏ فلما توفيت استنكر على وجوه الناس‏.‏ فالتمس مصالحة أبي بكر ومبايعته‏.‏ ولم يكن بايع تلك الأشهر‏.‏ فأرسل إلى أبي بكر‏:‏ أن ائتنا‏.‏ ولا يأتنا معك أحد ‏(‏كرهية محضر عمر بن الخطاب‏)‏ فقال عمر، لأبي بكر‏:‏ والله‏!‏ لا تدخل عليهم وحدك‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ وما عساهم أن يفعلوا بي‏.‏ إني، والله‏!‏ لآتينهم‏.‏ فدخل عليهم أبو بكر‏.‏ فتشهد علي بن أبي طالب‏.‏ ثم قال‏:‏ إنا قد عرفنا، يا أبا بكر‏!‏ فضيلتك وما أعطاك الله‏.‏ ولم ننفس عليك خيرا ساقه الله إليك‏.‏ ولكنك استبددت علينا بالأمر‏.‏ وكنا نرى لنا حقا لقرابتنا من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلم يزل يكلم أبا بكر حتى فاضت عينا أبي بكر‏.‏ فلما تكلم أبو بكر قال‏:‏ والذي نفسي بيده‏!‏ لقرابة رسول الله صلى الله عليه وسلم أحب إلي أن أصل من قرابتي‏.‏ وأما الذي شجر بيني وبينكم من هذه الأموال، فإني لم آل فيها عن الحق‏.‏ ولم أترك أمرا رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم يصنعه فيها إلا صنعته‏.‏ فقال علي لأبي بكر‏:‏ موعدك العشية للبيعة‏.‏ فلما صلى أبو بكر صلاة الظهر‏.‏ رقي على المنبر‏.‏ فتشهد‏.‏ وذكر شأن علي وتخلفه عن البيعة‏.‏ وعذره بالذي اعتذر إليه‏.‏ ثم استغفر‏.‏ وتشهد علي بن أبي طالب فعظم حق أبي بكر‏.‏ وأنه لم يحمله على الذي صنع نفاسة على أبي بكر‏.‏ ولا إنكارا للذي فضله الله به‏.‏ ولكنا كنا نرى لنا في الأمر نصيبا‏.‏ فاستبد علينا به‏.‏ فوجدنا في أنفسنا‏.‏ فسر بذلك المسلمون‏.‏ وقالوا‏:‏ أصبت‏.‏ فكان المسلمون إلى علي قريبا، حين راجع الأمر المعروف‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فوجدت‏)‏ أي غضبت‏.‏

‏(‏وكان لعلي م نالناس وجهة حياة فاطمة‏)‏ أي وجه وإقبال في مدة حياتها‏.‏

‏(‏ولم ننفس‏)‏ يقال نفست أنفس نفاسة، وهو قريب من معنى الحسد‏.‏

‏(‏شجر‏)‏ أي اضطرب واختلف واختلط‏.‏

‏(‏لم آل‏)‏ لم أقصر‏.‏

‏(‏العشية‏)‏ العشية والعشي، بحذف الهاء، هو من زوال الشمس‏]‏‏.‏

53 – ‏(‏1759‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد ‏(‏قال ابن رافع‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏)‏‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة؛ أن فاطمة والعباس أتيا أبا بكر يلتمسان ميراثهما من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهما حينئذ يطلبان أرضه من فدك وسهمه من خيبر‏.‏ فقال لهما أبو بكر‏:‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وساق الحديث بمعنى حديث عقيل عن الزهري‏.‏ غير أنه قال‏:‏ ثم قام علي فعظم من حق أبي بكر‏.‏ وذكر فضيلته وسابقته‏.‏ ثم مضى إلى أبي بكر فبايعه‏.‏ فأقبل الناس إلى علي فقالوا‏:‏ أصبت وأحسنت‏.‏ فكان الناس قريبا إلى علي حين قارب الأمر المعروف‏.‏

54 – ‏(‏1759‏)‏ وحدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ ح وحدثنا زهير بن حرب والحسن بن علي الحلواني‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يعقوب وهو ابن إبراهيم‏)‏‏.‏ حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني عروة ابن الزبير؛ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم أخبرته؛

أن فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم سألت أبا بكر، بعد وفاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، أنت يقسم لها ميراثها، مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم، مما أفاء الله عليه‏.‏ فقال لها أبو بكر‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا نورث‏.‏ ما تركنا صدقة‏)‏‏.‏

قال‏:‏ وعاشت بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم ستة أشهر‏.‏ وكانت فاطمة تسأل أبا بكر نصيبها مما ترك رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر وفدك‏.‏ وصدقته بالمدينة‏.‏ فأبى أبو بكر عليها ذلك‏.‏ وقال‏:‏ لست تاركا شيئا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يعمل به إلا عملت به‏.‏ إني أخشى إن تركت شيئا من أمره أن أزيغ‏.‏ فأما صدقته بالمدينة فدفعها عمر إلى علي وعباس‏.‏ فغلبه عليها علي‏.‏ وأما خيبر وفدك فأمسكهما عمر وقال‏:‏ هما صدقة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ كانتا لحقوقه التي تعروه ونوائبه‏.‏ وأمرهما إلى من ولي الأمر‏.‏ قال‏:‏ فهما على ذلك إلى اليوم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من خيبر وفدك وصدقته بالمدينة‏)‏ قال القاضي عياض رضي الله عنه في تفسير صدقات النبي صلى الله عليه وسلم المذكورة في هذه الأحاديث‏.‏ قال‏:‏ صارت إليه بثلاثة حقوق‏:‏ أحدها ما وهب له صلى الله عليه وسلم، وذلك وصية مخيريق اليهودي له بعد إسلامه يوم أحد، وكانت سبعة حوائط في بني النضير‏.‏ وما أعطاه الأنصار من أرضهم، وهو ما لا يبلغه الماء، وكان هذا ملكا له صلى الله عليه وسلم‏.‏ الثاني حقه من الفيء من أرض بني النضير حين أجلاهم، كانت له خاصة‏.‏ لأنها لم يوجف عليها المسلمون بخيل ولا ركاب‏.‏ وأما منقولات بني النضير فحملوا منها ما حملته الإبل غير السلاح، كما صالحهم‏.‏ ثم قسم الله الباقي بين المسلمين‏.‏ وكانت الأرض لنفسه ويخرجها في نوائب المسلمين‏.‏ وكذلك نصف أرض فدك، صالح أهلها بعد فتح خيبر على نصف أرضها وكان خالصا له‏.‏ وكذلك ثلث أرض وادي القرى، أخذ في الصلح حين صالح أهلها اليهود‏.‏ وكذلك حصنان من حصون خيبر، وهما الوطيح والسلالم، أخذهما صلحا‏.‏ الثالث سهمه من خمس خيبر وما افتتح فيها عنوة‏.‏ فكانت هذه كلها ملكا لرسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة، لا حق فيها لأحد غيره‏.‏ لكنه صلى الله عليه وسلم كان لا يستأثر بها بل ينفقها على أهله والمسلمين وللمصالح العامة‏.‏ وكل هذه صدقات محرمات التملك بعده‏.‏

‏(‏تعروه‏)‏ معناه ما يطرأ عليه من الحقوق الواجبة والمندوبة‏.‏ ويقال‏:‏ عروته واعترينه‏.‏ وعررته واعتررته إذا أتيته تطلب منه حاجة‏.‏

‏(‏ونوائبه‏)‏ النوائب ما ينوب على الإنسان، أي ينزل به من المهمات والحوادث‏]‏‏.‏

55 – ‏(‏1760‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا يقتسم ورثتي دينارا‏.‏ ما تركت، بعد نفقة نسائي ومؤونة عاملي، فهو صدقة‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ومؤونة عاملي‏)‏ أي نفقته‏.‏ قال في المصباح‏:‏ المؤونة الثقل‏.‏ وفيها لغات‏:‏ أحدها على وزن فعولة والجمع مؤونات‏.‏ ومأنت القوم أمأنهم‏.‏ واللغة الثانية مؤنة والجمع مؤن‏.‏ مثل غرفة وغرف‏.‏ والثالثة مونة والجمع مون مثل سورة وسور‏.‏ ويقال منه‏:‏ مانه يمونه من باب قال‏.‏ ومؤونة عامله، عليه الصلاة والسلام‏.‏ قيل هو القائم على هذه الصدقات والناظر فيها‏]‏‏.‏

‏(‏1760‏)‏ – حدثنا محمد بن يحيى بن أبي عمر المكي‏.‏ حدثنا سفيان عن أبي الزناد، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏

56 – ‏(‏1761‏)‏ وحدثني ابن أبي خلف‏.‏ حدثنا زكرياء بن عدي‏.‏ أخبرنا ابن المبارك عن يونس عن الزهري، عن الأعرج، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا نورث‏.‏ ما تركنا صدقة‏)‏‏.‏

*3*17 – باب كيفية قسمة الغنيمة بين الحاضرين

57 – ‏(‏1762‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وأبو كامل فضيل بن حسين كلاهما عن سليم‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا سليم بن أخضر عن عبيدالله بن عمر‏.‏ حدثنا نافع عن عبدالله بن عمر؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قسم في النفل‏:‏ للفرس سهمين وللرجل سهما‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قسم في النفل للفرس سهمين وللرجل سهما‏)‏ هكذا هو في أكثر الروايات‏:‏ للفرس سهمين وللرجل سهما‏.‏ وفي بعضها‏:‏ للفرس سهمين وللراجل سهما‏.‏ وفي بعضها‏:‏ للفارس سهمين‏.‏ والمراد بالنفل، هنا، الغنيمة‏:‏ وأطلق عليها اسم النفل لكونها تسمى نفلا، لغة‏.‏ فإن النفل، في اللغة، الزيادة والعطية‏]‏‏.‏

‏(‏1762‏)‏ – حدثناه ابن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا عبيدالله، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ ولم يذكر‏:‏ في النفل‏.‏

*3*18 – باب الإمداد بالملائكة في غزوة بدر، وإباحة الغنائم

58 – ‏(‏1763‏)‏ حدثنا هناد بن السري‏.‏ حدثنا ابن المبارك عن عكرمة بن عمار‏.‏ حدثني سماك الحنفي قال‏:‏ سمعت ابن عباس يقول‏:‏ حدثني عمر ابن الخطاب‏.‏ قال‏:‏ لما كان يوم بدر‏.‏ ح وحدثنا زهير بن حرب ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا عمر بن يونس الحنفي‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثني أبو زميل ‏(‏هو سماك الحنفي‏)‏‏.‏ حدثني عبدالله بن عباس قال‏:‏ حدثني عمر بن الخطاب قال‏:‏

لما كان يوم بدر، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى المشركين وهم ألف، وأصحابه ثلاثمائة وتسعة عشر رجلا‏.‏ فاستقبل نبي الله صلى الله عليه وسلم القبلة‏.‏ ثم مد يديه فجعل يهتف بربه ‏(‏اللهم‏!‏ أنجز لي ما وعدتني‏.‏ اللهم‏!‏ آت ما وعدتني‏.‏ اللهم‏!‏ إن تهلك هذه العصابة من أهل الإسلام لا تعبد في الأرض‏)‏ فما زال يهتف بربه، مادا يديه، مستقبل القبلة، حتى سقط رداؤه عن منكبيه‏.‏ فأتاه أبو بكر‏.‏ فأخذ رداءه فألقاه على منكبيه‏.‏ ثم التزمه من ورائه‏.‏ وقال‏:‏ يا نبي الله‏!‏ كذاك مناشدتك ربك‏.‏ فإنه سينجز لك ما وعدك‏.‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم أني ممدكم بألف من الملائكة مردفين‏}‏ ‏[‏8 / الأنفال /9‏]‏ فأمده الله بالملائكة‏.‏

قال أبو زميل‏:‏ فحدثني ابن عباس قال‏:‏ بينما رجل من المسلمين يومئذ يشتد في أثر رجل من المشركين أمامه‏.‏ إذ سمع ضربه بالسوط فوقه‏.‏ وصوت الفارس يقول‏:‏ أقدم حيزوم‏.‏ فنظر إلى المشرك أمامه فخر مستلقيا‏.‏ فنظر إليه فإذا هو قد خطم أنفه، وشق وجهه كضربة السوط‏.‏ فاخضر ذلك أجمع‏.‏ فجاء الأنصاري فحدث بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال ‏(‏صدقت‏.‏ ذلك مدد السماء الثالثة‏)‏ فقتلوا يومئذ سبعين‏.‏ وأسروا سبعين‏.‏

قال أبو زميل‏:‏ قال ابن عباس‏:‏ فلما أسروا الأسارى قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأبي بكر وعمر ‏(‏ما ترون في هؤلاء الأسارى‏؟‏‏)‏ فقال أبو بكر‏:‏ يا نبي الله‏!‏ هم بنو العم والعشيرة‏.‏ أرى أن تأخذ منهم فدية‏.‏ فتكون لنا قوة على الكفار‏.‏ فعسى الله أن يهديهم للإسلام‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ما ترى‏؟‏ يا ابن الخطاب‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ والله‏!‏ ما أرى الذي رأى أبو بكر‏.‏ ولكني أرى أن تمكنا فنضرب أعناقهم‏.‏ فتمكن عليا من عقيل فيضرب عنقه‏.‏ وتمكني من فلان ‏(‏نسيبا لعمر‏)‏ فأضرب عنقه‏.‏ فإن هؤلاء أئمة الكفر وصناديدها‏.‏ فهوى رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال أبو بكر‏.‏ ولم يهو ما قلت‏.‏ فلما كان من الغد جئت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر قاعدين يبكيان‏.‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أخبرني من أي شيء تبكي أنت وصاحبك‏.‏ فإن وجدت بكاء بكيت‏.‏ وإن لم أجد بكاء تباكيت لبكائكما‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أبكي للذي عرض على أصحابك من أخذهم الفداء‏.‏ لقد عرض علي عذابهم أدنى من هذه الشجرة‏)‏ ‏(‏شجرة قريبة من نبي الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ما كان لنبي أن يكون له أسرى حتى يثخن في الأرض‏.‏ إلى قوله‏:‏ فكوا مما غنمتم حلالا طيبا‏}‏ ‏[‏8 /الأنفال /67 – 69‏]‏ فأحل الله الغنيمة لهم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لما كان يوم بدر‏)‏ اعلم أن بدرا هو موضع الغزوة العظمى المشهورة‏.‏ وهو ماء معروف وقرية عامرة على نحو أربع مراحل من المدينة‏.‏ بينها وبين مكة‏.‏ قال ابن قتيبة‏:‏ بدر بئر كانت لرجل يسمى بدرا‏.‏ فسميت باسمه‏.‏ وكانت غزوة بدر يوم الجمعة لسبع عشرة خلت من رمضان في السنة الثانية للهجرة‏.‏

‏(‏فجعل يهتف بربه‏)‏ معناه يصيح وستغيث بالله في الدعاء‏.‏

‏(‏أن تهلك‏)‏ ضبطوا تهلك بفتح الهاء وضمها‏.‏ فعلى الأول ترفع العصابة لأنها فاعل‏.‏ وعلى الثاني تنصب وتكون مفعوله‏.‏

‏(‏العصابة‏)‏ الجماعة‏.‏

‏(‏كذاك مناشدتك ربك‏)‏ المناشدة السؤال‏.‏ مأخوذة من النشيد وهو رفع الصوت‏.‏ هكذا وقع لجماهير رواة مسلم‏:‏ كذاك‏.‏ ولبعضهم‏:‏ كفاك‏.‏ وكل بمعنى‏.‏

‏(‏مناشدتك‏)‏ ضبطوها بالرفع، والنصب وهو الأشهر‏.‏ قال القاضي‏:‏ من رفعه جعله فاعلا بكفاك‏.‏ ومن نصبه فعلى المفعول بما في كفاك وكذاك من معنى الفعل‏.‏

‏(‏ممدكم‏)‏ أي معينكم‏.‏ من الإمداد‏.‏

‏(‏مردفين‏)‏ متتابعين‏.‏

‏(‏أقدم حيزوم‏)‏ ضبطوه بوجهين‏:‏ أصحهما وأشهرهما، لم يذكر ابن دريد وكثيرون أو الأكثرون غيره‏:‏ أنه بهمزة قطع مفتوحة، وبكسر الدال‏.‏ من الإقدام‏.‏ قالوا‏:‏ وهي كلمة زجر للفرس معلومة في كلامهم‏.‏ والثاني بضم الدال وبهمزة وصل مضمومة، من التقدم‏.‏ وحيزوم اسم فرس الملك، وهو منادى بحذف حرف النداء‏.‏ أي يا حيزوم‏.‏

‏(‏فإذا هو قد خطم أنفه‏)‏ الخطم الأثر على الأنف‏.‏

‏(‏وصناديدها‏)‏ يعني أشرافها‏.‏ الواحد صنديد‏.‏ والضمير في صناديدها يعود على أئمة الكفر أو مكة‏.‏

‏(‏فهوى‏)‏ أي أحب ذلك واستحسنه‏.‏ يقال‏:‏ هوى الشيء يهوي هوى‏.‏ والهوى المحبة‏.‏

‏(‏ولم يهو ما قلت‏)‏ هكذا هو في بعض النسخ‏:‏ ولم يهو‏.‏ وفي كثير منها‏:‏ ولم يهوي، بالياء‏.‏ وهي لغة قليلة بإثبات الياء مع الجازم‏.‏ ومنه قراءة من قرأ‏:‏ إنه من يتقي ويصبر، بالياء‏.‏ ومنه قول الشاعر‏:‏

ألم يأتيك والأنباء تنمي

‏(‏حتى يثخن في الأرض‏)‏ أي يكثر القتل والقهر في العدو‏]‏‏.‏

*3* 19 – باب ربط الأسير وحبسه، وجواز المن عليه‏.‏

59 – ‏(‏1764‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏

بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا قبل نجد‏.‏ فجاءت برجل من بني حنيفة يقال له ثمامة بن أثال‏.‏ سيد أهل اليمامة‏.‏ فربطوه بسارية من سواري المسجد‏.‏ فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏(‏ماذا عندك‏؟‏ يا ثمامة‏!‏‏)‏ فقال‏:‏ عندي، يا محمد‏!‏ خير‏.‏ إن تقتل تقتل ذا دم‏.‏ وإن تنعم تنعم على شاكر‏.‏ وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت‏.‏ فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ حتى كان بعد الغد‏.‏ فقال ‏(‏ما عندك‏؟‏ يا ثمامة‏!‏‏)‏ قال‏:‏ ما قلت لك‏.‏ إن تنعم تنعم على شاكر‏.‏ وإن تقتل تقتل ذا دم‏.‏ وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت‏.‏ فتركه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى كان من الغد‏.‏ فقال ‏(‏ما عندك‏؟‏ يا ثمامة‏!‏‏)‏ فقال‏:‏ عندي ما قلت لك‏.‏ إن تنعم تنعم على شاكر‏.‏ وإن تقتل تقتل ذا دم‏.‏ وإن كنت تريد المال فسل تعط منه ما شئت‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أطلقوا ثمامة‏)‏ فانطلق إلى نخل قريب من المسجد‏.‏ فاغتسل‏.‏ ثم دخل المسجد فقال‏:‏ أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا عبده ورسوله‏.‏ يا محمد‏!‏ والله‏!‏ ما كان على الأرض وجه أبغض إلي من وجهك، فقد أصبح وجهك أحب الوجوه كلها إلي‏.‏ والله‏!‏ ما كان من دين أبغض إلي من دينك‏.‏ فأصبح دينك أحب الدين كله إلي‏.‏ والله‏!‏ ما كان من بلد أبغض إلي من بلدك‏.‏ فأصبح يبدك أحب البلاد كلها إلي‏.‏ وإن خيلك أخذتني وأنا أريد العمرة‏.‏ فماذا ترى‏؟‏ فبشره رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأمره أن يعتمر‏.‏ فلما قدم مكة قال له قائل‏:‏ أصبوت‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ ولكني أسلمت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولا ، والله‏!‏ لا يأتيكم من اليمامة حبة حنطة حتى يأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ماذا عندك‏؟‏ يا ثمامة‏!‏‏)‏ أي من الظن بي أن أفعل بك‏؟‏‏.‏

‏(‏إن تقتل تقتل ذا دم‏)‏ اختلفوا في معناه‏.‏ فقال القاضي عياض في المشارق، وأشار إليه في شرح مسلم‏:‏ معناه إن تقتل تقتل صاحب دم، لدمه موقع يشتفى بقتله قاتله، ويدرك قاتله به ثأره، أي لرياسته وفضيلته‏.‏ وحذف هذا لأنهم يفهمونه في عرفهم‏.‏ وقال آخرون‏:‏ معناه تقتل من عليه دم مطلوب به، وهو مستحق عليه‏.‏ فلا عتب عليك في قتله‏.‏

‏(‏فانطلق إلى نخل‏)‏ هكذا هو في البخاري ومسلم وغيرهما‏:‏ نخل بالخاء المعجمة‏.‏ وتقديره‏:‏ انطلق إلى نخل فيه ماء فاغتسل منه‏.‏

‏(‏أصبوت‏)‏ هكذا هو في الأصول‏:‏ أصبوت‏.‏ وهي لغة‏.‏ والمشهور‏:‏ أصبأت، بالهمز‏.‏ وعلى الأول جاء قولهم‏:‏ الصباة‏.‏ كقاض وقضاة‏.‏ والمعنى‏:‏ أخرجت من دينك‏]‏‏.‏

60 – ‏(‏1764‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا أبو بكر الحنفي‏.‏ حدثني عبدالحميد بن جعفر‏.‏ حدثني سعيد بن أبي سعيد المقبري؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم خيلا له نحو أرض نجد‏.‏ فجاءت برجل يقال له ثمامة بن أثال الحنفي‏.‏ سيد أهل اليمامة‏.‏ وساق الحديث بمثل حديث الليث‏.‏ إلا أنه قال‏:‏ إن تقتلني تقتل ذا دم‏.‏

*3*20 – باب إجلاء اليهود من الحجاز

61 – ‏(‏1765‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبيه، عن أبي هريرة؛ أنه قال‏:‏

بينا نحن في المسجد، إذ خرج إلينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال ‏(‏انطلقوا إلى يهود‏)‏ فخرجنا معه‏.‏ حتى جئناهم‏.‏ فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم فناداهم‏.‏ فقال ‏(‏يا معشر يهود‏!‏ أسلموا تسلموا‏)‏‏.‏ فقالوا‏:‏ قد بلغت‏.‏ يا أبا القاسم‏!‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ذلك أريد‏.‏ أسلموا تسلموا‏)‏ فقالوا‏:‏ قد بلغت يا أبا القاسم‏!‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ذلك أريد‏)‏ فقال لهم الثالثة‏.‏ فقال ‏(‏اعلموا أنما الأرض لله ورسوله‏.‏ وأني أريد أن أجليكم من هذه الأرض فمن وجد منكم بماله شيئا فليبعه‏.‏ وإلا فاعلموا أن الأرض لله ورسوله‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ذلك أريد‏)‏ معناه‏:‏ أريد أن تعترفوا أني بلغت‏.‏ وفي هذا الحديث استحباب تجنيس الكلام‏.‏ وهو من بديع الكلام وأنواع الفصاحة‏]‏‏.‏

62 – ‏(‏1766‏)‏ وحدثني محمد بن رافع وإسحاق بن منصور ‏(‏قال ابن رافع‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال إسحاق‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏)‏‏.‏ أخبرنا ابن جريج عن موسى بن عقبة، عن نافع، عن ابن عمر؛

أن يهود بني النضير وقريظة حاربوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بني النضير، وأقر قريظة ومن عليهم‏.‏ حتى حاربت قريظة بعد ذلك‏.‏ فقتل رجالهم‏.‏ وقسم نسائهم وأولادهم وأموالهم بين المسلمين‏.‏ إلا أن بعضهم لحقوا برسول الله صلى الله عليه وسلم فآمنهم وأسلموا‏.‏ وأجلى رسول الله صلى الله عليه وسلم يهود المدينة كلهم‏:‏ بني قينقاع ‏(‏وهم قوم عبدالله بن سلام‏)‏‏.‏ ويهود بني حارثة‏.‏ وكل يهودي كان بالمدينة‏.‏

‏(‏1766‏)‏ – وحدثني أبو الطاهر‏.‏ حدثنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني حفص ابن ميسرة عن موسى، بهذا الإسناد، هذا الحديث‏.‏ وحديث ابن جريج أكثر وأتم‏.‏

*3*21 – باب إخراج اليهود والنصارى من جزيرة العرب

63 – ‏(‏1767‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا الضحاك بن مخلد عن ابن جريج‏.‏ ح وحدثني محمد بن رافع ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا ابن جريج‏.‏ أخبرني أبو الزبير؛ أنه سمع جابر بن عبدالله يقول‏:‏ أخبرني عمر بن الخطاب؛

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏(‏لأخرجن اليهود والنصارى من جزيرة العرب‏.‏ حتى لا أدع إلا مسلما‏)‏‏.‏

‏(‏1767‏)‏ – وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا روح بن عبادة‏.‏ أخبرنا سفيان الثوري‏.‏ ح وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحسن بن أعين‏.‏ حدثنا معقل ‏(‏وهو ابن عبيدالله‏)‏‏.‏ كلاهما عن أبي الزبير، بهذا الإسناد، مثله‏.‏

*3*22 – باب جواز قتال من نقض العهد، وجواز إنزال أهل الحصن على حكم حاكم عدل أهل للحكم

64 – ‏(‏1768‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار ‏(‏وألفاظهم متقاربة‏)‏ ‏(‏قال أبو بكر‏:‏ حدثنا غندر عن شعبة‏.‏ قال الآخران‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة‏)‏ عن سعد بن إبراهيم‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا أمامة بن سهل بن حنيف قال‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدري قال‏:‏

نزل أهل قريظة على حكم سعد بن معاذ‏.‏ فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى سعد‏.‏ فأتاه على حمار‏.‏ فلما دنا قريبا من المسجد، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للأنصار ‏(‏قوموا إلى سيدكم‏)‏ ‏(‏أو خيركم‏)‏‏.‏ ثم قال ‏(‏إن هؤلاء نزلوا على حكمك‏)‏ قال‏:‏ تقتل مقاتلتهم‏.‏ وتسبي ذريتهم‏.‏ قال‏:‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏قضيت بحكم الله‏)‏ وربما قال ‏(‏قضيت بحكم الملك‏)‏ ولم يذكر ابن المثنى‏:‏ وربما قال ‏(‏قضيت بحكم الملك‏)‏‏.‏

‏(‏1768‏)‏ – وحدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن مهدي عن شعبة، بهذا الإسناد‏.‏ وقال في حديثه‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لقد حكمت فيهم بحكم الله‏)‏‏.‏ وقال مرة‏:‏ ‏(‏لقد حكمت بحكم الملك‏)‏‏.‏

65 – ‏(‏1769‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء الهمذاني‏.‏ كلاهما عن ابن نمير‏.‏ قال ابن العلاء‏:‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا هشام عن أبيه، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏

أصيب سعد يوم الخندق‏.‏ رماه رجل من قريش يقال له ابن العرقة‏.‏ رماه في الأكحل‏.‏ فضرب عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم خيمة في المسجد يعوده من قريب‏.‏ فلما رجع رسول الله صلى الله عليه وسلم من الخندق وضع السلاح‏.‏ فاغتسل‏.‏ فأتاه جبريل وهو ينفض رأسه من الغبار‏.‏ فقال‏:‏ وضعت السلاح‏؟‏ والله ما وضعناه‏.‏ اخرج إليهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فأين‏؟‏‏)‏ فأشار إلى بني قريظة‏.‏ فقاتلهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فنزلوا على حكم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم الحكم فيهم إلى سعد‏.‏ قال‏:‏ فإني أحكم فيهم أن تقتل المقاتلة، وأن تسبى الذرية والنساء، وتقسم أموالهم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الأكحل‏)‏ هو عرق في وسط الذراع، إذا قطع لم يرقأ الدم‏.‏ قال النووي‏:‏ وهو عرق الحياة، في كل عضو منه شعبة لها اسم‏]‏‏.‏

66 – ‏(‏1769‏)‏ وحدثنا أبو كريب‏.‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا هشام قال‏:‏ قال أبي‏:‏ فأخبرت أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لقد حكمت فيهم بحكم الله عز وجل‏)‏‏.‏

67 – ‏(‏1769‏)‏ حدثنا أبو كريب‏.‏ حدثنا ابن نمير عن هشام‏.‏ أخبرني أبي عن عائشة؛

أن سعدا قال، وتحجر كلمه للبرء، فقال‏:‏ اللهم‏!‏ إنك تعلم أن ليس أحد أحب إلي أن أجاهد فيك، من قوم كذبوا رسولك ‏(‏صلى الله عليه وسلم‏)‏ وأخرجوه‏.‏ اللهم‏!‏ فإن كان بقي من حرب قريش شيء فأبقني أجاهدهم فيك‏.‏ اللهم‏!‏ فإني أظن أنك قد وضعت الحرب بيننا وبينهم‏.‏ فإن كنت وضعت الحرب بيننا وبينهم فافجرها واجعل موتي فيها‏.‏ فانفجرت من لبته‏.‏ فلم يرعهم ‏(‏وفي المسجد معه خيمة من بني غفار‏)‏ إلا والدم يسيل إليهم‏.‏ فقالوا‏:‏ يا أهل الخيمة‏!‏ ما هذا الذي يأتينا من قبلكم‏!‏ فإذا سعد جرحه يغذ دما‏.‏ فمات منها‏.‏

‏[‏ش ‏(‏تحجر كلمه للبرء‏)‏ أي يبس جرحه وكاد أن يبرأ‏.‏

‏(‏فافجرها‏)‏ أي فشق الجراحة شقا واسعا، حتى أموت فيها وتتم لي الشهادة‏.‏

‏(‏لبته‏)‏ هكذا هو في أكثر الأصول المعتمدة‏:‏ لبته‏.‏ وهي النحر‏.‏ وفي بعض الأصول‏:‏ من ليته‏.‏ والليت صفحة العنق‏.‏ وفي بعضها‏:‏ من ليلته‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهو الصواب، كما اتفقوا عليه في الرواية التي بعد هذه‏.‏ قال ابن حجر‏:‏ وكان موضع الجرح ورم حتى اتصل الورم إلى صدره، فانفجر من ثم‏.‏

‏(‏فلم يرعهم‏)‏ أي لم يفجأهم ويأتهم بغتة‏.‏

‏(‏يغذ دما‏)‏ هكذا هو في معظم الأصول المعتمدة‏:‏ يغذ‏.‏ ونقله القاضي عن جمهور الرواة‏.‏ وفي بعضها‏:‏ يغدو‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ ومعناه يسيل‏.‏ يقال‏:‏ غذ الجرح يغذ إذا دام سيلانه‏.‏ وغذا يغذو إذا سال‏.‏ كما قال في الرواية الأخرى‏:‏ فما زال يسيل حتى مات‏]‏‏.‏

68 – ‏(‏1769‏)‏ وحدثنا علي بن الحسين بن سليمان الكوفي‏.‏ حدثنا عبدة عن هشام، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏ غير أنه قال‏:‏ فانفجر من ليلته‏.‏ فما زال يسيل حتى مات‏.‏ وزاد في الحديث قال‏:‏ فذاك حين يقول الشاعر‏:‏

ألا يا سعد سعد بني معاذ * فما فعلت قريظة والنضير

لعمرك إن سعد بني معاذ * غداة تحملوا لهو الصبور

تركتم قدركم لا شيء فيها * وقدر القوم حامية تفور

وقد قال الكريم أبو حباب * أقيموا، قينقاع، ولا تسيروا

وقد كانوا ببلدتهم ثقالا * كما ثقلت بميطان الصخور

‏[‏ش ‏(‏فما فعلت‏)‏ هكذا هو في معظم النسخ‏.‏ وكذا حكاه القاضي عن المعظم‏.‏ وفي بعضها‏:‏ لما فعلت، باللام بدل الفاء، وقال‏:‏ وهو الصواب، والمعروف في السير‏.‏

‏(‏تركتم قدركم‏)‏ هذا مثل لعدم الناصر‏.‏ وأراد بقوله‏:‏ تركتم قدركم، الأوس‏.‏ لقلة حلفائهم‏.‏ فإن حلفاءهم قريظة وقد قتلوا‏.‏ وأراد بقوله‏:‏ وقد القوم حامية تفور، الخزرج لشفاعتهم في حلفائهم بني قينقاع حتى من عليهم النبي صلى الله عليه وسلم، وتركهم لعبدالله بن أبي ابن سلول، وهو أبو حباب المذكور في البيت الآخر‏.‏

‏(‏وقد كانوا ببلدتهم ثقالا‏)‏ أي بنو قريظة، وثقالا أي راسخين من كثرة ما لهم من القوة والنجدة والمال، كما رسخت الصخور، وهي الحجارة الكبار، بتلك البلدة‏.‏

‏(‏كما ثقلت بميطان الصخور‏)‏ هو اسم جبل من أرض الحجاز في ديار بني مزينة‏.‏ وهو بفتح الميم على المشهور‏.‏ وقال أبو عبيد البكري وجماعة‏:‏ هو بكسرها‏.‏ وإنما قصد هذا الشاعر تحريض سعد على استبقاء بني قريظة حلفائه، ويلومه على حكمه فيهم، ويذكره بفعل عبدالله بن أبي، ويمدحه بشفاعته في حلفائهم بني قينقاع‏]‏‏.‏

*3*23 – باب المبادرة بالغزو، وتقديم أهم الأمرين المتعارضين

69 – ‏(‏1770‏)‏ وحدثني عبدالله بن محمد بن أسماء الضبعي‏.‏ حدثنا جويرية بن أسماء عن نافع، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

نادى فينا رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم انصرف عن الأحزاب ‏(‏أن لا يصلين أحد الظهر إلا في بني قريظة‏)‏ فتخوف ناس فوت الوقت‏.‏ فصلوا دون بني قريظة‏.‏ وقال آخرون‏:‏ لا نصلي إلا حيث أمرنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وإن فاتنا الوقت‏.‏ قال‏:‏ فما عنف واحدا من الفريقين‏.‏
24 – باب رد المهاجرين إلى الأنصار منائحهم من الشجر والثمر حين استغنوا عنها بالفتوح

70 – ‏(‏1771‏)‏ وحدثني أبو الطاهر وحرملة‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب، عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏

لما قدم المهاجرون، من مكة، المدينة قدموا وليس بأيديهم شيء‏.‏ وكان الأنصار أهل الأرض والعقار‏.‏ فقاسمهم الأنصار على أن أعطوهم أنصاف ثمار أموالهم، كل عام‏.‏ ويكفونهم العمل والمؤونة‏.‏ وكانت أم أنس ابن مالك، وهي تدعى أم سليم، وكانت أم عبدالله بن أبي طلحة، وكان أخا لأنس لأمه، وكانت أعطت أم أنس رسول الله صلى الله عليه وسلم عذاقا لها‏.‏ فأعطاها رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن، مولاته، أم أسامة بن زيد‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ فأخبرني أنس بن مالك؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما فرغ من قتال أهل خيبر‏.‏ وانصرف إلى المدينة‏.‏ رد المهاجرون إلى الأنصار منائحهم التي كانوا منحوهم من ثمارهم‏.‏ قال‏:‏ فرد رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أمي عذاقها‏.‏ وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم أم أيمن مكانهن من حائطه‏.‏

قال ابن شهاب‏:‏ وكان من شأن أم أيمن، أم أسامة بن زيد؛ أنها كانت وصيفة لعبدالله بن عبدالمطلب‏.‏ وكانت من الحبشة‏.‏ فلما ولدت آمنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، بعد ما توفي أبوه، فكانت أم أيمن تحضنه، حتى كبر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأعتقها‏.‏ ثم أنكحها زيد بن حارثة‏.‏ ثم توفيت بعد ما توفي رسول الله صلى الله عليه وسلم بخمسة أشهر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏العقار‏)‏ أراد بالعقار، هنا، النخل‏.‏ قال الزجاج‏:‏ العقار كل ما له أصل‏.‏ قال‏:‏ وقيل إن النخل، خاصة، يقال له العقار‏.‏

‏(‏عذاقا‏)‏ جمع عذق‏.‏ وهي النخلة‏.‏ ككلب وكلاب وبئر وبئار‏.‏

‏(‏منائحهم‏)‏ جمع منيحة‏.‏ والمنيحة هي المنحة‏]‏‏.‏

71 – ‏(‏1771‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وحامد بن عمر البكراوي ومحمد بن عبدالأعلى القيسي‏.‏ كلهم عن المعتمر ‏(‏واللفظ لابن أبي شيبة‏)‏‏.‏ حدثنا معتمر بن سليمان التيمي عن أبيه، عن أنس؛

أن رجلا ‏(‏وقال حامد وابن عبدالأعلى‏:‏ أن الرجل‏)‏ كان يجعل للنبي صلى الله عليه وسلم النخلات من أرضه‏.‏ حتى فتحت عليه قريظة والنضير، فجعل، بعد ذلك، يرد عليه ما كان أعطاه‏.‏

قال أنس‏:‏ وإن أهلي أمروني أن آتي النبي صلى الله عليه وسلم فأسأله ما كان أهله أعطوه أو بعضه‏.‏ وكان نبي الله صلى الله عليه وسلم قد أعطاه أم أيمن‏.‏ فأتيت النبي صلى الله عليه وسلم فأعطانيهن‏.‏ فجاءت أم أيمن فجعلت الثوب في عنقي وقالت‏:‏ والله‏!‏ لا نعطيكاهن وقد أعطانيهن‏.‏ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏يا أم أيمن‏!‏ اتركيه ولك كذا وكذا‏)‏ وتقول‏:‏ كلا‏.‏ والذي لا إله إلا هو‏!‏ فجعل يقول كذا حتى أعطاها عشرة أمثاله، أو قريبا من عشرة أمثاله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نعطيكاهن‏)‏ هكذا هو في معظم النسخ‏:‏ نعطيكاهن، بالألف بعد الكاف‏.‏ وهو صحيح‏.‏ فكأنه أشبع فتح الكاف فتولدت منها ألف‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ والله، ما نعطاكهن‏.‏ وفي بعضها‏:‏ لا نعطيكهن‏]‏‏.‏

*3*25 – باب جواز الأكل من طعام الغنيمة في دار الحرب

72 – ‏(‏1772‏)‏ حدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا سليمان ‏(‏يعني ابن المغيرة‏)‏‏.‏ حدثنا حميد بن هلال عن عبدالله بن مغفل، قال‏:‏

أصبت جرابا من شحم، يوم خيبر‏.‏ قال‏:‏ فالتزمته‏.‏ فقلت‏:‏ لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا‏.‏ قال‏:‏ فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم متبسما‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جرابا‏)‏ بكسر الجيم وفتحها‏.‏ لغتان‏.‏ الكسر أفصح وأشهر‏.‏ وهو وعاء من جلد‏]‏‏.‏

73 – ‏(‏1772‏)‏ حدثنا محمد بن بشار العبدي‏.‏ حدثنا بهز بن أسد‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ حدثني حميد بن هلال قال‏:‏ سمعت عبدالله بن مغفل يقول‏:‏

رمي إلينا جراب فيه طعام وشحم، يوم خيبر‏.‏ فوثبت لآخذه‏.‏ قال‏:‏ فالتفت فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فاستحييت منه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فاستحييت منه‏)‏ يعني لما رآه من حرصه على أخذه‏.‏ أو لقوله‏:‏ لا أعطي اليوم أحدا من هذا شيئا‏]‏‏.‏

‏(‏1772‏)‏ – وحدثناه محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا أبو داود‏.‏ حدثنا شعبة، بهذا الإسناد‏.‏ غير أنه قال‏:‏ جراب من شحم، ولم يذكر الطعام‏.‏

*3*26 – باب كتاب النبي صلى الله عليه وسلم إلى هرقل يدعوه إلى الإسلام

74 – ‏(‏1773‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وابن أبي عمر ومحمد ابن رافع وعبد بن حميد ‏(‏واللفظ لابن رافع‏)‏ ‏(‏قال ابن رافع وابن أبي عمر‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏)‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن عبيدالله بن عبدالله بن عتبة، عن ابن عباس؛ أن أبا سفيان أخبره، من فيه إلى فيه‏.‏ قال‏:‏

انطلقت في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ فبينا أنا بالشأم، إذ جيء بكتاب من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى هرقل‏:‏ يعني عظيم الروم‏.‏ قال‏:‏ وكان دحية الكلبي جاء به‏.‏ فدفعه إلى عظيم بصرى‏.‏ فدفعه عظيم بصرى إلى هرقل‏.‏ فقال هرقل‏:‏ هل ها هنا أحد من قوم هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فدعيت في نفر من قريش‏.‏ فدخلنا على هرقل‏.‏ فأجلسنا بين يديه‏.‏ فقال‏:‏ أيكم أقرب نسبا من هذا الرجل الذي يزعم أنه نبي‏؟‏ فقال أبو سفيان‏:‏ فقلت‏:‏ أنا‏.‏ فأجلسوني بين يديه‏.‏ وأجلسوا أصحابي خلفي‏.‏ ثم دعا بترجمانه فقال له‏:‏ قل لهم‏:‏ إني سائل هذا عن الرجل الذي يزعم أنه نبي‏.‏ فإن كذبني فكذبوه‏.‏ قال‏:‏ فقال أبو سفيان‏:‏ وايم الله‏!‏ لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب لكذبت‏.‏ ثم قال لترجمانه‏:‏ سله‏.‏ كيف حسبه فيكم‏؟‏ قال قلت‏:‏ هو فينا ذو حسب‏.‏ قال‏:‏ فهل كان من آبائه ملك‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ ومن يتبعه‏؟‏ أشراف الناس أم ضعفائهم‏؟‏ قال قلت‏:‏ بل ضعفائهم‏.‏ قال‏:‏ أيزيدون أن ينقصون‏؟‏ قال قلت‏:‏ لا‏.‏ بل يزيدون‏.‏ قال‏:‏ هل يرتد أحد منهم عن دينه، بعد أن يدخل فيه، سخطة له‏؟‏ قال قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ فهل قاتلتموه‏؟‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ فكيف كان قتالكم إياه‏؟‏ قال قلت‏:‏ تكون الحرب بيننا وبينه سجالا‏.‏ يصيب منا ونصيب منه‏.‏ قال‏:‏ فهل يغدر‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ ونحن منه في مدة لا ندري ما هو صانع فيها‏.‏

قال‏:‏ فوالله‏!‏ ما أمكنني من كلمة أدخل فيها شيئا غير هذه‏.‏

قال‏:‏ فهل قال هذا القول أحد قبله‏؟‏ قال قلت‏:‏ لا‏.‏ قال لترجمانه‏:‏ قل له‏:‏ إني سألتك عن حسبه فزعمت أنه فيكم ذو حسب‏.‏ وكذلك الرسل تبعث في أحساب قومها‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كان في آبائه ملك‏؟‏ فزعمت أن لا‏.‏ فقلت‏:‏ لو كان من آبائه ملك قلت رجل يطلب ملك آبائه‏.‏ وسألتك عن أتباعه، أضعفاؤهم أم أشرافهم‏؟‏ فقلت‏:‏ بل ضعفاؤهم‏.‏ وهم أتباع الرسل‏.‏ وسألتك‏:‏ هل كنتم تتهمونه بالكذب قبل أن يقول ما قال‏؟‏ فزعمت أن لا‏.‏ فقد عرفت أنه لم يكن ليدع الكذب على الناس ثم يذهب فيكذب على الله‏.‏ وسألتك‏:‏ هل يرتد أحد منهم عن دينه بعد أن يدخله سخطة له‏؟‏ فزعمت أن لا‏.‏ وكذلك الإيمان إذا خالط بشاشة القلوب‏.‏ وسألتك‏:‏ هل يزيدون أو ينقصون‏؟‏ فزعمت أنهم يزيدون‏.‏ وكذلك الإيمان حتى يتم‏.‏ وسألتك‏:‏ هل قاتلتموه‏؟‏ فزعمت أنكم قد قاتلتموه‏.‏ فتكون الحرب بينكم وبينه سجالا‏.‏ ينال منكم وتنالون منه‏.‏ وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة‏.‏ وسألتك‏:‏ هل يغدر‏؟‏ فزعمت أنه لا يغدر‏.‏ وكذلك الرسل لا تغدر‏.‏ وسألتك‏:‏ هل قال هذا القول أحد قبله‏؟‏ فزعمت أن لا‏.‏ فقلت‏:‏ لو قال هذا القول أحد قبله، قلت رجل ائتم بقول قيل قبله‏.‏ قال‏:‏ ثم قال‏:‏ بم يأمركم‏؟‏ قلت‏:‏ يأمرنا بالصلاة والزكاة والصلة والعفاف‏.‏ قال‏:‏ إن يكن ما تقول فيه حقا، فإنه نبي‏.‏ وقد كنت أعلم أنه خارج‏.‏ ولم أكن أظنه منكم‏.‏ ولو أني أعلم أني أخلص إليه، لأحببت لقاءه‏.‏ ولو كنت عنده لغسلت عن قدميه‏.‏ وليبلغن ملكه ما تحت قدمي‏.‏

قال‏:‏ ثم دعا بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم فقرأه‏.‏ فإذا فيه ‏(‏بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ من محمد رسول الله إلى هرقل عظيم الروم‏.‏ سلام على من اتبع الهدى‏.‏ أما بعد‏.‏ فإني أدعوك بدعاية الإسلام‏.‏ أسلم تسلم‏.‏ وأسلم يؤتك الله أجرك مرتين‏.‏ وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين‏.‏ ‏{‏ويا أهل الكتاب تعالوا إلى كلمة سواء بيننا وبينكم أن لا نعبد إلى الله ولا نشرك به شيئا ولا يتخذ بعضنا بعضا أربابا من دون الله فإن تولوا فقولوا اشهدوا بأنا مسلمون‏}‏‏.‏ ‏[‏3 / آل عمران/ الآية 64‏]‏ فلما فرغ من قراءة الكتاب ارتفعت الأصوات عنده وكثر اللغط‏.‏ وأمر بنا فأخرجنا‏.‏ قال‏:‏ فقلت لأصحابي حين خرجنا‏:‏ لقد أمر أمر ابن أبي كبشة‏.‏ إنه ليخافه ملك بني الأصفر‏.‏ قال‏:‏ فما زلت موقنا بأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه سيظهر، حتى أدخل الله على الإسلام‏.‏

‏[‏ش ‏(‏في المدة التي كانت بيني وبين رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ يعني الصلح يوم الحديبية‏.‏ وكانت الحديبية في أواخر سنة ست من الهجرة‏.‏

‏(‏دحية‏)‏ هو بكسر الدال وفتحها‏.‏ لغتان مشهورتان‏.‏ اختلف في الراجحة منهما‏.‏ وادعى ابن السكيت أنه بالكسر لا غير‏.‏ وأبو حاتم السجستاني، أنه بالفتح لا غير‏.‏

‏(‏عظيم بصرى‏)‏ هي مدينة حوران‏.‏ ذات قلعة وأعمال قريبة من طرف البرية التي بين الشام والحجاز‏.‏ والمراد بعظيم بصرى، أميرها‏.‏

‏(‏بترجمانه‏)‏ هو بضم التاء وفتحها‏.‏ والفتح أفصح‏.‏ وهو المعبر عن لغة بلغة أخرى‏.‏ والتاء فيه أصلية‏.‏ وأنكروا على الجوهري كونه جعلها زائدة‏.‏

‏(‏لولا مخافة أن يؤثر علي الكذب‏)‏ معناه‏:‏ لولا خفت أن رفقتي ينقلون عني الكذب إلى قومي، ويتحدثون به في بلادي، لكذبت عليه‏.‏ لبغضي إياه ومحبتي نقصه‏.‏ وفي هذا بيان أن الكذب قبيح في الجاهلية‏.‏ كما هو قبيح في الإسلام‏.‏

‏(‏أشراف الناس‏)‏ يعني بأشرافهم، كبارهم وأهل الاحساب فيهم‏.‏ فيه إسقاط همزة الاستفهام‏.‏

‏(‏سجالا‏)‏ أي نوبا‏.‏ نوبة لنا ونوبة له‏.‏ قالوا‏.‏ وأصله أن المستقيين بالسجل، وهي الدلو الملأى، يكون لكل واحد منهما سجل‏.‏

‏(‏بشاشة القلوب‏)‏ يعني انشراح الصدور‏.‏ وأصلها اللطف بالإنسان عند قدومه وإظهار السرور برؤيته‏.‏ يقال‏:‏ بش به وتبشبش‏.‏

‏(‏وكذلك الرسل تبتلى ثم تكون لهم العاقبة‏)‏ معناه يبتليهم الله بذلك ليعظم أجرهم بكثرة صبرهم، وبذلهم وسعهم في طاعة الله تعالى‏.‏

‏(‏والصلة والعفاف‏)‏ أما الصلة فصلة الأرحام وكل ما أمر الله به أن يوصل‏.‏ وذلك بالبر والإكرام وحسن المراعاة‏.‏ وأما العفاف فالكف عن المحارم وخوارم المروءة‏.‏ قال صاحب المحكم‏:‏ العفة الكف عما لا يحل ولا يحمد‏.‏ يقال‏:‏ عف يعف عفة وعفافا وعفافة‏.‏ وتعفف واستعف‏.‏ ورجل عف وعفيف‏.‏ والأنثى عفيفة‏.‏ وجمع العفيف أعفة وأعفاء‏.‏

‏(‏بكتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ في هذا الكتاب جمل من القواعد وأنواع من الفوائد‏.‏ منها‏:‏ دعاء الكفار إلى الإسلام قبل قتالهم‏.‏ وهذا الدعاء واجب‏.‏ والقتال قبله حرام إن لم تكن بلغتهم دعوة الإسلام‏.‏ ومنها استحباب تصدير الكتاب ببسم الله الرحمن الرحيم وإن كان المبعوث إليه كافرا‏.‏ ومنها التوقي في الكتابة واستعمال الورع فيها، فلا يفرط ولا يفرط‏.‏ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ إلى هرقل عظيم الروم، ولم يقل‏:‏ ملك الروم، لأنه لا ملك له ولا لغيره إلا بحكم دين الإسلام‏.‏ ولم يقل‏:‏ إلى هرقل فقط‏.‏ بل أتى بنوع من الملاطفة فقال‏:‏ عظيم الروم، أي الذي يعظمونه ويقدمونه‏.‏ وقد أمر الله تعالى بالإنة القول لمن يدعى إلى الإسلام‏.‏ فقال تعالى‏:‏ ‏{‏ادع إلى سبيل ربك بالحكمة والموعظة الحسنة‏}‏‏.‏ وقال تعالى‏:‏ ‏{‏فقولا له قولا لينا‏}‏‏.‏ ومنها استحباب البلاغة والإيجاز وتحري الألفاظ الجزلة في المكاتبة‏.‏ ومنها البيان الواضح أن من كان سببا لضلالة، أو سبب منع من هداية كان آثما‏.‏ لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ وإن توليت فإن عليك إثم الأريسيين‏.‏ ومنها استحباب أما بعد في الخطب والمكاتبات‏.‏

‏(‏بدعاية الإسلام‏)‏ أي بدعوته، وهي كلمة التوحيد‏.‏ وقال في الرواية الأخرى‏:‏ أدعوك بداعية الإسلام وهي بمعنى الأولى‏.‏ ومعناها الكلمة الداعية إلى الإسلام‏.‏ قال القاضي‏:‏ ويجوز أن تكون داعية هنا بمعنى دعوة، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس لها من دون الله كاشفة‏}‏‏.‏ أي كشف‏.‏

‏(‏الأريسيين‏)‏ هكذا وقع في هذه الرواية الأولى في مسلم‏:‏ الأريسيين‏.‏ وهو الأشهر في روايات الحديث وفي كتب أهل اللغة‏.‏ وعلى هذا اختلف في ضبطه على أوجه‏:‏ أحدها بياءين بعد السين‏.‏ والثاني بياء واحدة بعد السين‏.‏ وعلى هذين الوجهين الهمزة مفتوحة والراء مكسورة مخففة‏.‏ والثالث‏:‏ الإريسين، بكسر الهمزة وتشديد الراء وبياء واحدة بعد السين‏.‏ ووقع في الرواية الثانية في مسلم، وفي أول صحيح البخاري‏:‏ إثم اليريسيين، بياء مفتوحة في قوله وبياءين بعد السين‏.‏ واختلفوا في المراد بهم على أقوال‏:‏ أصحها وأشهرها أنهم الأكارون، أي الفلاحون والزراعون‏.‏ ومعناه إن عليك إثم رعاياك الذين يتبعونك وينقادون بانقيادك‏.‏ ونبه بهؤلاء على جميع الرعايا لأنهم الأغلب، ولأنهم أسرع انقيادا‏.‏ فإذا أسلم أسلموا، وإذا امتنع امتنعوا‏.‏ وهذا القول هو الصحيح‏.‏ الثاني أنهم اليهود والنصارى، وهم أتباع عبدالله بن أريس الذي تنسب إليه الأروسية من النصارى، ولهم مقالة في كتب المقالات‏.‏ ويقال لهم‏:‏ الأروسيون‏.‏ الثالث أنهم الملوك الذين يقودون الناس إلى المذاهب الفاسدة ويأمرونهم بها‏.‏

‏(‏اللغط‏)‏ هو بفتح الغين وإسكانها، وهي الأصوات المختلطة‏.‏

‏(‏لقد أمر أمر ابن أبي كبشة‏)‏ أما أمر بفتح الهمزة وكسر الميم، أي عظم‏.‏ وأما قوله‏:‏ ابن أبي كبشة، فقيل‏:‏ هو رجل من خزاعة كان يعبد الشعرى، ولم يوافقه أحد من العرب في عبادتها‏.‏ فشبهوا النبي صلى الله عليه وسلم به لمخالفتهم إياهم في دينهم، كما خالفهم أبو كبشة‏.‏

‏(‏بني الأصفر‏)‏ بنو الأصفر هم الروم‏]‏‏.‏

‏(‏1773‏)‏ – وحدثناه حسن الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يعقوب ‏(‏وهو ابن إبراهيم بن سعد‏)‏‏.‏ حدثنا أبي عن صالح، عن ابن شهاب، بهذا الإسناد‏.‏ وزاد في الحديث‏:‏ وكان قيصر لما كشف الله عنه جنود فارس مشى من حمص إلى إيلياء‏.‏ شكرا لما أبلاه الله‏.‏ وقال في الحديث‏:‏ ‏(‏من محمد عبد الله ورسوله‏)‏‏.‏ وقال ‏(‏إثم اليريسيين‏)‏‏.‏ وقال ‏(‏بداعية الإسلام‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مشى من حمص إلى إيلياء‏)‏ أما حمص فغير مصروفة، لأنها مؤنثة، علم، عجمية‏.‏ وأما إيلياء فهو بيت المقدس‏.‏ وفيه ثلاث لغات‏:‏ أشهرها إيلياء، بكسر الهمزة واللام، وإسكان اليا، بينهما، وبالمد‏.‏ والثانية كذلك إلا أنها بالقصر‏.‏ والثالثة‏:‏ إلياء‏.‏ بحذف الياء الأولى وإسكان اللام وبالمد‏.‏ حكاهن صاحب المطالع وآخرون‏]‏‏.‏

*3*27 – باب كتب النبي صلى الله عليه وسلم إلى ملوك الكفار يدعوهم إلى الله عز وجل

75 – ‏(‏1774‏)‏ حدثني يوسف بن حماد المعني حدثنا عبدالأعلى عن سعيد، عن قتادة، عن أنس؛

أن نبي الله صلى الله عليه وسلم كتب إلى كسرى، وإلى قيصر، وإلى النجاشي، وإلى كل جبار، يدعوهم إلى الله تعالى‏.‏ وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كسرى‏)‏ بفتح الكاف وكسرها‏.‏ وهو لقب لكل من ملك من ملوك الفرس‏.‏

‏(‏قيصر‏)‏ لقب من ملك الروم‏.‏

‏(‏النجاشي‏)‏ لقب لكل من ملك الحبشة‏]‏‏.‏

‏(‏1774‏)‏ – وحدثناه محمد بن عبدالله الرزي‏.‏ حدثنا عبدالوهاب بن عطاء عن سعيد، عن قتادة‏.‏ حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله‏.‏ ولم يقل‏:‏ وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

2 م – ‏(‏1774‏)‏ وحدثنيه نصر بن علي الجهضمي‏.‏ أخبرني أبي‏.‏ حدثني خالد بن قيس عن قتادة، عن أنس‏.‏ ولم يذكر‏:‏ وليس بالنجاشي الذي صلى عليه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

*3*28 – باب في غزوة حنين

76 – ‏(‏1775‏)‏ وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ قال‏:‏ حدثني كثير بن عباس بن عبدالمطلب‏.‏ قال‏:‏ قال عباس‏:‏

شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين‏.‏ فلزمت أنا وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلم نفارقه‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلة له، بيضاء‏.‏ أهداها له فروة بن نفاثة الجذامى‏.‏ فلما التقى المسلمون والكفار، ولى المسلمون مدبرين‏.‏ فطفق رسول الله صلى الله عليه وسلم يركض على بغلته قبل الكفار‏.‏ قال عباس‏:‏ وأنا آخذ بلجام بغلة رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ أكفها إرادة أن لا تسرع‏.‏ وأبو سفيان آخذ بركاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أي عباس‏!‏ ناد أصحاب السمرة‏)‏‏.‏ فقال عباس ‏(‏وكان رجلا صيتا‏)‏‏:‏ فقلت بأعلى صوتي‏:‏ أين أصحاب السمرة‏؟‏ قال‏:‏ فوالله‏!‏ لكأن عطفتهم، حين سمعوا صوتي، عطفة البقر على أولادها‏.‏ فقالوا‏:‏ يا لبيك‏!‏ يا لبيك‏!‏ قال‏:‏ فاقتتلوا والكفار‏.‏ والدعوة في الأنصار‏.‏ يقولون‏:‏ يا معشر الأنصار‏!‏ يا معشر الأنصار‏!‏ قال‏:‏ ثم قصرت الدعوة على بني الحارث بن الخزرج‏.‏ فقالوا‏:‏ يا نبي الحارث بن الخزرج‏!‏ يا بني الحارث بن الخزرج‏!‏ فنظر رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على بغلته، كالمتطاول عليها، إلى قتالهم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏هذا حين حمي الوطيس‏)‏‏.‏ قال‏:‏ ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم حصيات فرمى بهن وجوه الكفار‏.‏ ثم قال ‏(‏انهزموا‏.‏ ورب محمد‏!‏‏)‏ قال‏:‏ فذهبت أنظر فإذا القتال على هيئته فيما أرى‏.‏ قال‏:‏ فوالله‏!‏ ما هو إلا أن رماهم بحصياته‏.‏ فما زلت أرى حدهم كليلا وأمرهم مدبرا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏حنين‏)‏ واد بين مكة والطائف، وراء عرفات، بينه وبين مكة بضعة عشر ميلا‏.‏ وهو مصروف كما جاء به القرآن العزيز‏.‏

‏(‏أبو سفيان بن الحارث‏)‏ أبو سفيان هذا هو ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال جماعة من العلماء‏:‏ اسمه هو كنيته‏.‏ وقال آخرون‏:‏ اسمه المغيرة‏.‏

‏(‏على بغلة له بيضاء‏)‏ كذا قال في هذه الرواية ورواية أخرى بعدها إنها بغلة بيضاء‏.‏ وقال في آخر الباب على بغلته الشهباء‏.‏ وهي واحدة‏.‏ قال العلماء‏:‏ لا يعرف له صلى الله عليه وسلم بغلة سواها، وهي التي يقال لها‏:‏ دلدل‏.‏

‏(‏يركض بغلته‏)‏ أي يضربها برجله الشريفة على كبدها لتسرع‏.‏

‏(‏أصحاب السمرة‏)‏ هي الشجرة التي بايعوا تحتها بيعة الرضوان‏.‏ ومعناه‏:‏ ناد أهل بيعة الرضوان يوم الحديبية‏.‏

‏(‏صيتا‏)‏ أي قوي الصوت‏.‏ ذكر الحازمي في المؤتلف أن العباس رضي الله تعالى عنه كان يقف على سلع فينادي غلمانه في آخر الليل، وهم في الغابة، فيسمعهم‏.‏ قال‏:‏ وبين سلع وبين الغابة ثمانية أميال‏.‏

‏(‏لكأن عطفتهم حين سمعوا صوتي عطفة البقر على أولادها‏)‏ أي عودهم لمكانتهم وإقبالهم إليه صلى الله عليه وسلم عطفة البقر على أولادها‏.‏ أي كان فيها انجذاب مثل ما في الأمات حين حنت على الأولاد‏.‏

قال النووي‏:‏ قال العلماء‏:‏ في هذا الحديث دليل على أن فرارهم لم يكن بعيدا‏.‏ وأنه لم يحصل الفرار من جميعهم، وإنما فتحه عليهم من في قلبه مرض من مسلمة أهل مكة المؤلفة ومشركيها الذين لم يكونوا أسلموا‏.‏ وإنما كانت هزيمتهم فجأة لانصبابهم عليهم دفعة واحدة، ورشقهم بالسهام‏.‏ ولا ختلاط أهل مكة معهم ممن لم يستقر الإيمان في قلبه وممن يتربص بالمسلمين الدوائر‏.‏ وفيهم نساء وصبيان خرجوا للغنيمة، فتقدم أخفاؤهم‏.‏ فلما رشقوهم بالنبل ولوا فانقلبت أولاهم على أخراهم‏.‏ إلى أن أنزل الله سكينته على المؤمنين، كما ذكر الله تعالى في القرآن‏.‏

‏(‏والكفار‏)‏ هكذا هو في النسخ، وهو بنصب الكفار‏.‏ أي مع الكفار‏.‏

‏(‏والدعوة في الأنصار‏)‏ هي بفتح الدال‏.‏ يعني الاستغاثة والمنادة إليهم‏.‏

‏(‏هذا حين حمي الوطيس‏)‏ قال الأكثرون‏:‏ هو شبه تنور يسجر فيه‏.‏ ويضرب مثلا لشدة الحرب التي يشبه حرها حره‏.‏ وقد قال آخرون‏:‏ الوطيس هو التنور نفسه‏.‏ وقال ا لأصمعي‏:‏ هي حجارة مدورة، إذا حميت لم يقدر أحد أن يطأ عليها، فيقال‏:‏ الآن حمي الوطيس‏.‏ وقيل‏:‏ هو الضرب في الحرب‏.‏ وقيل‏:‏ هو الحرب الذي يطيس الناس، أي يدقهم‏.‏ قالوا‏:‏ وهذه اللفظة من فصيح الكلام وبديعه الذي لم يسمع من أحد قبل النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏(‏فما زلت أرى حدهم كليلا‏)‏ أي ما زلت أرى قوتهم ضعيفة‏]‏‏.‏

77 – ‏(‏1775‏)‏ وحدثناه إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع وعبد بن حميد‏.‏ جميعا عن عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏ غير أنه قال‏:‏ فروة بن نعامة الجذامي‏.‏ وقال ‏(‏انهزموا‏.‏ ورب الكعبة‏!‏ انهزموا‏.‏ ورب الكعبة‏!‏‏)‏ وزاد في الحديث‏:‏ حتى هزمهم الله‏.‏

قال‏:‏ وكأني أنظر إلى النبي صلى الله عليه وسلم يركض خلفهم على بغلته‏.‏

‏(‏1775‏)‏ – وحدثناه ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن الزهري‏.‏ قال‏:‏ أخبرني كثير بن العباس عن أبيه‏.‏ قال‏:‏ كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم يوم حنين‏.‏ وساق الحديث‏.‏ غير أن حديث يونس وحديث معمر أكثر منه وأتم‏.‏

78 – ‏(‏1776‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا أبو خيثمة عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ قال رجل للبراء‏:‏

يا أبا عمارة‏!‏ أفررتم يوم حنين‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ والله‏!‏ ما ولى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولكنه خرج شبان أصحابه وأخفاؤهم حسرا ليس عليهم سلاح، أو كثير سلاح فلقوا قوما رماة لا يكاد يسقط لهم سهم‏.‏ جمع هوازن وبني نصر‏.‏ فرشقوهم رشقا ما يكادون يخطئون‏.‏ فقبلوا هناك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء‏.‏ وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطلب يقود به‏.‏ فنزل فاستنصر‏.‏ وقال‏:‏

‏(‏أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب‏)‏‏.‏

ثم صفهم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏شبان أصحابه‏)‏ جمع شاب‏.‏ كواحد ووحدان‏.‏

‏(‏وأخفاؤهم‏)‏ جمع خفيف‏.‏ كطبيب وأطباء‏.‏ وهم المسارعون المستعجلون‏.‏

‏(‏حسرا‏)‏ جمع حاسر‏.‏ كساجد وسجد‏.‏ أي بغير دروع‏.‏ وقد فسره بقوله‏:‏ ليس عليهم سلاح‏.‏ والحاسر من لا درع له ولا مغفر‏.‏

‏(‏لا يكاد يسقط لهم سهم‏)‏ يعني أنهم رماة مهرة، تصل سهامهم إلى أغراضهم، كما قال‏:‏ ما يكادون يخطئون‏.‏

‏(‏فرشقوهم رشقا‏)‏ هو بفتح الراء‏.‏ وهو مصدر‏.‏ وأما الرشق بالكر فهو اسم للسهام التي ترميها الجماعة دفعة واحدة‏.‏ وضبط القاضي الرواية هنا بالكسر‏.‏ وضبط غيره بالفتح، وهو الأجود‏.‏ وإن كانا جيدين‏.‏ وأما قوله في الرواية التي بعد هذه‏:‏ فرموه برشق من نبل، فهو بالكسر لا غير‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ رشقه يرشقه وأرشقه‏.‏ ثلاثي ورباعي‏.‏ والثلاثي أشهر وأفصح‏.‏

‏(‏فاستنصر‏)‏ أي طلب من الله تعالى النصرة، ودعا بقوله‏:‏ اللهم‏!‏ نزل نصرك‏.‏

‏(‏أنا النبي لا كذب‏)‏ أي أنا النبي حقا، فلا أفر ولا أزول‏]‏‏.‏

79 – ‏(‏1776‏)‏ حدثنا أحمد بن جناب المصيصي‏.‏ حدثنا عيسى بن يونس عن زكرياء، عن أبي إسحاق، قال‏:‏

جاء رجل إلى البراء‏.‏ فقال‏:‏ أكنتم وليتم يوم حنين‏؟‏ يا أبا عمارة‏!‏ فقال‏:‏ أشهد على نبي الله صلى الله عليه وسلم ما ولى‏.‏ ولكنه انطلق أخفاء من الناس، وحسر إلى هذا الحي من هوازن‏.‏ وهم قوم رماة‏.‏ فرموهم برشق من نبل‏.‏ كأنها رجل من جراد‏.‏ فانكشفوا‏.‏ فأقبل القوم إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأبو سفيان بن الحارث يقود به بغلته‏.‏ فنزل، ودعا، واستنصر، وهو يقول‏:‏

‏(‏أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب

اللهم ‏!‏ نزل نصرك‏)‏

قال البراء‏:‏ كنا، والله‏!‏ إذا احمر البأس نتقي به‏.‏ وإن الشجاع منا للذي يحاذى به‏.‏ يعني النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كأنها رجل من جراد‏)‏ يعني كأنها قطعة من جراد‏.‏ قال في النهاية‏.‏ الرجل، بالكسر، الجراد الكثير‏.‏

‏(‏فانكشفوا‏)‏ أي انهزموا وفارقوا مواضعهم وكشفوها‏.‏

‏(‏إذا احمر البأس‏)‏ احمرار البأس‏:‏ كناية عن شدة الحرب، واستعير ذلك لحمرة الدماء الحاصلة فيها في العادة، أو لاستعار الحرب واشتعالها كاحمرار الجمر‏]‏‏.‏

80 – ‏(‏1776‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار ‏(‏واللفظ لابن المثنى‏)‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن حعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ سمعت البراء‏.‏ وسأله رجل من قيس‏:‏

أفررتم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم حنين‏؟‏ فقال البراء‏:‏ ولكن رسول الله صلى الله عليه وسلم لم يفر‏.‏ وكانت هوازن يومئذ رماة‏.‏ وإنا لما حملنا عليهم انكشفوا‏.‏ فأكببنا على الغنائم‏.‏ فاستقبلونا بالسهام‏.‏ ولقد رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم على بغلته البيضاء‏.‏ وإن أبا سفيان ابن الحارث آخذ بلجامها، وهو يقول‏:‏

‏(‏أنا النبي لا كذب * أنا ابن عبدالمطلب‏)‏

‏[‏ش ‏(‏فأكببنا على الغنائم‏)‏ أي جعلنا وجوهنا مكبوبة عليها، لا تلوي على شيء سواها‏]‏‏.‏

‏(‏1776‏)‏ – وحدثني زهير بن حرب ومحمد بن المثنى وأبو بكر بن خلاد‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا يحيى بن سعيد عن سفيان‏.‏ قال‏:‏ حدثني أبو إسحاق عن البراء‏.‏ قال‏:‏ قال له رجل‏:‏ يا أبا عمارة‏!‏ فذكر الحديث‏.‏ وهو أقل من حديثهم‏.‏ وهؤلاء أتم حديثا‏.‏

81 – ‏(‏1777‏)‏ وحدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عمر بن يونس الحنفي‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثني إياس بن سلمة‏.‏ حدثني أبي‏.‏ قال‏:‏

غزونا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم حنينا‏.‏ فلما واجهنا العدو تقدمت‏.‏ فأعلو ثنية‏.‏ فاستقبلني رجل من العدو‏.‏ فأميه بسهم‏.‏ فتوارى عني‏.‏ فلما دريت ما صنع‏.‏ ونظرت إلى القوم فإذا هم قد طلعوا من ثنية أخرى‏.‏ فالتقوا هم وصحابة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فولى صحابة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأرجع منهزما‏.‏ وعلى بردتان‏.‏ متزرا بإحداهما‏.‏ مرتديا بالأخرى‏.‏ فاستطلق إزاري‏.‏ فجمعتهما جميعا‏.‏ ومررت، على رسول الله صلى الله عليه وسلم، منهزما‏.‏ وهو على بغلته الشهباء‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏لقد رأى ابن الأكوع فزعا‏)‏ فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم نزل عن البغلة، ثم قبض قبضة من تراب من الأرض‏.‏ ثم استقبل به وجوههم‏.‏ فقال ‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ فما خلف الله منهم إنسانا إلا ملأ عينيه ترابا، بتلك القبضة‏.‏ فولوا مدبرين‏.‏ فهزمهم الله عز وجل‏.‏ وقسم رسول الله صلى الله عليه وسلم غنائمهم بين المسلمين‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فاستطلق إزاري‏)‏ أي انحل لاستعجالي‏.‏

‏(‏منهزما‏)‏ قال العلماء‏:‏ قوله منهزما؛ حال من ابن الأكوع، كما صرح أولا بانهزامه، ولم يرد أن النبي صلى الله عليه وسلم انهزم‏.‏ وقد قالت الصحابة كلهم رضي الله عنهم‏:‏ إنه صلى الله عليه وسلم ما انهزم‏.‏ ولم ينقل أحد قط أنه انهزم صلى الله عليه وسلم في موطن من المواطن‏.‏ وقد نقلوا إجماع المسلمين على أنه لا يجوز أن يعتقد انهزامه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز ذلك عليه‏.‏

‏(‏فلما غشوا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ أي أتوه من كل جانب‏.‏

‏(‏شاهت الوجوه‏)‏ أي قبحت‏]‏‏.‏

*3*29 – باب غزوة الطائف

82 – ‏(‏1778‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وابن نمير‏.‏ جميعا عن سفيان‏.‏ قال زهير‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن عمرو، عن أبي العباس الشاعر الأعمى، عن عبدالله بن عمرو‏.‏ قال‏:‏

حاصر رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الطائف‏.‏ فلم ينل منهم شيئا‏.‏ فقال ‏(‏إنا قافلون، إن شاء الله‏)‏ قال أصحابه‏:‏ نرجع ولم نفتتحه‏!‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏اغدوا على القتال‏)‏ فغدوا عليه فأصابهم جراح‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إنا قافلون غدا‏)‏ قال‏:‏ فأعجبهم ذلك‏.‏ فضحك رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عبدالله بن عمرو‏)‏ هكذا هو في نسخ صحيح مسلم‏:‏ عن عبدالله ابن عمرو، وهو ابن عمرو بن العاص‏.‏ قال القاضي‏:‏ كذا هو في رواية الجلودي وأكثر أهل الأصول عن ابن هامان‏.‏ قال‏:‏ وقال لنا القاضي الشهيد أبو علي‏:‏ صوابه ابن عمر بن الخطاب رضي الله عنه‏.‏ كذا ذكره البخاري، وكذا صوبه الدارقطني‏.‏ وذكره أبو مسعود الدمشقي في الأطراف عن ابن عمر بن الخطاب مضافا إلى البخاري ومسلم‏.‏ وذكره الحميدي في الجمع بين الصحيحين في مسند ابن عمر‏.‏ ورواه الإمام أحمد ابن حنبل ‏(‏عن ابن عمر رقم 4588‏)‏ طبعة المعارف، بتحقيق شيخنا الشيخ أحمد شاكر‏.‏ وقلت أنا ‏(‏محمد فؤاد عبدالباقي‏)‏‏:‏ لقد أخرجته في كتابي، جامع مسانيد صحيح البخاري، في مسند عبدالله بن عمر بن الخطاب برقم 217‏.‏

وهذا الحديث أخرجه البخاري في‏:‏ 64 – كتاب المغازي، 56 – باب غزوة الطائف في شوال سنة ثمان‏.‏ وفي‏:‏ 78 – كتاب الأدب، 68 – باب التبسم والضحك‏.‏ وفي‏:‏ 97 – كتاب التوحيد، 31 – باب في المشيئة والإرادة‏]‏‏.‏

‏(‏فلم ينل منهم شيئا‏)‏ أي لم يصبهم بشيء من موجبات الفتح لمناعة حصنهم‏.‏ وكانوا، كما ذكره ابن حجر، قد أعدوا ما يكفيهم لحصار سنة‏.‏

‏(‏فقال‏:‏ إنا قافلون‏)‏ أي نحن راجعون إلى المدينة‏.‏ فثقل عليهم ذلك‏.‏ فقالوا‏:‏ نرجع غير فاتحين‏!‏‏.‏ فقال لهم صلى الله عليه وسلم‏:‏ اغدوا على القتال‏.‏ أي سيروا أول النهار لأجل القتال‏.‏ فغدوا فلم يفتح عليهم وأصيبوا بالجراح‏.‏ لأن أهل الحصن رموا عليهم من أعلى السور، فكانوا ينالون منهم بسهامهم، ولا تصل سهام المسلمين إليهم‏.‏ وذكر في الفتح‏:‏ أنهم رموا على المسلمين سكك الحديد المحماة‏.‏ فلما رأوا ذلك تبين لهم تصويب الرجوع‏.‏ فلما أعاد، صلى الله عليه وسلم، عليهم القول بالرجوع أعجبهم حينئذ‏.‏

وقال الإمام النووي رضي الله تعالى عنه‏:‏ معنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم قصد الشفقة على أصحابه والرفق بهم بالرحيل عن الطائف لصعوبة أمره، وشدة الكفار الذين فيه، وتقويتهم بحصنهم مع أنه صلى الله عليه وسلم علم أو رجا أنه سيفتحه بعد هذا، بلا مشقة كما جرى‏.‏ فلما رأى حرص أصحابه على المقام والجهاد أقام وجد في القتال‏.‏ فلما أصابتهم الجراح رجع إلى ما كان قصده أولا من الرفق بهم‏.‏ ففرحوا بذلك لما رأوا من المشقة الظاهرة‏.‏ ولعلهم نظروا فعلموا أن رأي النبي صلى الله عليه وسلم أبرك وأنفع وأحمد عاقبة وأصوب من رأيهم‏.‏ فوافقوا على الرحيل فرحوا‏.‏ فضحك النبي صلى الله عليه وسلم تعجبا من سرعة تغير رأيهم‏.‏

*3*30 – باب غزوة بدر

83 – ‏(‏1779‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عفان‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم شاور، حين بلغه إقبال أبي سفيان‏.‏ قال‏:‏ فتكلم أبو بكر فأعرض عنه‏.‏ ثم تكلم عمر فأعرض عنه‏.‏ فقام سعد ابن عبادة فقال‏:‏ إيانا تريد‏؟‏ يا رسول الله‏!‏ والذي نفسي بيده‏!‏ لو أمرتنا أن نخيضها البحر لأخضناها‏.‏ ولو أمرتنا أن نضرب أكبادها إلى برك الغماد لفعلنا‏.‏ قال‏:‏ فندب رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس‏.‏ فانطلقوا حتى نزلوا بدرا‏.‏ ووردت عليهم روايا قريش‏.‏ وفيهم غلام أسود لبني الحجاج‏.‏ فأخذوه‏.‏ فكان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألونه عن أبي سفيان وأصحابه‏؟‏ فيقول‏:‏ ما لي علمك بأبي سفيان‏.‏ ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف‏.‏ فإذا قال ذلك، ضربوه‏.‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ أنا أخبركم‏.‏ هذا أبو سفيان‏.‏ فإذا تركوه فسألوه فقال‏:‏ ما لي بأبي سفيان علم‏.‏ ولكن هذا أبو جهل وعتبة وشيبة وأمية بن خلف في الناس‏.‏ فإذا قال هذا أيضا ضربوه‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم يصلي‏.‏ فلما رأى ذلك انصرف‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏والذي نفسي بيده‏!‏ لتضربوه إذا صدقكم‏.‏ وتتركوه إذا كذبكم‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏هذا مصرع فلان‏)‏ قال‏:‏ ويضع يده على الأرض، ها هنا وها هنا‏.‏ قال‏:‏ فما أماط أحدهم عن موضع يد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏شاور‏)‏ قال العلماء‏:‏ إنما قصد صلى الله عليه وسلم اختيار الأنصار، لأنه لم يكن بايعهم على أن يخرجوا معه للقتال وطلب العدو وإنما بايعهم على أن يمنعوه ممن يقصده‏.‏ فلما عرض الخروج لعير أبي سفيان أراد أن يعلم أنهم يوافقون على ذلك، فأجابوه أحسن جواب بالموافقة التامة في هذه المرة وغيرها‏.‏

‏(‏إن نخيضها البحر لأخضناها‏)‏ يعني الخيل‏.‏ أي لو أمرتنا بإدخال خيولنا في البحر وتمشيتنا إياها فيه لفعلنا‏.‏

‏(‏أن نضرب أكبادها‏)‏ كناية عن ركضها‏.‏ فإن الفارس إذا أراد ركض مركوبه يحرك رجليه من جانبيه، ضاربا على موضع كبده‏.‏

‏(‏برك الغماد‏)‏ أما برك فهو بفتح الباء وإسكان الراء‏.‏ هذا هو المعروف المشهور في كتب الحديث وروايات المحدثين‏.‏ وكذا نقله القاصي عن رواية المحدثين‏.‏ وأما الغماد فبغين معجمة مكسورة ومضمومة لغتان مشهورتان‏.‏ لكن الكسر أفصح وهو المشهور في روايات المحدثين‏.‏ والضم هو المشهور في كتب اللغة‏.‏ وهو موضع من وراء مكة بخمس ليال بناحية الساحل‏.‏ وقيل‏:‏ بلدتان‏.‏ وقال القاضي وغيره‏:‏ هو موضع بأقاصي هجر‏.‏

‏(‏روايا قريش‏)‏ أي إبلهم التي كانوا يستقون عليها‏.‏ فهي الإبل الحوامل للماء‏.‏ واحدتها رواية‏.‏

‏(‏انصرف‏)‏ أي سلم من صلاته‏.‏

‏(‏لتضربوه‏.‏‏.‏ وتتركوه‏)‏ هكذا وقع في النسخ‏:‏ لتضربوه وتتركوه، بغير نون‏.‏ وهي لغة سبق بيانها مرات، أعني حذف النون بغير ناصب ولا جازم‏.‏

‏(‏فما ماط أحدهم‏)‏ أي تباعد‏]‏‏.‏

*3*31 – باب فتح مكة

84 – ‏(‏1780‏)‏ حدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا سليمان بن المغيرة‏.‏ حدثنا ثابت البناني عن عبدالله بن رباح، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏

وفدت وفود إلى معاوية‏.‏ وذلك في رمضان‏.‏ فكان يصنع بعضنا لبعض الطعام‏.‏ فكان أبو هريرة مما يكثر أن يدعونا إلى رحله‏.‏ فقلت‏:‏ ألا أصنع طعاما فأدعوهم إلى رحلي‏؟‏ فأمرت بطعام يصنع‏.‏ ثم لقيت أبا هريرة من العشي‏.‏ فقلت‏:‏ الدعوة عندي الليلة‏.‏ فقال‏:‏ سبقتني‏.‏ قلت‏:‏ نعم‏.‏ فدعوتهم‏.‏ فقال أبو هريرة‏:‏ ألا أعلمكم بحديث من حديثكم‏؟‏ يا معشر الأنصار‏!‏ ثم ذكر فتح مكة فقال‏:‏ أقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى قدم مكة‏.‏ فبعث الزبير على إحدى المجنبتين‏.‏ وبعث خالدا على المجنبة الأخرى‏.‏ وبعث أبا عبيدة على الحسر‏.‏ فأخذوا بطن الوادي‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم في كتيبة‏.‏ قال‏:‏ فنظر فرآني‏.‏ فقال ‏(‏أبو هريرة‏)‏ قلت‏:‏ لبيك‏.‏ يا رسول الله‏!‏ فقال ‏(‏لا يأتيني إلا أنصاري‏)‏‏.‏

زاد غير شيبان‏:‏ فقال ‏(‏اهتف لي بالأنصار‏)‏ قال‏:‏ فأطافوا به‏.‏ ووبشت قريش أوباشا لها وأتباعا‏.‏ فقالوا‏:‏ نقدم هؤلاء‏.‏ فإن كان لهم شيء كنا معهم‏.‏ وإن أصيبوا أعطينا الذي سئلنا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ترون إلى أوباش قريش وأتباعهم‏)‏ ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى‏.‏ ثم قال ‏(‏حتى توافوني بالصفا‏)‏ قال‏:‏ فانطلقنا‏.‏ فما شاء أحد منا أن يقتل أحدا إلا قتله‏.‏ وما أحد منهم يوجه إلينا شيئا‏.‏ قال‏:‏ فجاء أبو سفيان فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أبيحت خضراء قريش‏.‏ لا قريش بعد اليوم‏.‏ ثم قال ‏(‏من دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏)‏ فقالت الأنصار، بعضهم لبعض‏:‏ أما الرجل فأدركته رغبة في قريته، ورأفة بعشيرته‏.‏ قال أبو هريرة‏:‏ وجاء الوحي‏.‏ وكان إذا جاء الوحي لا يخفى علينا‏.‏ فإذا جاء فليس أحد يرفع طرفه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى ينقضي الوحي‏.‏ فلما انقضى الوحي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏يا معشر الأنصار‏!‏‏)‏ قالوا‏:‏ لبيك‏.‏ يا رسول الله‏!‏ قال ‏(‏قلتم‏:‏ أما الرجل فأدركته رغبة في قريته‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ قد كان ذاك‏.‏ قال ‏(‏كلا‏.‏ إني عبد الله ورسوله‏.‏ هاجرت إلى الله وإليكم‏.‏ والمحيا محياكم‏.‏ والممات مماتكم‏)‏‏.‏ فأقبلوا إليه يبكون ويقولون‏:‏ والله‏!‏ ما قلنا الذي قلنا إلا الضن بالله وبرسوله‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم‏)‏ قال‏:‏ فأقبل الناس إلى دار أبي سفيان‏.‏ وأغلق الناس أبوابهم‏.‏ قال‏:‏ وأقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أقبل الحجر‏.‏ فاستلمه‏.‏ ثم طاف بالبيت‏.‏ قال‏:‏ فأتى على صنم إلى جنب البيت كانوا يعبدونه‏.‏ قال‏:‏ وفي يد رسول الله صلى الله عليه وسلم قوس‏.‏ وهو آخذ بسية القوس‏.‏ فلما أتى على الصنم جعل يطعنه في عينه ويقول ‏(‏جاء الحق وزهق الباطل‏)‏‏.‏ فلما فرغ من طوافه أتى الصفا فعلا عليه‏.‏ حتى نظر إلى البيت‏.‏ ورفع يديه‏.‏ فجعل يحمد الله ويدعو بما شاء أن يدعو‏.‏

‏[‏ش ‏(‏المجنبتين‏)‏ هما الميمنة والميسرة، ويكون القلب بينهما‏.‏

‏(‏الحسر‏)‏ أي الذين لا دروع لهم‏.‏

‏(‏فأخذوا بطن الوداي‏)‏ أي جعلوا طريقهم في بطن الوادي‏.‏

‏(‏في كتيبة‏)‏ الكتيبة القطعة العظيمة من الجيش‏.‏

‏(‏اهتف لي بالأنصار‏)‏ أي صح بهم وادعهم لي‏.‏

‏(‏فأطافوا به‏)‏ أي فجاءوا وأحاطوا به‏.‏ وإنما خصهم لثقته بهم، ورفعا لمراتبهم، وإظهارا لجلالتهم وخصوصيتهم‏.‏

‏(‏ووبشت قريش أوباشا لها‏)‏ أي جمعت جموعا من قبائل شتى‏.‏

‏(‏ثم قال بيديه إحداهما على الأخرى‏)‏ فيه إطلاق القول على الفعل‏.‏ أي أشار إلى هيئتهم المجتمعة‏.‏

‏(‏فما شاء أحد منا‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ أي لا يدفع أحد منهم عن نفسه‏.‏

‏(‏أبيحت خضراء قريش‏)‏ كذا في هذه الرواية‏:‏ أبيحت‏.‏ وفي التي بعدها‏:‏ أبيت‏.‏ وهما متقاربتان‏.‏ أي استؤصلت قريش بالقتل وأفنيت‏.‏ وخضراؤهم بمعنى جماعتهم‏.‏ ويعبر عن الجماعة المجتمعة بالسواد والخضرة‏.‏ ومنه السواد الأعظم‏.‏

‏(‏فقالت الأنصار بعضهم لبعض‏)‏ معنى هذا أنهم رأوا رأفة النبي صلى الله عليه وسلم بأهل مكة وكف القتل عنهم، فظنوا أنه يرجع إلى سكنى مكة والمقام فيها دائما، ويرحل عنهم ويهجر المدينة‏.‏ فشق ذلك عليهم‏.‏ فأوحى الله تعالى إليه صلى الله عليه وسلم فأعلمهم بذلك‏.‏ فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ قلتم كذا وكذا‏.‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قد قلنا هذا‏.‏

‏(‏كلا‏)‏ معنى كلا، هنا، حقا‏.‏ ولها معنيان أحدهما حقا والآخر النفي‏.‏

‏(‏هاجرت إلى الله وإليكم‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ معناه أني هاجرت إلى الله تعالى وإلى دياركم لاستيطانها‏.‏ فلا أتركها ولا أرجع عن هجرتي الواقعة لله تعالى‏.‏ بل أنا ملازم لكم‏.‏ المحيا محياكم والممات مماتكم‏.‏ أي لا أحيا إلا عندكم ولا أموت إلا عندكم‏.‏ فلما قال لهم هذا بكوا واعتذروا‏.‏ وقالوا‏:‏ والله‏!‏ ما قلنا كلامنا السابق إلا حرصا عليك وعلى مصاحبتك ودوامك عندنا‏.‏ لنستفيد منك ونتبرك بك وتهدينا الصراط المستقيم‏.‏

‏(‏إلا الضن‏)‏ هو الشح‏.‏

‏(‏بسية القوس‏)‏ أي بطرفها المنحني‏.‏ قال في المصباح‏:‏ هي خفيفة الياء ولا مها محذوفة‏.‏ وترد في النسبة فيقال‏:‏ سيوي‏.‏ والهاء عوض عنها‏.‏ ويقال لسيتها العليا يدها، ولسيتها السفلى رجلها‏]‏‏.‏

85 – ‏(‏1780‏)‏ وحدثنيه عبدالله بن هاشم‏.‏ حدثنا بهز‏.‏ حدثنا سليمان بن المغيرة، بهذا الإسناد‏.‏ وزاد في الحديث‏:‏ ثم قال بيديه، إحداهما على الأخرى ‏(‏احصدوهم حصدا‏)‏‏.‏ وقال في الحديث‏:‏ قالوا‏:‏ قلنا‏:‏ ذاك يا رسول الله‏.‏ قال ‏(‏فما اسمي إذا‏؟‏ كلا إني عبد الله ورسوله‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فما اسمي إذا‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل هذا وجهين‏:‏ أحدهما أنه أراد صلى الله عليه وسلم أنه نبي لإعلامي إياكم بما تحدثتم به سرا‏.‏ والثاني لو فعلت هذا الذي خفتم منه، وفارقتكم، ورجعت إلى استيطان مكة لكنت ناقضا لعهدكم في ملازمتكم، ولكان هذا غير مطابق لما اشتق منه اسمي وهو الحمد‏.‏ فإني كنت أوصف حينئذ بغير الحمد‏.‏

86 – ‏(‏1780‏)‏ حدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ حدثنا يحيى بن حسان‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏ أخبرنا ثابت عن عبدالله بن رباح‏.‏ قال‏:‏ وفدنا إلى معاوية بن أبي سفيان‏.‏ وفينا أبو هريرة‏.‏ فكان كل رجل منا يصنع طعاما يوما لأصحابه‏.‏ فكانت نوبتي‏.‏ فقلت‏:‏ يا أبا هريرة‏!‏ اليوم نوبتي‏.‏ فجاؤوا إلى المنزل، ولم يدرك طعامنا‏.‏ فقلت‏:‏ يا أبا هريرة‏!‏ لو حدثتنا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يدرك طعامنا‏.‏ فقال‏:‏

كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الفتح‏.‏ فجعل خالد بن الوليد على المجنبة اليمنى‏.‏ وجعل الزبير على المجنبة اليسرى‏.‏ وجعل أبا عبيدة على البياذقة وبطن الوادي‏.‏ فقال ‏(‏يا أبا هريرة‏!‏ ادع لي الأنصار‏)‏ فدعوتهم‏.‏ فجاءوا يهرولون‏.‏ فقال ‏(‏يا معشر الأنصار، هل ترون أوباش قريش‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ قال ‏(‏انظروا‏.‏ إذا لقيتموهم غدا أن تحصدوهم حصدا‏)‏ وأخفى بيده‏.‏ ووضع يمينه على شماله‏.‏ وقال ‏(‏موعدكم الصفا‏)‏ قال‏:‏ فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه‏.‏ قال‏:‏ وصعد رسول الله صلى الله عليه وسلم الصفا‏.‏ وجاءت الأنصار‏.‏ فأطافوا بالصفا‏.‏ فجاء أبا سفيان فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أبيدت خضراء قريش‏.‏ لا قريش بعد اليوم‏.‏ قال أبو سفيان‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من دخل دار أبي سفيان فهو آمن‏.‏ ومن ألقى السلاح فهو آمن‏.‏ ومن أغلق بابه فهو آمن‏)‏ فقالت الأنصار‏:‏ أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته‏.‏ ورغبة في قريته‏.‏ ونزل الوحي على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ‏(‏قلتم‏:‏ أما الرجل فقد أخذته رأفة بعشيرته ورغبة في قريته‏.‏ ألا فما اسمي إذا‏!‏ ‏(‏ثلاث مرات‏)‏ أنا محمد عبد الله ورسوله‏.‏ هاجرت إلى الله وإليكم‏.‏ فالمحيا محياكم والممات مماتكم‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ والله‏!‏ ما قلنا إلا ضنا بالله ورسوله‏.‏ قال ‏(‏فإن الله ورسوله يصدقانكم ويعذرانكم‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏على البياذقة‏)‏ هم الرجالة‏.‏ وهو فارسي معرب‏.‏ وأصله بالفارسية أصحاب ركاب الملك ومن يتصرف في أموره‏.‏ قيل‏:‏ سموا بذلك لخفتهم وسرعة حركتهم‏.‏ هكذا الرواية في هذا الحرف‏.‏ هنا وفي غير مسلم أيضا‏.‏ قال القاضي‏:‏ هكذا روايتنا فيه‏.‏

‏(‏موعدكم الصفا‏)‏ يعني قال هذا لخالد ومن معه الذين أخذوا أسفل من بطن الوادي، وأخذ هو صلى الله عليه وسلم ومن معه أعلى مكة‏.‏

‏(‏فما أشرف يومئذ لهم أحد إلا أناموه‏)‏ أي ما ظهر لهم أحد إلا قتلوه فوقع إلى الأرض، أو يكون بمعنى أسكنوه بالقتل كالنائم‏.‏ يقال‏:‏ نامت الريح إذا سكنت‏.‏ وضربه حتى سكن أي مات‏.‏ ونامت الشاة وغيرها ماتت‏.‏ قال الفراء‏:‏ النائمة الميتة‏]‏‏.‏

*3*32 – باب إزالة الأصنام من حول الكعبة

87 – ‏(‏1781‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة وعمرو بن الناقد وابن أبي عمر ‏(‏واللفظ لابن أبي شيبة‏)‏ قالوا‏:‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن ابن أبي نجيح، عن مجاهد، عن أبي معمر، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

دخل النبي صلى الله عليه وسلم مكة‏.‏ وحول الكعبة ثلاثمائة وستون نصبا‏.‏ فجعل يطعنها بعود كان بيده‏.‏ ويقول ‏(‏جاء الحق وزهق الباطل‏.‏ إن الباطل كان زهوقا ‏[‏17 /الإسراء /81‏]‏‏.‏ جاء الحق وما يبدئ الباطل وما يعيد‏)‏ ‏[‏34 /سبأ /49‏]‏‏.‏ زاد ابن أبي عمر‏:‏ يوم الفتح‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نصبا‏)‏ قيل هو مفرد وجمعه أنصاب‏.‏ وقيل جمع واحدها نصاب‏.‏ والمراد حجارة لهم يعبدونها ويذبحون عليها‏.‏ قيل هي الأصنام وقيل غيرها‏.‏ فإن الأصنام صور منقوشة، والأنصاب بخلافها‏.‏

‏(‏وزهق الباطل‏)‏ أي زال وبطل‏.‏ وزهقت نفسه أي خرجت من الأسف على الشيء‏.‏

‏(‏وما يبدئ الباطل وما يعيد‏)‏ قال الإمام الزمخشري رضي الله عنه‏:‏ والحي إما أن يبدئ فعلا أو يعيده‏.‏ فإذا هلك لم يبق له إبداء ولا إعادة‏.‏ فجعلوا قولهم‏:‏ لا يبدئ ولا يعيد، مثلا في الهلاك‏.‏ ومنه قول عبيد‏:‏

أقفر من أهله عبيد * فاليوم لا يبدي ولا يعيد

والمعنى جاء الحق وزهق الباطل‏]‏‏.‏

‏(‏1781‏)‏ – وحدثناه حسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ كلاهما عن عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا الثوري عن ابن أبي نجيح، بهذا الإسناد، إلى قوله‏:‏ زهوقا‏.‏ ولم يذكر الآية الأخرى‏.‏ وقال‏:‏ ‏(‏بدل نصبا‏)‏ صنما‏.‏

*3*33 – باب لا يقتل قرشي صبرا بعد الفتح

88 – ‏(‏1782‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عي بن مسهر ووكيع عن زكرياء، عن الشعبي، قال‏:‏ أخبرني عبدالله بن مطيع عن أبيه‏.‏ قال‏:‏

سمعت النبي صلى الله عليه وسلم يقول، يوم فتح مكة ‏(‏لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم، إلى يوم القيامة‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا يقتل قرشي صبرا بعد هذا اليوم إلى يوم القيامة‏)‏ قال العلماء‏:‏ معناه الإعلام بأن قريشا يسلمون كلهم ولا يرتد أحد منهم كما ارتد غيرهم بعده صلى الله عليه وسلم، ممن حورب وقتل صبرا‏.‏ وليس المراد أنهم لا يقتلون ظلما صبرا‏.‏ فقد جرى على قريش، بعد ذلك، ما هو معلوم‏]‏‏.‏

89 – ‏(‏1782‏)‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا زكرياء، بهذا الإسناد‏.‏ وزاد‏:‏ قال‏:‏ ولم يكن أسلم أحد من عصاة قريش، غير مطيع‏.‏ كان اسمه العاصي‏.‏ فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم مطيعا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عصاة قريش‏)‏ قال القاضي عياض في المشارق‏:‏ عصاة، هنا، جمع العاصي اسم لا صفة‏.‏ أي أنه لم يسلم قبل الفتح حينئذ ممن يسمى بهذا الاسم إلا العاصي بن الأسود‏]‏‏.‏

*3*34 – باب صلح الحديبية في الحديبية

90 – ‏(‏1783‏)‏ حدثني عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا شعبة عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ سمعت البراء بن عازب يقول‏:‏

كتب علي بن أبي طالب الصلح بين النبي صلى الله عليه وسلم وبين المشركين، يوم الحديبية‏.‏ فكتب ‏(‏هذا ما كاتب عليه محمد رسول الله‏)‏ فقالوا‏:‏ لا تكتب‏:‏ رسول الله‏.‏ فلو نعلم أنك رسول الله لم نقاتلك‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ‏(‏امحه‏)‏ فقال‏:‏ ما أنا بالذي أمحاه‏.‏ فمحاه النبي صلى الله عليه وسلم بيده‏.‏ قال‏:‏ وكان فيما اشترطوا، أن يدخلوا مكة فيقيموا بها ثلاثا‏.‏ ولا يدخلها بسلاح، إلا جلبان السلاح‏.‏

قلت لأبي إسحاق‏:‏ وما جلبان السلاح‏؟‏ قال‏:‏ القراب وما فيه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الحديبية‏)‏ لغتان‏:‏ التخفيف وهو الأفصح، والتشديد‏.‏

‏(‏ما أنا الذي أمحاه‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ بالذي أمحاه‏.‏ وهي لغة في‏:‏ أمحوه‏.‏

‏(‏جلبان السلاح‏)‏ هو ألطف من الجراب يكون من الأدم، يوضع فيه السيف مغمدا، ويطرح فيه الراكب سوطه وأداته ويعلقه في الرحل‏]‏‏.‏

91 – ‏(‏1783‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن أبي إسحاق‏.‏ قال‏:‏ سمعت البراء بن عازب يقول‏:‏ لما صالح رسول الله صلى الله عليه وسلم أهل الحديبية، كتب علي كتابا بينهم‏.‏ قال‏:‏ فكتب ‏(‏محمد رسول الله‏)‏‏.‏ ثم ذكر بنحو حديث معاذ‏.‏ غير أنه لم يذكر في الحديث ‏(‏هذا ما كاتب عليه‏)‏‏.‏

92 – ‏(‏1783‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي وأحمد بن جناب المصيصي‏.‏ جميعا عن عيسى بن يونس ‏(‏واللفظ لإسحاق‏)‏‏.‏ أخبرنا عيسى ابن يونس‏.‏ أخبرنا زكرياء عن أبي إسحاق، عن البراء‏.‏ قال‏:‏

لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت، صالحه أهل مكة على أن يدخلها فيقيم بها ثلاثا‏.‏ ولا يدخلها إلا بجلبان السلاح‏.‏ السيف وقرابه‏.‏ ولا يخرج بأحد معه من أهلها‏.‏ ولا يمنع أحدا يمكث بها ممن كان معه‏.‏ قال لعلي ‏(‏اكتب الشرط بيننا‏.‏ بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ هذا ما قاضى عليه محمد رسول الله‏)‏ فقال له المشركون‏:‏ لو نعلم أنك رسول الله تابعناك‏.‏ ولكن اكتب‏:‏ محمد بن عبدالله‏.‏ فأمر عليا أن يمحاها‏.‏ فقال علي‏:‏ لا‏.‏ والله‏!‏ لا أمحاها‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أرني مكانها‏)‏ فأراه مكانها‏.‏ فمحاها‏.‏ وكتب ‏(‏ابن عبدالله‏)‏ فأقام بها ثلاثة أيام‏.‏ فلما أن كان يوم الثالث قالوا لعلي‏:‏ هذا آخر يوم من شرط صاحبك‏.‏ فأمره فليخرج‏.‏ فأخبره بذلك‏.‏ فقال ‏(‏نعم‏)‏ فخرج‏.‏

وقال ابن جناب في روايته‏:‏ ‏(‏مكان تابعناك‏)‏ بايعناك‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لما أحصر النبي صلى الله عليه وسلم عند البيت‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏:‏ أحصر عند البيت‏.‏ وكذا نقله القاضي عن رواية جميع الرواة، سوى ابن الحذاء، فإن في روايته‏:‏ عن البيت، وهو الوجه‏.‏ والإحصار في الحج هو المنع من طريق البيت‏.‏ وقد يكون بالمرض، وهو منع باطن‏.‏

‏(‏ما قاضى‏)‏ قال العلماء‏:‏ معنى قاضى، هنا، فاصل وأمضى أمره عليه‏.‏ ومنه‏:‏ قضى القاضي أي فصل الحكم وأمضاه‏.‏ ولهذا سميت تلك السنة عام المقاضاة، وعمرة القضية وعمرة القضاء‏.‏ كله من هذا‏.‏ وغلطوا من قال‏:‏ إنها سميت عمرة القضاء لقضاء العمرة التي صد عنها‏.‏

‏(‏فلما أن كان اليوم الثالث‏)‏ هكذا هو في النسخ كلها‏:‏ يوم الثالث، بإضافة يوم إلى الثالث، وهو من إضافة الموصوف إلى الصفة، وقد سيق بيانه مرات‏.‏ ومذهب الكوفيين جوازه على ظاهره‏.‏ ومذهب البصريين تقدير محذوف منه، أي يوم الزمان الثالث‏.‏

وهذا الحديث فيه حذف واختصار‏.‏ والمقصود أن هذا الكلام لم يقع في عام صلح الحديبية، وإنما وقع في السنة الثانية، وهي عمرة القضاء‏.‏ وكانوا شارطوا النبي صلى الله عليه وسلم في عام الحديية أن يجيء بالعام المقبل فيعتمر ولا يقيم أكثر من ثلاثة أيام‏.‏ فجاء في العام المقبل فأقام إلى أواخر اليوم الثالث‏.‏ فقالوا لعلي رضي الله عنه هذا الكلام‏.‏ فاختصر هذا الحديث ولم يذكر أن الإقامة وهذا الكلام كان في العام المقبل‏.‏ واستغني عن ذكره بكونه معلوما‏]‏‏.‏

93 – ‏(‏1784‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عفان‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس؛

أن قريشا صالحوا النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فيهم سهل بن عمرو‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لعلي ‏(‏اكتب بسم الله الرحمن الرحيم‏)‏‏.‏ قال سهيل‏:‏ أما باسم الله، فما ندري ما بسم الله الرحمن الرحيم‏.‏ ولكن اكتب ما نعرف‏:‏ باسمك اللهم‏.‏ فقال ‏(‏اكتب من محمد رسول الله‏)‏ قالوا‏:‏ لو علمنا أنك رسول لاتبعناك‏.‏ ولكن اكتب اسمك واسم أبيك‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏اكتب من محمد بن عبدالله‏)‏ فاشترطوا على النبي صلى الله عليه وسلم أن من جاء منكم لم نرده عليكم‏.‏ ومن جاءكم منا رددتموه علينا‏.‏ فقالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أنكتب هذا‏؟‏ قال ‏(‏نعم‏.‏ إنه من ذهب منا إليهم، فأبعده الله‏.‏ ومن جاءنا منهم، سيجعل الله له فرجا ومخرجا‏)‏‏.‏

94 – ‏(‏1785‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عبدالله بن نمير‏.‏ ح وحدثنا ابن نمير ‏(‏وتقاربا في اللفظ‏)‏‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا عبدالعزيز بن سياه‏.‏ حدثنا حبيب بن أبي ثابت عن أبي وائل‏.‏ قال‏:‏

قام سهل بن حنيف يوم صفين فقال‏:‏ أيها الناس‏!‏ اتهموا أنفسكم‏.‏ لقد كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم الحديبية‏.‏ ولو نرى قتالا لقاتلنا‏.‏ وذلك في الصلح الذي كان بين رسول الله صلى الله عليه وسلم وبين المشركين‏.‏ فجاء عمر بن الخطاب‏.‏ فأتى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ألسنا على حق وهم على باطل‏؟‏ قالا ‏(‏بلى‏)‏ قال‏:‏ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار‏؟‏ قال ‏(‏بلى‏)‏ قال‏:‏ ففيم نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم‏؟‏ فقال ‏(‏يا ابن الخطاب‏!‏ إني رسول الله‏.‏ ولن يضيعني الله أبدا‏)‏ قال‏:‏ فانطلق عمر فلم يصبر متغيظا‏.‏ فأتى أبا بكر فقال‏:‏ يا أبا بكر‏!‏ ألسنا على حق وهم على باطل‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ أليس قتلانا في الجنة وقتلاهم في النار‏؟‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ قال‏:‏ فعلام نعطي الدنية في ديننا، ونرجع ولما يحكم الله بيننا وبينهم‏؟‏ فقال‏:‏ يا ابن الخطاب‏!‏ إنه رسول الله ولن يضيعه الله أبدا‏.‏ قال‏:‏ فنزل القرآن على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالفتح‏.‏ فأرسل إلى عمر فأقرأه إياه‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أو فتح هو‏؟‏ قال ‏(‏نعم‏)‏ فطابت نفسه ورجع‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قام سهل بن حنيف يوم صفين، الخ‏)‏ أراد بهذا تصبير الناس على الصلح، وإعلامهم بما يرجى بعده من الخير، وإن كان ظاهره في الابتداء مما تكرهه النفوس‏.‏ كما كان شأن صلح الحديبية‏.‏

‏(‏الدنية‏)‏ أي النقيصة والحالة الناقصة‏]‏‏.‏

95 – ‏(‏1785‏)‏ حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء ومحمد بن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، قال‏:‏ سمعت سهل بن حنيف يقول، بصفين‏:‏

أيها الناس‏!‏ اتهموا رأيكم‏.‏ والله‏!‏ لقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أني أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم لرددته‏.‏ والله‏!‏ ما وضعنا سيوفنا على عواتقنا إلى أمر قط، إلا أسهلن بنا إلى أمر نعرفه‏.‏ إلا أمركم هذا‏.‏

لم يذكر ابن نمير‏:‏ إلى أمر قط‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يوم أبي جندل‏)‏ هو يوم الحديبية‏.‏

‏(‏إلا أمركم هذا‏)‏ يعني القتال الواقع بينهم وبين أهل الشام‏]‏‏.‏

‏(‏1785‏)‏ – وحدثناه عثمان بن أبي شيبة وإسحاق‏.‏ جميعا عن جرير‏.‏ ح وحدثني أبو سعيد الأشج‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ كلاهما عن الأعمش، بهذا الإسناد‏.‏ وفي حديثهما‏:‏ إلى أمر يفظعنا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يفظعنا‏)‏ أي يوقعنا في أمر فظيع شديد‏]‏‏.‏

96 – ‏(‏1785‏)‏ وحدثني إبراهيم بن سعيد الجوهري‏.‏ حدثنا أبو أسامة عن مالك بن مغول، عن أبي حصين، عن أبي وائل‏.‏ قال‏:‏ سمعت سهل بن حصين بصفين يقول‏:‏

اتهموا رأيكم على دينكم‏.‏ فلقد رأيتني يوم أبي جندل ولو أستطيع أن أرد أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ما فتحنا منه في خصم، إلا انفجر علينا منه خصم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ولو أستطيع‏)‏ هكذا وقع هذا الحديث في نسخ صحيح مسلم كلها‏.‏ وفيه محذوف، وهو جواب لو تقديره‏:‏ ولو أستطيع أن أرد أمره صلى الله عليه وسلم لرددته‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ولو ترى إذ المجرمون، ولو ترى إذ الظالمون في غمرات الموت، ولو ترى إذ الظالمون موقوفون، ونظائره‏.‏ فكله محذوف جواب لو لدلالة الكلام عليه

‏(‏ما فتحنا منه في خصم‏)‏ الضمير في منه عائد إلى قوله‏:‏ اتهموا رأيكم‏.‏ ومعناه‏:‏ ما أصلحنا من رأيكم وأمركم هذا ناحية إلا انفتحت أخرى‏.‏ ولا يصح إعادة الضمير إلى غير ما ذكرناه‏.‏ وأما قوله‏:‏ ما فتحنا منه في خصم، فكذا هو في مسلم‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهو غلط أو تغيير‏.‏ وصوابه‏:‏ ما سددنا منه خصما‏.‏ وكذا هو في رواية البخاري‏:‏ ما سددنا‏.‏ وبه يستقيم الكلام، ويتقابل سددنا بقوله‏:‏ إلا انفجر‏.‏ وأما الخصم فبضم الخاء، وخصم كل شيء طرفه وناحيته‏.‏ وشبهه بخصم الرواية وانفجار الماء من طرفها‏.‏ أو بخصم الغرارة والخرج وانصباب ما فيه بانفجاره‏]‏‏.‏

97 – ‏(‏1786‏)‏ وحدثنا نصر بن علي الجهضمي‏.‏ حدثنا خالد بن الحارث‏.‏ حدثنا سعيد بن أبي عروبة عن قتادة؛ أن أنس بن مالك حدثهم قال‏:‏

لما نزلت‏:‏ ‏{‏إنا فتحنا لك فتحا مبينا ليغفر لك الله‏}‏ إلى قوله‏:‏ فوزا عظيما‏.‏ ‏[‏48 /الفتح /الآيات 1 – 5‏]‏ مرجعه من الحديبية وهم يخالطهم الحزن والكآبة‏.‏ وقد نحر الهدى بالحديبية‏.‏ فقال ‏(‏لقد أنزلت على آية هي أحب إلي من الدنيا جميعا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مرجعه من الحديبية‏)‏ أي زمان رجوعه منها‏.‏

‏(‏والكآبة‏)‏ في النهاية‏:‏ الكآبة تغير النفس بالانكسار من شدة الهم والحزن‏]‏‏.‏

‏(‏1786‏)‏ – وحدثنا عاصم بن النضر التيمي‏.‏ حدثنا معتمر‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبي‏.‏ حدثنا قتادة‏.‏ قال‏:‏ سمعت أنس بن مالك‏.‏ ح وحدثنا ابن المثنى‏.‏ حدثنا أبو داود‏.‏ حدثنا همام‏.‏ ح وحدثنا عبد بن حميد‏.‏ حدثنا يونس بن محمد‏.‏ حدثنا شيبان‏.‏ جميعا عن قتادة، عن أنس‏.‏ نحو حديث ابن أبي عروبة‏.‏

*3*35 – باب الوفاء بالعهد

98 – ‏(‏1787‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو أسامة عن الوليد ابن جميع‏.‏ حدثنا أبو الطفيل‏.‏ حدثنا حذيفة بن اليمان‏.‏ قال‏:‏

ما معنى أن أشهد بدرا إلا أني خرجت أنا وأبي، حسيل‏.‏ قال‏:‏ فأخذنا كفار قريش‏.‏ قالوا‏:‏ إنكم تريدون محمدا‏؟‏ فقلنا‏:‏ ما نريده‏.‏ ما نريد إلا المدينة‏.‏ فأخذوا منا عهد الله وميثاقه لننصرفن إلى المدينة ولا نقاتل معه‏.‏ فأتينا رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبرناه الخبر‏.‏ فقال ‏(‏انصرفا‏.‏ نفي بعهدهم، ونستعين الله عليهم‏)‏‏.‏

*3*36 – باب غزوة الأحزاب

99 – ‏(‏1788‏)‏ حدثنا زهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم‏.‏ جميعا عن جرير‏.‏ قال زهير‏:‏ حدثنا جرير عن الأعمش، عن إبراهيم التيمي، عن أبيه، قال‏:‏

كنا عند حذيفة‏.‏ فقال رجل‏:‏ لو أدركت رسول الله صلى الله عليه وسلم قاتلت معه وأبليت‏.‏ فقال حذيفة‏:‏ أنت كنت تفعل ذلك‏؟‏ لقد رأيتنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة الأحزاب‏.‏ وأخذتنا ريح شديدة وقر‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ألا رجل يأتيني بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة‏؟‏‏)‏ فسكتنا‏.‏ فلم يجبه منا أحد‏.‏ ثم قال ‏(‏ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة‏؟‏‏)‏ فسكتنا‏.‏ فلم يجبه منا أحد‏.‏ ثم قال ‏(‏ألا برجل يأتينا بخبر القوم، جعله الله معي يوم القيامة‏؟‏‏)‏ فسكتنا‏.‏ فلم يجبه منا أحد‏.‏ فقال ‏(‏قم‏.‏ يا حذيفة‏!‏ فأتنا بخبر القوم‏)‏ فلم أجد بدا، إذ دعاني باسمي، أن أقوم‏.‏ قال ‏(‏اذهب‏.‏ فأتني بخبر القوم‏.‏ ولا تذعرهم علي‏)‏ فلما وليت من عنده جعلت كأنما أمشي في حمام‏.‏ حتى أتيتهم‏.‏ فرأيت أبا سفيان يصلى ظهره بالنار‏.‏ فوضعت سهما في كبد القوس‏.‏ فأردت أن أرميه‏.‏ فذكرت قول رسول الله ‏(‏ولا تذعرهم علي‏)‏ ولو رميته لأصبته‏.‏ فرجعت وأنا أمشي في مثل الحمام‏.‏ فلما أتيته فأخبرته بخبر القوم، وفرغت، قررت‏.‏ فألبسني رسول الله صلى الله عليه وسلم من فضل عباءة كانت عليه يصلي فيها‏.‏ فلم أزل نائما حتى أصبحت‏.‏ فلما أصبحت قال ‏(‏قم‏.‏ يا نومان‏!‏‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وأبليت‏)‏ أي بالغت في نصرته‏.‏ كأنه أراد الزيادة على نصرة الصحابة‏.‏

‏(‏وقر‏)‏ القر هو البرد‏.‏

‏(‏ولا تذعرهم علي‏)‏ أي لا تفزعهم علي ولا تحركهم علي‏.‏ وقيل‏:‏ معناه لا تنفرهم‏.‏ وهو قريب من المعنى الأول‏.‏ والمراد لا تحركهم عليك‏.‏ فإنهم، إن أخذوك، كان ذلك ضررا علي، لأنك رسولي وصاحبي‏.‏

‏(‏كأنما أمشي في حمام‏)‏ يعني أنه لم يجد البرد الذي يجده الناس، ولا من تلك الريح الشديدة شيئا‏.‏ بل عافاه الله منه ببركة إجابته للنبي صلى الله عليه وسلم وذهابه فيما وجهه له، ودعائه صلى الله عليه وسلم له‏.‏ واستمر ذلك اللطف به ومعافاته من البرد حتى عاد إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما عاد ووصل عاد إليه البرد الذي يجده الناس‏.‏ ولفظ الحمام عربية، وهو مذكر مشتق من الحميم، وهو الماء الحار‏.‏

‏(‏يصلي ظهره‏)‏ أي يدفئه ويدنيه منها، وهو الصلا، بفتح الصاد والقصر‏.‏ والصلاء، بكسرها والمد‏.‏

‏(‏كبد القوس‏)‏ هو مقبضها‏.‏ وكبد كل شيء وسطه‏.‏

‏(‏قررت‏)‏ أي بردت‏.‏ وهو جواب فلما أتيته‏.‏

‏(‏عباءة‏)‏ العباءة والعباية، بزيادة ياء، لغتان مشهورتان معروفتان‏.‏ قال في المنجد‏:‏ العباءة كساء مفتوح من قدام يلبس فوق الثياب‏.‏

‏(‏أصبحت‏)‏ أي طلع علي الفجر‏.‏

‏(‏يا نومان‏)‏ هو كثير النوم‏.‏ وأكثر ما يستعمل في النداء‏.‏ كما استعمله هنا‏]‏‏.‏

*3*37 – باب غزوة أحد

100 – ‏(‏1789‏)‏ وحدثنا هداب بن خالد الأزدي‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن علي بن زيد وثابت البناتي، عن أنس بن مالك؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أفرد يوم أحد في سبعة من الأنصار ورجلين من قريش‏.‏ فلما رهقوه قال ‏(‏من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة‏؟‏‏)‏ فتقدم رجل من الأنصار، فقاتل حتى قتل‏.‏ ثم رهقوه أيضا‏.‏ فقال ‏(‏من يردهم عنا وله الجنة، أو هو رفيقي في الجنة‏؟‏‏)‏ فتقدم رجل، من الأنصار، فقاتل حتى قتل‏.‏ فلم يزل كذلك حتى قتل السبعة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبيه ‏(‏ما أنصفنا أصحابنا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فلما رهقوه‏)‏ أي غشوه وقربوا منه‏.‏ وأرهقه أي غشيه‏.‏ قال صاحب الأفعال‏:‏ رهقته وأرهقته أي أدركته‏.‏ قال القاضي في المشارق‏:‏ قيل لا يستعمل ذلك إلا في المكروه‏.‏ قال وقال ثابت‏:‏ كل شيء دنوت منه فقد رهقته‏.‏

‏(‏لصاحبيه‏)‏ هما ذانك القرشيان‏.‏

‏(‏ما أنصفنا أصحابنا‏)‏ الرواية المشهورة فيه‏:‏ ما أنصفنا، بإسكان الفاء، وأصحابنا، منصوب مفعول به‏.‏ هكذا ضبطه جماهير العلماء من المتقدمين والمتأخرين‏.‏ ومعناه ما أنصفت قريش الأنصار‏.‏ لكون القرشيين، لم يخرجا للقتال‏.‏ بل خرجت الأنصار واحد بعد واحد‏.‏ وذكر القاضي وغيره أن بعضهم رواه‏:‏ ما أنصفنا، بفتح الفاء، والمراد على هذا الذين فروا من القتال، فإنهم لم ينصفوا لفرارهم‏]‏‏.‏

101 – ‏(‏1790‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ حدثنا عبدالعزيز بن أبي حازم عن أبيه؛ أنه سمع سهل بن سعد يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم، يوم أحد‏؟‏ فقال‏:‏

جرح وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم، وكسرت رباعيته، وهشمت البيضة على رأسه‏.‏ فكانت فاطمة بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم تغسل الدم‏.‏ وكان علي بن أبي طالب يسكب عليها بالمجن‏.‏ فلما رأت فاطمة أن الماء لا يزيد الدم إلا كثرة، أخذت قطعة من حصير فأحرقته حتى صار رمادا‏.‏ ثم ألصقته بالجرح‏.‏ فاستمسك الدم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏رباعيته‏)‏ هي بتخفيف الياء، وهي السن التي تلي الثنية من كل جانب‏.‏ وللإنسان أربع رباعيات‏.‏

‏(‏وهشمت البيضة‏)‏ أي كسر ما يلبس تحت المغفر في الرأس‏.‏ قال الفيومي‏:‏ الهشم كسر الشيء اليابس والأجوف‏.‏

‏(‏يسكب عليها بالمجن‏)‏ أي يصب عليها بالترس‏.‏

‏(‏فاستمسك الدم‏)‏ أي انحبس وانقطع‏]‏‏.‏

102 – ‏(‏1790‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا يعقوب ‏(‏يعني ابن عبدالرحمن القاري‏)‏ عن أبي حازم؛ أنه سمع سهل بن سعد وهو يسأل عن جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم‏؟‏ فقال‏:‏ أم، والله‏!‏ إني لأعرف من كان يغسل جرح رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ومن كان يسكب الماء‏.‏ وبماذا دووي جرحه‏.‏ ثم ذكر نحو حديث عبدالعزيز‏.‏ غير أنه زاد‏:‏ وجرح وجهه‏.‏ وقال ‏(‏مكان هشمت‏)‏‏:‏ كسرت‏.‏

‏[‏ش ‏(‏دووي‏)‏ هو مجهول داوى‏]‏‏.‏

103 – ‏(‏1790‏)‏ وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق ابن إبراهيم وابن أبي عمر‏.‏ جميعا عن ابن عيينة‏.‏ ح وحدثنا عمرو بن سواد العامري‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن سعيد بن أبي هلال‏.‏ ح وحدثني محمد بن سهل التميمي‏.‏ حدثني ابن أبي مريم‏.‏ حدثنا محمد ‏(‏يعني ابن مطرف‏)‏‏.‏ كلهم عن أبي حازم، عن سهل بن سعد، بهذا الحديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ في حديث ابن أبي هلال‏:‏ أصيب وجهه‏.‏ وفي حديث ابن مطرف‏:‏ جرح وجهه‏.‏

104 – ‏(‏1791‏)‏ حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن ثابت، عن أنس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كسرت رباعيته يوم أحد‏.‏ وشج في رأسه‏.‏ فجعل يسلت الدم عنه ويقول ‏(‏كيف يفلح قوم شجوا نبيهم وشجوا رباعيته، وهو يدعوهم إلى الله‏؟‏‏)‏ فأنزل الله تعالى‏:‏ ‏{‏ليس لك من الأمر شيء‏}‏ ‏[‏3 /آل عمران /128‏]‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وشج في رأسه‏)‏ أي حصل جرح في رأسه الشريف‏.‏ والجراحة إذا كانت في الوجه أو الرأس تسمى شجة‏.‏

‏(‏يسلت‏)‏ أي يمسح‏]‏‏.‏

105 – ‏(‏1792‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا الأعمش عن شفيق، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

كأني أنظر إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ يحكي نبيا من الأنبياء ضربه قومه، وهو يمسح الدم عن وجهه ويقول ‏(‏رب اغفر لقومي فإنهم لا يعلمون‏)‏‏.‏

‏(‏1792‏)‏ – حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع ومحمد بن بشر عن الأعمش، بهذا الإسناد‏.‏ غير أنه قال‏:‏ فهو ينضح الدم عن جبينه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ينضح‏)‏ أي يغسله ويزيله‏]‏‏.‏

*3*38 – باب اشتداد غضب الله على من قتله رسول الله صلى الله عليه وسلم

106 – ‏(‏1793‏)‏ حدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ حدثنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏:‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏اشتد غضب الله على قوم فعلوا هذا برسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ وهو حينئذ يشير إلى رباعيته‏.‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏اشتد غضب الله على رجل يقتله رسول الله في سبيل الله عز وجل‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏في سبيل الله‏)‏ احتراز ممن يقتله في حد أو قصاص‏.‏ لأن من يقتله في سبيل الله، كان قاصدا قتل النبي صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏

*3*39 – باب ما لقي النبي صلى الله عليه وسلم من أذى المشركين والمنافقين107 – ‏(‏1794‏)‏ وحدثنا عبدالله بن عمر بن محمد بن أبان الجعفي‏.‏ حدثنا عبدالرحيم ‏(‏يعني ابن سليمان‏)‏ عن زكرياء، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون الأودي، عن ابن مسعود‏.‏ قال‏:‏

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي عند البيت، وأبو جهل وأصحاب له جلوس، وقد نحوت جزور بالأمس‏.‏ فقال أبو جهل‏:‏ أيكم يقوم إلى سلا جزور بني فلان فيأخذه، فيضل في كتفي محمد إذا سجد‏؟‏ فانبعث أشقى القوم فأخذه‏.‏ فلما سجد النبي صلى الله عليه وسلم وضعه بين كتفيه‏.‏ قال‏:‏ فاستضحكوا‏.‏ وجعل بعضهم يميل على بعض‏.‏ وأنا قائم أنظر‏.‏ لو كانت لي منعة طرحته عن ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ والنبي صلى الله عليه وسلم ساجد، ما يرفع رأسه‏.‏ حتى انطلق إنسان فأخبر فاطمة‏.‏ فجاءت، وهي جويرية، فطرحته عنه‏.‏ ثم أقبلت عليهم تشتمهم‏.‏ فلما قضى النبي صلى الله عليه وسلم صلاته رفع صوته ثم دعا عليهم‏.‏ وكان إذا دعا، دعا ثلاثا‏.‏ وإذا سأل، سأل ثلاثا‏.‏ ثم قال ‏(‏اللهم‏!‏ عليك بقريش‏)‏ ثلاث مرات‏.‏فلما سمعوا صوته ذهب عنهم الضحك‏.‏ وخافوا دعوته‏.‏ ثم قال ‏(‏اللهم‏!‏ عليك بأبي جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وشيبة ابن ربيعة، والوليد بن عقبة، وأمية بن خلف، وعقبة بن أبي معيط‏)‏ ‏(‏وذكر السابع ولم أحفظه‏)‏ فوالذي بعث محمدا صلى الله عليه وسلم بالحق‏!‏ لقد رأيت الذين سمى صرعى يوم بدر‏.‏ ثم سحبوا إلى القليب، قليب بدر‏.‏

قال أبو إسحاق‏:‏ الوليد بن عقبة غلط في هذا الحديث‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جزور‏)‏ أي ناقة‏.‏

‏(‏سلا‏)‏ هو اللفافة التي يكون فيها الولد في بطن الناقة وسائر الحيوان‏.‏ وهي من الآدمية المشيمة‏.‏

‏(‏فانبعث أشقى القوم‏)‏ أي بعثته نفسه الخبيثة من دونهم فأسرع السير‏.‏ وهو عقبة بن أبي معيط، كما صرح به في الرواية الثانية‏.‏

‏(‏فاستضحكوا‏)‏ أي حملوا أنفسهم على الضحك والسخرية‏.‏ ثم أخذهم الضحك جدا، فجعلوا يضحكون ويميل بعضهم على بعض من كثرة الضحك‏.‏

‏(‏لو كانت لي منعة‏)‏ هي بفتح النون، وحكي إسكانها، وهو شاذ ضعيف‏.‏ ومعناه لو كان لي قوة تمنع أذاهم، أو كان لي عشيرة بمكة تمنعني‏.‏ وعلى هذا‏:‏ منعه جمع مانع‏.‏ ككاتب وكتبة‏.‏ قال الفيومي‏:‏ هو في منعة أي في عز قومه فلا يقدر عليه من يريده‏.‏ قال الزمخشري‏:‏ وهي مصدر مثل الأنفة والعظمة، أو جمع مانع وهم العشيرة والحماة‏.‏

‏(‏جويرية‏)‏ هو تصغير جارية، بمعنى شابة‏.‏ يعني أنها إذ ذاك ليست بكبيرة‏.‏

‏(‏تشتمهم‏)‏ الشتم وصف الرجل بما فيه إزراء ونقص‏.‏

‏(‏وإذا سأل‏)‏ هو الدعاء‏.‏ لكن عطفه لاختلاف اللفظ‏.‏ توكيدا‏.‏

‏(‏والوليد بن عقبة‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم‏:‏ والوليد بن عقبة‏.‏ واتفق العلماء على أنه غلط – وصوابه‏:‏ والوليد بن عتبة‏.‏ كما ذكره مسلم في رواية أبي بكر بن أبي شيبة، بعد هذا‏.‏

‏(‏ثم سحبوا إلى القليب قليب بدر‏)‏ القليب هي البئر التي لم تطو‏.‏ وإنما وضعوا في القليب تحقيرا لهم، ولئلا يتأذى الناس برائحتهم‏.‏ وليس هو دفنا، لأن الحربي لا يجب دفنه‏]‏‏.‏

108 – ‏(‏1794‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ‏(‏واللفظ لابن المثنى‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا إسحاق يحدث عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم ساجد، وحوله ناس من قريش‏.‏ إذ جاء عقبة بن أبي معيط بسلا جزور‏.‏ فقذفه على ظهر رسول الله صلى الله عليه وسلم فلم يرفع رأسه‏.‏ فجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره‏.‏ ودعت على من صنع ذلك‏.‏ فقال ‏(‏اللهم‏!‏ عليك الملأ من قريش‏.‏ أبا جهل بن هشام، وعتبة بن ربيعة، وعقبة بن أبي معيط، وشيبة بن ربيعة، وأمية بن خلف، أو أبي بن خلف ‏(‏شعبة الشاك‏)‏‏)‏ قال‏:‏ فلقد رأيتهم قتلوا يوم بدر‏.‏ فألقوا في بئر‏.‏ غير أن أمية أو أبيا تقطعت أوصاله‏.‏ فلم يلق في البئر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏اللهم عليك الملأ من قريش‏)‏ أي خذهم وأهلكهم‏.‏ والملأ جماعة يجتمعون على رأي فيملأون العيون‏.‏

‏(‏تقطعت أوصاله‏)‏ الأوصال هي المفاصل‏.‏

‏(‏فلم يلق‏)‏ هكذا هو بعض النسخ بالقاف فقط‏.‏ وفي أكثرها‏:‏ فلم يلقى، بالألف، وهو جائز على لغة‏.‏ وقد سبق بيانه مرات، وقريبا‏]‏‏.‏

109 – ‏(‏1794‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا جعفر بن عون‏.‏ أخبرنا سفيان عن أبي إسحاق، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏ وزاد‏:‏ وكان يستحب ثلاثا يقول ‏(‏اللهم‏!‏ عليك بقريش‏.‏ اللهم‏!‏ عليك بقريش‏.‏ اللهم‏!‏ عليك بقريش‏)‏ ثلاثا‏.‏ وذكر فيهم الوليد بن عتبة، وأمية بن خلف‏.‏ ولم يشك‏.‏ قال أبو إسحاق‏:‏ ونسيت السابع‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يستحب‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏:‏ يستحب بالباء الموحدة في آخره‏.‏ وذكر القاضي أنه روى بها‏.‏ وبالموحدة وبالمثلثة‏:‏ يستحث‏.‏ قال‏:‏ وهو الأظهر‏.‏ ومعناه الإلحاح في الدعاء‏]‏‏.‏

110 – ‏(‏1794‏)‏ وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحسن بن أعين‏.‏ حدثنا زهير‏.‏ حدثنا أبو إسحاق عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله‏.‏ قال‏:‏

استقبل رسول الله صلى الله عليه وسلم البيت‏.‏ فدعا على ستة نفر من قريش‏.‏ فيهم أبو جهل وأمية بن خلف وعتبة بن ربيعة وشيبة بن ربيعة وعقبة بن أبي معيط‏.‏ فأقسم بالله لقد رأيتهم صرعى على بدر، قد غيرتهم الشمس‏.‏ وكان يوما حارا‏.‏

111 – ‏(‏1795‏)‏ وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح، وحرملة ابن يحيى، وعمرو بن سواد العامري ‏(‏وألفاظهم متقاربة‏)‏ قالوا‏:‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ قال‏:‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ حدثني عروة بن الزبير؛ أن عائشة زوج النبي صلى الله عليه وسلم حدثته؛

أنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هل أتى عليك يوم كان أشد من يوم أحد‏؟‏ فقال ‏(‏لقد لقيت من قومك‏.‏ وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة‏.‏ إذ عرضت نفسي على ابن عبد يا ليل بن عبد كلال‏.‏ فلم يجبني إلى ما أردت‏.‏ فانطلقت وأنا مهموم على وجهي‏.‏ فلم أستفق إلا بقرن الثعالب‏.‏ فرفعت رأسي فإذا أنا بسحابة قد أظلتني‏.‏ فنظرت فإذا فيها جبريل‏.‏ فناداني‏.‏ فقال‏:‏ إن الله عز وجل قد سمع قول قومك لك وما ردوا عليك‏.‏ وقد بعث إليك ملك الجبال لتأمره بما شئت فيهم‏.‏ قال‏:‏ فناداني ملك الجبال وسلم علي‏.‏ ثم قال‏:‏ يا محمد‏!‏ إن الله قد سمع قول قومك لك‏.‏ وأنا ملك الجبال‏.‏ وقد بعثني ربك إليك لتأمرني بأمرك‏.‏ فما شئت‏؟‏ إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين‏)‏‏.‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده، لا يشرك به شيئا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لقد لقيت من قومك‏)‏ المراد من قومها قريش‏.‏ ومفعول لقيت محذوف، تقديره لقد لقيت منهم ما لقيت‏.‏

‏(‏يوم العقبة‏)‏ هو اليوم الذي وقف صلى الله عليه وسلم عند العقبة التي بمنى، داعيا الناس إلى الإسلام‏.‏ فما أجابوه، وآذوه‏.‏ وذلك اليوم صار معروفا‏.‏

‏(‏على وجهي‏)‏ أي على الجهة المواجهة لي‏.‏ فالجار متعلق بانطلقت‏.‏ أي انطلقت هائما لا أدري أين أتوجه‏.‏

‏(‏فلم أستفق إلا بقرن الثعالب‏)‏ أي لم أفطن لنفسي وأنتبه لحالي، وللموضع الذي أنا ذاهب إليه وفيه، إلا وأنا عمد قرن الثعالب‏.‏ لكثرة همي الذي كنت فيه‏.‏

قال القاضي‏:‏ قرن الثعالب هو قرن المنازل‏.‏ وهو ميقات أهل نجد، وهو على مرحلتين من مكة‏.‏ وأصل القرن كل جبل صغير ينقطع من جبل كبير‏.‏

‏(‏فما شئت‏)‏ استفهام‏.‏ أي فأمرني بما شئت‏.‏

‏(‏إن شئت أن أطبق عليهم‏)‏ شرط‏.‏ وجزاؤه مقدر وهو‏:‏ أطبقت‏.‏ أي إن شئت ضممت الأخشبين وجعلتهما كالطبق عليهم، حتى هلكوا تحته‏.‏

‏(‏الأخشبين‏)‏ هما جبلا مكة‏:‏ أبو قبيس والجبل الذي يقابله‏]‏‏.‏

112 – ‏(‏1796‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد‏.‏ كلاهما عن أبي عوانة‏.‏ قال يحيى‏:‏ أخبرنا أبو عوانة عن الأسود بن قيس، عن جندب بن سفيان‏.‏ قال‏:‏

دميت إصبع رسول الله صلى الله عليه وسلم في بعض تلك المشاهد‏.‏ فقال‏:‏

‏(‏هل أنت إلا إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت‏)‏

‏[‏ش ‏(‏دميت‏)‏ أي جرحت وخرج منها الدم‏.‏

‏(‏ما لقيت‏)‏ لفظ ما هنا بمعنى الذي‏.‏ أي الذي لقيته محسوب في سبيل الله‏]‏‏.‏

113 – ‏(‏1796‏)‏ وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم‏.‏ جميعا عن ابن عيينة، عن الأسود بن قيس، بهذا الإسناد‏.‏ وقال‏:‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم في غار‏.‏ فنكبت إصبعه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏غار‏)‏ كذا هو في الأصول‏:‏ في غار‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ قال أبو الوليد الكناني‏:‏ لعله غازيا فتصحف‏.‏ كما قال في الرواية الأخرى‏:‏ في بعض المشاهد‏.‏ وكما جاء في رواية البخاري‏:‏ بينما كان النبي صلى الله عليه وسلم يمشي، إذ أصابه حجر‏.‏

قال القاضي‏:‏ وقد يراد بالغار، هنا، الجيش والجمع‏.‏ لا الغار الذي هو الكهف‏.‏ فيوافق رواية بعض المشاهد‏.‏ ومنه قول علي رضي الله عنه‏:‏ ما ظنك بامرئ جمع بين هذين الغارين، أي العسكرين والجمعين‏.‏

‏(‏فنكبت‏)‏ أي نالتها الحجارة‏.‏ والنكبة المصيبة، والجمع نكبات‏]‏‏.‏

114 – ‏(‏1797‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا سفيان عن الأسود بن قيس؛ أنه سمع جندبا يقول‏:‏

أبطأ جبريل على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال المشركون‏:‏ قد ودع محمد‏.‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏.‏ ما ودعك ربك وما قلى‏}‏ ‏[‏93 /الضحى /1 و 2 و 3‏]‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ودع‏)‏ أي ترك ترك المودع‏.‏ ومن ودع أحدا مفارقا له فقد بالغ في تركه‏.‏ وسمى الوداع وداعا لأنه فراق ومتاركة‏.‏

‏(‏وما قلى‏)‏ أي وما قلاك‏.‏ يعني ما أبغضك‏]‏‏.‏

115 – ‏(‏1797‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن رافع ‏(‏واللفظ لابن رافع‏)‏ ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال ابن رافع‏:‏ حدثنا يحيى بن آدم‏)‏‏.‏ حدثنا زهير عن الأسود بن قيس‏.‏ قال‏:‏ سمعت جندب بن سفيان يقول‏:‏

اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلم يقم ليلتين أو ثلاثا‏.‏ فجاءته امرأة فقالت‏:‏ يا محمد‏!‏ إني لأرجو أن يكون شيطانك قد تركك‏.‏ لم أره قربك منذ ليلتين أو ثلاث‏.‏ قال‏:‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏والضحى‏.‏ والليل إذا سجى‏.‏ ما ودعك ربك وما قلى‏}‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قربك‏)‏ بكسر الراء والمضارع يقربك، بفتحها، أي دنا منك‏.‏

‏(‏سجى‏)‏ أي سكن وستر الأشياء بظلمته‏]‏‏.‏

‏(‏1797‏)‏ – وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر عن شعبة‏.‏ ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم‏.‏ أخبرنا الملائي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ كلاهما عن الأسود بن قيس، بهذا الإسناد، نحو حديثهما‏.‏

*3*40 – باب فيف دعاء النبي صلى الله عليه وسلم، وصبره على أذى المنافقين

116 – ‏(‏1798‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمد بن رافع وعبد بن حميد ‏(‏واللفظ لابن رافع‏)‏ ‏(‏قال ابن رافع‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا عبدالرزاق‏)‏‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة؛ أن أسامة بن زيد أخبره؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم ركب حمارا، عليه إكاف، تحته قطيفة فدكية‏.‏ وأردف وراءه أسامة، وهو يعود سعد بن عبادة في بني الحارث بن الخزرج‏.‏ وذاك قبل وقعة بدر‏.‏ حتى مر بمجلس فيه أخلاط من المسلمين والمشركين عبدة الأوثان، واليهود‏.‏ فيهم عبدالله بن أبي‏.‏ وفي المجلس عبدالله بن رواحة‏.‏ فلما غشيت المجلس عجاجة الدابة، خمر عبدالله بن أبي أنفه بردائه‏.‏ ثم قال‏:‏ لا تغبروا علينا‏.‏ فسلم عليهم النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم وقف فنزل‏.‏ فدعاهم إلى الله وقرأ عليهم القرآن‏.‏ فقال عبدالله بن أبي‏:‏ أيها المرء‏!‏ لا أحسن من هذا‏.‏ إن كان ما تقول حقا، فلا تؤذنا في مجالسنا‏.‏ وارجع إلى رحلك‏.‏ فمن جاءك منا فاقصص عليه‏.‏ فقال عبدالله بن رواحة‏:‏ اغشنا في مجالسنا‏.‏ فإنا نحب ذلك‏.‏ قال‏:‏ فاستب المسلمون والمشركون واليهود‏.‏ حتى هموا أن يتواثبوا‏.‏ فلم يزل النبي صلى الله عليه وسلم يخفضهم‏.‏ ثم ركب دابته حتى دخل على سعد بن عبادة‏.‏ فقال ‏(‏أي سعد‏!‏ ألم تسمع إلى ما قال أبو حباب‏؟‏ ‏(‏يريد عبدالله بن أبي‏)‏ قال كذا وكذا‏)‏ قال‏:‏ اعف عنه‏.‏ يا رسول الله‏!‏ واصفح‏.‏ فوالله‏!‏ لقد أعطاك الله الذي أعطاك، ولقد اصطلح أهل البحيرة أن يتوجوه، فيعصبوه بالعصابة‏.‏ فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاكه شرق بذلك‏.‏ فذلك فعل به ما رأيت‏.‏ فعفا عنه النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إكاف‏)‏ هو للحمار بمنزلة السرج للفرس‏.‏

‏(‏قطيفة‏)‏ دثار مخمل – جمعها قطائف وقطف‏.‏

‏(‏فدكية‏)‏ منسوبة إلى فدك‏.‏ بلدة‏.‏ معروفة على مرحلتين أو ثلاث من المدينة‏.‏

‏(‏عجاجة الدابة‏)‏ هو ما ارتفع من غبار حوافرها‏.‏

‏(‏خمر أنفه‏)‏ أي غطاه‏.‏

‏(‏لا تغبروا علينا‏)‏ أي لا تثيروا علينا الغبار‏.‏

‏(‏لا أحسن من هذا‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏:‏ لا أحسن‏.‏ أي ليس شيء أحسن من هذا‏.‏ وكذا حكاه القاضي عن جماهير رواة مسلم‏.‏ قال‏:‏ وقع للقاضي أبي علي‏:‏ لأحسن من هذا‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهو عندي أظهر‏.‏ وتقديره أحسن من هذا أن تقعد في بيتك‏.‏

‏(‏إلى رحلك‏)‏ أي إلى منزلك‏.‏

‏(‏يخفضهم‏)‏ أي يسكنهم ويسهل الأمر بينهم‏.‏

‏(‏البحيرة‏)‏ بضم الباء، على التصغير‏.‏ قال القاضي‏:‏ وروينا في غير مسلم‏:‏ البحيرة، مكبرة‏.‏ وكلاهما بمعنى‏.‏ وأصلها القرية‏.‏ والمراد بها، هنا، مدينة النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏(‏فيعصبوه بالعصابة‏)‏ معناه اتفقوا على أن يعينوه ملكهم‏.‏ وكان من عادتهم، إذا ملكوا إنسانا، أن يتوجوه ويعصبوه‏.‏

‏(‏شرق بذلك‏)‏ أي غص‏.‏ ومعناه حسد النبي صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏

‏(‏1798‏)‏ – حدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا حجين ‏(‏يعني ابن المثنى‏)‏‏.‏ حدثنا ليث عن عقيل، عن ابن شهاب، في هذا الإسناد، بمثله‏.‏ وزاد‏:‏ وذلك قبل أن يسلم عبدالله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وذلك قبل أن يسلم‏)‏ معناه قبل أن يظهر الإسلام‏.‏ وإلا فقد كان كافرا منافقا ظاهر النفاق‏]‏‏.‏

117 – ‏(‏1799‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالأعلى القيسي‏.‏ حدثنا المعتمر عن أبيه، عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏

قيل للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ لو أتيت عبدالله بن أبي‏؟‏ قال‏:‏ فانطلق إليه‏.‏ وركب حمارا‏.‏ وانطلق المسلمون‏.‏ وهي أرض سبخة‏.‏ فلما أتاه النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ إليك عني‏.‏ فوالله‏!‏ لقد آذاني نتن حمارك‏.‏ قال‏:‏ فقال رجل من الأنصار‏:‏ والله‏!‏ لحمار رسول الله صلى الله عليه وسلم أطيب ريحا منك‏.‏ قال‏:‏ فغضب لعبدالله رجل من قومه‏.‏ قال‏:‏ فغضب لكل واحد منهما أصحابه‏.‏ قال‏:‏ فكان بينهم ضرب بالجريد وبالأيدي وبالنعال‏.‏ قال‏:‏ فبلغنا أنها نزلت فيهم‏:‏ ‏{‏وإن طائفتان من المؤمنين اقتتلوا فأصلحوا بينهما‏}‏ ‏[‏49 /الحجرات /9‏]‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏سبخة‏)‏ قال النووي هي بفتح السين والباء، وهي الأرض التي لا تنبت لملوحتها‏.‏ وذكر الفيومي أنها بكسر الباء‏]‏‏.‏

*3*41 – باب قتل أبي جهل

118 – ‏(‏1800‏)‏ حدثنا علي بن حجر السعدي‏.‏ أخبرنا إسماعيل ‏(‏يعني ابن علية‏)‏‏.‏ حدثنا سليمان التيمي‏.‏ حدثنا أنس بن مالك قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من ينظر لنا ما صنع أبو جهل‏؟‏‏)‏ فانطلق ابن مسعود‏.‏ فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برك‏.‏ قال‏:‏ فأخذ بلحيته‏.‏ فقال‏:‏ آنت أبو جهل‏؟‏ فقال‏:‏ وهل فوق رجل قتلتموه ‏(‏أو قال‏)‏ قتله قومه‏؟‏

قال‏:‏ وقال أبو مجلز‏:‏ قال أبو جهل‏:‏ فلو غير أكار قتلني‏!‏

‏[‏ش ‏(‏من ينظر لنا ما صنع أبو جهل‏)‏ سبب السؤال عنه أنه يعرف أنه مات، ليستبشر المسلمون بذلك، وينكف شره عنهم‏.‏

‏(‏برك‏)‏ هكذا هو في بعض النسخ‏:‏ برك‏.‏ وفي بعضها‏:‏ برد‏.‏ فمعناه، بالكاف، سقط إلى الأرض، وبالدال، مات‏.‏ يقال‏:‏ برد، إذا مات‏.‏ قال القاضي‏:‏ رواية الجمهور برد‏.‏ ورواه بعضهم بالكاف‏.‏ قال‏:‏ والأول هو المعروف‏.‏ هذا كلام القاضي‏.‏ واختار جماعة محققون الكاف وإن ابني عفراء تركاه عقيرا‏.‏ ولهذا كلم ابن مسعود‏.‏

‏(‏وهل فوق رجل قتلتموه‏)‏ أي لا عار علي في قتلكم إياي

‏(‏فلو غير أكار قتلني‏)‏ الأكار الزراع والفلاح‏.‏ وهو عند العرب ناقص‏.‏ وأشار أبو جهل إلى ابني عفراء اللذين قتلاه، وهما من الأنصار، وهم أصحاب زرع ونخيل‏.‏ ومعناه لو كان الذي قتلني غير أكار لكان أحب إلي وأعظم لشأني، ولم يكن علي نقص في ذلك‏]‏‏.‏

*3*42 – باب قتل كعب بن الأشرف طاغوت اليهود

119 – ‏(‏1801‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي، وعبدالله بن محمد ابن محمد بن عبدالرحمن بن المسور الزهري‏.‏ كلاهما عن ابن عيينة ‏(‏واللفظ للزهري‏)‏ حدثنا سفيان عن عمرو‏.‏ سمعت جابرا يقول‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من لكعب بن الأشرف‏؟‏ فإنه قد آذى الله ورسوله‏)‏ فقال محمد بن مسلمة‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أتحب أن أقتله‏؟‏ قال ‏(‏نعم‏)‏ قال‏:‏ ائذن لي فلأقل‏.‏ قال ‏(‏قل‏)‏‏.‏ فأتاه فقال له وذكر ما بينهما‏.‏ وقال‏:‏ إن هذا الرجل قد أراد صدقة‏.‏ وقد عنانا‏.‏ فلما سمعه قال‏:‏ وأيضا‏.‏ والله‏!‏ لتملنه‏.‏ قال‏:‏ إنا قد اتبعناه الآن‏.‏ ونكره أن ندعه حتى ننظر إلى أي شيء يصير أمره‏.‏ قال‏:‏ وقد أردت أن تسلفني سلفا‏.‏ قال‏:‏ فما ترهنني‏؟‏ قال‏:‏ ما تريد‏.‏ قال‏:‏ ترهنني نساءكم‏.‏ قال‏:‏ أنت أجمل العرب‏.‏ أنرهنك نساءنا‏؟‏ قال له‏:‏ ترهنوني أولادكم‏.‏ قال‏:‏ يسب ابن أحدنا‏.‏ فيقال‏:‏ رهن في وسقين من تمر‏.‏ ولكن نرهنك اللأمة ‏(‏يعني السلاح‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فنعم‏.‏ وواعده أن يأتيه بالحارث وأبي عبس بن جبر وعباد بن بشر‏.‏ قال‏:‏ فجاءوا فدعوه ليلا‏.‏ فنزل إليهم‏.‏ قال سفيان‏:‏ قال غير عمرو‏:‏ قالت له امرأته‏:‏ إني لأسمع صوتا كأنه صوت دم‏.‏ قال‏:‏ إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة‏.‏ إن الكريم لو دعي إلى طعنة ليلا لأجاب‏.‏ قال محمد‏:‏ إني إذا جاء فسوف أمد يدي إلى رأسه‏.‏ فإذا استمكنت منه فدونكم‏.‏ قال‏:‏ فلما نزل، نزل وهو متوشح‏.‏ فقالوا‏:‏ نجد منك ريح الطيب‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ تحتي فلانة‏.‏ هي أعطر نساء العرب‏.‏ قال‏:‏ فتأذن لي أن أشم منه‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ فشم‏.‏ فتناول فشم‏.‏ ثم قال‏:‏ أتأذن لي أن أعود‏؟‏ قال‏:‏ فاستمكن من رأسه‏.‏ ثم قال‏:‏ دونكم‏.‏ قال‏:‏ فقتلوه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من لكعب بن الأشرف‏)‏ أي من كائن لقتله‏.‏

‏(‏ائذن لي فلأقل‏)‏ معناه ائذن لي أن أقول عني وعنك ما رأيته مصلحة من التعريض وغيره‏.‏

‏(‏قد عنانا‏)‏ أي أوقعنا في العناء وهو التعب والمشقة وكلفنا ما يشق علينا‏.‏ قال النووي‏:‏ هذا من التعريض الجائز بل المستحب‏.‏ لأن معناه في الباطن أنه أدبنا بآداب الشرع التي فيها تعب‏.‏ لكنه تعب في مرضاة الله تعالى‏.‏ فهو محبوب لنا والذي فهم المخاطب منه العناء الذي ليس بمحبوب‏.‏

‏(‏لتملنه‏)‏ أي لتضجرن منه أكثر من هذا الضجر‏.‏‏(‏بوسقين‏)‏ الوسق، بفتح الواو وكسرها‏.‏ وأصله الحمل‏.‏

‏(‏كأنه صوت دم‏)‏ أي صوت طالب دم‏.‏ أو صوت سافك دم‏.‏

‏(‏إنما هذا محمد بن مسلمة ورضيعه وأبو نائلة‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ قال القاضي رحمه الله تعالى‏:‏ قال لنا شيخنا القاضي الشهيد‏:‏ صوابه أن يقال‏:‏ إنما هو محمد ورضيعه أبو نائلة‏.‏ وكذا ذكر أهل السير أن أبا نائلة كان رضيعا لمحمد بن مسلمة‏]‏‏.‏

*3*43 – باب غزوة خيبر

120 – ‏(‏1365‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا إسماعيل ‏(‏يعني ابن علية‏)‏‏.‏ عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غزا خيبر‏.‏ قال‏:‏ فصلينا عندها صلاة الغداة بغلس‏.‏ فركب نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وركب أبو طلحة وأنا رديف أبي طلحة‏.‏ فأجرى نبي الله صلى الله عليه وسلم في زقاق خيبر‏.‏ وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وانحسر الإزار عن فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وإني لأرى بياض فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما دخل القرية قال ‏(‏الله أكبر‏!‏ خربت خيبر‏.‏ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏)‏ قالها ثلاث مرار‏.‏ قال‏:‏ وقد خرج القوم إلى أعمالهم‏.‏ فقالوا‏:‏ محمد‏.‏ قال عبدالعزيز‏:‏ وقال بعض أصحابنا‏:‏ والخميس‏.‏ قال‏:‏ وأصبناها عنوة‏.‏

‏[‏ش ‏(‏صلاة الغداة‏)‏ يريد بها صلاة الفجر‏.‏ والغداة والغدوة والغدية ما بين صلاة الفجر وطلوع الشمس‏.‏

‏(‏فأجرى نبي الله‏)‏ في الكلام حذف‏.‏ تقديره فأجرى نبي الله ركوبته وأجرينا ركوبتنا معه، بقرينة، قوله‏:‏ وإن ركبتي لتمس فخذ نبي الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏(‏بساحة قوم‏)‏ الساحة الفناء‏.‏ وأصلها الفضاء بين المنازل‏.‏

‏(‏والخميس‏)‏ روي بالرفع عطفا على محمد‏.‏ وبالنصب على أنه مفعول معه‏.‏ والخميس الجيش‏.‏ وقيل‏:‏ سمى به لأنه خمسة أقسام‏:‏ ميمنة وميسرة ومقدمة وساقة وقلب‏.‏

‏(‏عنوة‏)‏ هي بفتح العين‏.‏ أي قهرا لا صلحا‏]‏‏.‏

121 – ‏(‏1365‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عفان‏.‏ حدثنا حماد ابن سلمة‏.‏ حدثنا ثابت عن أنس‏.‏ قال‏:‏

كنت ردف أبي طلحة يوم خيبر‏.‏ وقدمي تمس قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ فأتيناهم حين بزغت الشمس‏.‏ وقد أخرجوا مواشيهم‏.‏ وخرجوا بفؤسهم ومكاتلهم ومرورهم‏.‏ فقالوا‏:‏ محمد والخميس‏.‏ قال‏:‏ وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏خربت خيبر‏.‏ إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏)‏ قال‏:‏ فهزمهم الله عز وجل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وخرجوا بفؤسهم ومكاتلهم ومرورهم‏)‏ الفؤوس جمع فأس‏.‏ وهي آلة يشق بها الحطب ونحوه‏.‏ والمكاتل جمع مكتل، وهو الزنبيل والقفة‏.‏ والمرور جمع مر، وهي المساحي أي المجارف من حديد‏.‏ أي أنهم لم يخرجوا للقائنا بل خرجوا إلى أعمالهم غير عالمين بنا‏.‏ وذكر القاضي أنه قيل‏:‏ إن المرور هي حبالهم التي يصعدون بها إلى النخل‏]‏‏.‏

122 – ‏(‏1365‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم وإسحاق بن منصور‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا النضر بن شميل‏.‏ أخبرنا شعبة عن قتادة، عن أنس بن مالك‏.‏ قال‏:‏

لما أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم خيبر قال ‏(‏إنا إذا نزلنا بساحة قوم فساء صباح المنذرين‏)‏‏.‏

123 – ‏(‏1802‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد ومحمد بن عباد ‏(‏والفظ لابن عباد‏)‏‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا حاتم ‏(‏وهو ابن إسماعيل‏)‏ عن يزيد بن أبي عبيد، مولى سلمة بن الأكوع، عن سلمة بن الأكوع‏.‏ قال‏:‏

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر‏.‏ فتسيرنا ليلا‏.‏ فقال رجل من القوم لعامر بن الأكوع‏:‏ ألا تسمعنا من هنياتك‏؟‏ وكان عامر رجلا شاعرا‏.‏ فنزل يحدو بالقوم يقول‏:‏

اللهم‏!‏ لو أنت ما اهتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا

فاغفر، فداء لك، ما اقتفينا * وثبت الأقدام إن لاقينا

وألقين سكينة علينا * إنا إذا صيح بنا أتينا

وبالصياح عولوا علينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من هذا السائق‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ عامر‏.‏ قال ‏(‏يرحمه الله‏)‏ فقال رجل من القوم‏:‏ وجبت‏.‏ يا رسول الله‏!‏ لولا أمتعتنا به‏.‏ قال‏:‏ فأتينا خيبر فحاصرناهم‏.‏ حتى أصابتنا مخمصة شديدة‏.‏ ثم قال ‏(‏إن الله فتحها عليكم‏)‏ قال‏:‏ فلما أمسى الناس مساء اليوم الذي فتحت عليهم، أوقدوا نيرانا كثيرة‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏ما هذه النيران‏؟‏ على أي شيء توقدون‏؟‏‏)‏ فقالوا‏:‏ على لحم‏.‏ قال‏:‏ ‏(‏أي لحم‏؟‏‏)‏ قالوا‏:‏ لحم حمر الإنسية‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏أهريقوها واكسروها‏)‏ فقال رجل‏:‏ أو يهريقوها ويغسلوها‏؟‏ فقال ‏(‏أو ذاك‏)‏ قال‏:‏ فلما تصاف القوم كان سيف عامر فيه قصر‏.‏ فتناول به ساق يهودي ليضربه‏.‏ ويرجع ذباب سيفه فأصاب ركبة عامر‏.‏ فمات منه‏.‏ قال‏:‏ فلما قفلوا قال سلمة، وهو آخذ بيدي، قال‏:‏ فلما رآني رسول الله صلى الله عليه وسلم ساكتا قال ‏(‏مالك‏؟‏‏)‏ قلت له‏:‏ فداك أبي وأمي‏!‏ زعموا أن عامرا حبط عمله‏.‏ قال ‏(‏من قاله‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ فلان وفلان وأسيد بن حضير الأنصاري‏.‏ فقال ‏(‏كذب من قاله‏.‏ إن له لأجران‏)‏ وجمع بين إصبعيه ‏(‏إنه لجاهد مجاهد‏.‏ قل عربي مشى بها مثله‏)‏ وخالف قتيبة محمدا في الحديث في حرفي‏.‏ وفي رواية ابن عباد‏:‏ وألق سكينة علينا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فتسيرنا‏)‏ أي فسرنا‏.‏ أو سرنا سيرا بعد سير، أو جماعة بعد جماعة‏.‏

‏(‏هنياتك‏)‏ وفي بعض النسخ‏:‏ هنيهاتك‏.‏ أي أراجيزك‏.‏ والهنة تقع على كل شيء‏.‏

‏(‏فنزل يحدو بالقوم‏)‏ أي يحث إبلهم على السير، ويغني لها‏.‏ وهذا الفعل يتعدى بنفسه وبالحرف‏.‏ فيقال‏:‏ حدا المطية وحدابها‏.‏ أي ساقها بالحداء‏.‏

‏(‏اللهم لولا أنت ما اهتدينا‏)‏ كذا الرواية‏.‏ قالوا‏:‏ وصوابه في الوزن‏:‏ لاهم، أو تالله، أو والله لولا أنت‏.‏ كما في الحديث الآخر‏:‏ والله لولا أنت‏.‏

‏(‏فاغفر فداء لك ما اقتفينا‏)‏ قال المازري‏:‏ هذه اللفظة مشكلة‏.‏ فإنه لا يقال‏:‏ فدى الباري سبحانه وتعالى‏.‏ ولا يقال له سبحانه وتعالى‏:‏ فديتك‏.‏ لأن ذلك إنما يستعمل في مكروه يتوقع حلوله بالشخص، فيختار شخص آخر أن يحل ذلك به، ويفديه منه‏.‏ قال ولعل هذا وقع من غير قصد إلى حقيقة معناه‏.‏ كما يقال‏:‏ قاتله الله، ولا يراد بذلك حقيقة الدعاء عليه‏.‏ وكقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ تربت يداك وتربت يمينك ويل أمه‏.‏ وفيه كله ضرب من الاستعارة‏.‏ لأن الفادي مبالغ في طلب رضا المفدى حين بذل نفسه عن نفسه للمكروه‏.‏ فكأن مراد الشاعر إني أبذل نفسي ورضاك وعلى كل حال فإن المعنى، وإن أمكن صرفه إلى جهة صحيحة، فإطلاق اللفظ واستعارته والتجوز به يفتقر إلى ورود الشرع بالإذن فيه‏.‏ قال‏:‏ وقد يكون المراد بقوله‏:‏ فداء لك، رجلا يخاطبه‏.‏ وفصل بين الكلام بذلك‏.‏ فكأنه قال‏:‏ فاغفر ثم دعا إلى رجل ينبهه فقال‏:‏ فداء لك ثم عاد إلى تمام الكلام الأول فقال‏:‏ ما اقتفينا‏.‏ قال‏:‏ وهذا تأويل يصح معه اللفظ والمعنى‏.‏ لولا أن فيه تعسفا اضطرنا إليه تصحيح الكلام‏.‏ وقد يقع في كلام العرب من الفصل بين الجمل المعلق بعضها ببعض ما يسهل هذا التأويل‏.‏ ومعنى اقتفينا اكتسبنا‏.‏ وأصله الاتباع‏.‏

‏(‏إنا إذا صيح بنا أتينا‏)‏ هكذا هو في نسخ بلادنا‏:‏ أتينا‏.‏ وقد ذكر القاضي أنه روىأبينا‏.‏ فمعنى أتينا‏:‏ إذا صيح بنا للقتال ونحوه من المكارم أتينا‏.‏ ومعنى الثانية أبينا الفرار والامتناع‏.‏

‏(‏وبالصياح عولوا علينا‏)‏ أي استغاثوا بنا واستفزعونا للقتال‏.‏ قيل‏:‏ هي من التعويل على الشيء، وهو الاعتماد عليه، وقيل‏:‏ من العويل وهو الصوت‏.‏

‏(‏وجبت يا رسول الله، لولا أمتعتنا به‏)‏ معنى وجبت أي ثبتت له الشهادة‏.‏ وستقع قريبا‏.‏ وكان هذا معلوما عندهم أن دعا له النبي صلى الله عليه وسلم هذا الدعاء، في هذا الموطن، فاستشهد‏.‏ فقالوا‏:‏ هلا أمتعتنا به‏.‏ أي وددنا أنك لو أخرت الدعاء له بهذا إلى وقت آخر لنتمتع بمصاحبته ورؤيته مدة‏.‏

‏(‏مخمصة شديدة‏)‏ أي جوع شديد‏.‏

‏(‏لحم الحمر الإنسية‏)‏ هكذا هو هنا‏:‏ حمر الإنسية‏.‏ بإضافة حمر‏.‏ وهو من إضافة الموصوف إلى صفته‏.‏ وسبق بيانه مرات‏.‏ فعلى قول الكوفيين هو على ظاهره‏.‏ وعند البصريين تقديره حمر الحيوانات الإنسية‏.‏ وأما الإنسية ففيها لغتان وروايتان حكاهما القاضي عياض وآخرون‏:‏ أشهرهما كسر الهمزة وإسكان النون‏.‏ قال القاضي‏:‏ هذه رواية أكثر الشيوخ‏.‏ والثانية فتحهما جميعا‏.‏ وهما جميعا نسبة إلى الإنس، وهم الناس، لاختلاطها بالناس‏.‏ بخلاف حمر الوحش‏.‏

‏(‏إن له لأجران‏)‏ هكذا هو في معظم النسخ‏:‏ لأجران‏.‏ وفي بعضها لأجرين‏.‏ وهما صحيحان‏.‏ لكن الثاني هو الأشهر الأفصح‏.‏ والأول لغة أربع قبائل من العرب‏.‏ ومنها قوله تعالى‏:‏ ‏{‏إن هذان لساحران‏}‏‏.‏ وقد سبق بيانها مرات‏.‏

‏(‏إنه لجاهد مجاهد‏)‏ هكذا رواه الجمهور من المتقدمين والمتأخرين‏:‏ لجاهد مجاهد‏.‏ وفسروا الجاهد بالجاد في علمه وعمله‏.‏ أي أنه لجاد في طاعة الله‏.‏ والمجاهد هو المجاهد في سبيل الله تعالى، وهو الغازي‏.‏ وقال القاضي‏:‏ فيه وجه آخر إنه جمع اللفظين توكيدا‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ العرب، إذا بالغت في تعظيم شيء اشتقت له من لفظه لفظا آخر على غير بنائه زيادة في التوكيد، وأعربوه بإعرابه‏.‏ فيقولون‏:‏ جاد مجد وليل لائل وشعر شاعر ونحو ذلك‏.‏

‏(‏قل عربي مشى بها مثله‏)‏ ضبطنا هذه اللفظة، هنا، في مسلم بوجهين‏:‏ وذكرهما القاضي أيضا‏.‏ الصحيح المشهور الذي عليه جماهير رواة البخاري ومسلم‏:‏ مشى بها‏.‏ ومعناه مشى بالأرض أو في الحرب‏]‏‏.‏

124 – ‏(‏1802‏)‏ وحدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني عبدالرحمن ‏(‏ونسبه غير ابن وهب، فقال‏:‏ ابن عبدالله بن كعب بن مالك‏)‏؛ أن سلمة بن الأكوع قال‏:‏

لما كان يوم خيبر قاتل أخي قتالا شديدا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فارتد عليه سيفه فقتله‏.‏ فقال أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم في ذلك‏.‏ وشكوا فيه‏:‏ رجل مات في سلاحه‏.‏ وشكوا في بعض أمره‏.‏ قال سلمة‏:‏ فقفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من خيبر‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ ائذن لي أن أرجز لك‏.‏ فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال عمر بن الخطاب‏:‏ أعلم ما تقول‏.‏ قال فقلت‏:‏

والله‏!‏ لولا الله ما هتدينا * ولا تصدقنا ولا صلينا

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏صدقت‏)‏‏.‏

وأنزلن سكينة علينا * وثبت الأقدام إن لاقينا

والمشركون قد بغوا علينا

قال‏:‏ فلما قضيت رجزي قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من قال هذا‏؟‏‏)‏ قلت‏:‏ قاله أخي‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏يرحمه الله‏)‏ قال فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن ناسا ليهابون الصلاة عليه‏.‏ يقولون‏:‏ رجل مات بسلاحه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم