قصص قصيرة جدا بقلم محمد سعيد الريحاني – المغرب

-1-

قرابين

أذكر جيدا قصة حبي الأول: كيف تخليت عن نفسي
للحلول في الحبيبة، وكيف قدمت نفسي قربانا للحبيبة، وكيف صارت الحبيبة مع
توالي الأيام ترى القربان واجبا يوميا عليَّ تقديمُه.

أتذكر جيدا قصة حبي الأول لأن فشلها عجل بدخولي عالم الدين الذي انتشلني من
الانتحار والإدمان والاكتئاب والانهيار الشامل.

في الدين نضجت وتغيرت عاداتي وزوايا نظري للأمور. فعوض أن أقدم نفسي قربانا
لغيري، صرت أقدم الحيوانات والطيور قرابينَ بديلةً وأنتظر المغفرة والهداية
والعفو والصفح.

لكن النضج الأكبر الذي ينشده كل إنسان يعرف من جهة أولى مصلحته ويعي من جهة
أخرى كيفية سير الأمور حدث لي حين انخرطت في سلك السياسة.

في العمل السياسي، تعلمت كيف أضحي بالجماهير فداء لمصلحة الحزب، وكيف أضحي
بالرفاق الصغار فداء للتسلق داخل أجهزة الحزب، وكيف أضحي بالأطر الوازنة في
مكاتب الحزب استجابة لنوازع انسياب السلطة المتنامية في عظام َفَكّي
الأَعْلَى وفَكّي الأسفل.

-2-

الرجل والكلب

تساءل حراس السجن عن سبب إقْحام كلب مع معتقل
في زنزانة واحدة وعلموا بعد فضول عنيد أن الكلب لم يقبل بفراق صديقه الذي
انهار على أرض قاعة المحكمة بعد سماعه قرار الإدانة بالسجن مَدَى الحياة مع
الأشغال الشاقة.

من شقة باب الزنزانة، عندما كان الحراس يدفعون صحن الغداء وكسرة الخبز،
يظلون يراقبون.

في البداية، كان الرجل يأكل الخبز مغموسا في المرق ويترك العظم للكلب.

مع الأيام، عند بدء تقديم لحم الجاموس المملح للمعتقلين، صار الرجل يأكل
اللحم ويترك العظم للكلب.

وعندما بدأت الإدارة تسمح بدخول الدجاج لمطبخ السجن، كان الرجل يأكل لحم
الدجاج ويترك العظام للكلب.

وعندما هيأ مطبخ السجن، بمناسبة قدوم وفد أجنبي عن إحدى المنظمات الحقوقية
الدولية، الكفتة للأسرى ؛ أكل الرجل الكفتة كلها ولم يترك شيئا للكلب الذي
لم يصدق عينيه،

والذي صمت طويلا وهو يحدق في عيني صديقه،

والذي بدأ يئن ويتوجع،

والذي تملكه نباح مسعور،

والذي انقض على صديقه وَأَكَلَه.

-3-

فراسة

كان الشاب يسرع الخطى وهو يدخن سيجارة تجاور
حمرة لهبها شفتيه ويتأبط قنينة خمر رخيص متجها نحو ماخور تنادي من نوافذه
المومسات على المارة كما ينادي الباعة المتجولون على الزبناء حينما أوقفته
كلمات شيخ تعلو ملامحه علامات دراسة الفراسة:

– “أراك وحيدا ومدمنا ومبتلى!”…

وحين توقف الفتى وجمد مكانه، واصل الشيخ:

– “التدخين للمتوترين، ومعاقرة الخمر للأشقياء، وارتياد المواخير للخجولين،
وإدمان الوحدة للمنبوذين!”…

ثم انصرف تاركا الشاب يتفرس صورة وجهه منعكسة على زجاج قنينة الخمر الرخيص
المطلة من تحت إبطه.

-4-

غابة

أحاطت به عصابة الفجر من كل جانب وقال له
أعضاؤها قول رجل واحد:

– “اخرج ما في جيوبك وإلا فلن تلوم غير نفسك!”…

انتبه للسكاكين حول عنقه وخاصرته وظهره وبطنه وأعطاهم ما في جيبه من أوراق
نقدية حتى إدا ما أخلوا سبيله وانصرفوا قصد أقرب مخفر للشرطة ليحتج عن
الأمن الغائب في البلد وعن الوطن الذي صار غابة وعن غربة المواطن في غياب
أي حماية اللهم الرعاية الإلهية التي أعمت اللصوص عن المال الذي لا زال
يحتفظ به في جواربه.

أنهى الضحية احتجاجه على الشرطي داخل المخفر وخرج يرغد ويزبد.

في الباب، طوقته نفس العصابة بنفس الأسلحة البيضاء وقال أعضاؤها قول رجل
واحد:

– “هات المال الذي لا زلت تحتفظ به في جواربك!”…

– 5-

مناضل


أخذوا أطفاله للضغط عليه وحمله على الوشاية برفاقه والاعتراف بما لم يقترفه
فهز كتفيه وقال:

– سيعلمونهم الثأر للحق، سيعلمونهم الانتقام!

هدموا بيته فهز كتفيه وقال:

– قبرُ الدنيا: مجرد قبر!

احتجزوا سيارته فهز كتفيه وقال:

– مجسم سيارة: مجرد لُعبة!

علقوه وجلدوه فصرخ حتى تمزق فمه ليطل “غاندي” من حلقه قائلا للجلادين:

– لكم جلودنا ولكنكم لن تستطيعوا أبدا النفاذ إلى أرواحنا!

-6-

مراتب الغش


محكمة!

في قضية الغش في بناء القبور التي هوت على رؤوس أهاليها من الأموات، حكمت
المحكمة ب”عدم الاختصاص”.

وفي قضية الغش في بناء حي سكني خاص بالوافدين من أحياء الصفيح وما نتج عنه
من هلع وفوضى في صفوف الساكنة، حكمت المحكمة على المنعش العقاري المسؤول
ب”ترميم المساكن المتضررة”.

وفي قضية الغش في بناء السجن المركزي الدي ترتب عنه تشقق في الجدران
الخلفية للسجن والتي ساعدت إلى حد كبير في هروب السجناء، حكمت المحكمة على
المهندس المعماري والمنعش العقاري ومدير السجن ب”عقوبة الإعدام”.

ورفعت الجلسة!

-7-

“تَشْبيب”

اقترب الطبيب الخاص من أذن سيادة رئيس البلاد
الممدد على فراش الموت وقال له:

– لن تعيش أكثر من أسبوع، سيادة الرئيس!

فطلب الرئيس حضور ميكروفونات وكاميرات الإذاعات والتلفزات ووسائل الاتصال
جميعها ليخطب في شعبه نبوته الجديدة وإلهامه الأخير:

– أيها الشعب الأبي، لقد كنت دوما راعيا لكم وكنتم دوما رعية لي. أنصتُ
لنبض قلوبكم وأدمغتكم وتنصتون لقراراتي وأوامري. وهذا أمري الأخير: إن حاجة
البلاد اليوم هي أكثر من أي وقت مضى في حاجة إلى تشبيب رجالات البلاد
وتشبيب طرائق تسيير البلاد وتشبيب دماء البلاد وسيتولى ابني الشاب البار
أمر التشبيب وأمر شباب اليوم حتى يصبحوا كهولاً على أن يتولى بعد تلك
الحقبة تشبيب جديد يقوده شاب بار جديد من صلب سلالتنا البارة!…

بعد الخطبة الرئاسية، خرج شباب البلاد إلى الشوارع للتظاهر حاملين لافتات
كتب عليها نتف من خطبة السيد الرئيس ليرددوا بعد رجال الاستخبارات المنظمة
للتظاهرة الشعارات المكتوبة على الورق…