قصة بقلم رحاب فارس بريك – فلسطين

‎كان في قديم الزمان رجل صالح وحكيم، يعمل في تجارة المواشي وكان كثير السفر ويرى العجب من أعمال خلق الله,من ظلم وقلة دي فما استطاع السكوت، كونه أديبا معروفا.

مر في اليوم الأول بمملكة كثر فيها ظلم ملكها ودكتاتوريته، فكان يبعث الرعب والذل في قلوب سكان مملكته ,فكتب الحكيم رسالة للملك يخاطب فيها ضميره كي يرحم الرعية، فلما نام ليلته حلم بأن خدم الملك حضروا إليه فاقتادوه وأحرقوه على مرأى من الجميع ,فلما كان الصباح استيقظ مرعوبا ولف الرسالة وخبأها كي لا تصل يد أحد.

‎في سفرته الثانية وصل الى بلاد كان ملكها متواضعا عادلا طيب القلب، لكن أهل مملكته كانوا ناكري فضل ملكهم كثيري التذمر والشكوى فكتب رسالة لأهل المملكة يدعوهم فيها أن يطيعوه كونه تقيا عادلا، ولما نام ليلته جاءه هاجس وصرخ فيه..ويل لك كيف تُغضب الشعب! ألا تعلم بأنهم سيرمون لحمك للكلاب!

‎فلما كان الصباح استيقظ مفزوعاً وخبأ الرسالة، فوصل الى بلاد كثرت فيها قلة الدين والكفر,فكتب رسالة يهدي فيها الخليقة أن يتقوا الله، فلما نام جاءه الهاجس وصرخ به: الويل لك! يا لك من مجنون ألم تر بنفسك قلة دينهم ..سوف يعلقون رأسك في الغابة لتأكلك الغربان!

‎وعندما استيقظ ارتجف خائفا وخبأ الرسالة،وبقي على هذا الحال كلما كتب في أمر جاءه هادس يحذره من شر ما يفعل.

‎فقرر أن يكتب قصائد في العشق والغزل وبهذا لن يغضب أحدا. ولكن جاءه الهادس في حلمه وقال له ..ألا تخجل من نفسك! في مثل سنك وفي مركزك تريد أن تضحك الناس عليك فيتهمونك بالعشق والاستهتار! ألا تستحي على شيبتك؟ فلما أصبح الصباح حمل معوله ونزل إلى السوق، وكان السوق يستقبل مرة في السنة كل أدباء العرب فيحضره الملوك, ويعمّه الصغير والكبير للاستفادة من معرض الأدب المختار .وقف وسط السوق وصار يحفر حفرة كبيرة وكلما مر أحدهم ورآه يحفر بهذا الشكل كان يهز رأسه آسفا.لا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم .لقد جن حكيمنا.

‎في اليوم التالي اجتمع القريب والبعيد وصار كل أديب يعرض ما كتبه من مديح وقصص في العشق والغزل.إلا الحكيم بقي واقفاً بجانب حفرته صامتا. فقال له ملك الملوك.ما بك صامت يا حكيمنا أتحفنا من حكمتك،واشرح لنا ما هدفك من وراء هذه الحفرة! فصمت الجميع بانتظار جوابه، فقد ثار فضول الجميع!

‎فقال الحكيم : يا مولاي لقد ساءني ما وصلنا إليه من ضلال وانحطاط ، فما كان بوسعي السكوت أكثر, والصمت على الخطأ مذله, وبما أنني كنت على علم بأني كنت في كل رسالة كمن حفر قبره بيده، فقد وفرت عليكم مشقة حفر قبري، فما عليكم إلا أن تقرأوا رسائلي وليدفعني أحدكم للحفرة وليدفنني الباقون، فخير لي أن أموت شجاعا من أن أعيش صامتا لا مباليا جبانا .

‎فما كان من ملك الملوك إلا الصمت وسأله: وهل في رسائلك واحدة تنتقدني بها ؟

‎تردد الحكيم للحظات فساد صمت كصمت القبور…. لكنه رفع رأسه وتشجع قائلا ….جل من لا يخطئ يامولاي……أستميحك عذرا حتى أنا نفسي راجعت ماضيّ فلم يسعني إلا البدء بانتقاد نفسي على أخطائي.. فصاح الملك فجأة بصوت ارتجف له الحضور.لقد أعطيت حكيمنا الأمان وعليكم جميعا اتباع رسائله ومن يتعرض له كأنه تعرض لملك الملوك . وقد عينته منذ اللحظة مستشاري الخاص.فابدأ بفتح عيوني وقلبي جازاك الله خيرا. أيها الأديب الحكيم…

‎الجليل فلسطين