في رحاب التقنية بقلم محمد سعيد الريحاني – المغرب



”يختلف العلم سواء في سعيه نحو غايته أو في مبدئه عن بادئ الرأي اختلافا مطلقا… إن الفكر العلمي يمنعنا من أن نكون آراء تبدو لنا حول قضايا لا نفهمها، ومسائل لم نصغها صياغة واضحة. ينبغي أولا وقبل كل شيء معرفة طرح المسائل، ومهما قيل فإن المسائل في الحياة العلمية لا تطرح نفسها. وهذا الحس بالضبط، حس طرح المسائل والشعور بها، هو الذي يشكل الصفة الأساسية للفكر العلمي الصحيح. فعند هذا الفكر تكون كل معرفة جوابا عن سؤال، ولولا السؤال لما كانت هناك معرفة علمية. فلا شيء من تلقاء ذاته ولا شيء يعطى وكل شيء يبنى ويشيد.”
 غاستون باشلار
‎

”تكوين العقل العلمي”
‎

1967، ص. 14




طل الجابي برأسه من نافذة الحافلة على المسافر الذي نزل فجأة إلى الشباك البنكي على الرصيف، قائلا :
‎

- يا سيدي، لدينا خمسين راكبا على متن الحافلة وهم يصرخون في وجه السائق ويطالبونه باستئناف السفر .
أجابه المسافر على الأرض هو يدخل بطاقته البنكية في شق الشباك الآلي: 
‎

- لحظة من فضلك، سيدي. سآخذ نصيبا من المال أنا بأمسّ الحاجة إليه قبل محطة الوصول النهائي للحافلة. مجرد دقيقة. دقيقة واحدة. الأمر سيتم بمنتهى السرعة. نحن، سيدي، في زمن السرعة، زمن التقنية، زمن خدمة الإنسان.

الجابي، غاضبا :
‎

- يا سيدي، لقد توقفنا عند هذا الرصيف أكتر من اللازم. إن كنت تريد مواصلة السفر معنا فمرحبا. وإن كنت تفضل البقاء هنالك، فاسحب أمتعتك من الصندوق، من فضلك.
‎مسافر، مهادنا :
‎

- مهلا، سيدي. أنا لدي تذكرتي ثم إنني معكم منذ بداية الرحلة…
الجابي، صارخا:
‎

- حسنا. إذا كانت لديك تذكرة فأقرأ فيها أخطاءك: “من تأخر عن موعد السفر لا تقبل منه شكاية”.
ثم أدخل الجابي رأسه وهو يطلب من السائق الانطلاق :
‎

- رول، آلشيفور. رووووول!…

‎ثم غابت الحافلة تاركة وراءها زوبعة من الدخان والغبار تعتم على وجهة سفر الأمتعة في صندوق الحافلة. حتى حين رسا الغبار، كان الشباك الآلي لا يزال يقرأ شفرة البطاقة ويحاول التعرف على صاحبها ورصيدها…
‎أزيز الشباك يبشر ببداية العملية الآن.
‎أخيرا، هاهي الزجاجة الواقية تنجلي عن مفاتيح الأرقام! وهاهي الشاشة ترحب بي بلباقة ظاهرة وتطلب مني إدخال قني الشخصي.
‎أدخلت قني الشخصي! أنتظر.
‎الشباك بدوره ينتظر . نتناظر وننتظر، أنا وإياه.
‎أخيرا، عاد الأزيز ليوقظ في الاستعداد لتركيب أرقام المبلغ. الأزيز يطول والشاشة مازالت تظهر الترحيب السابق وقني الشخصي والليل يزحف فوقي باتجاه الغرب….
‎التعب بدأ يدب إلى ركبتَي ووركي.
‎أخيرا، تظهر على الشاشة علبة حوار تطلب مني تركيب المبلغ المراد سحبه من الشباك الأوتوماتيكي. ركبت المبلغ وصادقت عليه بالضغط على زر “موافق” ثم بدأت انتظر.
‎الشباك، غير مستعجل، ينتظر هو كذلك.
‎نقف، أنا وإياه، متواجهين، نتناظر وننتظر.
‎يعود الأزيز مرة أخرى. افرك يدي استعداد لتسلم المبلغ وعد الأوراق المالية . افرك يدي. افركها. يتوقف الأزيز فجأة. تظهر علبة حوار جديدة. اقتربت منها لقراءتها:
” زبوننا العزيز. الشباك غير جاهز مؤقتا. شكرا على تفهمكم.”

هل تعطل الشباك حقيقة ؟!
والبطاقة الالكترونية ؟!
هل احتفظ بها، الشباك ؟!
والمبلغ المالي المطلوب؟!
أنا مجرد زائر من مدينة بعيدة، والليل أسدل ستائره على الكون ولن يكون بإمكاني مغادرة الشباك لأي سبب أو غرض. من يدري ؟! فقد يعود الشباك الآلي للعمل في لحظة من فترة غيابي فيخرج بطاقتي والمبلغ المالي.
‎ ومن يدري؟! فقد تمتد إليها أصابع طائشة وتسحبها…
اسودت الشاشة بالكامل وانطفأت أزرار الشباك جميعا وانتقل الأزيز من الشباك إلى دماغي.
أحس بالدوار.
طلبت كرسيا من نادل المقهى المجاور. احضره له لي في رمشة عين ووضع لي مائدة اتكئ عليها ثم اقترب مني عارضا خدمة. طلبت قهوة مضغوطة، استعداد للسمر. ومن يدري ؟! قد يعود الشباك للعمل بعد منتصف الليل وعلي ،آنذاك، أن أكون يقظا.
رشفت من قهوتي السوداء. فتحت عيني

 : المدينة تدور بي، أضواء السيارات تعميني. الصداع، الصداع… أي مدينة هذه ؟ يجب أن أسأل النادل. ناديته:

‎
- نادل ! 
أوه ! لكني لست راكبا في حافلة أو سيارة. إنني على الأرض. والسؤال عن اسم المدينة قد يجعل مني إنسانا أحمقا في عين النادل وقد يفقدني احترامه…


‎انحنى النادل على مائدتي بيديه خلف ظهره
‎-أمرك، سيدي ؟
حولت الطلبية إلى كوب ماء
‎- كوب ماء، من فضلك
احضر لي الكوب وانصرف
‎سأتعرف على اسم المدينة من خلال أرقام تسجيل السيارات

 فأرقام التسجيل الغالبة ستكون هي أرقام تسجيل هذه المدينة : السيارات تمرق أمامي يمينا ويسارا بأرقام تسجيل لا تتكرر.واستخلصت أن هذه مدينة عابرة لزوار عابرين وأحسست ثانية بالدوار ولم أصح إلا على صوت النادل وهو يطلب مني الأداء :

‎
- عذرا، سيدي. سنقفل المقهى !

أحسست فجأة أنني سأبقى وحيدا في الظلام، هنا، بجانب الشباك. 
فقلت له
‎

- والشباك ؟
‎أجاب ، متعجبا 
‎

- الشباك تابع للوكالة البنكية ونحن تابعين في عملنا للمقهى!….

أدركت مدى سذاجة سؤالي. فحيثما كان الجواب بليدا كان السؤال قبله أبلد.

أديت قهوتي ونهضت من مكاني لأفسح له المجال لجمع الكراسي والموائد. وقفت قرب الشباك الآلي ، برجل مسندة على الحائط ويدين متصالبتين على صدري، انتظر انتقال الأزيز من دماغي إلى الشباك.

- “السلام عليكم !”

‎انتفضت من مكاني وأحسست للتو أنني كنت نائما وقوفا. فرددت التحية بأحسن منها، في ظل إحساسي بالوحدة في ظلام مدينة غريبة. لكن الرجل اقترب مني بكلبه وهراوته، قائلا:

‎
- ابتعد قليلا من هنا، من فضلك!

حكيت له قصتي. حتى إذا ما انتهيت قال :

‎
- ولكن إلى متى ستظل هنا حارسا ثانيا على الشباك ؟ أجبته :

- حتى الثامنة من صباح الغد حين تشرع الوكالة بابها للزبناء فأفاتح مديرها في الأمر. ليس لدي ما اخسره بعد الذي حصل.

تأملني الحارس قليلا تم قال وهو يجر كلبه، مبتعدا 
‎
- إذا لم يكن لديك ما يخسره في الأيام الأربعة المقبلة فلسوف تحصل على حقك… 

أيقظتني أعداده ، فقلت له
‎
- أنا هنا انتظر صباح الغد. لماذا انتظار أربعة أيام؟!

رد الحارس بعدما عبر الشارع واطمأن أنه على الرصيف الآخر
‎
- غدا سينظم مستخدمو الوكالة وقفة احتجاجية في نفس المكان الذي تقف فيه الآن. وقد تتدخل قوات الأمن بالعصي وتشملك معهم …

قاطع محاولا التمسك ببريق أمل هارب
‎
- إذن، بعد غد…

‎جاب الحارس ، ساخرا :

‎
- السبت والأحد يسميهما العالم “عطلة نهاية الأسبوع”! 

الدوار يعاودني. النجوم الجوفاء في السماء تحيل الكون كله إلى لوحة لفان غوخ. الدوار في هذه المدينة قانون. الآن فقط أعرف اسم هذه المدينة: “بيرمودا”.

‎قصة قصيرة بقلم الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني