حكاية سعيد بن حدو الأزموري بقلم شعيب حليفي – المغرب

‎أصبحت المعلومات حول سعيد بن حدو/استيبانيكو جزءا من السيرة المختصرة المتداولة وفي كل مرة تضاف معلومات قليلة ، وهي كفيلة بإغراء الباحثين والمبدعين من المغرب وأمريكا والبرتغال واسبانيا للمزيد من تقصي آثار رحلة تجمع كافة مكونات التحول الذي كانت أوربا تسير في اتجاهه

‎ *****

‎حوالي سنة 1503ولد سعيد بن حدو بمدينة أزمور والتي كانت تشكل إلى جانب سهول أخرى شريطا غنيا على نهر أم الربيع وساحل المحيط الأطلسي.كما اشتهرت أزمور بوفرة سمك الشابل الشهير والذي كانت تُحمل منه عدة سفن إلى مملكة البرتغال.

‎*****

‎في العام 1513 سقطت مدينة أزمور في أيدي جيش ملك البرتغال. وبين عامي 1520-1521 ضربت البلاد مجاعة دفعت بالأهالي إلى بيع أبنائهم. وبيع سعيد بن حدو إلى برتغالي ورحل إلى أوروبا، على متن أحد المراكب الخمسين التي كانت تغادر ميناء أزمور يومياً محمّلة بالعبيد. 


‎في كاديس اقتنى أندريس دورانتيس الشاب المغربي الأزموري الذي نسب إليه فيما بعد، ليحمل اسم إستبيان دي دورانتيس. رحل أندريس دورانتس القشتالي مع عبده إلى العالم الجديد بحثاً عن الذهب والثروة والشهرة. وهناك في جزر الكاريبي المستعمرة الإسبانية توطّدت علاقة العبد بسيده الذي بات قائداً لفيلق مشاة، مما فتح له ولعبده الأزموري باب المشاركة في أول حملة استكشافية لمناطق فلوريدا الحالية، والمناطق العذراء التي تزخر بالذهب والحجارة الكريمة في مخيّلة الكونكيسادوريس الأسبان والبرتغال.

‎*****

‎ضمّت أول حملة استكشافية للمناطق المسمّاة حالياً بولاية فلوريدا في العام 1527 حوالي 400 رجل، لم يصمد منهم أمام الجوع والعطش والمرض وسهام الهنود سوى أربعة رجال، كان قائدهم إستيفانيكو المغربي (الأزموري).

انطلقت الحملة في العام 1527 بقيادة بانفيلودي نارفاييز الذي خدم العرش الإسباني لمدة عشرين عاماً ولعب استكشاف إستفانيكو دوراً محورياً في اكتشاف جنوب ولايات المتحدة الحالية، ومات هناك في مدينة سيبولا الأسطورية، إحدى مدن الذهب السبع لدى الهنود الحمر. يعتبر إستفانيكو أول أجنبي وطئت قدماه أرضها. وقد عين الملك كارلوس الأول، القائد نارفاييز حاكما اسبانيا على ولاية فلوريدا المفترضة ،وشاءت الأقدار أن تواجه سفن الحملة المتوجهة إلى نهر ميسيسيبي عواصف قوية حطمت إحدى البواخر وألحقت الأضرار بالأخريات مما اضطر البعثة إلى قضاء فصل الشتاء في كوبا .

‎في شهر فبراير من عام 1528 انطلقت سفن الحملة الأربعة الأصلية بالإضافة إلى أخرى خامسة اشتراها( بانفيلو دي نارفاييز) لكن الحملة واجهت الأعاصير قبل الرسو يوم 12 ابريل من نفس السنة في فلوريدا ،وبالضبط من شمال خليج بامبا حيث لمح هنود حمر- وكانوا إحدى قبائل الصيادين- السفن الخمسة والأربعمائة رجل تنزل علي اليابسة برفقة جيادهم الاثنين والأربعين ،فاهدي السكان الأصليون للوافدين الجدد سمكا وطرائد برية عربونا على المسالمة قبل أن يتبخروا في جنح الليل مخلفين شباك صيدهم التي عثر بها رفاق سعيد بن حدو (استيفانيكو )على قطع ذهبية مما كان عربونا حاسما على وجود الذهب بوفرة في هذه المناطق.

‎انقسم أفراد الحملة إلى قسمين القسم الأول سيظل في عين المكان يحرس السفن الخمس والقسم الثاني سيحمل راية العرش الأسباني ليكتشف اليابسة بحثا عن مناجم الذهب . هكذا انطلقت رحلة ثلاثمائة رجل داخل فلوريدا . رجال يقودهم ذي نالافاييز نفسه .لكن الواقع المرعب لهذه الرحلة جعل القائد يقرر الرجوع إلى خليج بامبا للعودة في مراكبه والفرار من موت أكيد ؛ لكن المفاجأة الكبرى انه لم يجد مراكبه وفريقه الأول الذي تركه على الساحل والذي فر إلى المكسيك هروبا من ارض أحسوا بعدوانيتها تجاههم.

لم يتبق خيار أمام القائد ورجاله سوى إنقاذ أنفسهم وذلك بصنع قوارب بديلة للرحيل ،فعمد استفانيكو ومن معه الى بناء قوارب مسطحة بمواد بدائية مما توفر لهم وظلوا يعملون طوال ستة أسابيع حتى لم يبقى لديهم سوى حصان يتيم لأنهم كانوا يقتاتون من لحومها، وحينذاك قاموا بخياطة قمصانهم لتصبح أشرعة وأبحروا . سار سعيد بن حدو مع سيده دورانتيس وحوالى خمسين رجلا من ضمنهم الونزو ديل كاستيو مالدونالدو على نفس المركب المسطح .لكن بعد يوم او يومين تعفن الماء المخزون في القِرب المصنوعة من جلد الجياد ،ولم يعد في حوزتهم سوى قليل من الشعير لسد الرمق . ظلت مياه الميسيسيبي تتلاعب بهم وتهددهم بالموت وهم يعانون الجوع والعطش وحرارة الشمس ؛لكن حظهم كان أفضل من حظ الآخرين الذين غرقت قواربهم –باستثناء واحد كان يقوده ( كابيزا دي فاكا).

التقى الناجون من ركاب اقاربين وعددهم ثمانين فردا من ضمنهم قائد الحملة بانفيلودي نارفييز في شاطئ تكساس .بجزيرة أطلقوا عليها اسم (مالهادوا) أي التعاسة ،في حين تمكن مركبان من السير على سواحل لويزيانا طيلة أربعة أيام لكن زوبعة عنيفة فرقتهما وانتهى أمر مركب الأزموري إلى جزيرة “كاليفسطون “وكان ذالك في 1528اما الباقون فذهبوا ضحية الجوع والعطش أو قتلوا على يد الهنود .لم ينج سوى أربعة منهم الأزموري.


أخذ الهنود الأزموري ورفاقه الثلاثة .عامل السكان الأصليون الأربعة بطيبوبة ،حيث بقوا أسرى خمس سنوات،وفي شهر ابريل 1534قرر الأربعة وهم :استيفانيكو،دورانتيس،كاستيو،كابيزادي فاكا الفرار منتهزين فرصة غياب أهل القرية لتنطلق رحلة جديدة للرجال الأربعة من جديد،من الشرق إلى الغرب عبر تكساس وفلوريدا واتفق أن عالج الأربعة بعض الهنود المرضى مرتلين بعض الأدعية باللغة اللاتينية.كما انقدوا من الموت أحد المرضى .ليفقدوا من زاوية نظر البويبلوس صفة الغزاة الغرباء وينالوا لقب أبناء الشمس ،وقد ساعدهم في ذلك إتقان استيفانيكو المغربي الأزموري لست لهجات محلية على الأقل وربطه لمجموعة علاقات أهلته للحصول على التواصل والانسجام مع الهنود .


وفي 1535 توجه الأربعة محور المكسيك فقطعوا بلاد تكساس وعبروا النهر الكبير وقد شاع خبر معجزات الأسود والبيض الثلاثة في إنقاذ الناس من الموت مرضا .فبدأت قوافل الهنود ترافقهم من قرية إلى أخرى وتهديهم الأكل والشراب وجلود الغزلان وأغطية القطن ولالئ المرجان وقطع الفيروز والزمرد ومنحوتات نحاسية . هكذا تصف رسالة من تلك الحقبة سعيد بن حدو خلال رحلته الأولى هذه إلى فلوريدا: ” أعضاؤه ضخمة مزينة بنياشين الزهر والأجراس، أما صندوقه الكبير فكانت التمائم تملؤه . ترافقه العديد من نساء الهنود اللواتي أهدتهن القبائل له “.وتضيف رواية أخرى انه كان يزين رأسه بريشة قصيرة مرصعة بالجواهر أهداها له أحد زعماء الهنود ،ويحمل معه دائما شيئا طبيا “. ذاع صيت الرجال الأربعة لدرجة أن من عجزوا عن علاجه ،يُمسخ في نظر الآخرين ويصبح لعين “أبناء الشمس “لان القدر انتقم منه.

‎التحق استفانيكو بالحامية العسكرية الأسبانية المتواجدة في مرسى سان – ميغل دي كوليكان الذي سينطلقون منه للوصول إلى العاصمة المكسيكية.وأخبروا ممثل الملك الأسباني أن هناك مدنا ذهبية أهمها مدينة سيبولا الأسطورية بل إن استفانيكو أكد رؤيتها بعينه ،وهو ما أدى بنائب الملك الأسباني في المنطقة إلى تعيينه ضمن حملة أخرى ستنطلق في عام 1539 تحث قيادة المبشر الراهب الفرنسيسكاني فراي ماركوس لاكتشاف مدن الذهب سيكون مرشدها هو الأزموري.

‎انطلقت الحملة في شهر فبراير من سنة 1539 وانقسم أفرادها كالسابق إلى قسمين إلا أن هذه المرة تقدم فريق يقوده استيفانيكو، وبقي القسم الثاني يقتفي اثر القسم الأول والذي يتزعمه الراهب .وكان استيفانيكو ابن ازمور يخبر رئيسه باكتشافاته عن طريق رسل يحملون صليبا يدل حجمه على اقترابه من مدن الذهب الأسطورية . ونظرا لشهرة استيفانيكو التي اكتسبها في رحلته الأولى وجعلته ابن الشمس القادر على علاج المرضى .فقد رافقه المئات من الهنود ليرشدوه إلى أكبر وأشهر مدن الذهب السبع الأسطورية وهي مدينة سيبولا .

‎تقول وثيقة اسبانية تاريخية تعود إلى سنة 1540 “بعد أن انفصل استيبان –استيفانيكو-عن الراهب .ظن انه باستطاعته الاستحواذ على شرف اكتشاف مدن الذهب بمفرده وان ذلك سيجعل منه رجلا شجاعا ومقداما في نظر الآخرين .هكذا فقد ترك مسافة كبيرة بينه وبين باقي أفراد البعثة .وحل في سيبولا رفقة الهنود … وصل استيفانيكو إلى سيبولا محملا بكمية من أحجار الفيروز الكريمة التي أهداها له البويبلوس .بالإضافة إلى عدد هائل من النساء الجميلات التي وهبه إياها الهنود المرافقون له .وقد كان هؤلاء يلتحقون بركبه كلما عبر قبيلة معتقدين انه سيحميهم من كل الأخطار.

‎لكن سكان سيبولا كانوا أكثر ذكاء من أبناء فصيلتهم المرافقين للمغربي .ولهذا فرضوا عليه الإقامة الجبرية في كهف خارج المدينة واستنطقه حكماؤهم وشيوخهم لمدة ثلاثة أيام لمعرفة أسباب وفوده عليهم قبل أن يجتمعوا لتقرير مصيره. قال استفانيكو لمستنطقيه بأن رجلين من البيض سيلتحقان به وبأنهما موفدان من طرف نبيل يعرف ما في السماوات وأضاف بأن الراهبين مكلفان بتلقين الهنود أصول الدين .

‎لم يصدق زعماء سيبولا المغربي وظنوه جاسوسا لقبيلة تريد غزو أراضيهم كما لم يتقبلوا أن يكون رسول البيض ذو بشرة سوداء . إضافة إلى كل هذا أغاضتهم طلباته المتكررة بالحصول على الفيروز والنساء فقرروا قتله . وهذه هي الرواية الاسبانية لنهاية سعيد بن حدو.


للهنود المنطقة روايات أخرى مغايرة يرددونها حول مقتل سعيد الأزموري .تقول إحدى الروايات الخاصة بقبيلة تسمى زوني التي تعتقد أن البومة طائر الموت ونذيره لأن جِرابه الطبي كان مصنوعا من ريش البوم فرأى الأهالي في ذلك نذير شؤم وقرروا قتله . كما أن هناك رواية مشابهة تقول بأن الأزموري أرسل إلى صاحب مدينة-سيبولا- رسولين حاملين آنية تحتوي على بعض الخيوط وريشتين ،واحدة بيضاء والأخرى أرجوانية اللون .ولما مثل الرسولان أمام صاحب المدينة وقدما له الآنية رماها أرضا حينما شاهد محتواها وأمر الرسولين بالرجوع من حيث أتيا وانذرهما بأنه سيقتل جميع أصحابهما إن هم دخلوا المدينة . لكن الأزموري تجاوز هذا الأمر واقترب من المدينة فأُلقي القبض عليه هو وأصحابه .وفي اليوم التالي حول الأزموري الفرار مع رفاقه غير أن حماة المدينة طاردوهم وقتلوا عددا منهم وسقط الأزموري بعد أن أصابه هو الآخر أحد السهام .

‎وتقول رواية أخرى أن زعيم قبيلة سيبولا أمر بقطع أطراف استيفانيكو وأرسل قطعة منها إلى زعماء القبائل حتى يتأكدوا بان المغربي مجرد إنسان وليس ابنا للشمس .