المُغامَــرَةُ الكُبْــرى بقلم ابن الناصرة – فلسطين

خُرافَةٌ مِنْ سِتِّ فَقَرات

ابْنُ الناصِرَة

الرحلة الأولى

هل تُصَدِّقُ الخرافات؟  إِنْ كُنْتَ لا تُؤْمِنُ بها فأنتَ مُخْطئ. فَلَوْلا شياطينُ الشِّعْرِ لَما ظَهَرَ امرؤُ القيس ولا شَبَّبَ عمر بِنِساءِ العرب ولَما غَنَّى ابراهيم الموصلي.

ألا يا حَماماتِ اللِّوى عُـدْنَ عَـوْدَةً             فإِنِّـي إِلـى أَصْوَاتُكــنَّ حَــزينُ
فَعُـدْنَ فَلَمَّـا عُـدْنَ كِـدْنَ يُمِتْنَنِي              وكِـدْتُ بأَسْـراري لهــنَّ أبِيــنُ!
فَلَـمْ تَرَ عَيْنَــي مِثْلَهُـنَّ حَمائِمـاً             بَكَيْــنَ وَلَـمْ تَدْمَـعْ لَهُنّ عُيــونُ!

ولَوْلا الجنّ لَمَا قَرأتَ ولا كانَتْ وصلَتْكَ ألف ليلة ولية، ولَوْلا الخُرافات لَما اكْتَمَلَ حُلْمُ المُحْتلّ ولَما اغْتَصَبَ فلسطين ولَما كان ابتزّ دولاً كثيرة ولَما كانَ سَيْطَرَ على مُقَدِّراتِ شُعوبٍ عظيمة.
أَمَّا أنا، فإِنِّي أُؤْمِنُ بالخُرافات وأَلْتَقي بَأَحَدِ عِظَامِ الجِنِّ وأَتَدَاولُ مَعَهُ وأَسْتَرشِدُهُ وأَسْتَشِيرُه. وقد يَسَّرَ اللهُ لي صُدْفَةً سَمَحَتْ لي أَنْ أَتَعَرَّفَ على نصري، فَحَمَلَني على مَرْكباتٍ لَمْ أرَ مِثْلها مِنْ قَبْلُ وسارَ بي عَبْرَ الزمان يَخْتَرِقُهُ، تَارةً إلى مُسْتَقْبَلِهِ وطَوْرَاً مُتَرَاجِعَاً في تاريخه، وعَلَّمَني عِلْماً لَمْ أَكُنْ أَحْلُمُ بِتَعَلُّمِهِ، فاخْتَرَقَ ذِهْني ودَخَلَ في نسيجِ جَسدي وَمَزَجَ في سائلِ دَمي مَبادئَ ما كُنْتُ أَظُنُّني قادِراً على ابْتِكَارِها أَوْ على حَمْلِ لِوائِها.

ونصري هذا خُرافَةٌ غَريبة. فهو يَسْكُنُ مدينةَ الناصِرَة الواقِعَةِ في الجبلِ الجليل في شَمالِ فلسطين، ومِنْها اسْتَقى اسْمَهُ ومِنْ عطرِها اسْتَوْحاه. وكانَ الناسُ يَذْكُرونَهُ في الناصِرة بِكَلِماتِ الاحترام والمحبة. إلا أَنَّهمْ كانوا يَتَهَيَّبونَهُ بِصورةٍ عامة فلا يُبادِرُ أَحَدٌ لِزِيَارَتِهِ إلا إِذا  بادر نصري فدعاه. ولَمْ تَكُنْ تُعْرَفُ عَنْهُ مُناسباتٌ اجتماعِيَّةٌ اضْطُرَّ الناسُ لِزِيارَتِهِ بِسَبَبِها. فَهُوَ لَمْ يَتَزَوَّجْ ولَمْ يُعْرَفُ لَهُ ابْنٌ أَوْ ابْنَةٌ ولا عُرفَ لَهُ قَريبٌ فَمَاتَ أَوْ شَقيقٌ فَمَرِضَ أَوْ أُخْتٌ فَتَزَوَّجَتْ. فهو وَحْدَهُ في مَنْزِلِه على تَلَّةٍ مِنْ تِلالِ هذه المدينَةِ العَريقَة، في بيتٍ يكادُ لا يعرِفُه أَحَدٌ، تُحيطُ بِه أَرْضٌ مُشجَّرةٌ كثيفةُ الزَرْعِ تَخْفي مَدْخَلَه. ولا يَرَى المارُّون مِنْ مَنْزِلِهِ إلا أَعْلاه، وهو سَطْحُ القَرْميدِ الذي اسْتَطَاعَ أَنْ يُحَافِظَ على نَضَارَةِ حُمْرَتَِِهِ كأَنَّه اسْتُكْمِلَ بِناؤه منذُ أسابيع. ولا يَعْرِفُ أحدٌ قِصَّةَ نصري ولا نَسَبَهُ ولا يستطيعُ أَحَدٌ أَنْ يُخْبِرَكَ عَنْ مِهْنَتِهِ ولا عَمَلِهِ. وأغْرَبُ المُفارَقاتِ أَنَّه ما زال يقطُنُ في منزله. فكيفَ اسْتَطَاعَ أَنْ يَتَحَدَّى قَوانينَ الدولَةِ المُحْتَلَّةِ ويحافِظَ على مِلْكِهِ في مَنْطِقَةٍ صادَرَها الاحتلالُ وأَقَامَ فيها المُسْتَوْطنات حَتَّى أحاطوا بالناصرة وأطَلُّوا عليها مِنْ تِلالها. فقد أَسْكَنَتْ الدولةُ المحتَلَّةُ المُسْتَوْطِنين في المَنْطِقَةِ كُلِّها حَتَّى أحاطوا بمنزلِ نصري. ويأتي بابُ الغرابَةِ أَنَّهمْ لَمْ يُطَّبِقوا ما أَسْمَوه قَانونَهُمْ على أرْضِ نصري ولا على العقاراتِ الفارِغَةِ التي تُحيطُ بها فَبَقِي مَنْزِلُهُ كما كان في بداياتِ القرن العشرين، يُحيطُ بِهِ حَائِطٌ مَطْلِيٌّ أَبْيَضَاً لَوْنَ الكِلْس. وما زالَ الناسُ يَسْتَغرِبونَ كيف بَقِيَتْ الأراضي المُحيطَةُ بمنزل نصري خالِيَةً مِنْ المُحْتَلّين.

لَمْ لَمْ يَكُنْ نَصْري يَتَخَلَّفُ عن واجِبٍ أَوْ يَتَغَيّبُ عَنْ ضَرورَةٍ. فلا يُعْرَفُ عن حالَةِ ولادَةٍ أَوْ زَواجٍ أَوْ مَأتَمٍ في عاصِمَة الجَلِيْلِ إلاّ وكانَ فيها يُصافِحُ ويُعَزّي ويُهَنّئُ ويَتَمَنّى ويَقومُ بالواجِبِ. وكُلَّما دَخَلَ مَجْلِساً في تِلْكَ المُناسَباتِ، وَقَفَ الجَميعُ للتَأهِيْلِ بِهِ وللتَسْليمِ عَلَيْهِ ولإِظهارِ احْتِرامِهِمْ لَهُ. ولَمْ يَتَصَرَّفْ نصري يوماً بِصَلَفٍ أو تَكَلُّفٍ، فكانَ دائِماً مِثالَ التّواضُعِ والتّوَدُّدِ والقُرْبِ مِنْ النّاسِ يَسْأَلُ عَنهُم ويَسْتَفْهِمُ عن عائِلاتِهِمْ ويُظْهَِِرُ اهْتِمامَهُ بِمَشاكِلِهِمْ وانْشِغالَهُ بِقَضاياهُمْ. وكان دائِماً يَحْمِلُ على وَجْهِهِ عَلامَةَ الثّقَةِ بالنّفْسِ فَتّشِعُّ مِنْهُ لِتَغْمُرَ مَنْ كانَ حَوْلَه.

لقد استطاع نصري أَنْ يَحْمِيَ الناصرة مِنْ مُحاولاتِ العَدوِّ إِجْلاءَ أَهْلِها عَنْها. فَكانَ مَصْدَرَ ثِقَةِ أَبْنائها، وكانَ أَحَدَ أَسْبابِ تَشَدُّدِهِمْ في البَقاء. إِلا أَنَّهُ أَيْضاً كانَ مَصْدَرَ رَهْبَةٍ لِلْغَريمِ. وكُلَّما ظَهَرَتْ طَلائِعهُمْ أو عَزَموا عَزْمَهُمْ على الإِعْتِداءِ على أهْلِ الناصرة، كانَ أَمَامَ أَرْتالِهِمْ، يُؤثِّرُ في إِرادَتِهِمْ أَكْثَرَ مِمّا يُؤثَّرُ على سِلاحِهِمْ، فَكانوا يَرْجَعونَ عَنْ المدينة، ويَعودُ أَهلُ البَلَدِ أَشَدَّ عَزيمَةً وأَعْظَمَ التِزاماً، وأَكْثَرَ صَبْراً.

نصْري والناصرة وجهان لعَزيمَةٍ وإِرادَةٍ واحِدَةٍ. وهُما في وَسْطِ الجَبَلِ الجَليلِ، في وَسْطِ أَرْضِ فَلَسْطينِ، في وَسْطِ الدولة المُعْتَدِيَةِ التي تَمْنَعُ الشمسَ عَنّا مثل جَناحَيْ طَيْرِ الرُخّ.

لَمْ أََتَعَرَّفْ على نصري مِنْ بابِ الصُدْفَةِ ولا تأتي المُصادَفاتُ أَبَداً مع  مِثْلِ هَذا الرّجُلَ. فَقَدْ كانَتْ المُناسَبَةُ أَنْ أَثْقَلَتْ زَوْجَتي، فَلَمّا أَتاها المَخاض سارَعْتُ بِها إلى المُسْتَشْفى فَوَلَدَتْ لَنا طِفْلاً ما رَأَيْتَهُ حَتّى أُخِذَتْ بِهِ أَخْذاً غَرِيْباً وصِرْتُ لا أُطِيقُ الإِبْتِعادَ عَنْهُ أو حَتّى أَنْ يُؤخَذَ عَنْ مَدى نَظَري لِشِدَّةِ شَغَفي به. وما أَنْ مَرَّ يَوْمانَ وأَصْبَحَتْ زَوْجَتي قَادِرَةً على الوقُوفِ والمَشْيِ، وما أَنْ مَنَّ الله عَلَيْنا بِسلامَتِها حَتّى أَخَذْتُها مع الطِّفْلِ وقَفَلْتُ بِهِما عائِداً إلى مَنْزِلِنا. وكانَ في البَيْتِ إِخْوَتي وأََخَواتي وعَمّاتي وأَخْوالي، قَدْ سَبَقونا، يَنْتَظِرونا ويُهَنّئونا بِالوَليدِ الطِفْلِ. فكانَ المَنْزلُ يَغُصُّ بِالأَهْلِ والزَّوارِ من أَصْدِقاءَ وجيران وأَقارِب، وحَمُولَتُنا كَبيرَة في الناصرة.

تِلْكَ هي المُناسَباتُ التي لا بُدَّ لِنَصْري أَنْ يَظْهَرَ فيها.
ولكِنَّ العِرْفَ شَاءَ أَلا يَذْكُرَ الأَمْرَ أَحَدٌ مِنْ الحاضِرينِ، لا الأهلُ ولا الضيوفُ ولا المهنئون. حَتّى كانت السّاعَةُ السّادِسَةُ مِنْ مَساءِ الثُّلاثاءِ، وهو اليَوْمُ الثّالِثُ لِعَوْدَةِ زَوْجَتي مِنْ عَمَلِيّةِ ولادتها، فَإِذا النّاسُ تَتَمَلْمَلُ على غَيْرِ طَبيعَتِها وإِذا بِالأَنْظارِ تَتَوَجَّهُ إلى مَدْخَلِ مَنْزِلِنا وإِذا بِبَعْضِهِمْ يَقِفُ، فَفَهِمْتُ أَنَّ نَصْري بِالبابِ وأَنَّهُ مُتَوَجّهٌ عَبْرَ حَديقَتِنا نَحْوَ المَنْزِلَ. فَقُمْتُ مِنْ مَكاني وتَوَجَّهْتُ نحو الباب فإذا هو قد وَصَلَ، فَصافَحْتُهُ، فَصافَحَني وَيَدُهُ تَشُدُّ على يَدي دون لُيونَةٍ أو مُبالَغَةٍ بِالشِدَّةِ، ثُمَّ  مَشى عَبْرَ وَسْطَ القاعَة، بِلا سُرْعَةٍ ولا بُطْء، فَسَلَّمَ على أَخَواتي ثُمَّ جَعَلَ يُصافِحُ الأَهْلَ والزُوارَ واحِداً بَعْدَ الآخَرَ حَتَّى فَرِغَ مِنْهُمْ كُلِّهُمْ، فَأَشَرْتُ إِلَيْهِ، فَاقْتَرَبَ مِنّي وجَلَسَ على المَقْعَدِ إلى جانِبي.

لَمْ يَكُنْ في نصري شَيْءٌ يُمَيِّزُهُ عَنْ باقي الحُضورِ. فَهو يَلْبِسُ الكفية الفلسطينية بِمَرَبَّعاتِها السودِ والبيضِ وقد اخْتَفى تَحْتَها شَعْرُهُ. إلا أَنَّكَ لا تَشُّكَ أَنَّ الشَّيْبَ لَم يَدْخُلْ عليه، فَشَعْرُهُ ما زالَ على سَوادِهِ الخَفيفِ، فيه لَمْعَةٌ تَميلُ إلى اللَّونِ البُنّي، وعارِضاهُ يُشيرانِ إلى نَفْسِ اللَّوْنِ رَغْمَ حِلاقَتِهِما. ولا يَظُنُّ المَرْءُ مِنْ مَلامِحِ وَجْهِهِ أَنَّ سِنَََّهُ تَزيدُ على الأرْبَعينِ. فهو في المَرْحَلَةِ مِنْ حَياتِهِ انتهى فِيْها مِنْ طَوْرِ الشّبابِ إِلا أَنَّ الشَّبابَ لَمْ يُغادِرْهُ ولَمْ يَدْخُلْ الكُهولَةَ ولَمْ تُؤَثِّرْ في ظَهْرِهِ المُنْتَصِب ولا في عَضَلاتِ صَدْرِهِ الظّاهِرَةِ عَلاماتُ السِنّ. وهَذا وَجْهُ الغَرابَةِ في نصري. فَقَدْ زارَ والِدي قَبْلي وأَخْبَرَني رَحِمَهُ اللهُ عَنْهُ وَوَصَفَهُ لي وَصْفَهُ لِلوجه لَمّاالذي أَراهُ أَمامي كَأَنَّنا لَمْ يَمُرَّ ما يُقارِبُ نِصْفَ القَرْنِ بَيْنَ هاتَيْنِ الزِّيارَتَيْنِ. وكُلَُّ مَنْ عَرَفَهُ يَهْمِسُ بِنَفْسِ التّأْكيدِ عَنْهُ، فَكَأَنّهُ لا يُؤَثِّرُ فيهِ السِنّ، ولا تَدورُ بِهِ الأَيّامُ، ولا يَتَغَيَّرُ تَصَرّفُهُ ولا يَتَبَدَّلُ شَكْلُهُ ولا يُغَيِّرُ مِنْ مَلْبَسِه أو هِنْدامِهِ. فَكَأَنَّهُ لَيْسَ لِلْزَمانِ تَأْثيرٌ عَلَيْهِ.

لَمْ نَشْعُرْ بِمُرورِ الوقْتِ، ولا بِوَطْأَةِ زِيارَتِهِ ولا أَحْسَسْنا بِأَنّ حَدِيثَهُ قَدْ ثَبَتَ في أَذْهانِنا ولا أَنّهُ قالَ قَوْلاً يَتَذَكَّرُهُ أَحَدٌ أو تَعَدّى الاسْتِفْسارُ عَنْ صِحَّةِ فُلانِ أو عن تَوَعُّكِ ابْنِ عَمٍّ لأحَدِ الحاضِرينِ فَإذا بِالوَقْتِ يَمُرُّ وإِذا بِالسّاعَةِ قَدْ دارَتْ وإِذا باِلسّابِعةِ تَدُقُّ، فَقَدْ قَدَّمْنا القَهْوَةَ ودارَت عَمَّتي بِالحَلْوى على الأَهْلِ والضُّيوفِ ودارَ الحَديثُ وتَحَرّكَتْ عَقارِبُ السّاعَة، فَوَقَفَ نَصْري وجالَ بالنّاسِ مُصافِحاً على عادَتِهِ ثُمَّ تَوَجَّهَ نَحْوَ البابِ بلا رَيْثٍ ولا عَجَلٍ، وتَوارى عن الأَنْظارِ.

وعِنْدَما يَزورُ نصري إِحْدى عائِلاتِ الناصرة كَما فَعَلَ اليَومَ، فَإِنَّهُ يَتْركُ خَلْفَهُ شُعورَاً بِالرِّضى والطُمَأْنِيْنَةِ ورُبّما كانَ هَذا الحُضور قَدْ أَعْطى أَهْلَ المَدِيْنَةَِ ثِقَةً باِلنَفْسِ كانَتْ في أَعْماقِ نَفْسِ كُلِّ واحِدٍ مِنْهُمْ عِنْدَما قَرَّرَ في كُلِّ مُناسَبَةٍ أَنْ يَتَشَبَّثَ بمنزِلِهِ وأَرْضِهِ ومَدينَتِهِ. فَضَغْطُ جَيْشِ الاحتلالِ على المدينةِ يوميٌّ، وأَساليبُ التأْثِير كثيرةٌ، ولأَهْلِ الناصرةِ فَنُّ المُحَافَظَةِ على حياةٍ طبيعيةٍ في جوِّ الإرهابِ اليومي الذي امْتَدَّ على مَدَى أَكْثَرَ مِنْ ثُلْثَيّ قَرْن. ففي هذه المدينة سُكَّانٌ وُلِدُوا تَحْتَ هذا الحِصَار وأَصْبَحوا الآن شُيوخاً وما زال الحِصَارُ قائماً. هذا أَمْرٌ لَمْ تَعْرِفْهُ مدينَةٌ في التاريخ. إِلاَّ أَنَّ أَهْلَ المدينةِ، مَثَلُهُم في ذلك مَثَلُ نصري، مِثَالُ الاستِمْرارِ والتَمَسُّكِ بالوطَنِ ومثالُ الإِلتزامِ، ليس بالوطَنِيَّةِ التي تَتَمَثَّلُ بالكلام، إِنَّما بتلك الأخرى التي تُعَبِّرُ عَنْ نَفْسِها في الحياةِ اليومِيَّةِ بالتَصَرُّفِ الطَبيعي، بالزواج والتَوَالُدِ وبدخولِ المدارِسِ والتَخَرُّجِ وابْتِكَارِ الطُرُقِ للعَمَلِ رَغْمَ الحِصَار ورَغْم مُقاطَعَةِ الدَوْلَةِ المُحْتَلَّةِ لمَصَالِحِ النَّاس.

وليس نصري في هذا إلاَّ مِثَالُ الاستمرارِيَّة، كأَنَّه أَصْبَحَ شَاهِدَاً على معاوَدَةِ النَّاسِ لمُمَارَسَتِهم حياتَهُم الاجْتِمَاعِيَّة فَيَزُورُهُمْ كَأَنَّه يَتَأَكَّدُ مِنْ استمرارِ مُمَارَسَتِهم، فلا يُؤَثِّرُ فيه السِنّ، ولا يُؤَثِّرُ في عاداتِهِم مُرورُ الزمَنِ. لذلك، فإِنَّ أَهْلَ الناصرةِ حَرِيْصُونَ على عاداتهم، حتَّى يَأْتِيهم نَصري فَيُعَاوِدَ زيَارَتهم، أَوْ قُلْ عِيَادَتُهم. فهي علاقَةٌ صِحِيَّةٌ بَيْنَ مُجتمَعٍ قَائِمٍ ورَمْزٌ حَيٌّ يَعيشُ بينهم.

ما أَنْ خَرَجَ نصري مِنْ مَنْزِلي حَتَّى عَادَ الصَخْبُ وعَادَتْ أَصْواتُ الحَدِيثِ إلى الإِرْتِفاعِ وعَادَ مَعَها التَهَامُسُ بين بَعْضِهم مِمَّنْ جَلَسَ قُرْبَ بَعْض. وكانَ إلى جانِبي جَارُنا أبو عكرمة. فَمَال إلى جانِبِه حَتَّى قَارَبَ وَجْهُهُ أُذُني وَهَمَسَ هَمْسَاً لا أَشُكُّ أَنْ أَكْثَرَنا سَمِعَهُ، وقال أَنَّه يَتَذَكَّرُ في شَبَابِهِ زيارَةَ نصري عندما تزوَّجَ أَخوه وأَنَّه كان بِنَفْسِ الشَبَابِ ثُمَّ خَفَضَ صَوْتَهُ وَسَأَلَني، هَلْ أَظُنُّ أَنَّ نصري إِنْسِيَّاً أَمْ جِنِيَّاً. طَبْعاً فإِنِّي لَمْ أُحَاوِلْ أَنْ أُجِيبَه فَكَأَنَّما النَاصِرَةُ بأَجْمَعِها قَدْ تَوَافَقَتْ على عدمِ إِثارةِ المَوضوعِ أَوْ الخَوْضِ فيه أَوْ حَتَّى الإشارةَ إليه، وكاأنََّ أَهْلََُها أَشَدَُّ حِرْصَاً على بَقَاءِ الأُمور على ما هي عليه، وأَنْ يَسْتَمِرَّ هذا التَزَاوُجُ بَيْنَ الحَقِيقَةِ والخَيال، بَيْنَ وَضْعِ الحَرْبِ الذي أَحْدَثَهُ حِصَارُ الإِحْتِلال وَوَضْعِ السَّلامِ والحَيَاةِ الطبِيعِيَّةِ التي نَجَحَ أَهْلُ هذه المدينَةِ في إشاعتِهِ، وكَأَنَّ نصري، في هذا كُلِّهِ، كالتعويذَِة أو كالصلاةِ أو هو كالإرادَةِ والصَبْرِ والمُصَابرةِ، رمْزٌ لِنَجَاحِ المدينَةِ وأَهْلِها في رَفْعِ التَحَدِّي وفي النَجَاحمُثابَرَةِِ فعليه.

لذلك فإِنَّني ابْتَسمت وَلَمْ يُصِرّ جاري على تَعْليقِهِ وَلَمْ يَشَأْ باقي الحُضُور أَنْ يَسْمَعوا ما قال، وَلَمْ يَرْغَبْ أَحَدٌ في إجابَتِهِ وَلَمْ يُبَادِرْ أَحَدٌ للتَبَرعِ بِمَا يَعْلَم، وَمَرََّ الموضوع كما كان يَمُرُّ كُلَّمَا أَثَارَهُ أَحَدُ الحاضرين في أَحَدِ المَجَالِسِ في أَحَدِ المُنَاسَبَاتِ في منزلِ عائلةٍ مِنْ عائلاتِ هذه المدينة التي امْتَازَتْ عَنْ غَيْرِها في أُسلوبِ نِضَالِها.

ومرَّتْ الأَيَّامُ وصِرْتُ كُلَّ يَوْمٍ أَتَعَلَّقُ بابني ووليدي الجديد تَعَلُّقاً يَزِيدُ مع تَحَرُّكِ عَقَارِبِ الساعة. وكُنْتُ أَقْضي أَكْثَرَ يَوْمي في المنزل أُشَارِكُ زوجتي بِمُتْعَةِ قُرْبِنَا مِنْ هذا الطفل العزيز. لذلك، فإِنْ خَطَرَ بِبالِنَا مَوْضوعٌ أَوْ طَرَأَ على ذِهْنِنا أَمْرٌ، فإِنَّه لَمْ يَخْطُرْ بِبَالي أَوْ يَطْرَأْ على ذِهْني ما حَدَثَ ذلك اليوم. إِذْ رَنَّ جَرَسُ الهاتف فأَجَبْتُ فَسَمِعْتُ صَوْتاً خَفَقَ له قلبي وهُوَ الصَّوتُ الذي لَمْ أَسْمَعْ أَنَّه هَاتَفَ أَحَداً قَبْلي ولا حادَثَ شَخْصَاً غَيْري. كانَ على الطَرَفِ الآخر مِنْ الهاتف الرجُلُ الذي يَعْرِفُهُ كُلّ شَخْصٍ في الناصرة، صَوْتُ نصري.

لَمْ أَتَمَالَكْ نَفْسي عَنْ الوقُوفِ، فإذا بِهِ يَعْرُضُ عَليَّ أَنْ أَزُورَه في منزِلِهِ، فَخَفَقَ قَلْبي لِدَعْوتِهِ خَفْقَاً كِدْتُ أَخَافُ مِنْهُ لِشَدَّتِهِ وقُلْتُ لَهُ أَنَّهُ شَرَفٌ عَظيمٌ لي أَنْ يَدْعُوني خَاصَّةً وأَنِّي لَمْ أَسْمَعْ أَحْدَاً في الناصرة قال أَنَّه زَارَهُ أَوْ أَنَّه دُعِيَ لِمَنْزِلِهِ، فقال نصري أَنَّه بالفِعْلِ لَمْ يَدْعُ أَحَدَاً إِلى مَنْزِله مِنْ قَبْلُ، وانْتَبَهْتُ إِلى نَفْسي فَإِذا بي أَنَا الذي أَتَكَلَّم وأَكُثْرُ مِنْ الكلامِ وأَنَّه يَقْتَصِرُ في حَدِيثِهِ على تَوْجِيهِ كلامي. فأَمْسَكتُ وضَبَطْتُ نفسي وشَكَرْتُهُ لِدَعْوتِه ثم كِدْت أَنْ أُنْهي المُكالَمَةَ لَوْ لَمْ تَغْمُرْني العِنايَةُ الإلهِيَّة، فَتَذَكَّرْتُ أَنَّه لا مَجَال لِلْوُصول إلى مَنْزِلِهِ وأَنَّه عَلَيَّ أَنْ أَمُرَّ بِمَناطِقَ مَحْظُورَةٍ على سُكَّانِ المدينَةِ العرب، فَلَمَّا هَمَمْتُ أَنْ أَسْأَلَه أَجَابَني قائلاً أَنَّهُ سيأتي نَهارَ الدَعْوَةِ، أَيْ يَوْمَ الخميس التالي، فيأخُذَني مِنْ مَنْزلي عِنْدَ الساعةِ السادسة مَساءً. ثُمَّ سَلَّمَ عَلَيَّ تَسْليماً أَنْساني الكَلام ثُمَّ سَمِعْتُ ذلك الصوتَ المَعْدَنِيِّ الذي يُشيرُ إلى إقفالِ الخَطِّ الهاتفي. فَعَلَّقت السَّمَاعة ووقَفْتُ كالذاهلِ تَتَلاحقُ في ذِهْني الصُوَرُ عَنْ مَنْزِلِهِ كَمَا رأيتُه عَنْ بُعد، وعَنْ زِيارَتِهِ، ولَمَحاتٍ عَنْ شَكْلِ وَجْهِهِ في منزِلِنا وعَنْ ابتسامَتِه التي قَلَّمَا تَغيبُ وراء جِدِّيَةِ الوَجْهِ دون أَنْ تَبْتَذِلَ نَفْسَها بالإغراقِ بالضَحكِ.

فَلَمَّا جلستُ بعد وهلة، أَخَذْتُ أَفَكِّرُ بِغَرَابَةِ مَا حَصَل. فإِنَّي بالفعل لَمْ أَسْمَعْ مِنْ أَحَدٍ في مدينتِنا أَنَّه اسْتَلَمَ مُكالَمَةَ هاتفية مِنْ نصري أَوْ أَنَّه التقى بِهِ خَارِجَ ذلك الإطارِ التقليدي، إطار مُناسباتِ الزواجِ والولادةِ والفرحِ والترح. فما الذي حدا به فاختارني بَيْنَ كُلِّ الناس وانتقاني مِنْ كُلِّ أبناءِ هذه المدينة حَتَّى يَتَّصِلَ بي على غَيْرِ عادَتِه، ثُمَّ أَنْ يدعُوَني إلى منزلِهِ ولَمْ يَزُرْهُ فيه أحد، تلك والله مُبادَرَةٌ لَمْ أَسْتطِعْ لَها شَرْحاً أَوْ فهماً أَوْ حَتَّى ظَنَّاً. فهي الأولى، فريدةٌ مِنْ نَوعِها، لا مثيل لَها ولا سابِقَة.

وبينما أنا في هذا الوضع، إِذْ دَخَلَتْ عَليَّ زَوْجتي تسألُني عَنْ الذي اتَّصَل فأخْبرُتها فَلَمْ تَهْتَمّ بِالأمر وطَمْأَنَتْني وأَكَّدَتْ لي أَنَّ الرَجُلَ إِنَّما رَغِبَ بتكريمي وأَنَّه رُبَّما أَحَبَّني وأحبَّ عائلتَنا بعد زيارتِه الأخيرة، وجَعَلَتْ تقولُ الكلامَ الذي يُهدِّئُ مِنْ استغرابي وتَوَتُّرِ أَعْصابي ومَفاعيل المُفاجأةِ على نسيجِ جِسْمي. فَعَلِمْتُ أَنَّه عَليَّ أَنْ أَتَجَلَّدَ وأَنْ أَتَظَاهَرَ بالبُرود وأَنْ أنتظِرَ المَوْعِدَ وأَنْ أَحْتَفِظَ بِمَشاعِري لِنَفْسي حَتَّى يَأْتِيَ اليومُ فأَشْفي غليلي وأَعْرِفَ ما وَرَاءَ دَعْوَتِهِ وأَزورَ منزلَ نصري وأَعْرِفَ دَخَائِلَهُ.

فإِنْ كنتُ أَوَّلَ مَنْ يَتَّصِلُ بِه وأَوَّلَ مَنْ يُكَلِّمُه على خَطِّ الهاتِف وأَوَّلَ مَنْ يَدْعُوهُ إلى مَنْزلِهِ فلا شَكَّ أَنَّ وراءَ ذلك أَمْرٌ جَلَلٌ سأكونُ أَوَّلُ مَنْ يَطَّلِعُ عليه.

* * *

لقد تَغَيَّرَتْ حَياتي مُذْ كُلَّمَني، وأَصْبَحَتْ تَحْصُلُ لي أُمورٌ تُخَالِفُ قَوانينَ الطبيعَةِ وتَخْتَلِفُ عَمَّا تَعَوَّدَ عليه نَظَري. فكُنْتُ إِذا  نَظَرْتُ إلى الساعةِ المُثَبَّتَةِ على الحائط أَرى عقارِبَها تَتَحَرَّكُ كأَنَّها لُعْبَةُ أطفال تُحَرِّكُها أَنَامِلُ خَفِيَّةٌ فتدورُ العقارِبُ اسْتِدَارَةً لا عِلاقَةَ لها بِساعاتِ النهار. وكنتُ إِذا  خَرَجْتُ إلى الشُرْفَةِ ونَظَرْتُ على عادتي إلى بُستانِ جَارِنا، تَتَحَرَّكُ الشمسُ تَحَرُّكَاً غَيْرَ مَأْلوف حَتَّى  يَتَبَدَل مَوْقِعُ الظِلُّ فيُظَلِّلُني. حَتَّى صِرْتُ أَشُكُّ فيما أرى وأَتَرَدَّدُ في الإِعْتِمَادِ على حَواسي وصِرْتُ كأَنَّما اعْتَراني مَرَضٌ غَريب حَجَبَ عَنِّي تِلْكَ الطريقَةَ الطبيعِيَّةَ لِلْنَظَرِ في الأُمور وأسْتَبْدَلَها بِقِرَاءَةٍ غَريبةٍ لِلْواقِعِ حَوْلي. إِلاَّ أَنَّ أَغْرَبَ ما حَصَلَ لي في ذلك الأُسبوعِ أَنِّي لَمْ أَشْعُرْ بِمُروره. فكأنَّما قُدرَةَ قَادِرٍ قد فَعَلَتْ فِعْلَها فَضَغَطَتْ الزمانَ وقَصَّرَتْ امْتِدَادَ الساعات وسرَّعَتْ في مُرورِ الأيام فما انتبهتُ لِنَفْسي إِلاَّ وَقَدْ أَتَى اليومُ المَوْعود فانْتَبَهْتُ فإِذا  بِزَوْجَتي تُوقِظُني مِنْ نَوْمٍ عميق وتَدْعوني لِلْقِيام. فقد حانَ الوَقْتُ، وسيأتي نصري على مَوْعِدِهِ بعد ساعَتَيْن، لِيَأْخُذَني فَأَزُورَ مَنْزِلَه وأَكونُ أَوَّلُ مَنْ أُتيحَ لَهُ دُخولَ هذا المَبْنى.

لَمْ أَدْرِ كيفَ وَقَفْتُ وكيفَ دَخَلْتُ الحمَّامَ وكَيْفَ حَلَقْتُ وكيف لَبِسْتُ وكيف اسْتَعَدَّيْتُ فإِذا  بالباب يَدُقُّ وإِذا  بالكَفِّيَةِ ظَاهِرَةٌ وَرَاءَ الزُجاج المُنَقَّطِ في بابِ الدار، وإِذا  بابتسامَتِهِ وإِذا بِنا على الطريق وإِذا بِنَا نَلِجُ بُستانَ بيته، كَأَنَّما غادَرْنا العالَمَ السُفْلِيَّ ودَخَلْنا مَكاناً عُلْوِيَّاً يَتَمَيَّزُ بِغِيابِ الأَصْواتِ حَتَّى  لتكادُ الأُذْنُ تَصُنُّ مِنْ شِدَّةِ الهُدوء، وحولَنا حديقَةٌ تَنْظُرُ فيها الأَزْهَارُ نَحْوَنا كأَنَّها تُتَابِعُنا في تَقَدُّمِنا، ثُمَّ جُزْنا البُستان إلى المَدْخل ثُمَّ إلى داخل منزل نصري.

لا أستطيع أَنْ أَصِفَ مُفاجأتي عندما وَصَلْنا بابَ الدار فانْفَتَحَ وَحْدَهُ ثُمَّ انْغَلَقَ وراءنا. ولا أستطيعُ أَنْ أقولَ أَنَّ مَنْزلَهُ يختلِفُ عَنْ المنازِلِ التي تَعَوَّدْتُ رؤيتَها، ففي هذا القَوْلِ ما يُشيرُ إلى اختلافٍ في الذَوْقِ أَوْ مُغايَرَةٍ في طريقَةِ ترتِيبِ الأرائك والمَناضِدِ والخَزائِنِ أَوْ مفاجأةٌ في اختيارِ الألوان. ذلك أَنَّ ذِهني ومُخَيِّلَتي قد تَعَوَّدتا رؤيةَ ما تراهُ كُلُّ العُيونِ في مدينة الناصرة عند دُخولِها أَيٍّ مِنْ بيوتِ أبنائها. وسُرْعان ما تَلِجُ الألسن بذكرِ أذواقِ بَعْضِ شبابِ المدينة إِذْ غيّروا عَنْ الطلاءِ الأبيض الذي اعتادَهُ الناسُ داخل مَنازلهم فاختاروا ألواناً فيها شيءٌ مِنْ الجرأة.

فالقول باختلافِ مَنْزِلِ عَنْ آخر يُشيرُ إلى أُمورٍ مُشْتركَةٍ واختلافٍ في ثانويَّاتِ الأُمور. إِلاَّ أَنَّ مَنْزِلَ نصري على غير ذلك. فَبَعْدَ الحديقة التي رآها الجميع وبَعْدَ الواجِهَةِ التي أصْبَحَتْ جُزْءاً مِنْ مَعالِمِ المدينة وعَبْرَ الحائِطِ الذي حافَظَ على بياضِهِ الكِلْسِيِّ عَبْرَ العُقودِ وعلى طُولِ ذاكرةِ الناس، فإِنَّك تَدْخُلُ هذا المَنْزِلَ وتَتَسَمَّرُ مَكَانَكَ مُنْذَهِلاً مِمَّا تَرى.

فالذي يواجِهُكَ قَصْرٌ مِنَ الزُجاجِ البَلّور تَتماوَجُ فيه الألوان حِسْبَ زاوِيَةِ وُقوعِ نَظَرِك عليها، تُسَيْطِرُ عليها الخُضْرة الشَفَّافَةُ المُطَعَّمَةُ بالوَرْدِيَّةِ الجُورِيَّةِ، وتُكَحِّلُ الكُلَّ ألوانٌ رصاصِيَّةٌ بَيْنَ فاتِحِها وغامِقِها. ويُسَيْطِرُ عليك ذُهول إذْ ترى هذه المُفاجأة، فَنَظَافَةُ المكانِ تَمْنَعُكَ عَنْ الظَنّ. فَلا لَمَعٌ في الزُجاجِ، ولا يَمْنَعُ البُلّورُ بَصَرَكَ عَنْ اخْتِرَاقِ هذا الزُجاجِ لِتَرى ما وراءَه، إلاَّ أَنَّك لا تَتَحَقَّقُ مِنْ مُحتوياتِ ما انْغَلَقَتْ عليه الأبوابُ والحيطانُ والعوازِلُ البَلَّورِيَّة. فَتَرى ما فيها دون أن يستطيع نَظَرُك أَنْ يَتَفَحَّصَها.

ولا يَكْتَمِلُ وَصْفُ مَشاعري إلا عندما أُضيفُ إلى غرابَةِ ما تَرَاهُ العينُ غيابَ ما اعتادَتْ الأُذُنُ أَنْ تَسْمَعَه. والذي لَمْ يُجَرِّبْ معنى غياب الصوت، معنى الهُدوءِ المُطْلَق، يَصْعُبُ عليه أَنْ يَفْهَمَ ما أقول. ذلك أَنَّنا ما أَنْ دَخَلْنا مَنْزِلَ نصري حَتَّى أحْسَسْتُ أَنَّ حَرَكَةَ جسدي وانْتِقالَ حِذائي على الأرْضِ أَثْنَاءَ تَحَرُّكي لا يَصْدُرُ عنهم صوتٌ أَوْ تتناوَلُهُم ذبذَبَة أبداً. وليس على الأرض سُجَّادَةٌ تَحْجِبُ الصوت أَوْ بِساطٌاً يَمْتَصُّ التَوَتُّرَ الذي تأتي بِهِ الحَرَكَةَ. فالأرْضُ مِنْ مادَّةٍ غَريبَةٍ عليَّ لَمْ أَرَ مِثْلَها مِنْ قَبْل، ألوانُها كَأَنَّها لَوْحَةٌ لأحد مُحَدِّثي الفَنّ مُتَلائِمَةٌ مع باقي ألوان المنزل مُتَناسِقَةٌ معها. إلا أَنَّ في الدَوْسِ طَرَاوَةٌ ولُيونَةٌ تُشْعِرُك بِمَفْعُول السُجّاد السميك. فتقدمْتُ معه وشعرتُ بِيَدِهِ تَمْتَدُّ بِرِفْق إلى كَتِفي كأَنَّها تَتَرَدَّدُ بَيْنَ التَوَدُّدِ والتَوْجِيه فَتَبْعَثُ إِشَارَتَها فأَخَذْتُ بَعْضَ الشيءِ في مَشْيَتي إلى يميني. لكنَّني اسْتَوْقَفْتُ نفسي إِذْ امْتَدَّ نَظَري باتِّجاهِ السقف. فقد راعني عُلُوُّه. فالذي يرى هذا المنزلِ مِنْ الخارِج لا يَظُنُّ ظَنَّاً أَوْ يُفَكِّرُ ثانيةً إِنَّ المَنْظَرَ مِنْ دَاخِلِهِ فيه هذا العلوُّ ولا فيه هذا الإتساع. ورَغْمَ القرميدِ الذي يَنْطَبِعُ في الذهنِ عندما يتذكَّرُ المرءُ منزلَ نصري، فكأَنَّ القرميدَ غير موجودٍ عندما يُنْظَرُ إليه مِنْ الداخل، إِذْ يَرْتَفِعُ البَلَّورُ، وكأَنَّ في المنزلِ غُرْفَةٌ اسْطوانِيَّةٌ تَرْتَفِعُ إلى العَلاء، فَتَتْبَعَها بِنَظَرِكَ فَتَرى في أقصاها سَمَاءَ بَلْدَتِنا بِزُرْقَةِ لَوْنِها، تَشُوبُها بِشَكْلٍ دائم غُيومُ الجبلِ الجليلِ، وتجتازُها على جوانِحِ الهَواءِ طُيورُ فلسطين، كأَنَّها تَرْفُضُ الغُلّ وتَمْتَنِعُ عَنْ الإِعْتِرَافِ بالحُدود، وكأَنَّها بِرَقَصَاتِها الجَوِيَّةِ وزياراتِها الخاطِفَةِ إلى ما حَوْلَ فِلسطين تَسْتَهْزِئُ بالإِحْتِلالِ. فَلِطُيورِ بَلَدِنا عاداتٌ ولِرَقَصَاتِها موسيقى لا تَتَخَلّى عنهما. فعاداتُها دائِمَةٌ والإِحْتِلالُ مَوْقوت.

أَدْخَلَني إِحْدى الغُرَفِ المُخْتَفِيَةِ وراءَ هذه الجُدْران الزُجَاجِيَّةِ التي تَقْتَرِبُ مِنْكَ بألوانها وتَتَحَجَّبُ عَنْكَ بتركيبِها كأَنَّها لا تَحْتَاجُ إلى ما يُزَيِّنُها مِنْ لَوْحاتٍ أَوْ أضواء. فهو ضَرْبٌ مِنْ ضُروبِ الجمال لا تَمُرُّ ثَوانٍ إلا وتَتَعَوَّدُها العَيْنُ ويَرْتَاحُ إِليها البَدَن، وتروقُ لها الأعصابُ وتُثْلَجُ لها النُفوس. وكأَنَّكَ لَمْ تَسْكُنْ دُوراً غيرَها ولَمْ تَتَعَوَّدْ عَيْنَاك إِلاَّ على ما تراه حولك.

ولم يكن في تَصَرُّفِ نصري ما يُفاجِئك أَوْ يُشْعِرُك بِغَرَابَةِ المكانِ ولا بالحالَةِ الإِسْتِثنائِيَّةِ التي أَدْخَلني فيها. ولا أقول ما أقول إلا بعدَ مُرورِ الزَمَنِ وابتعادِ هذه الصُورَةِ عَنْ ذِهْني ومُقارَنَتي بِما أَرَى حَوْلي في حياتي اليومِيَّة فأَرَى الفَارِقَ وتعودُني دَهْشَةُ ما حَصَلَ لي ذلك اليوم.

فلمَّا أَشَارَ لي جلستُ على كرسيٍّ جِلْدي تداخَلَ فيه لونُ السوادِ مع لَمَعانِ المَعْدنِ. وكأَنَّ المُرونَةَ شَمَلَتْ المَقْعَدَ بِجِلْدِهِ ومعدنِهِ فَطَاوَعَ تضارِيسَ العضلاتِ في جِسْمي وتراخى مع خُطوطها فَكأنّي جالِسٌ وقَدْ تَخَلّى عَنّي وَزْني أَوْ تَخَلَّتْ الأَرْضُ عَنْ جَذْبِها جَسَدي. كُلُّ هذا بِوَدَاعَةِ وبَشَاشَةِ وتَوَاضُعِ نصري، فقد أَشْعَرَني كأَنِّي أَمْلُكُ كُلَّ ما حَوْلي أَوْ أَنِّي مُعْتادٌ عليه اعْتِيادَ مَنْ عاشَ في هذا المكانِ مُنْذُ وِلادَتِه.
ثُمًّ أَخَذَ يُحَدِّثُني، فكأنَّني خَرَجْتُ مِنْ ذُهولِ المكانِ فَعَادَ وأَدْخَلَني حالةً جَديدةً تُشْبِهُها. ذلك أَنَّه بادَرَني بِالسؤالِ عَنْ رَأْيي فيما يَحْصُلُ حَوْلَنا، مِنْ احتلالِ الضَفَّةِ الغَرْبِيَّةِ وغَزَّة إلى استِمْرَارِ احتِلالِ أراضي  فلسطين الأَصْيلة. ثُمَّ جَعَلَ يَسْألُني عَنْ الامبراطورِيَّةِ ومُعاهداتها مع دَوْلَةِ الاحتلال ثُمَّ عَنْ احتِلالها الخليج العَربِيّ والعراقَ وحُضورها الخانِق والعارِم في الجزيرةِ العربِيَّةِ مِنْ عُمان إلى الإمارات إلى البحرين وقطر إلى الأحساء والحجاز وكافةِ أجزاءِ المملكة العربية. ثُمَّ أَخَذَ يسألُني عَمَّا يحصُل في مصر وكيف طاوَعَتْ سياسَةُ هذا البلدِ العريقِ بِوَطَنِيَّتِهِ تَوْجيهاتِ الإمبراطورية. ثُمَّ انتقلَ بي إلى السودان وجَعَلَ يَتَسَاءَلُ معي عَنْ مَشاكِله.

فكأَنّي به، وإِنْ كان ما يُثيرهُ مَعْروفاً، قد اصْطفاني لِيَقُول لي أَمْراً حَبَسَهُ عَنْ غَيْري وخَفَاهُ عَنْ الناسِ الذين يَعْرِفُهُمْ في بلدي.
ولا تَسَلْني، كيفَ كُنْتُ أُصْغي لِكَلامِهِ، وكَيْفَ كُنْتُ أُسايِرُهُ في حديثِهِ وأُجيبُ على أسئلتِهِ بالتي أختارُ أَنْ يرضى عنها، كُلُّ هذا في جوٍّ كُلّ ما فيه غريب. فالرجلُ نَفْسُهُ، وإِنْ كُنَّا نَعْرِفُهُ، يَبْقى بعيداً عَنَّا، لا يَزْعَمُ أَحَدٌ أَنَّهُ صديقُهُ ولا يُشيرُ إليه أَحَدُ إشارَتَهُ إلى قريبٍ أَوْ رفيق. ولا يَكَادُ أَحَدٌ مِنْ أَبْنَاءِ بَلْدَتِنا يُفَكِّرُ بِهِ إلا لِيَشُكَّ أَنَّه مِنْ الجانِ وليس مِنْ صِنْفِ الإِنس.

أَضِفْ إلى ذلك كُلِّهِ تلك الغُرْفَةِ البَلَّورِيَّةَ والمقاعد التي لَمْ أَرَ مِثْلَها في مَجَلاّتِ التصميم والنماذج، كأَنَّنا في مكانٍ خارجَ الكُرَةِ الأرضية. فما الذي حدا بنصري أَنْ يَنْتَقيني بَيْنَ كُلِّ أَبْناء بَلْدتي حَتَّى  يُحَدِّثُني بِشُؤون هِيَ أَكْبَرُ مِنّي وأَعْظَمُ مِنْ قُدْراتي وأَبْعَدُ ما تكون عَنْ مجالاتِ نشاطي واهتمامي.
ليس في الأَمْرِ ما أَسْتَسْهِلُ جوابَهُ إِلاَّ أَمْرٌ واحدٌ لا شَكَّ فيه. فإِنْ كان كُلُّ ما أراهُ غريباً، وإِنْ كان نصري مِنْ الجِنّ، وإِنْ كُنْتُ الآن في مكانٍ أَخْرَجَني فيه مِنْ الأَرْضِ إلى عالمٍ آخر لا يعرِفُهُ إلا الجِنّ، يبقى في ذلك كُلِّهِ ثَابِتٌ واحِدٌ، هو نصري. جِنّيٌ كان أَمْ إِنْسِي، فهو المُتَمَكِّنُ بِشَكْلٍ واضِحٍ مِنْ كُلِّ ما أرى، يَمْلُكُهُ ويُديرُهُ ويُسيِّرُهُ على هواه. وهو مَصْدَرُ ثِقَتي. فما العَجَلُ حَتَّى أُسَارِعَ فأسْتَبِقَ خِطَّتَه وأَحْزِرَ أَفْكَارَهُ.

وما أَتَتْني هذه الفكرةُ حَتَّى  هدأتُ، وتَرَكْتُهُ يوجِّهُني ويَسيرُ بي مَسيرةَ الواثِقِ المُتَيَقِّن. وكأَنَّه قَرَأ ما بِفِكْري واسْتَشْعَرَ التيَّارات التي تَتَماوَجُ في خَلايا أَعْصابي وفَهِمَ اتِكالي عليه، فأَراحَ قَعْدَتَهُ ونَظَرَ إليّ نَظْرَةَ العَارِف، ثم قال: «لا داعي للإسراع، ولَسَوفَ تَرى، دون أَنْ أُبَالِغَ في تأخيرِكَ فَتَرْجَعَ لإِبْنِكَ وعائلتِكَ مع انتهاءِ زيارتِكَ كما اعتادَ كُلُّ أبناءِ بلدتِنا الحبيبة».

أَخَذَ نَصري بِيَدِي وسَارَ بي إلى آخر الصالَةِ التي جَلَسْنَا بِها وأَشَارَ إلى لوحَةٍ مُثْبَتَةٍ على ما يُشْبِهُ الطاوِلَةِ المُنْحَنِيَةِ، وأَدَارَ قُرْصاً فَشَعَّتْ ساعَةٌ أَمَامَنا، فَنَظَرْتُ إليه مُتَسائلاً فابْتَسَمَ وقال: إِنَّها تَسْمَحُ لنا أَنْ نُسَافِرَ في الزمان، فإِذا  قَدَّمْتَها عشرينَ سَنَةً إلى الأمام اسْتَطَعْنَا أَنْ نَرَى مُسْتَقْبَلَنا في ذلك التاريخ وإِذا عَيَّرْنا عَقَارِبَها وأَخَّرنا العَدَّاد مئة عام، رَجِعَ بِنا الزَمانُ قَرْناً إلى الخَلفِ، فَرَأَيْنَا ما حَوْلنا كما كان في تلك اللحْظَةِ مِنَ التاريخ. فَجَعَلْتُ أَعْبَثُ بِالعدّاد بعد أَنْ عَلَّمَني على الازرار وكيف أنتقي مِنْها ما أضْغَطُه وتَتَغَيَّرُ أرقامُ الساعةِ أمامي، طَوْراً إلى الخلف وتارةً إلى الأمام، كأَنَّني أَمامَ لُعْبَةٍ جديدةٍ أَعْجَبَتْني بِحُسْنِ تَصْميمِها. واسْتَبَقَني بالإجابَةِ على سؤالي عندما نَظَرْتُ إليه مُسْتَغْرِبَاً وقال إِنَّ مفعول هذه الساعَةِ مُعَلَّقٌ لا يَنْطَبِقُ داخِلَ المنزل ولا نرى لها تأثيراً علينا إِلاَّ  إِذا خَرَجْنَا مِنْ البيت.

وكُلّما تَوَجَّهْتُ لِنصري واكْتَمَلَ في ذهني سُؤالٌ أَجابَني عَنْه قَبْلَ أَنْ أَسْأَلَه أَوْ حَتَّى  قَبْلَ أَنْ اسْتَكْمِلَ صياغَتَهُ في ذِهْني. فالذي يَمْلُكُ هذا الجِهازَ قَدْ مَتَّعَ نَفْسَهُ ولا شك بِزِيارَةِ فِرْعَوْنَ في عِزِّ مُلْكِهِ وباسْتِراقِ النَظَرِ إلى مَعَارِكِ المَغول عندما غَزَوا الصين أَوْ زيارَةِ يثرِبَ وهي تُغَيِّرُ اسْمَها فتُصْبِحَ مدينة النور، أَوْ بيزَنْطَةَ في أيام عَظَمَتِها. فهي أداةٌ يَتَعَلَّمُ بِها صاحبُها أُموراً عَنْ التاريخ ما تزال لَغْزاً على عِظام المُؤَرِّخين، وهي أداةُ عِلْمٍ ومُتْعَةٍ فيها أَعْظَمُ أَشْكَالِ الفِكْرِ الجدّي مُضافاً إلى أجمل وسائلِ التَسْلِيَةِ.

كُلّ هذا وتلك الخلايا التي تَتَعامَلُ وتَتَفَاعَلُ في ذهني قد بلغَتْ في سُرْعَةِ عَمَلِها ونَشَاطِها ما لَمْ تَبْلُغُهُ مِنْ قَبْل، فقال لي: وما فائِدَةُ هذا الجهاز إِنْ لَمْ نُخْرِجْهُ مِنْ هذا المنزلِ حَتَّى  يأخُذَ مَفْعُولَهُ فيَنْقُلُنا إلى الأَمام وإلى الخَلْفِ في التاريخ. تعالَ لِتَرى كيف نَفْعَلُ ذلك.

فاسْمَعْ يا أخي ما حَصَلَ لي في رحلتي الأولى حَتَّى  تَفْهَمَ ما أَعْني.
نَظَرَ إِلَيّ، فَشَدَدْتُ نظري نَحْوَهُ، فَكَأَنَّ شُعاعاً يَخْتَرِقُ ذِهْني أَوْ كَأَنَّ خَلايَايَ قد انْضَبَطَتْ وطَاعَتْ لِقُوَّةٍ تَمَرْكَزَتْ في عَيْنَيْهِ، ثُمَّ وَقَفَ، فوقَفْتُ، ثُمَّ تَوَجَّهَ إلى نهايةِ الغُرْفَةِ فَلَحِقْتُه، وفَتَحَ الباب فَتَبِعْتَهُ ثُمَّ اجْتَازَهُ إلى مكانٍ خِلْتُه ظَهَرَ لي بِفِعْلِ السِحْر. فالذي تَرَاءى أَمَامي صالَةٌ مُستديرَةٌ لا يَكادُ يَتَجَاوَزُ شُعَاعُها الأمتارَ الخَمسة، إِلاَّ أَنَّ النَظَرَ إِذا ارتَفَعَ لا يَصْطَدِمُ بسَقْفٍ أَوْ نِهاية. فكأَنَّ عاموداً مِنَ النور أرْسَلَتْهُ مصابيحُ كهربِيَّةٌ شديدةُ القُوَّةِ قد ابتدأَتْ بالإضاءَةِ فإِذا تَابَعَتْها العَينُ، بَهَرَتْها بِقُوَّةِ ضَوْئها، فاسْتَمَرَّتْ نحو الأعلى فابْتَعَدَتْ عَنْ مَرْمى النظر دُون أَنْ تَطَالَ شيئاً مِنْ نِهايَتِها.

لَمْ يَكُنْ في الصالةِ ما يَمْلأُ جوانِبَها، أَكَانَ مِنْ الأَثاَثِ أَوْ مِنْ وَسَائِلِ التجميلِ أَوْ التَنْميق. فالحائطُ مُتماوِجُ اللون، زجاجِيُّ التركيبِ، يترُكُ في النَفْسِ راحةً لا تَشُوبُها المُفاجأة، ولا تَرْتَكِزُ إلى مَنْظَرٍ سَبَقَ واعتادَ عليه النظر. فكُلُّ ما تَراه العينُ جديدٌ، وكُلُّ لَوْنٍ كأَنَّه ابْتِكارٌ، أَوْ مزيجٌ جَديدٌ مِنْ ذبذباتِ الضوءِ، صُنِعَ خصيصاً لتَرْويضِ العَيْن ومُسايَرَتِها.

وبينما أنا في هذا الذهول، إذْ أشارَ إليَّ نصري فتقدَّمْتُ إلى حيثُ تَوَجَّهَ إِصْبَعُهُ في وسطِ المُستديرة، وإِذا بِنَا كِلانا في مَرْكَزِ الصالة، وإِذا  بأجزاءَ مِنَ الحائِطِ تَتَحَرَّكُ، فكأَنَّها تُضَيِّقُ المساحَةَ حولَنا دونَ أَنْ تُؤَثِّر في اسْتِدَارَةِ المَكان. وإِذا  بيدِهِ تَتَحَرَّكُ نحو ما يُشْبِهُ نُقْطَةَ ضوء، هي بالترجيح مِفْتَاحُ مُحَرِّكٍ، فَوَضَعَ إصبعَه عليه، فَبَدَأتْ تَظْهَرُ مِنْ تَحْتِنا فُتحاتٌ خَرَجَ مِنْها مقعدان، ثُمَّ خَرَجَ ما يُشْبِهُ طَاوِلَةَ التَحَكُّمِ، فيها أزرارٌ وأضواءٌ وساعاتٌ، كُلُّ واحدةٍ تُشيرُ إلى مِقْياس. فدعاني نصري وجَلَسَ على أَحَدِ الكُرسِيَيْنِ واحْتَلَلْتُ المَقْعَدَ المُجاورَ، ثُمَّ  نظرَ إليَّ وابْتَسَمَ، ثُمَّ  قال: تَعالَ نَتَفَرَّجُ على مدينَتِنا الحَبيبة، الناصرة.

وإِذا  بالأرضِ تَتَحَرَّكُ، وإِذا بِنَا قَدْ تَحَوَّلَتْ صَالتُنا إلى مَرْكَبَةٍ فضائِيَّةٍ والطاولةُ وأزرُارها لائحة التَحَكُّمِ، وإِذا بِنَا جَالسَيْن في فَقَّاعة مِنَ الزُجاج، كروِّية الشكُلّ ِأَوْ هي مُسْتَطيلَتُها بعض الشيء، وإِذا  بِها تَرْتَفِعُ بِنَا، وإِذا  بِنَا نَجْتَازُ تلكَ المَسافَةَ العَامُودِيَّةَ نَحْوَ الفَضَاءِ، فَنَرى مَنْزِلَ نصري يَبْتَعِدُ عَنَّا، وإِذا  بِمَرْكَبَتِنا الفَضَائِيَّةِ تَتَحَرَّكُ في فَضاءِ الناصرة، تَتَحَدَّى جاذِبِيَّةَ الأرضِ وقوانينَ الطبيعةِ بِهُدوءِ تَحَرُّكِها. فلا مُحَرِّكَاتٌ تَشْتَعِلُ أَوْ تَشْتَغِلُ أَوْ تُزْعِجَ الأُذنَ ولا ذبذباتٌ تَخُضُّ الجِسْمَ أَوْ تَخْتَرِقُ العضلات، ولا حَتَّى المَجْهُودُ الذي تراقِبُه في الطائِرِ عِنْدما يَضْرِبُ جَناحَيْه، مُثابراً  في جُهْدهِ حَتَّى  يُقَاوِمَ وَزْنَهُ بِتَحَكُّمِهِ بالهواء والقُوَّةِ التي تُنْتِجُها الرَفْرَفَة. كُلُّ هذا غائبٌ. فالمَرْكَبَةُ تتحرَّكُ بِفِعْلِ تَحَكُّمِ نصري بالمَفاتِيح المَوْجودَةِ على اللَّوْحَةِ أَمَامَهُ فكَأَنَّ لفَقاعَتِنا قوانينُها الخاصَّة، غَيْرَ تلك التي عَهِدْتها في حياتي اليومِيَّةِ أَوْ في ما تَعَلَّمْتُهُ في المدرسَةِ مِنْ قوانين الفيزياء.

أَمَّا المَنْظَرُ الذي تَراءى لي مِنْ فَوقِ، فهو مَدينتُنا الحبيبة، بِمنَازلها المُكَلَّلةِ بالقَرْميد وشوارعها الضَيِّقَةِ التي تَجْتَازُها مُتَعَرِّجَةً بين البيوت تُلاحِقُ حَوائطها وتُلامِسُ بساتِينها وتُراقِصُ أشْجَارَها. فهي لَوْحَةٌ رَسَمَها أَكْثَرُ مِنْ عشرين قرنٍ مِنْ الزمان، شارَكَهُ فيها أَجْيالٌ مُتَتابِعَةٌ مِنْ عائلاتِها، يُخَضِّبْنَ ألوانَها ويُنَمِّقْنَ أقسامَها. لكنَّ المنظرَ الأشَدَّ أهمِيَّةً كان ما لا تَراهُ العينُ ولا يقدِرُ أَنْ يَنْطُقَ به اللسان ولا تَتَحَكَّمُ به قُدْرَةٌ تَبْتَكِرُ له وَصْفَاً أَوْ كُلّماتٍ أَوْ جُمَلاً. إِنَّهُ ما اكتشفتُ مِنْهُ في داخلي مِنْ محبَّةٍ، مِنْ شَغَفٍ، مِنْ تَعَلُّقٍ بهذه المدينة. إِنَّها قِصَّةٌ لا صياغَةَ لها، تَعْمَلُ في العُمْق، وتَتَحَرَّكُ كذبذباتِ الأُغنِيَةِ الجميلة، إلا أَنَّها غيرَ مَسْموعَةٍ لأَنَّها تتغلغلُ في العَضَل، وتجتازُ مَساراتِ الدم، وتتمايَلُ مع حركاتِ القَلْبِ ومع التيارِ الذي يَجْتازُ الأعصاب. إِنَّها أُغنِيَةُ حُبٍّ لا صوتَ لها، إِذا  دَخَلتْ جَسَدك حَوَّلَتْهُ نَغَمَاً. أَنَّها مدينة الناصرة. إِنَّها حُبّي الأول. وهي كُلُّ حبي. ليس لأَنَّها خيرٌ مِنْ غيرها. أَنَّها حُبي الوحيد، لأَنَّها رمزُ كُلِّ مدينةٍ أُحِبُّها وكُلِّ محبَّةٍ تَعَلَّقْتْ روحي بها. لَمْ تَعُدْ الناصرة مِثْلَ كُلِّ المدن العربية. إِنَّها أكثرَ مِنْها كُلِّها، لأَنَّها تُمَثِّلُها، لأَنَّها تَرْمُزُ لها، لأَنَّها كالمحبَّةِ تختَرِقُها كُلَّها. لأَنَّ لعائلاتِنا ومدنِنا وفنونِنا وأدبِنا وعلمِنا وكيانِنا رمزٌ موحَّدٌ، أخالني وَجَدْتُهُ في مدينتي. ليس تَعَلُّقي بهذه المدينة انْتِقاصاً لِمَحَبَّتي للوطن العربي الكبير. إلا أَنَّني في تلك الساعة، كنتُ أَشْعُرُ بِنَشْوَةِ العاشِقِ دون أَنْ أَفْهَمَ عُمْقَ مَعاني المَشاهِدِ التي أُعايِشها. ولم تَتَبَدَّى لي المَفاهيمُ التي تختبئُ وراءَها إلا بعد فترةٍِ طويلةٍِ حَمَلَني فيها نصري في مركَبَتِه السحريَّةِ إلى أقاصي الأرض وعَلَّمَني أُموراً لَمْ أَكُنْ أَحْلُمُ بِتَعَلُّمِها.

فالناصرة ليست فقط قريةٌ قرمِيدِيَّةٌ في جِبالِ الجليل، ولا هي تَقتصِرُ على مَوْقِعها أَوْ جَمالها أَوْ اقتصادِيّاتها أَوْ الثقافَةِ التي تَشُعُّ منها. إِنَّها أعظمُ مِنْ هذا بكثير. إِنَّها أَهَمُّ مِنْ ذلك كُلّه. بِسَبَبِ الرَمْزِ الذي تحمِلُهُ والأملِ الدفينِ الذي تُخَبِّئُه، بِمُجَرَّدِ وُجودِها وبِمُجَرَّدِ كَوْنِها مدينة عربية. إِنَّها نقطةٌ رئيسيَّةٌ في المَعارك العُظمى التي تَدورُ بَيْنَ الإمبراطوريات. إِنَّها المدينةُ التي قاوَمَتْ الإِحْتِلال، فلم يستطِعْ طردَ أهلَها ولا تَنْظِيفَ مَوْقِعِها ولا تحويلَ طابَعِها. إلا أَنَّ هذا هو بالذات ما يَصبو إليه، ليس فقط في الجليل، وليس فقط على ساحِلِ فلسطين، إِنَّما في كُلِّ فلسطين، وربَّما أيضاً في أوسعَ مِنْ كُلِّ فلسطين، ورُبَّما من كل المَشْرِق. لقد نَجَحَ في مساعيه. لقد تَحَوَّلَتْ مُدُنُ فلسطين فأصْبَحَ العربُ فيها أقلِيَّةً. إلاَّ الناصرة. لقد بَقِيَتْ الشوكةُ عالقةً في حَلْقِ الإحتلال! هذه هي عُصارة الناصرة. إِنَّها أعلى مُسْتَوَيَاتِ حضارَةِ المقاومة!

* * *

هل أنا في غفلةٍ بفعل سِحْرِ جِنِّيٍ، فَتَغَيَّرَتْ عليّ الأمور، حَتَّى صِرْتُ مُخْتَلِفاً عَمَّا كُنْتُ عليه منذ أسابيع وربما منذُ أيام؟ أم أَنَّني، تُرى، في وَضْعٍ غَابَتْ عَنِّي قدرةُ التمييزِ أَوْ فقدتُ فيه معرفةَ الفارِقِ بَيْنَ الحُلْم واليَقْظَة؟

كنتُ أستيقظُ مع الفَجْر، فيحلُو لي أَنْ أَشْرَبَ القهوةَ وَحْدي في بُستانِنا الصغير خَلْفَ المنزل، وأنتظرُ أَنْ يَستيقِظَ ابني، الوليدُ الطفلُ، كالذي يَحْمِلُ بِصُراخِهِ آلام الدنيا، فأتَراكَضُ لأُشَارِكَ زوجتي مُتعة تَحَوُّلِهِ مِنْ طفلٍ يبكي إلى عينين تَضْحَكان وَفَمٍ يُسارِعُ لامْتِصاصِ الحَلَمَةِ. صحيح أَنَّها ثواني مُتْعَةِ كُلّ والدٍ ووالدة، إلا أَنَّني لا أرى إلا خُصوصِيَّةَ هذا الطفلِ بالذات، ولا أشعرُ إِلاَّ بالمحبَّةِ له بالذات. لَمْ يَكُنْ يخطُرُ بِبالي أَوْ يَهُمُّني أَنْ أَتَذَكَّر أَنَّ ثَمَّةَ فارقاً بين محبةِ الوالدين لِطِفْلِهِمْ بصورة عامَّةٍ ومحبتي الشخصية لابني. هذا الوعْيُ الفجائيُّ الذي طغى على نَفْسي هو بِدَوْرِهِ وَجْهٌ مِنْ أَوْجُهِ التغير الذي طرأ عليَّ. وهي مِنْ جُمْلَةِ الظاهراتِ التي تَجْعَلُني أَعي أَنَّ ثَمَّةَ أمراً طرأ، فتَغَيَّرتْ بي أمورٌ كثيرة.

حَصَلَ هذا مُنْذُ أَنْ بَدَأتُ أَرْكَبُ هذه المركَبَةَ الزُجَاجِيَّةَ، فما أَنْ أَدْخُلَها حَتَّى أُحَدِّدَ مقاييسي الخاصة، فيتغيّرُ معي عِيارُ الزمانِ وقياساتُ المكان. فهي تُوصِلُني إلى منزِلي فأنزلُ مِنْها، فلا يراني أَوْ يَراها أحد. فإِذا  بي أَظْهَرُ في المُنْعَطَفِ الذي يُلامِسُ الجدار الخَلْفِيَّ للبُستان، فأعودُ لِوَضْعي الطبيعي، كأَنَّني أعودُ مِنْ جولةِ مشيٍ. فإِذا  صادفَني أحَدٌ عندئذٍ، سَلَّمْتُ عليه وسَلَّمَ عَلَيَّ. وقد نتحادُثُ عَنْ الطقس، أَوْ يستوقِفُني ليَطْمَئِنَّ عَنْ العيال.

لم تكتفِ هذه المركبةُ بِنَقلي مِنْ وإلى مَنْزل نصري، فهي بالإضافَةِ إلى ذلك تَتَلاعَبُ بالوقْتِ والأزْمِنَةِ. فالذي يَرْغَبُ بِمُصاحبتي سَوْفَ يرى ويُسَجِّلُ أَنَّني قد أغيبُ عَنْ منزلي لِمُدَّةِ يَوْمٍ وأسبوعٍ أَوْ رُبَّما لِفَتراتٍ أَطْوَلَ مِنْ ذلك بكثير، فانْتَقِلُ مِنْ عصرٍ إلى عَصْر، ومِنْ مَكَانٍ إلى آخر، وأُمْضي فَتَراتٍ طويلةَ أَطَّلِعُ فيها على أُمورٍ وأَرى فيها أشياءَ ومشاهدَ وأقرأُ فيها تقاريرَ ووثائقَ، كُلُّها في زَمَنٍ محدود، كأَنَّني غادَرْتُ مَنْزِلي عِنْدَ وَقْتِ القيلولَةِ ثُمَّ  عُدْتُ عند وَقْتِ القهوة، فكأَنَّني ما غِبْتُ إلا نِصْفَ ساعةٍ أَوْ ما يكادُ يُقارِبُ ذلك.

كيف يُمْكِنُ أَنْ يَحْصُلَ ذلك يا تُرى، إلا بِفِعْلِ هذه الشَخْصِيَّةِ الساحِرَةِ والسِحْرِيَّةِ، وما تَمْلُكُهُ أَوْ ما توحيه لي فَأَظُنُّهُ حقيقة. تلك هي التساؤلاتُ التي أَخَذَت طريقَها إلى ذِهْني حَوْل ما يَحْصَلُ لي.

رحلة في أعماق التخلف
لَمْ يَكُنْ سَهْلاً أَنْ أَعتادَ على ما حصل اليوم. لا أَنْ تَتَغَيَّرَ بِيَ تلك الغرفة في منزل نصري ولا أن تتحول إلى فقاعة كرويّة ولا أن تصعد بنا عَبْرَ السقف ولا أن تطير بنا فوق مدينتنا ولا أن تتحرك بنا فوق شوارعها ولا أن تبقى مركبتُنا خارج إطار رقابة الاحتلال فَتَطِيرَ فَوْقَ مُؤَسَّسَاتِه وأحيائه ومنشآته دون أن تترك أثراً على شاشات أجهزة رقابته. إنها حُرِّيَةٌ لم أجرؤ أَنْ أحلم بها في السابق. إنها تشبهُ سلطةً جديدةً تفاجئك، أَوْ كَأَنَّكَ اكْتَشَفْتَ أَنَّ في عَضَلاتِكَ قدرةٌ هائلةٌ تُمَكِّنُكَ مِنْ تحريك أجسامٍ عظيمةٍ بلا مجهود. أَوْ كَأَنَّكَ اكْتَشَفْتَ في جَسَدِكَ مَلَكَةً دفينةً لَمْ تعلمْ بوجودها مِنْ قبل، فإذا فيك قدرةُ حركةٍ مُعَيَّنَة إِنْ مَارَسْتَها ارْتَفَعَ جسمُكَ عن الأرض وقاوَمَ الوَزْنَ وتَحَدَّى قوانين الطبيعة وأصبح بمقدورك أَنْ تَسْبَحَ في الجَوِّ بلا مُساعدة.

هَلْ أَخَذَ هذا الرجل بي إلى حيث أَصْبحتُ أُشَكَّكُ بنفسي وأتساءَلُ عن صِحَّةِ عقلي؟ وهل أخذ بي إلى عالمِ الحُلْمِ أو إلى شَطَحَاتِ مُخَيِّلَةِ كُتَّابِ ألف ليلة وليلة؟ هل هي سُوَيْعَاتُ نومٍ، تسرحُ بي الأحلام فيها فَتَغيبُ الحدودُ بين الواقِعِ والخيال. أَمْ أَنَّني تُرى قد بدأ يُصيبُنِي الجُنون؟

لا تَلُمْني، يا صاحبي، إنْ كنتُ أتساءل، فهي إمّا تكونُ عوارضُ مَرَضِيَّة، أم إنَّني على أبوابِ أَمَلٍ عظيم. وإذا كان ما أراه بدايَةَ أمل، فلا مجال أمامي أن أَسْمَحَ لهذا اللُبْسِ أَنْ يستمِرَّ أو أَنْ أبقى على التشكيك بنفسي وبِشخْص وَنَوَايا نصري. لا بد إذاً مِنْ مُواجهة هذا الرجل وطرح الأسئلة عليه، بلا مُسايرةٍ أو مُداورة. لقد تَعَدَّى الأمرُ ما تفرُضُه آداب المُلتقيات الاجتماعية، فإنْ لَمْ أصارِحْهُ بحقيقةِ شعوري وشِدَّةِ حاجتي لِفَهْمِ ما يَحْصَلُ بيننا، انْقَلَبَ الأمرُ إلى ما لا أرغَبُه لنفسي أو ما أقبلُه له، فتغَنَّيْتُ بقول الشاعر:

خَــلِّ النَفَــــاق لأَهْلِـــهِ                  وعليـــك فالْتَمِس الطَريقــا
وأَذْهَــبْ بِنَفْسِـك أَنْ تُــرى                إلا عَـــدُوّاً أو صديقــــاً

كُلُّ هذه العواطفُ تتجاذب ذهني وتشعُرُ بها كلُّ خلِيَّةٍ في جسدي، حتى أنّي لم أَعُدْ أستطيعُ النوم وأنا أفكر في كل هذه الهواجس، وفَعَزَمْتُ أَنْ أُفَاتِحَه بما في نفسي حالما أراه مع بداية اليوم التالي.

إلا أن نصري، كعادته، لم يُفاجِئْهُ منظري ولا تساؤلاتي ولا هواجسي التي ما زالت في ذهني ولَمْ تَصِلَ بَعْدُ إلى لساني، ولم تُصْبِحْ سؤالاً أو استفساراً. فقد قرأ لُغَةَ الوَجْهِ، أَوْ رُبَّمَا اخترقَ كلَّ خلايا جسدي واطَّلع على فكري قبل أن أَصيغَهُ جُملاً أو أَنْ أُركِّبَهُ نُصوصاً. وسرعان ما ظهر على وجهه ما يُشْبِهُ ابتسامَة المُتَفَهِّم وقال لي: ” طبعاً، إِنَّها دعوةٌ للأمل، للإِحْتِفال بِمُسْتَقْبلٍ جديد. وإلاّ فما معنى ما نفعله؟ ألاإِنَّه ليسَ إلاَّ أَمَلٌ. فالمستقبلُ الجديد هو الذي يحتاجُ للصِياغَة، فَيأتي الصائغُ ويرسُمُ الحُلْيَةَ على الورقة، ثم يأخُذُ بالذَهَب، ويَضَعَهُ في البَوْطَقَةِ، وهو القالبُ الذي سَبَقَ ونَقَشَهُ فَيُحرِّكُها فوق النار بعد يكون قد أَجَّجَ لَهَبَها، فإذا رأى المعدن قد أذابَتْهُ الحرارة انتظر حتى تَبْرُدَ ثم يطرُقُها على الطاولة فيخرُجُ منها الذهبُ في شَكْلِهِ الجديد. ثم يُمْسِكَ بالفُرْشاة وينظفُ المعدن فيذهبُ السوادُ، وتزولُ القِشْرَةُ وتظهر الحُلْيَةُ الجديدة بكل رَوْنَقِها. وَمَنْ لِلْمُسْتَقْبَلِ غيرُك وأمثالُك؟ لكن عليكُم أَنْ تَتَعَلَّموا مِهْنَةَ الصياغة. إنَّ أمتك بحاجة لصاغةٍ يرسُمون مُستقبلها. وأنتَ وَاحِدٌ منهم. وكُلُّ واحِدٍ مِنَّا طالبُ علمٍ في صياغَةِ ما سوف تؤولُ إليه أجيال أبنائنا.

ثم نظر إليّ وقال: ليست المُفاجأةُ في ما ترى. إِنَّ المُفاجأةَ الكُبرى هي في جَهْلِ أكثَرِنا لحقيقةِ ما نحنُ عليه. لقد عاشت أُمَّتُنا مِثْلَ أهْلِ الكهف لفتراتٍ طويلة. لذلك فإنَّ أَوَّلَ رحلةٍ هي جولةٌ خارجَ الكهف، فترى بنفسك في أي عالم تعيش. إِنَّ أُولى الحِكَمِ التي لا بُدَّ مِنْ فَهْمِها أَنَّ العالم خارجَ الكهف قد تَغَيَّر تَغَيُّراً عظيماً إنْ تَعِ معالِمَهُ، تَخْطُ أوَّلَ خطوةٍ في طريق مهنة الصياغة.

نظرتُ إلى الساعة ولعدَّادِ الأعوام، فإذا نحن في العاشر من أيلول 1942 حوالي الساعة التاسعة والنصف صباحاً والمركبَةُ تتنقّل عَبْرَ الأمكنةِ والأزمنة كأنَّ الأمْرَ مِنْ آخر أشكال البديهية، طبيعيٌّ عاديّ، لا يَلْفُتُ النظر. وللكلمةِ معنىً شديدُ الدقة. ذلك أَنَّني شعرت نفسي أَترجّل بتؤُدَّةٍ مِنْ فَقّاعتي بعد أن أنزلتني على مستوى الأرض. فالمكان قرية اسمها “أمّ الغنم”، وهي تبعد بضعة كيلومترات عن الناصرة. ربما لا يزيد عددُ المنازِلِ فيها على الثلاثين، وأهلها لا يمكن أن يزيدوا على المئتين. أَمَّا كبارُ السنّ والنساءُ منهم، فبعضهم يتمشّى على الطريق، يَتَحَدَّثون ويتنادرون. كنتُ أَمامَهُمْ ولا يَنْتَبِه على وقوفي أحد، كأنَّني مَخْفِيٌّ عن أنظارهم.

كانت إحدى السيدات تُخَاطِبُ ذلك الكَهْلَ وتدعوه “أبو سامي” وتُخبره عن محاصيل السنة من الحمضيات في بساتين القرية. لم أستطِعْ أَنْ أُقَاوِمَ حَنيني لِسَمَاعِ لَهْجَتِها القَرَوِيَّة الصَرْفَة، فاقتَرَبْتُ منها وقد أعادَتْني عقارِبُ الساعَةِ سبعين سنةٍ إلى الخلف، وكدتُ أُبَاشِرَ بالنَطْقِ لَوْ لَمْ أَتَذَكَّرْ تَحْذِيرَ نصري، أَنَّني أَزورُ لَمَحَات في التاريخ إلا أَنَّني لستُ جزءاً منه ولا يُتاحُ لي أَنْ أَمْتَزِجَ بِمَنْ أَرَاهُمْ أَوْ أَنْ أَتَخَاطَبَ مَعَهم أَوْ أَنْ أَتَوَجَّه إِليهِمْ بِالسؤال. ذلك أَنَّهُم لَنْ يَعْرِفوا بِوُجودي، وأَنَّني لا أستطيعُ أَنْ أُوَصِّلَ صَوْتِي أَوْ أَنْ أُظْهِرَ صُورتي لَهُمْ. إِنَّني بالنسبةِ لَهُمْ غَيْرُ مَوجود.

لم أستَمِعْ إلى الكثيرِ مِنْ مَعْسُولِ كَلامِها ولا إلى الوافي مِنْ تَفْكِيرِها وحديثها مع «أبي سامي»، ذلك أَنَّني سمعتُ صوتَ مُحَرِّكٍ كَأَنَّ صِيَانَتَهُ غَيْرُ مُكْتَمِلَةٌ فَهُوَ مُحَرِّكٌ يحاوِلُ بمجهودٍ كبيرٍ أَنْ يَبْقَى في حالةِ العَمَلِ، وأَنْ يَجُرَّ الشاحنةَ العسكريَّةَ التي رُكِّبَ عليها. إلا أَنَّني سرعان ما تذكَّرْتُ أنَّني قد عُدْتُ إلى الماضي بِفِعْلِ فَعَائِل نصري وأَنَّ الشاحِنَة قديمةٌ، وأَنَّنا نعيشُ أَحَدَ أَيَّامِ الحربِ العالمية الثانية. إلا أَنَّ أَهَمَّ ما رأيتُ في تلك اللحظة هو تَجَمْهُرُ الناسِ في ساحةِ القريَةِ. مِنْ أَيْنَ أَتَوْا فَجْأَةً؟ لقد خَرَجَ كُلُّ رَجُلٍ وسيدةٍ مِنْ بيته، وأنظارُهُمْ كُلُّها متجِهَةٌ نحو تلك الشاحِنَةِ التي تُحاول بَصُعوبةٍ أَنْ تَتَسَلَّقَ المُنْحَدَرَ باتجاهِهِمْ وعلاماتُ الدهْشَةِ واضحَةٌ على وجوهِهِمْ. عشرون، ثلاثون، ربما خمسونَ رأساً إنسانيّاً متّجهين باتجاهٍ واحد، يُتابِعون تَحَرُّكَ الشاحِنَةِ وهي تتحرك بِبُطْءٍ ومجهودٍ متَّجِهَةًٍ نَحْوَهُمْ، و”أم سامي” مُمْسِكَةٌ بكتف زوجها “أبو سامي”، وهي واقفة خلفهُ، وتصيح “يا الله! عربية بلا خيل! سبحان الله! أصحيح ما أرى؟ كيفَ تَتَحَرَّكُ وَحْدَها هذه العَرَبَة؟”

أَخَذَتْني قُوَةٌ خَفِيَّةٌ نَاعِمَةٌ مُسايرَةٌ مُصاحِبَةُ نحو مركبتنا، فإذا بنصري يظهَرُ أَمَامِي، وإذا ببابِ المركبةِ يَنْفَتِحُ، وإذا بي أدخُلُ وأجلِسُ في الكُرسي الذي أصبَحَ مألوفاً بِلَوْنِه وطَرَاوتِه وإذا بِنا نتحرَّكُ مِنْ جَديد نَحْوَ فَصْلٍ جديدٍ مِنْ هذا الدَرْسِ الفريد، إلى فَصْلٍ آخر من فُصول حقبات التاريخ.

* * *

لم أشعُرْ بالوقت يَمُرّ، إِلاَّ أَنَّنِي كُنْتُ بِحاجةٍ أَنْ أَنْظُر إلى العدادات حتى أعرف أَنَّنا في شهر أكتوبر 1942، وأَنْ ألقي نظرة إلى الخريطة، حتى أعْرِفَ أَنَّ نصري قد أخذني إلى النروج في أقصى شمال أوروبا. فالثلجُ في كُلِّ مكان، وعلى ارتفاعٍ عالٍ ولا ترى في الأفق إلا خضار الغابات التي يتمازَجُ فيه جُنوحٌ نحو اللَوْنِ الأَحْمَرِ. إِنَّ المنظرَ بِلا شَكِّ خلاَّبٌ في جماله. فالبياضُ والخَضارُ والحُمرة يتنازَعونَ مَنْظَرَ المساحات اللامتناهية أمامي. طبعاً نَزَلْت بي المركبَة، وطبعاً حاولتُ أَنْ أَتَرَجَّلَ، إِلاَّ أَنَّني لَمْ أَفْهَمْ مَعْنَى الزِيَارَةِ إلى هذه المنطقَةِ المعزولَةِ مِنْ العالم. لكنْ سرعان ما تَبَدَّدَ تساؤلي: فَوَرَاءَ الغابَةِ الصغيرَةِ المُنْعَزِلَةِ عن باقي الأشجار مُجَمَّعٌ مِنَ المباني تَمَّ تَذْويقُ أَلْوانِها حتى تندمِجَ في الصورة العامة، فكأنك تكاد لا تراها. ولا يبرُزُ مِنْ هذا المنظر ما يلفُتُ نظر العين أَوْ يُحَرِّكُ حَدَقَتَها إلا أضواءٌ بانت أمامي عندما بدأت أُحَدِّقُ بهذا الاتجاه. لقد أصبحَتْ الصُورَةُ واضحة. نحن أمام مبانٍ عسكرية تَمَّ تَمْويهُها. والحرسُ الواقف أمام أبوابها جنودٌ ألمانُ كما كنتُ أَرَاهُمْ في أفلامِ الحربِ العالمية الثانية، وعلى رؤوسِهِم تلك الخوذاتُ المُمَيِّزَةُ وتلك المشيةُ العسكريةُ التي تشبه مشيةَ الاستعراض.

لست أدري ما الذي حرَّكَني، فَنَقَلَني، فإذا بي أخترق الحِراسَةَ وأُدخَلُ إلى داخل المباني وإذا بي أمام مصانعِ الماءِ الثقيل التي بدأت ألمانيا النازية بتصنيع إنتاجها. إِنَّني أمامَ أَقْصى مُستوياتِ التَقَدُّمِ في تقانات وعُلوم الذَرَّة، مَصانِعُها أمامي، مع عُلَمائَها وفَنِّيِّها وحِماياتِها وعسكرِها. وبينما أنا مذهولٌ أمامَ هذا المنظر، إذا بي أسمعُ هديراً في الجو. لا، هذا ليس مِنْ فِعْلِ الطبيعة. تلك ليست أصواتُ الرعدِ والبرقِ ولا هي زلزَلَةٌ حَصَلَتْ في باطنِ الأَرْضِ. إِنَّها طائرات! إِنَّها فوقَ رأسنا. فوق رأسي أنا! وإذا بها بدأت قَصْفَها. أسرابٌ متَتَالِيَةٌ تَرْمِي نيرانَها ومتفجرِّاتها عليّ وعلى ما حولي. المنظرُ فظيع. نحن أمام عمليَّةِ تدميرٍ شاملة. إِنَّ هَدَفَها هو إلغاءُ كُلَّ ما تَمَّ بِنَاؤه وما تَمَّ إنجازُه. إنه مسحٌ ومحوٌ كاملٌ لمجهودٍ عسكريٍ وعِلْميّ ألماني. القنابلُ تَسقطُ والجدرانُ تتطايرُ حولي والأوعِيَةُ الهائلة تتمزَّقُ تحت ضَغْطِ القَصْفِ وتطيرُ بعضُ قِطَعِها في الجو، وتسيلُ مُحتوياتُها كأنَّها ضُغِطَتْ لِتَخْرُجَ كالنوافيرِ مِنْ مُستودعاتِها. إنه منظر هائل.
كيف لم أُصَبْ ولم أَمُتْ؟

سَحَبَتْني تلك الأناملُ الخَفِيَّةُ مِنَ القاعدة الألمانية في النروج، وأُخرِجْتُ مِنْ منطقة الخطر، وأُدْخلتُ في المركبة التي ظهرَتْ فجأة أمامي، وأُجْلِسْتُ في ذلك المقعد الوثير، فأَرَحْتُ ظهري ومَدَدْتُ رجلي، وحاولتُ أَنْ أُهّدّئ أعصابي وأُعَوِّدَ قلبي على العَوْدَةِ للخَفْقِ بالسُرْعَةِ  الطبيعية. فأنا هنا في مأمن. تلك كانت فقط زيارة إلى أحد مشاهد التاريخ.

* * *

إلا أَنَّ نصري لا يعرِفُ الانتظار. نحن في الجوِّ مِنْ جديد، والعدّاد يُشيرُ إلى ربيع عام 1943 والمكانُ هو واشنطن، عاصمَةُ الولايات المتحدة الأميركية، أكبر وأقوى دولة في العالم. لا تخفى على أحدٍ مَنَاظِرُ هذه المدينة مِنَ الجوّ. فالذي يراها، وَلَوْ لأَوَّلِ مَرَّة، سرعان ما يَتَعَرَّفُ على معالمها، أكانَ مَنْظَرُ بُحَيْرَتِها أَمْ كان مَشْهَدُ مبنى رئاستها أَمْ كانت النُصُبُ التذكارية التي تُمَيّزها. إلا أَنَّ مركبَتَنا لم تَكُنْ تَهْتَمُّ بالمناظر السياحية. لقد أخذتنا مباشَرَةً إلى الغُرَفِ المُقْفَلَةِ في الكونغرس والبنتاغون. نفسُ المجموعَةِ التي سوفَ تَنْجَحُ في احتِلالِ الجليلِ والناصرة هي التي تَتَجَوَّلُ هُنا. قياداتُها تَتْنَقِلُ بين مراكِزِ القرار، تُفاوِضُ وتُنَاقِشُ وتُطَالِبُ وتُحَاجَجُ وتُحَدِّثُ وتدعو وتَغْضَبُ وتُسَايِرُ وتُسَاعِدُ وتُوَاجِهُ. إِنَّهُمْ جِزْءٌ مِنْ نَفْسِ الجهازِ السياسي ونفس المجموعة الدينية التي احتلت فيما بعد فلسطين. واضحٌ انتماؤهم. فِعْلاً، شكرتُ ربي، أَمْ هُوَ عليّ أَنْ أَشْكُرَ نصري، إِنَّني مَخْفِي عَنْ أَنْظَاهرِهِمْ وأَنَّني استَرِقُ السماعَ لأحاديثِهِمْ وأَقْرَأُ الوثائِقَ التي يتداولونها وأنظُرُ إلى الأرقامِ التي يدوِّنُوها على الشيكات قبل أَنْ يُسَلِّمُوها لِزُملائهم أو إلى تعليماتِ التَحْويلِ التي يوجِّهُونها للمصارف. ما الذي يحاوِلون إنجازه؟ لماذا كُلُّ هذه الحركة؟

بادَرَنِي نصري بِمَلَفٍّ وضعَهُ بين يديّ؟ فقرأتُ عنوانَه، فإذا به يَحْمِلُ الخاتَمَ الأحمَرَ الكبيرَ على عنوانه “سري جداً”. ففتحْتُ أُولى صفحاته، ففاجأَتْني قُدْرَتي على القراءة السريعة كأَنِّي أَسْتَوْعِبُ الصفحاتِ الكثيرة في كلِّ ثانية تَمُرُّ. أَيْنَ المُفاجأة؟ فنصري يَتَحَكَّمُ بالوقت. رُبَّما أنا أمضيتُ أسبوعاً في القراءة فأوهمني أَنَّها ثواني.. لكنّ هذا ليس مُهِمّاً. المُهِمُّ أَنْ أَعْرِفَ سَبَبَ هذه الحركة غيرِ الاعتيادِيَّة عَنْ هؤلاء كُلِّهِمْ، خاصَّةً تلك الجَمَاعَةِ التي سوفَ تَحْتَلُّ مدينتي.

إِنَّها قضيةُ مشروعٍ علمِيٍّ أمريكي، تُحيطُهُ الدولَةُ بأعلى مُسْتويات السِرِّية وتُطْلِقُ عليه اسم “مشروع منهاتن”. إِنَّه مَشْروعُ إنتاجِ أَوَّلِ قنبلةٍ ذرية. وموضوعُ الحركَةِ المجنونَةِ هو اختيارُ العَالِمِ الذي سَوْفَ يُعيَّنُ لإدارةٍ هذا المشروع. إِنَّ الموقع شديدُ الحساسية. فالذي يُديرُ المشروعَ سوف يعرِفُ عنهُ أَكْثَرَ مِنْ أيِّ طرفٍ آخر. فإذا كان بالإضافَةِ إلى ذلك جُزْءاً من تلك المجموعَةِ السياسية التي سوفَ تَحْتَلُّ بلدي، فإنَّ هذه المجموعَةُ سوف تسيطِرُ على أَهَمِّ جِسْمٍ مِنَ المعلومات العِلْمية العسكرية في العالم، حتى قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إنْجازُ هذا المشروع وإنجاحُه. إِنَّها مجموعَةٌ قويَّةٌ إذاً. إِنَّها لَمْ تَحْتَلْ فلسطين بعد. ذلك سوف يأتي موعده. بعد خَمْسِ سنين. إلا أَنَّها، منذُ الآن، تُناوِرُ للسيطَرَةِ على أَهَمِّ مشروعٍ عسكريٍّ في التاريخ، وأكثرِها كُلْفَةً وأعظمِها أهميَّةً بالنسبة لأقوى دولة في العالم، في أَحَدِ أَحْرَجِ أَيَّامِ تاريخها، وهي في حالة حرب! دَفَعَني نصري بَعْضَ الشيء، فَفَهِمْتُ مِنْهُ أَنَّهُ يُشيرُ إلى أَنْ أَنْظُرَ، حتى أَرَى نتائِجَ هذه المجهودات. نعم، لقد نَجَحوا. لقد عيَّنوا واحداً منهُم. لقد تَمَلَّكوا المعارِفَ اللازمة لِصُنْعِ القنابل الذرية، حتى قَبْلَ أَنْ يُنشِئوا دولتهم، حتى قَبْلَ أَنْ يحتلّوا بلدَنا، حتى قَبْلَ أَنْ يملُكَها أيٌّ كان قَبْلَهُم، حتى قَبْلَ أَنْ يَتِمَّ إنْجازُ المشروع، حتى قَبْلَ أَنْ تُصنَعَ أولى تلك القنابل الذرية!

سرعان ما أَعَادَني إلى مقعدي، في تلك الفَقَّاعَة الغريبة والتي بدأتُ أتعوّد عليها. وأشار بِبِنَانِهِ، فإذا نحن في عام 1947. والحرب دائرَةٌ في فلسطين.

لقد انتهت الحربُ العالمية الثانية منذُ ثلاثِ سنوات. لقد تَمَّ إنتاجُ القنبلَةِ الذريةِ وَتَمَّ إلقاء اثنين منها على مدينتي هيروشيما وناكازاكي. لقد استسلمت قِوى المِحْور، وانْتَصَرَ الحُلَفاء، وبَدَأَتْ ملامِحُ الحرب البارِدَةَ تظهَرُ في الأفق. كانَتْ المصانِعُ البريطانِيَّةُ والأميركِيَّةُ في أواخِرِ أَشْهُر هذه الحرب تُنْتِجُ آلاف الطائراتِ الحربية في كلِّ شهر. ليسَ عشراتِ الطائرات، ولا المئات. كانت تُنْتِجُ الآلاف شهرياً. وكان الطيارون مِنْ كُلِّ الجنسيات يُغيرون بها على ألمانيا وحُلَفائها. وأَتَى يومٌ وتَوَقَّفَتْ الحرب. آلافُ الطيارين وآلافُ الطائرات أصبحوا بلا عمل. إلاَّ أنَّ تلك المجموعة التي كانت تعمل في واشنطن منذ خمس سنوات هي  اليوم أمام مُهِمَّةٍ عظيمة. عليها أَنْ تَطْرُدَ الفلسطينيين مِنْ ديارهم. تلك هي الخِطَّة.

إِنَّ الذين يحاربونَهُمْ على الأرض مِنْ أَهْلِ البلد ما زالوا مَذْهولين مِنَ العربات التي تَتَحَرَّكُ دون أَنْ تَجُرَّها الدَوَابّ. والأسلِحَةُ التي يحمِلُونَها قد تَمَّ استيرادُها مِنْ أُناسٍ تَأَكَّدوا أَنَّها فاسدة.
إِنَّهم غير قادرين على التمييز بين السلاح المفيد وغير المفيد. إِنَّه التخلف.

والمجموعة الغريمة ذاتها، تعمَلُ في أوروبا كما رأيناها تَعْمَلُ في واشنطن. تتحَرَّكُ وتُؤَثِّرُ وتفاوِضُ وتُنَظِّمُ وتُرْسِلُ المستوطنين والمُحارِبين، وتُنَظِّمُ التموين. وشَعَرْتْ بأَنَّ الوقْتَ قد حان، فاستَنْفَرَتْ عدداً مِنَ المتطوّعين الطيارين أو العاطلين عن العمل، وأَرْسَلَتْ بعضَ الطائرات التي لَمْ يَبْقَ لها فائدة، فَتَحَرَّكَتْ هذه الأسرابُ، وقَصَفَتْ أَهْلَنا، وأَحْرَقَتْ منازِلَنا ومُدُنَنا، وشَرَّدَتْ أكثرَ أَهْلِنا، وأَنْجَزَتْ ما وَعَدَتْ نَفْسَها به، وهو أَنْ تَخْلُقَ دولةً جديدةً على أنقاض بلدنا.

في أواخرِ عام 1948 حَصَلَتْ معركةُ القسطل. لقد توافَدَ إليها الآلافُ مِنَ المحتلّين والمستوطنين ومَعَهُم دباباتُهم وآلياتُهُمْ وأسلحتُهُم. وكان القائدُ العربي فيها يحمِلُ نَفْسَ اسم عبد القادر الآخر الذي حاربَ في الجزائر قبل مئة وخمسين عاماً. لم يكن للمُدافعين الفلسطينيين أملٌ في النَصْرِ مِنَ الناحية العسكرية. فقد كانَ غَريمُهُم أَعْظَمَ تسليحاً وأكثرَ عديداً وكان جنودُهُم أكثَرَ تعلُّماً وتدرّباً وحمايَة. حاربَ الفلسطينيون ما استطاعوا. وكان بين جنودِهِمْ “سامي، ابْنُ “أبو سامي” الذي كان في “أم الغنم” يوم دخلَتْهُ لأَوَّلِ مَرَّةٍ شَاحِنَةٌ عسكرية، ويَوْمَ ذُهِلَ سكانُها مِنْ غياب الدواب عن جرّها. وبرغمِ فارقِ المُستوى الفَنّي، فقد اسْتَبْسَلَ العرب، واحتلّوا تَلَّةَ القَسْطَلِ وأَوْقَعوا بِعَدوِّهِم الخسائِر الكثيرة حتى أجْبَروه على الانسحاب. إِنَّها مُنْتَهى درحجاتِ البُطولة. وانتهَتْ المعركةُ بنصرٍ عربي وفشل غريمِهِمْ. وانتهى النهار، وفَقَّاعة نصري تُحلِّقُ فوق مَوْقِع المعركة، وناقِلاتُ الجُنودِ التي أُجبرت على الانسحاب تعود لِتَنْقُلَ جرحاهُم ولِتَحْمِلَ موتاهُم.
اسْتُشْهد عبدُ القادر، وكذلك سامي، إلاَّ أَنَّهم أَنْجَزوا الوعد. وبينما كانت الشمسُ تغيبُ مختفيةً وراءَ أشجار الصنوبر، كانَ جنودُ القسطل، بعد أَنْ تأكَّدوا مِنْ نصرِهِمْ، يتسلَّلُون، كلٌّ يعودُ إلى قَرْيَتِه وبَيْتِه وأَهْلِهِ، وبينما كانَ الوقتُ يجنحُ للظلام، تتحرَّكُ قوةٌ من المستوطنين لِتَسْتَلِمَ القسطل بعد أن غادَرَها جنودها. تلك هي قمة التخلف.

نظر إلي نصري وكأنه يسألني “هل فهمت معنى التخلف؟” كَمْ هي التقنياتُ التي لَمْ نَتَعَلَّمْها؟ كم هي تلك التي لم نُحَاوِلْ لَحاقَ الركبِ بها؟ ما هي المصَانِعُ التي أنشأناها وتلك التي لم نُحَاوِلْ إنشاءها؟

ليس الحديثُ الذي يخطرُ بِبَالي مُتَعَلِّقاً بالماءِ الثقيل، ولا الطاقة النووية، أنا أُفَكِّرُ بأبسطِ الأُمور مِثْلَ المحركاتِ والمضخّات وهي تَخْرُجُ مِنْ مَصانع الغربِ مُنْذُ أَكْثَرَ مِنْ قرنٍ ونصف، وما زِلْنا نحن نستوردها! ما هي مشكلتُنا؟ لماذا تخلَّفنا كُلَّ هذه المسافة وراء رَكْبِ الصناعة؟

أواجِهُ هذه الأسئلة بعد سبعين حولاً مِنْ سقوط فلسطين، كأَنَّ الزمن لم يمرّ، وكأَنَّ الساعةَ لَمْ تَسْمَحْ لِعقارِبِها بالتحرُّك، كأنَّنا ما زِلنا نَلْعَبُ لعبة أهلِ الكهف.

ماذا حَصَلَ في السنوات السبعين منذُ سقوطِ فلسطين؟ تقدَّمَتْ الدولُ المُفْتَرِسَةُ، وصانَتْ أَنْيَابَها ومخالبِها وحَمَتْ مَحْمِيَّاتها وزادَتْ سيطرَتَها. بقيَ علينا نَحْنَ أَنْ نَعِيَ أين بقينا وأَنْ نخرج من الكهف.

ومضات في استشراف المعرفة
كان سَهْلاً عليَّ أَنْ أَنْظُرَ إِلى الماضي وأَنْ أَسْتَنْتِج مِنْهُ العِبَرَ. طبعاً، فإِنَّ ذِهْنِي كَانَ يَحْتَاجُ للوقت حتَّى يَسْتَوْعِبََ فكرةَ رُكوبِ هذه المركبة السحرية. فَرُكوبُها مثلَ ركوب الزمان، تَأْمُرُه فيَتَحَوَّلُ إِلى التاريخ الذي تَخْتَارَهُ وإِلى المكان الذي تَنْتَقيه. إِنَّها تَجْرِبَةٌ غريبة. إِنَّها كالحُلُمِ، إذا اعْتَرَاك لا تَعْرِف أَأَنْتَ فيه أَمْ أَنَّهُ وَهْم، أَوْ هُوَ الحُلُمُ نَفْسُهُ لَمْ يَحْصُلْ وَلَمْ يَجْرِ، أو كأَنَّ الحقيقة هي غيابُ الحلم. أَيْنَ الحَدُّ الفاصل بين الإثنين؟

عندي إِعْجَابٌ شَدِيْدٌ بالمِؤرِّخِين. فَحَيَاتُهُم كُلُّها مثل رحلتي فوق فلسطين، وإلى الدانمارك وإلى واشنطن، كم دامت رحلتي؟ أَلَمْحَةَ بَصَرٍ أو امْتَدَّتْ على أيام أو أسابيع؟

عندما أَخَذْتُ أُفَكِّرُ بالموضوع، اتْضَحَ لي أَنَّ الموضوع ليس مُهِمَّاً. فالمكان والزمان مَوْجودَيْن في ذهني، فإِنْ تَعَامَلْتُ مَعَهما، فإِنِّي بالفعل تصورتُ ما سَوْفَ أَفْعَلُهُ قَبْلَ أَنْ يَحْصُل، وقبل أَنْ أفتح فاهي أَوْ أَنْ أَمُدَّ يَدي أَوْ أَنْ أُحَرِّكَ سَاكِناً في جِسْمِي. فالذي سَوْفَ يَحْصُل قَدْ حَصَلَ في ذِهْنِي قَبْلِ أَنْ أُمَارِسَه خارِجَ بصيرتي وفي العالم الفعلي.

كيف لَمْ يَخْطُرْ بِبَالِي هذا الأمر مِنْ قَبْل؟ طبعاً إَنِّي لَنْ أَضَعْ يَدَيَّ على جَمْرةٍ مِنْ نار لأَنِّي أَعْرِفُ أَنَّها سَوْفَ تَحْرِقُني، أَيْ أَنَّها سَوْفَ تُؤْلِمُني. فالذي أَرَاه هُوَ الذي يَتَكَوَّن في ذهني أَوَّلاً، صورةٌ للمجمرة وللنار وللمسافة بيني وبينها ولمستودعٍ مِنَ المعلومات في ذهني يقول لي، هذه نارٌ، تُوجِعُ الأصبع، فامْتَنِعُ، وتقول، إِنَّها تُساعِدُني على شواء اللحم، فأَحْمي نَفْسِي، وأَشُكُّ اللَّحمَ بالسيخ، ثم أَضَعه على النار. وهكذا، فإِنَّ ذهني هو الذي تصوّر الألم، وتصوّر استعمال النار بشكل مفيد، ودون ألم، قبل أَنْ تحدُثَ هذه الأعمال. فإِنْ كُنْتُ تَعَلَّمْتُ شَيْئَاً مِنْ رحلتي إلى أعماقِ التخلفِ، فلأَنَّنِي زِدْتُ في مَعْرِفَتي، وأضَفْتُ إلى مستودع معلوماتي تلك الصور التي كنت أَجْهلُها، عن المُحْتَلِّ الذي كان قد نظَّم تنظيمَهُ ونشره في أجزاء المسكونة، واستَعْمََلََهُ للتأثيرِ على عُظَماء العالم بينما كنتُ أنا وشعبي غيرَ واعيين، لا لِما يحدُث، ولا لِما يََتِمَُّ التفاوُضُ عليه، ولا لِتَقَدُّمِ العِلْمِ ولا لِفوائده عندهم، ولا لِلمساوئ التي سوف أَدْفَعُ ثمنها أنا وشعبي، فقط بسبب جهلي.

أنا إذاً بحاجة إلى المعلومَةِ الخام أولاً، ثم إلى إدراكها وفَهِمَ فائدتها ومضارِّها، ثم أَنْ يَتَحَوَّلَ كُلُّ ذلك إلى معرفةٍ في ذهني. المعرفة! المعرفة!

لست أدري كيف تراءى لي نصري وأنا في هواجسي أُفكر بما لم يخطر ببالي مِنْ قبل، فإذا هو واقفٌ أَمَامي يَنْظُرُ إِلَيّ كَأَنَّه يرى كيمياء الخواطِرِ التي تتنازعُ فكري وتتجاذبُ وجداني. بَسْمَةٌ مُحيِّرةٌ تكادُ لا تُرى على وجهه، ونظرةٌ كأَنَّها تقول لي أَنَّهُ يَعْرِف ما يتصارعُ في داخلي مِنْ أهواء. لَمْ يَقُلْ شيئاً. ولَمْ يَعُدْ ضرورياً أَنْ يقول. لقد تعدّينا كِلانا أداةَ التواصل هذه، وأصبحَتْ تتلاقى الصُوَرُ في ذِهْنَيْنا كَأَنَّهُما تَوَحَّدا. لكِنْ سُرْعَان ما أَوْحى لي أَنَّه في نهايةِ المَطافِ حتى هذه اللحظة، لم أُعْطِ المَعْرِفَةِ حَقَّها ولَمْ أَفْقَهْ بعدُ كمِيَّةَ ما يَجِبُ استِيعَابُهُ حتَّى أَتَخَرَّجَ مِنْ عَالم الجهل. فالذي يحتلُّ بيتي وقريتي ومدينتي يحتلُّ أيضاً ذِهْني وعَقْلي ووُجداني. إِنَّهُ خَطَّطَ لي حَتَّى أَكُونَ حيثُ أَنَا، مُتَخَلِّفاً، حتى يستطيعَ أَنْ يبقى مُتَقَدِّمَاً، أَيْ، ضامِناً لاستمرارِ تَفَوُّقِه وانتصاره.

لَمْ أَنْتَبِه كيف تبادَلْتُ هذه الأفكار كُلَّها مع نصري، ولا كيف وقفتُ وتحركتُ وجزتُ ساحةَ بيتي ثم وَصَلْتُ إِلى بَيْتِه ثُمَّ دخلتُ منزلَهُ وركبتُ تلك الفَقَّاعَة، والحديثُ الذهنيُّ مستمرٌّ بيننا، والمركبةُ تطير بنا إلى أَدْغَالِ أفريقيا. كيف لي أَنْ أَصِفَ قُطْعَان حِمارِ الوحش والثيران البرِّية وهي تركُضُ وراء بعضِها في تلك المساحاتِ الهائلةِ التي لا تُجاري أفريقيا فيها أَيَّةُ سهولٍ أخرى في العالم. إلا أَنَّ نَصري لَيْسَ بِصَدَدِ رِحْلَةِ استجمام. فالمُحْتَلُّ مِثْلَ الأَسَدِ، مخلوقٌ مُفْتَرِس. لم يكن صعباً على المركبة أَنْ تَقِفَ فَوْقَ ذلك المنظر الرهيبِ والمَهيبِ، حيث تتلاقى الحياةُ مع رديفها، الموت. كانَ حمارُ الوحشِ يركُضُ والأسدُ يَلْحَقَهُ، وما أَنْ شَعَرَ أَنَّ أَظَافِرَ الأَسَدِ قد بدأت تَصِلُ في المُطاردة إلى لَمْسِ فَخْذه، حتى أَخَذَ يُمارِسُ الحركَةَ التي لا يرجِعُ إليها إلا عندما تَخونُهُ السرعَةُ ويشعُرُ بِقُرْبِ وُقوعِهِ فريسةَ قوانين الطبيعة. إِنَّه يلجأُ إلى الرفس بكلتا رجليه الخَلْفِيَّتين. إِنَّها حركة لا تُفيد. إِنَّها الحركةُ التي تَسْبُقُ تلك القفزَةِ النهائِيَّة للأسد على مُؤَخَّرَةِ الحمار حتى يَقَعَ على الأرض فَيُسارِعُ إلى عَضِّهِ في رقبته عند مَمَرِّ النَفَسِ ويَظَلُّ مُثَابِرَاً عليه حتَّى ينتهي، حتّى ينفُق. تلك الثواني التي كُنَّا فيها فوقَهما، نَتَفَرَّجُ على تلك الصورَةِ المُرْعِبَةِ، الخلاَّبَةِ، القَاسِيَةِ، والتي تَحْصُلُ بِكَثْرَةٍ في أدغال أفريقيا.

إلا أَنَّنَا كُنَّا على مَوْعدٍ مع المُفاجأة. فالذي حَصَلَ لَمْ يَكُنْ كالعَادَة. لَمْ يَقَعْ الحمارُ ولَمْ يَقْتُلُه الأسد. لقد حَصَلَتْ تلك الحالةُ النادِرَةُ: أَنْ رَفَسَ حِمَارُ الوَحْشِ الأَسَدَ، فَأَصَابَ ظِلْفُهُ شِدْقَ الأسد فَكَسَرَ نابيه وأسنانَ فَكِّهِ الأَعْلَى.

لقد حَصَلَتْ الحَالَةُ النَادِرَةُ وفُوجِئَ الأَسَدُ، وأَتَتْ الضَرْبَةُ على إِصْرَارِه واندفاعِهِ وتَخَلَّى عَنْ مُطاردة الحمار وأَخَذَ يُحَرِّكُ رَأْسَهُ وَيَحُكُّه على فَرْوَتِهِ كأَنَّهُ يُحَاوِلُ أَنْ يَتَخَلَّصَ مِنْ أَمْرٍ عَلِقَ في وَجْهِه. كنت أستطيع أَنْ أَرَى الدمَ يَسِيلُ نُقَطَاً خَفِيفَةً بطيئة من لثَّته. إِنَّهُ، وبِشَكْلٍ واضح، قد خَسِرَ نَابَيْهِ وبعضَ أسنانه.

لم يكن بديهياً لي أَنْ أَفْهَم تمام معنى هذا المشهد. إِنَّهُ مَنْظَرٌ لا يقاس إلا بِمَعاييرِ معارِكِ الحياةِ والموت، والتي تَتَراجَعُ بالترجيح آلاف المرات كل ثانية، بين الحيوانات والحشرات التي تأكل بعضها. إلاَّ أَنَّ لِهذا المشهد بالذات مغزىً خاص. ذلك أَنَّ رَفْسةَ الحمار قد كسرت أمراً أهمَّ مِنْ نابَيْ الأسد. لقد حكمت على الحيوان المُفْتَرِسِ بالموت لأَنَّها كَسَرَتْ أَدَاةَ الافتِراسِ التي تُساعِدُهُ على التَفوُّق. لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِ الأَسَدِ أَنْ يَصْطَاد. لَمْ يَعُدْ بِمَقْدُورِهِ أَنْ يُمَزِّقَ لَحْمَ الضَحِيَّةِ حَتَّى يَلْتَهِمَها، حتى ولو اصطادَها أسدٌ آخر. لقد انتهى الأسد. لقد حُكم عليه بالموت. لقد ظهرت لي حقيقةٌ جديدة. فالحيوانُ المفترس لا يمكن أن يَتَغَيَّرَ. فهو سوفَ يُهَاجِمُ الحيواناتِ الأضعفَ منه، وسوف يُمَزِّقُ لَحْمَها وسَوْفَ يَلْتَهِمَها. وإذا لم يفعل ذلك، مات مِنَ الجوع. وإذا فَقَدَ أَدَواتِ صَيْدِه أَوْ خَرِبَتْ مخالِبُه أَوْ تَكَسَّرَتْ أَنْيابُه، فإنه سَوْفَ يَمُوتُ مِنَ الجُوع وسَوْفَ يُصْبِحُ بِدورِهِ ضَحِيَّةَ مَنْ حَافَظَ على طاقَةِ الافتراس فهاجَمَهُ وتغلَّبَ عليه فَمَزَّقَ لَحْمَهُ وافْتَرَسَهُ بِدَوْرِه. هذه هي شُرْعَةُ الغاب. إِمَّا أَنْ تَفْتَرِس أَوْ تَكُونَ الفريسة. ولا تُداوي الطبيعةُ هذا الأمر إِلاَّ بِتَوازناتٍ تعرِفها. فَيَتَوالَدُ حِمارُ الوحشِ والثَورُ البريُّ بسرعةٍ أَكْبَرَ مِنْ تَوَالُدِ المَخْلُوقَاتِ المفترسة، فتشبَعَ هذه مِنْ صَيْدِها ولا تَفْنَى تلك مِنْ عديدها.

فلماذا إذاً أشكو الإِحتلال. أَنَّهُ احتلَّ وطني وشرّد أهلي وفتك بي وبأهلي وبسعادتنا؟ إِنَّهُ لَوْ لم يفْتِكْ ولَمْ يَحْتَلْ، لَكانَ سوف يَضْمَحِلّ. هل هذه هي بالفعل القوانينُ التي علينا أَنْ نَقْبَلَها؟ هل نحنُ فعلاً في الغاب وتحت شرعته؟

فتذكرت قصةَ الذئبِ والحمل وقلتُ في نفسي: أَلَمْ تَرْوِ القصةُ عن نقاشٍ حصل بينهما، هو بالأصحّ اتهامٌ وجَّهَهُ الذئب، بِأَنَّ الحملَ يُعكِّرُ لَهُ ماءَ الجدول. لقد كان جوابُ الحَمَلِ مُفْحِماً مِنْ شِدَّةِ دِقَّةِ مَنْطِقِهِ إِذْ قال: إِنَّ التُهمةَ غيرَ مُمْكِنَةٍ أَصْلاً. فالماءُ يسيل مِنْ عِنْدِ الذئب نحوه! هي طبعاً شريعةُ الغاب. فالذي يَهُمُّ الذئبَ هو عملية الافتراس، وليس تبادل القرائن والبراهين والاتهامات. هذا الذي يُفسِّرُ أَنَّ فَشَلَ أَوَّلِ تهمةٍ أدَّى إلى أَنْ يُطْلِقَ الذئبُ تهمتَهُ الثانية ثم الثالثة وعندما خَسِرَ كُلَّ النقاش لَمْ يتوانَ عَنْ التهامِ الحمل. تلك هي القضية المهمة وكُلُّ غيرها ثانويّ. هذه هي بالتمام مواقفُ الاحتلال. فهو لم يتوقف عَنْ قَضْمِ أجزاءَ مِنْ فلسطين ثُمَّ التهامِ غيرِها، ولم يتردَّد أَنْ يُهَجِّرَ أَهْلَها وأَنْ يُقَتّلَهم، ولَمْ يتوانَ بنفس الوقت أَنْ يَتَّهِمَهُم. فَهُمْ في قولِهِ سببُ المُشكل. هذه هي مناهج الذئاب. وهذا هو أساسُ فلسفَةِ المخلوقات والكائنات المُفْتَرِسَة. فهي لا تستطيع أَنْ تتوقف عَمَّا فُطرت عليه وإلاَّ أصابَها ما أصاب الأسد يوم جاءتْ الصُدْفةُ وأَصَابَ حافِرُ حمارِ الوحش أَنْيابَهُ. كان ذلك حُكْمٌ بالإعدام. تلك هي أيضاً شُرعةُ الغاب.

لَمْ أَكُنْ مُرْتَاحَاً لهذا المنطق بالرغم مِنْ كُلّ ما رأيت وكُلِّ ما ظهر لي نتيجة رؤيتي كلَّ ما رأيت. صحيح أن شرعة الغاب هي كما وَصَفَتْها المشاهدُ التي رأيتها والتي تسجّلتْ في مخيلتي وذهني. إِلاَّ أَنَّني بَقِيْتُ أَشْعُرُ أَنَّ في هذه الصورة أمرٌ ناقص لم يكتمل. ثَمَّةَ نُقْصانٌ في هذا الوصف، أمرٌ ما، يجعلُ في هذا الكلام ما يَصْدُم السريرةَ وما يُهاجِمُ ويتعدّى على أبسط مَبادئي ومُعتَقداتي. إِنَّهُ، في النهاية، أَنَّنا لسنا حيوانات! هل يوافق المحتلّ أَنَّنا لسنا بهائم، وأَنَّ الذي يَنْطَبِقُ على البشر هي قوانينُ تختلف عَنْ قوانين البهائم.

رُبَّما كان هذا هو نواةُ الموضوع. إِنَّنا نؤمنُ أَنَّنا بشرٌ وأَنَّنا لسنا بهائم، بينما يتصرف هو كأنه هو وحده البشر، فلا يُخَصِّصُ لنا إلا جُزْءَاً مِنْ حُقوق البهائمِ، المُخَصّصَةِ لِفريسة الغاب. نعم. فقط جُزءاً مِنْ تلك الحقوق. فليس مِنْ مصلحَةِ الأسد أَنْ تفنى الثيرانُ في البرية، أو حميرُ الوحش فيها، وإلا انقطعَ عنه مصدرُ قُوتِه. إلا أَنَّ المحتلَّ يختلف عَنْ الأسد وعَنْ شُرعة الغاب. فهو يريد أَنْ يفرِّغَ الأرض تفريغاً كاملاً من سكانها، أي مِنّي ومن أهلي.

رُبَّما إِنَّني بَدَأْتُ أَفْهَمُ شُرُوطَ اللُّعْبة. لقد خسرنا مجموعةً مِنَ المعارك في مواجهة الاحتلال. وما زال يربح كل المعارك. إِنَّه يطمحُ إلى الكثير. إِلاَّ أَنَّني فهمت أيضاً أَنَّهُ لَمْ يربح الحرب بعد. وإنَّه لَمْ يُحَقِّقْ كُلَّ طموحاتِه بعد. لذلك، فالحربُ ما زالت سِجالاً، وليس بيني وبين نصري إلا هذه المسألة.

نعم، سأتحالف مع الجِنِّ، مع نصري وغَيْرِه، وسأستمر في محاولاتي، حَتَّى يَأْتِيَ اليومُ الذي أَرْبَحُ فيه معركَةً أَوْ أَخْسَرَ فيها أخرى. عندئذٍ يبدأُ التَكافُؤُ. عندئذٍ ينبعَثُ الأمل.

ما زال نصري واقفاً أمامي، حامِلاً ابتسامَتَه اللغز، ناظراً إلى تفاعُلات أفكاري كأنّي عارٍ أمامَهُ يقرأُني ويُقَلِّبُ صفحاتِ ذهني. لقد رأى عَبْرَ وَجْهي ما تَوَصَّلْتُ إليه مِنْ أَفْكَار. لَمْ يَعُدْ لِلكلامِ بيننا مكان. فالذبذبات التي يتواصل بها ذِهْنانا وفِكْرانا تَكْفِي لِنَقْلِ المَفاهيم التي تعبِّرُ عنها الجُمَلُ في اللغة العربية. تلك هي قَناعتي. رُبَّما كانت الحقيقةُ على غير ذلك الوضع. رُبَّما تَغَيَّرَتْ الأمور ورُبَّما قد أَتَمَّ سَيْطَرَتَهُ على ذهني حتى صِرْتُ أُفَكِّرُ مِثْلَمَا يُوْحي لي. رُبَّما كانَ كُلُّ ذلك صحيحاً. إلا أنِّي بالرغمِ مِنْ ذلك أَعْلِنُ على رُؤوسِ المَلأ: أنا سعيدٌ بوضعيَ هذا. لقد تَحَرَّكَ في رأسي وفي جسدي وفي خلاياي شيءٌ جديد، فيه قوةٌ وقدرةٌ، فيه حركةٌ بعد سُكون وفيه نشاطٌ بعد رُكود وفيه طاقاتٌ خلاّقةٌ بعدَ مُلوحةٍ وعُقْر. رُبَّمَا كانت الحقيقةُ أَنَّ الأَمَلَ لا يحتاجُ لانتهاءِ الخُطَّةِ حَتَّى يَظْهَرَ ويَطغى ويُؤَثِّرَ في تَصَرُّفات الناس. إِنَّ مُجَرَّد البحْثِ عَنِ المَخْرَجِ في كَهْفِنا المُظْلِم دَلالةُ قََناعاتٍ جديدة، أَنَّ وراءَ الدَهْليزِ مَخْرَجٌ وأَنَّ وراءَ الظُلْمَةِ بارِقَةٌ مِنْ نور.

لَمْ أَعُدْ على ما كنتُ عليه. لقد تَغَيَّرَتُ. لست أدري كَمْ اسْتغرقَ الأمرُ فيَّ حتَّى حَصَلَ هذا التغيير. ذلك أَنَّ نصري قد قَلَبَ في ذهني مَفْهُومَ الوقتِ والزمن. إِنَّ الواضح هو أَنَّني خرجْتُ مِنَ السكونِ إلى الحَرَكَةِ. هذا المَدْخَلُ الصَحيحُ لِلأَمَل. ذلك هو تَوَجُّهي الجديد.

ملامِـحُ الأَمَـلِ
أَسكنُ اليومَ مدينةً هي إِحدى أقرب العواصم العربية إلى فلسطين. أُجْبِرْتُ على ذلك. لقد أَدْخَلْتُ ابني الجامعة. ليس كُلُّ ما أفعلُه مَدْروسٌ ونتيجةُ تخطيط. صحيح، كان بإمكاني أَنْ أسكن في مدينة أخرى، وبالفعل، فقد جَرَّبت سُكْنى مدنٍ في قاراتٍ أُخْرى، لكن ذلك لم يشفِ ما بي:
وَلـي كَبِـدٌ مَقروحََـةٌ مََـنْ يَجِـدْ                لِيَ كَبِــداً ليسـت بِـذاتِ قُــروحِ
بِكُـلٍّ تداوينا فَلَـمْ يُشْفِ مـا بِنـا              علـى أَنَّ قُرْبَ الـدارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْـدِ
لكِنّي اكْتَفَيْتُ بِقولِ الشاعِر:
بِكُـلٍّ تداوينا فَلَـمْ يُشْفِ مـا بِنـا              علـى أَنَّ قُرْبَ الـدارِ خَيْرٌ مِنَ البُعْـدِ
إن عِشْرةَ نَصْري غَيَّرت كُلَّ حياتي. فقد فَتَحَ عينيّ إلى أُمور، لا والله ما كنتُ آمل أَنْ أَفْهَمها لَوْ لَمْ يَأتِ هو بها. فقد أصبح بِمَقْدُوري أَنْ أَذْهَبَ إلى الناصرة وأَنْ أَعُود مِنْها وأَنْ أُعَاوِدَ فتحَ باب منزلي فيها وأَنْ أَنْظُرَ إلى أثاثِها وأَنْ أَتَمَثَّل بأيام كنتُ أسكُنها. كأنِّي أَسْكُن بيتي في الناصرة وبنفسِ الوقتِ في بيتي في المنفى، أَوْ هو بيتي الآخرُ في وطني العربي الكبير، أَوْ هو مَسْكَني في دولة أخرى انْسَلخْتُ عَمَّا كان مِنْ قَبْلُ مَساحةً مفتوحةً على بعضها. لست أدري مَنْ أنا، لاجئٌ مِنْ فلسطين أَمْ مُواطنٌ فيما يُسَمَّى دولةٌ عربية مستقلة، أَمْ أَنِّي مُواطنُ دَوْلَةٍ غَرْبِيَّةٍ وأحملُ جوازَ سفرها؟ إنَّ هذا كلامٌ طالما كَتَبَه غيري وعاود كتابَتَهُ آخرُ ثم آخر حتى أصبح الكلام فيه، رغم أهميته، ضَرْبٌ مِنْ ضُروبِ مَضْيَعَةِ الوقت. أنا مُواطنُ دولةٍ غَرْبِيَّةٍ حين أَمُرُّ على الحُدود، يحترمُ جوازي جنديُّ الجوازات وهو الذي يستقي سُلْطَتَهُ مِنْ خَاتمٍ يُودِعُهُ في جارور، لا يستعمِلُهُ إلا عندما يكاد مُواطِنُهُ أَنْ يفقد الأمل، أو أَنْ يكاد يُجْهِزُ عليه ويُتِمُّ إذلاله. إلا إِنَّه يُسارِعُ للوقوفِ عندما يرى جواز سفري الغربي، ويؤدي لي تحيةً لا أفهمُ معناها، ويَخْتُمُ جوازي بحركةٍ احتِفالِيَّة ويقول لي “أهلاً وسهلاً في وطنك الثاني”. نعم، أنا الآن أسكن مدينةً عربية في دولةٍ عربية مستقلة، أَهَمُّ مظاهرِ الحياة فيها أَنَّني أشتري راحتي بالمال، فأُرسِل سائق سيارتي فَيَرْشي مَنْ يَرْشي ويأتي بما طلبتُ مِنْ معامَلاتٍ وأختام مِنْ دوائرِ الدولة.

هل يأخذني نصري إلى حُلمٍ جديد يغيّر هذه الأمور ويحوّل الوضع السياسي إلى شكل يُرْجِعُ فيه للمواطن العربي شيئاً مِنْ عِزَّةِ نفسِه وبعضاً مِنْ حُقوقِه، أم تُرى أنَّنا في حالةٍ مَيْؤوس منها،

كَنـاطِحِ صَخْـرَةٍ يومــاً لِيَفْلِقَهـا            فَلَـمْ يَضِـرْها وأَوْهـى قَرْنَـهُ الوَعْـلُ

استدعيتُ نصري كما أَستدعي ظِلّي، فإذا هو أمامي ينظرُ في أعماقي كأنه يوفّر عليّ مَشَقَّةَ الكلام. طبعاً ليس عِنْدَ أحزابِ أُمَّتِي وقادَتِها تلك الآمالُ والحلولُ التي أَصْبُو إليها ولا البرامجُ والخططُ التي أُنْشِدُها. إِنَّهُمْ كُلُّهُمْ يَزْعَمُون أَنَّهُم يعرفون الحُلول و أَنَّهُمْ عُلماءُ بِقَضايا الأُمَّة. أوحى نصري فقرأت في تاريخنا وجهاً من أَوْجُهِ الحقيقة. إِنَّ أَنْصافَ المعارِفِ أَشَدُّ مَضَرَّةً وأَعْظمُ إفساداً مِنَ الجهل.

طَيِّـــــــبُ الريحــــــــان                 لا تعْــــرِفُهُ إلاّ بِشَمِّــــهْ
لَيْــتَ مَــنْ لا يُحْسِــنُ العِلْـمَ             كَفانــــا شَـــرَّ عِلْمِـــهْ
فَاخْبُـــرِ الحَــــقَّ ابْتِــداءً                 وقِــــسِ العِلْـــمَ بِفَهْمِــهْ

فقلت له، ما العمل يا نصري؟
ليس استشرافُ المستقبل مِثْلَ قراءة الماضي. فالرحلاتُ التي واكبني بها في التاريخ كالتَفرُّج على فيلمٍ سينمائي. فالذي حصل سابقاً والذي حدث في الماضي لا يمكن تغييرهما. إنهما جُزْءٌ من تاريخنا. لكن المستقبل مختلف. فهو لَمْ يَحْصلْ بعدُ. وهو بحكم الضرورة ما زال بِشَكْلِ برامج وخُطَطٍ في ملفات الدول وفي رؤوسِ أصحابِ القرارِ. لكن مَنْ هم هؤلاء؟ أَلَيْس لنا رأي فيما سوف يحصُلُ لنا ولا مُشاركة في صُنْعِ مُستقبلنا؟

لا بدّ لنصري أَنْ يجيب. لا بدّ له أَنْ يساعدني على تلمّس طريقي. لم يأتِ بي إلى هذا المدى ولم يخترني بين كل أبناء الناصرة بلا تفكير وسابق تصميم وخُطَّةٍ في ذِهْنِهِ واضحة المعالم. لا شك أن لديه تَصَوُّرٌ بِتَؤُدَّةٍ وأنّه يعلمني اجتِِيازَ خطواتها بِسُرْعَةِ استيعابي أنا. أنا الذي يجب أَنْ أَسْتَعِدَّ وأن أُسَارِعَ لِفَهْمِ كُلِّ مؤشّرٍ حولي حتى لا أُضيع الوقت الثمين.  لم يَعُدْ  وقتي وقتاً شخصياً، ولا زمناً يَمُرُّ ويَحْصُرُ تأثيرَه بي. لقد تَغَيَّرَت المُعادلة. فالذي يَتَأَثَّرُ هو شعبي كُلُّه. إِنَّهُ وقتٌ يضيعُ  على مجموعِ قَضِيَّتِي، على كل فردٍ تَهُمُّه هذه القضية، على كُلِّ فلسطيني، وبالتأكيد على كُلِّ عربي. إذا كان عند نصري حلٌّ أو في جُعْبَتِهِ خُطَّةٌ أو كان عَنْ طريقِهِ مَدْخَلٌ لإنقاذِ شعبي، فالوقتُ الضائعُ عليَّ أنا غَيْرُ مُهِم. إِنَّ الوقتَ الضائِعَ، هو سنينُ أو أشهر قبل أن تبدأ عملية الإنقاذ، وهو ضائعٌ على كلِّ وطني. فجأة أَصْبَحَ وقتي مِلْكَ غيري، لا يَحُقَّ لي أَنْ أتَصَرَّفَ به. عليَّ المُسارَعَةُ حالاً إلى العمل.

أَمَّا العملُ، فهذا أمرٌ لم أستطع التوصل إلى تَلَمُّسِهَ أَوْ فَهْمِه بعد. إلا أنَّ نصري قُربِي، لا أكادُ أُفَكِّر به حتى يظهر إلى جانبي. عليه فِعْلاً أَنْ يُعينَني على هذا الأَمْر الجَلَل.

لقد بدا واضحاً لي الآن أَنَّ التخلف هو باب الخذلان وأَنَّ لا مخرَجَ لنا إِنْ بقينا على حالنا، وأَنَّ الحَلَّ مدخلُهُ التَقَدُّم. لم يكن نصري بعيداً عني فهو مثل ظِلّي، وكعادته فهو يُراقِبُ أفكاري وقال: «إن كنتَ تَرْغَبُ أَنْ تَرْبَحَ معركةً، فإليك وأنياب الأسد، إلا أَنَّكَ إِنْ كُنْتَ تصبو إلى ربح الحرب، فعليك بالتفوّق على غريمك!».

كيف لي بِحَوافِرٍ تُصِيبُ أَنيابَ الوَحْشِ عند كُلِّ هُجوم، وبِعَضلاتٍ تُنْهِكُه بالركض عند كُلِّ مُحاوَلَة؟ إِنَّ عِنْدَ غريمي طائراتُ الحرب يَحْصَلُ مِنْها قَدْرَما طَلَب وكُلَّما رَغِب، ودباباتٍ شديدة التصفيح عنده منها كُلَّ ما يحتاج، وليس عندي، لا قدرَةُ الدفاعِ عن شعبي ولا حتى قدرَةُ مَعْرِفَةِ مَوْعِدِ الضَرْبَةِ المُقبلة. إِنَّ غريمي مُسَلَّحٌ وإِنَّ شعبي أَعْزَل. كيف الطريق إلى تغيير هذا الوضع؟

أَوَّلُ ما خطر ببالي هو أَنْ أسْتَدِلَّ على طريقَةٍ أسْتَحْصِلُ بها على شيءٍ مِنَ السلاح. ثم تَسارَعَتْ الأفكارُ في رأسي. كَيْفَ أشْتَري السلاح ومُصادِرُهُ مُمْتَنِعَةٌ عَنِّي، وثمنُه في يَدِ مَنْ يَرْفُضُ استِعْمالَهُ ضِدَّ غريمي. ثُمَّ أنّي مُجْبَرٌ على التفكير بأَبْناءِ شَعْبي، وهم تحت الرقابة، أكانوا في الاحتِلال أَمْ في دُوَل اللُجُوء. لَنْ يَسْمَحْ أَحَدٌ بتدريبِهِمْ ولا بتنظيمِهِمْ ولا بإعدادِهِمْ، حتى ولو تَوَفَّرَتْ لَدَيْنا وسائلُ التَسْليح!
نَظَرْتُ إلى نصري، فإذا به يَضْحَكُ مِنْ أفكاري «لا تعتمد على غيرك وإلا كُنْتَ أُضْحوكَةً أُخرى في مسلسل القيادات المُتَخَلِّفَة! وتوقف عن التَمَنّي والأَحْلامِ الفارِغَة. ولا تَكُنْ كالذي دَخَلَ على الخليفة وأنشد له:
إِ
نِّـي نَـذَرْتُ لَئِـنْ رأَيْتُـكَ وارداً              أَرْضَ العراقَِ وأَنْـــتَ ذو وَفْـــرِ
لَتُصَلِّيَــنَّ علـى النَبــيِّ مُحَمَّـدٍ             ولَتَمْــلأنَّ دَرَاهِمـــاً حِجْــري»

هَزئْتُ مِنْ نفسي وخَجِلْتُ منها عندما سمعت هذين البَيْتَيْن. طبعاً هذه مناهجُنا مُنْذُ أَنْ واجَهنا الغريمُ الذي بدأ باحتلالِ أرْضِنا قبلَ أَنْ نَعْرِفَ بُوجُودِهِ بين ظَهْرانينا. كيف أَخْرُجَ بِنَفْسي مِنَ التَخَلُّفِ قَبْلَ أَنْ أُفَكِّرَ بمساعدة شعبي. كيف لي أن أبْتكِرَ الطُرُقَ التي تُقْنِعُ، فأَقْتَنِعَ بنجاحها أنا، في داخلي، قبل أَنْ أعرِضَها على غيري؟ مِنْ أَيْنَ لي مَصادِرُ المعرِفَةِ بالحلول حَتَّى أستقيها وأتدارسها وأسْتَوعِبها وأصِيغَها وأُحَوِّلَها إلى خُططٍ وبرامج؟ كيف لي أَنْ أجِدَ طَرَفَ الخَيْطِ حتى أُمْسِك به وأَسْحَبَه وأُداوِمَ على جَذْبه حتى أُسَيْطر على طَرَفَيْه؟
لم يكن يتملّكني أيّ شك أَنَّ الأمور في منطقتنا سوف تتغيّر. فالذي يطلب التغيير هو غريمُنا، تماماً مثلما نطلبُه نحن، لكن في اتجاهٍ معاكس لاتجاهنا. ولَمْ يُسيطِرْ بَعْد على كُلِّ أرضنا، ولَمْ يُدَجِّنْ كُلَّ أخواننا وأحبابنا مِنْ أِبناءِ وطني العربي الكبير. ولم يَنْجَحْ بعد بطرد باقي أهلِنا مِنْ فلسطين. رُبَّمَا كان يرغَبُ بأكثر مِنْ ذلك بكثير إِذْ لَيْسَ أمامَه في الوقت الحاضر أَيُّ عائقٍ ولا أي قادرٍ على مُعارَضَةِ خُطَطِه ولا مَنْ يُحاول تنظيمَ نَفْسِهِ حتى يُطَوِّرَ في مُحيطِهِ أو في بَلَدِهِ قدرةَ المقاومة في المستقبل. إِنَّ الذي يُعانِدُ غريمَنا ويقفُ حَجَرَ عَثْرَةٍ في وجهِهِ هو شعبُنا الفلسطينيُّ ووراءهُ شعبُنا العربِيُّ العظيم، يقاومونَ الرصاصَ بأصابِعِهِم والتَطَبُّعَ بِعِنادهم والإرهابَ بإصرارِهِم وثباتِهِم.

 اين نصري يرشدني حتى أفهم الطريق أو المسار إلى مَخْرَجِ هذا الكهف.

يظهرُ نصري قُرْبِي كُلَّما استدعاه ذهني. صِرْتُ أَعْرِفُه وصرتُم تفهمون تصرّفه. فهو دائماً قُربِي وها هو يؤكد لي ما كنت أظن. نعم سوف يحصلُ التغيير. نعم، فذلك على الأقل بسبب خُطَطِ الغريم وحُلفائه. إلا أَنَّ كُلَّ قُدُرَاتِ التخطيط  التي تَمْلُكُها عظام الدُوَلِ لا تستطيع أَنْ تُنْتِجَ له كُلَّ ما يُريد تماماً كما يَبْغيه. فِلأَحْسَنِ الخُطَطِ وأكْثَرِها دِقَّةً نسبةٌ مِنْ الخطأ لا بُدَّ أَنْ يَحْسِبَ العَدُوُّ حسابه. تعال نرى ما قد يكون في جُعْبَتِه.

قال هذا وأشار لي فتوجهنا إلى مركبته، فأدار ساعاتها وحرك مفاتيحها فَتَمَلْمَلَتْ بنا كما تفعل كُلَّ  المَرَّات ثم تَوَجَّهْت بِنا إلى المُسْتقبل ونصري يقول: أنظر إلى هذه الساعة والتاريخ الذي نَقْصُدُهُ، فهو شكلٌ من أشكالِ المستقبل. لكن تذكر! ليس هناك مُسْتَقْبَلٌ واحد، إنما أشكالٌ مختلفة مِنْهُ، حسبما تَتَحَقَّقُ الخِطَطُ التي يَضَعُها لاعِبو السياسَةِ والذين يَعْتَرِضونَهُم، وأصدقاؤهم وغُرَماؤهم.

قفزَتْ بِنَا الأَيَّام عِدَّة عقودِ إلى الأمام.لَمْ نخرُجْ مِنْ هذا القرن إلا أَنَّنا تقدّمنا سنوات عديدة في المستقبل. والذي انتقلنا إليه يُشبه صالة المؤتمرات، وفيها عددٌ كبير من الناس، لا شكَّ أنَّهم في مُعظمهم صحفيون، فَهُمْ يحملون أجهزةَ التصوير أَوْ دفاترَ الملاحظات وبأيْديهم أَقْلامٌ وعيونهم مُرَكَّزَةٌ نحو رجل على رأْسِهِ الكوفية البيضاء وهو يعلِنُ موقفه السياسي. كِدْتُ أبتسم في داخلي. فالأُمراءُ الذين يُصيبهم الإسهال الكلاميّ الخطابي كثيرو العدد، ولا يأتي نصري إلى مِثْلِ هذه المشاهد لو لَمْ يكن في الأمْرِ حَدَثٌ جَليل يستحق السفر في الزمان والحضور والاستماع.

إلا أنه لم يتح لي أَنْ أنتظر، ذلك أَنِّي سَمِعْتُ الرجلَ يُعْلنُ استقلال منطقَتِهِ ويُحَذِّرُ المملكة مِنْ مَغَبَّةِ مُحَاوَلَةِ رَدْعِهِ عن ذلك. فهو قد أَتَمَّ توقيعَ اتفاقِ دفاعٍ مشتركٍ بين دويلته الجديدة وأعظم دولةٍ في العالم.
دارت الدُنيا في رأسي وأصابني دُواخ. هل نَصِلَ إلى المَزيدِ مِنَ التشرذم؟ كانت المَمْلَكَةُ وِحدةً سياسيةً يُمْكِنُ بناءَ بعضَ أحلامِ الأمة حَوْلها. إلا أَنَّ اقتطاع إحدى أَهَمَّ مناطِقِها وموقِعِ إنتاج ثَرْوَتِها ومَخْزَنِ دفائِنِ أَرْضِها يُحَوّلها خلالَ أَيَّامٍ مِنْ دولةٍ ذات قدرةٍ سياسية إقليمية إلى دولةٍ أخرى بين الدول الفقيرة في المنطقة وتُسْتَحْدَثُ إمارةً أخرى تُضافُ إلى صُغريات الدول، التي تَعْتَمِدُ على غريمي وحُلفائه في كلّ شيء، وتستهلِكُ كُلَّ ثروتها في إعمار اقتصادِ عَدُوِّها وإثراءِ سكانه. ذلك ليس أَمَلٌ. تلك مُصيبةٌ أخرى تُصيبُ أمتي!

قُلْتُها والقَلَقُ يَتَمَلَّكُني فقال لي: أُنْظُرْ إلى الإمارة الصغيرة تلك! توجهت بنظري فإذا بي، والدويلة الجديدة أصبحت تُجاوِرُ سِلْسِلَةَ الإمارات العربية، أَمَامَ مشهدٍ آخر أطاح بي وأَذْهَلَني. فالمركَبَةُ قد غادرت الإمارةَ الجديدةَ التي انسلخت عن المملكة وأَخَذَتْنا إلى الإمارة المجاورة. لستُ أدري إِنْ كانَ نصري قد غيّرَ أيضاً مفاتيح التاريخ. لم يَعُدْ يَهُمُّني الأمر. فالذي أُشَاهِدُه هو أَميرٌ آخر في دويلة مجاورة، أَصْبَحَ العَرَبُ فيها أقلية، والأجانبُ أكثريةً ساحقةً، أكثرُهم مِنَ الدُوَلِ الآسيوية. أمَّا الباقي فَهُمْ من دُوَل الأسياد، يُديرون امبراطورياتهم بواسطةِ صغارِ الأمراء في الدويلات التي استحدثوها خلال العقود السابقة. والذي أراه فهالني وأرعبني أَنَّ هذا الأمير قد اسْتَلَمَ التعليمات فَحَزَمَ أَمْتِعَتَهُ فأُخِذَ إلى المطار الذي يَحْمِلَ اسم والِدِهِ ورُحِّلَ مِنْ إمارته إلى بلدٍ ما قَبِلَ اسْتضِافَتَه. فَقَدْ قَرَرَّتْ الإمبراطورية تَنْفيذَ مَبْدأ الديموقراطية في إمارته، فَفَرَضُوا عليها انتخابَ برلمانٍ يُمَثِّلُ كافَّةَ السكان وليس فقط أصحابَ الجنسية المحلية، أَيْ العرب. لقد أعطوا حَقَّ التصويت للآسيويين أيضاً مِنْ عُمَّال وموظفين، وكذلك وللغربيّين المُقيمين في الإمارة. فانتخبوا مجلساً يُمَثِّلُ الجميع، وعَيَّنوا حكومةً جديدَةً ليس فيها أَيُّ عربِيّ.

ما الذي سوف يبقى مِنْ عُروبَةِ كُلِّ هذه الإماراتِ والجمهورياتِ والممالك العربية المُتهاوِية؟ هل نحن أمام حَرَكَةِ اسْتِئْصالٍ للعربِ في المشرق والذي يَفْقُدُ عُروبَتَهُ شيئاً فشيئاً مع مُرور الزمن؟ ماذا بقي مِنْ بلاد السَّوَادِ وما بَيْنَ النهرين وَكَمْ بَقِيَ مِنَ العرب في خليجِهِمْ وكَمْ بقي مِنْ كُلِّ من هذه الممالك بَعْدَ أَنْ تَمَّ اقْتِطَاعُ أراضيها الغَنِيَّة بالثروات الطبيعية؟ لقد اسْتَحْدَثُوا إمارةٍ أخرى، سرعان ما تَتَحَوَّلُ حتى تُشْبِهَ جاراتِها، فَتُبَدِّلَ طبيعَةَ سُكانِها وتُصْبِحَ عَرْضَةً لِما حَدَثَ لإمارَةِ هذا الأمير المخلوع. لقد حالفهُ الحظُّ فَوَجَدَ مَنْ قَبِلَ اسْتِضَافَتَه. أَمَّا الذي يليه، فربما لَنْ يجد مَنْ يأويه!

هل هذا هو مُسْتَقْبَلُ أُمَّتي؟ أإلى هذا المآل نصير؟
ضحك نصري لأفكاري دون أَنْ أَتَفَوَّه بها وقال لي: لا تُسارع  في الإستنتاج. هذه ليست إِلاَّ إمكانِيَّةُ مِنْ إِمكانياتِ المستقبل. إلا أَنَّ هذا لَمْ يَحْصُلْ بعد. فهو برنامج في ملفٍ مِنْ ملفات إحدى الدول العُظْمى، والتي نَظَّمَتْ ملفاتٍ أُخرى تَلْحَظُ تطوراتٍ أخرى لِمَنْطِقَتِنا. ألا ترغَبُ بالتَعرُّفِ عليها؟ وأخذ يشرحُ لي، ومركبتنا الغريبة تقودُنا مِنْ مكتبٍ إلى دائرة ومن عاصمةٍ إلى أخرى ومن مركزِ بحوثٍ إلى قاعدةٍ عسكرية إلى دائرة تخطيط، كلَّ واحدةٍ مِنْها مرحلةٌ فيها الاستعدادُ وفيها التدريبُ وفيها الخبراءُ يتساءلون عمَّا يجبُ فِعْلُهُ لَوْ قَامَ ذلك القائدُ باتخاذِ إجراءٍ أو بادَرَ ذلك الزعيمُ فَانْتَقى خِياراً دون الآخر، وما يجب فِعْلُهُ في كلِّ حالةٍ، والخِطَطُ التي يجب اعتمادُها في كلِّ مناسَبَة تُتاح.

نعم فالمستقبلُ لَمْ يَحْصَلْ بَعْد! وإذا كانت الإمبراطوريةُ وحلفاؤها يَحْسِبُون حساب صغارِ القادة في العالم ويُقَدِّرون مفعولَ قراراتِهِمْ على برامِجِ الدُوَلِ العظمى، فذلك يَعْني الكثير. إِنَّهُ يَعْني في أقلِّ تقدير أَنَّ تِلْكَ القراراتِ الصغيرة قد تؤثر في خُطَطِهِ. إنَّها تعني أَنَّه بإمكاننا التأثيرُ على بعضِ هذه القرارات، أي التأثير على مستقبل بلادنا. هذا واضح! وإلاَّ، فلماذا كُلُّ هذه الحساباتُ التي تحسبُها الإمبراطوريَّة وغريمُنا وحُلَفاؤهما؟
لكن كيف.

نظرت إلى نصري فقال: «ليس في الأمر حُلولٌ سحرية. إِنَّه يا صديقي العملُ، العملُ! إِنَّ الخروجَ مِنَ التَخَلُّفِ إلى التَقَدُّمِ يعني الكثير مِنْ العمل.
دَعْنَا ندرُسُ وَضْعَنا! كيف يُمْكِنك مُواجهةُ غريمك؟ إِنَّه مسلح تسليحاً عظيماً ولديه جُنْدٌ حسنوا التدريب. عليك أن تُدَرِّبَ جنودَكَ تدريباً أَفْضَلَ مِنْ تدريبه، وأَنْ تَتَسَلَّحَ بحيثُ تعطل مفعولَ تَفَوُّقِ سلاحه. هذا يكفي لِرِبْحِ المعركة. لِربحِ اشتباكٍ أو معركةٍ أو اثْنَتَيْن. لإحْراجِهِ. لإجبارِه على إعادةِ النظر في خططِه. لإرباكِه. لإرغامِه على معاودةِ حساباتِه. لِجَعْلِهِ يتردد. لإفقادِهِ بعض ثقتِه بنفسه. هذا أمرٌ يمكنك أَنْ تَفْعَلَهُ. تعال معي وانظُرْ. كل ما تحتاجُ إليه هو شيءٌ مِنْ المجهود، مِنَ التفكير، مِنَ التنظيم، مِنَ العمل الدؤوب. تعال معي وتفرَّج على شكلٍ آخر مِنْ أشكال المستقبل.. ».

نظرت إلى عدادات مركبتنا، فإذا بِنا في فترة ليست بعيدةً عَنْ اليوم، وإِنْ كانَتْ قد تَوَغَّلَتْ بعضَ الشيء في القرن الواحد والعشرين. وإذا أمامي فريقٌ مِنْ الرجال الشباب وإذا بالمكان دويلةٌ مِنْ دويلات أفريقيا. بضعةُ خِيَمٍ نُصِبت تحت أشجارٍ هزيلة الأغصان، مفتوحةٌ أبوابُها النسيجيَّةُ ومُثَبَّتَةٌ بأوتاد على مداخِلِها طاولتان مِنْ المادة البلاستيكية عليها رُزَمٌ مِنَ الوثائق والأوراق. أشار نصري، وإذا بأحد الشباب ينادي زميله مِنْ أمام الخيمة، ويقول له باللغة العربية يتَشُوبُ لَفظَها لَكْنَةُ طولِ الغيابِ عَنْ الوطن، أَنْ انتهيتُ مِنَ التحضير وأَنَّ كُلَّ شيءٍ جاهزٌ للتجربَةِ التي طالما انتظرناها. وبدأت أفهم. فهي تجربةُ صاروخ مُضَادٍّ للطائرات لا يُخْطِئُ الأَجْسَامَ الطائرةَ مَهْمَا ارْتَفَعَتْ سُرْعَتُها. فالصاروخ مُجَهَّزٌ لِلْمُطَارَدَةِ بما يفوقُ سرعةَ الصوت. وهو قابِلٌ للتسييرِ وإعادةِ التوجيهِ مِمَّا يجعلُهُ قادراً على تحدّي مُناوراتِ الطيَّار عندما يحاول الهرب مِنْ هذا السهم السديد. ما الذي يجعلُ هذا الصاروخَ قادراً على كلّ هذا؟ تفرّجتُ على الوثائق وقرأتُ بثوانٍ ما تحمِلُهُ الحواسيب مِنْ معلوماتٍ وهي مفتوحةٌ أمامي على تلك الطاولات تتصِلُ بباقي العالَمِ بذبذباتٍ لاسلكيَّةٍ تخرُجُ مِنْهَا وتعودُ إليها بواسطةِ القمر الصناعي القابع فوقَها يربِطُ بينها وبينَ العالم. ذُهلتُ مِنْ سُهولَةِ التصميم. فبرامجُ التسييرِ على مُستوى عظيمٍ مِنْ التبسيط، لا تستهلِكُ إلا القليل مِنْ الذواكِرِ الالكترونية. ولا يتحرَّكُ في هذا السَهْمِ إلا قطعتان صغيرتان تَتَحَكَّمان بحركتِه في الاتجاهات السِتّ، يميناً ويساراً، إلى الأمام وإلا الخلف، وإلى فوقُ وتحتُ. أمَّا وَقودُه، فهو مِنْ تلك المادةِ المعروفةِ التي تجدُها في كُلِّ مكان وبأرخصِ الأسعار.
انتظرت.

فالمهندس يُجَهِّزُ أدواته ويوجِّهُ اتجاهها. كيف تُراه سوف يجرّب قَصْفَ طائرةٍ عَدُوّة؟ وإذا نحن امام ما يشبه المدفع، يبعُدُ عَنْ مكان إطلاق الصاروخ حوالي خمسمئة متراً. وإذا بِهِمْ يتحدثون فيما بينهم بأصوات هادئة واضحة، كلٌّ يتكلَّمُ في جِهازِه وقطعَةُ السَمَعِ مُثَبَّتَةٌ حول أُذنيه. ثُمَّ حَصَلَ الحدث. اطْلَقَ المدفعُ قذيفَتَهُ، ورأينا وراء الدخان جسماً طائراً صغيرَ الحجمِ خارجاً مِنْ فُوَّهَةِ المدفعِ ومندفعاً بسرعةٍ جنونيةٍ نحو السماء يُصاحِبُهُ صَوْتٌ هائلٌ يَصُمُّ الآذان. ثم رأينا الصاروخَ يندفِعُ مِنْ قاعدتِه ويلحَقُ بالقديفَةِ الطائرَةِ، ثُمَّ رأينا الطائرةَ تُغَيِّر وجهتَها ورأينا السهمَ يلاحِقُها ثُمَّ ارتفعَ الضوءُ ثُمَّ وَصَلَ صوتُ الانفجار وأُصيبت الطائرةُ الصغيرةُ ونجحتْ التجربة!
رأيتُ ابتسامَةَ الرضى والاعتزازِ على وَجْهِ المهندسين وهم يَتَحادَثون، ويَصِفون لأحدهم، وهو أَكْبَرُ مِنْهُم سِنَّاً، مَعْنى التجربة، وهو يُصْغي لهم باهتمامٍ مع شَغَفْ واضِحٍ للتفاصيل. وسَمِعْتُ أَحَدَهُم يوجزُ له نتيجةَ كُلِّ هذا العمل. إِنَّهُ بالموجَزِ صاروخٌ محمولٌ يطيرُ بضعفِ سرعَةِ الصوتِ ومَداهُ حواليّ الثلاثين كليومتراً، مِمَّا يَكْفي لإلغاءِ المَفْعولِ الميدانيِّ للطائراتِ المقاتِلَةِ المُغيرَة. ويُمْكِنُنا أَنْ نتأكَّدَ مِنْ إنجاحِ كُلِّ قطعةٍ عن طريقِ تجربَتِها في بلادٍ مثل هذا البلد حتى يُصْبِحَ تصنيعُ هذه القِطَعِ بسيطاً ومُمكناً في بلادنا ودون أن يُثِيرَ أَيَّةَ مَشاكِلَ أَوْ شُكوك.

وإذا أَضَفْنا هذا الصاروخ إلى مُضَادَّات الدبابَّات التي أصبحت اليوم مأمونَةَ الإِسْتعمال، نكونُ قد أَنْجَزْنَا هدفنا: لقد أَنْهيناَ قُدْرة الغريم في السيطرة الجويَّة على المعركة، مهما كان هذا العدوُّ مِنْ حَيْثُ قُوَّتِهِ أو جنسيته. إِنَّ قُدْرَتَه في أَيِّ اشتباكٍ هي تَفَوُّقُ طيرانِهِ الحربِيِّ وطوّافاته عندما تُنَسِّقُ عملها مع دباباته. إِنَّ هذه القُدرَةَ التي اكْتَسَبْناها تَعْني إلغاءَ هذا التفوق الذي يعتَمِدُ عليه العدوّ. عليك عندئذٍ بالجندي، فإذا كانَ تدريبُهُ مساوٍ لتدريبِ غريمِهِ، فإِنَّهُ سوف ينتصرُ في المعركة.

لقد قَضَيْنَا على تَفَوُّقِ العدوّ في ساحة المعركة.
نظرتُ إلى نصري فإذا به، كعادته، يبتسمُ وفي عينيه كلامٌ أقرأُهُ كما يقرأُ الناسُ عناوين الصُحُف المطبوعةِ بأحرُفٍ كبيرة. إِنَّهُ يقول لي أنه مستقبلٌ آخر مُمْكنٌ أمامنا، لا فَشَلَ فيه ولا تشاؤم. إِنَّ الأمل ممكن! كيف توصَّلَ هؤلاء الشبان إلى هذا الإنجاز؟ أين نحن مِنْ هذا المستقبل؟

 ونصري يقول لي: «سوف آخُذُكَ مِنْ جَديد في رحلة إلى الماضي حتى تَفْهَمَ كيف تسيرُ الأمور. إِنَّه العِلْم. إنها المعرِفَةُ. إِنَّهُ تَرَاكُمُ المعلومات. إِنَّهُ الإِنْتِظَام في خُطَّةٍ فيها ما يكفي مِنَ النَفَسِ ومِنَ الإرادة حتى تصل إلى مُنتهاها. إِنَّهُ أَنْ تزرَعَ النخل كما كان يفعل أجدادنا ليتركوا لأولادِهِمْ ثَمَرَ المزرعةِ المتجدد، بَدَلَ اقْتِصارِ التركيز على الربح السريع. إِنَّ الإِسْتِدَامَة هي مُفْتَاح تَقَدُّمِ الشعوب، وتراكُمُ العِلْمِ في أذْهانِ الاجيالِ هو مَدْخَلُ التَفَوُّقِ.

أَرْجَعَني إلى المركبة، فإذا بي في بداياتِ القرن العشرين، في السنواتِ التي تلت هزيمة ألمانيا. لقد أجبروها على توقيع اتفاقات تمنعُها عَنْ عددٍ كبير مِنَ الأمور، مِنْها الا يزيدُ عددُ جُنودِ الجيش فَوْقَ عدد مُعَيَّن، وأَنْ تَمْتَنِعَ عَنْ صِنَاعَةِ أكثرِ أصنافِ الأسلحة الهجومية، وأَنْ تَمْتَنِعَ مؤسساتُ ألمانيا العلمية عَنْ إِجراءِ البُحوث العلمية في المجال العسكري. فإذا بهم يُصَدِّرون طواقِمَ كامِلَةً مِنَ العُلماء والخُبراء، ويُرْسِلُونَهم إلى بلادِ أميركا اللاتينية حيثُ اشتروا الأراضي وشَيَّدوا المباني وأخذوا يُمارِسون بُحُوثَهم بعيداً عَنْ عَيْنِ فرنسا وبريطانيا وعن رقابة الحلفاء الميدانية. فالتَقَدُّمُ ليس في المَباني ولا بالتجهيزات، وليس التَفَوُّقِ في عَدَدِ الإداريين وكِبَرِ القواعد العسكرية. إنَّ التفوُّقَ معارفُ في رؤوسِ مُواطنين مختارين. إنَّها الخُطَطُ التي تُعَبِّرُ عن إرادةٍ سياسية فولاذية لا تَقْبَلُ الهزيمة. فإذا نجحت التجارِبُ وتَمَّ ابتكارُ الأجهزة المطلوبة وتَمَّتْ السيطرَةُ على التقنياتِ الجديدةِ والتَمَكُّن من تفاصيلها وجُزْئيَّاتها، انتقلَ الخُبراءُ والفنيون وعادوا إلى بلادِهم وأعادوا بِنَاءَ وتنفيذَ ما كانوا قد صَنَعوه سابقاً، وذلك بفترةٍ وجيزةٍ مِنَ الزمان، وبلا صُعوبة.

إذاً فهنالك فعلاً حلٌّ لِمُشْكِلَةِ الإِرهَابِ التي تمارسُه الإدارات المحلِيَّةُ وهي تفعلُ ما تفعلُ لأَسْبَابٍ كثيرة. أكثرُ الموظفين يُنَفِّذُ التعليمات عن غَباءٍ وجَهْل. ثم أَنَّ أَكْثَرَهم لَمْ يَخْرُج مِنْ ذُهوله، كذُهول “ابو سامي” في “أم الفحم” في فلسطين عام 1942. إِنَّه نَفْسُ الشعور بالتَخَلُّفِ وإِنْ اختلفَتْ ظُرُوفُهُ ومظاهرُه. فموظَّفوا اليوم ومواطِنونا بصورةٍ عامة قد اقتنعوا، مع طولِ المُدَّةِ وكثرةِ التكرار، بتفوُّقِ الأجنبي، وأَصْبَحُوا يَقْبَلون مِنْهُ ما يطلُبه، بعضُهُمْ لِخَوْفِهِ مِنْ نَقْمَتِهِ، وبَعْضُهُمْ لِتَهَيُّبه مِمَّا قد أَعَدَّ، ومِنْهُم مَنْ ينفّذ عَنْ مَعْرِفَةٍ وسابِقِ تَصْميم وقد اقْتَنَعَ أَنَّ قُدرةَ البلد على التحدي غيرَ موجودة. إِنَّها، بالموجز، الثِقَةُ بالنَفْسِ. تلك هي التي تَمَّ فقدُها. هذا أَسْفَلُ دَرْكٍ يَصِلُ إليه التخلُّفُ بشعبٍ مِنَ الشعوب. لقد أَوْصَلونا إلى هذا المُستوى. إِنَّ المَسَارَ شائكٌ، والمُنحنى شديدٌ، وهو طريقٌ يُشْبِهُ تَسَلُّقَ السُلَّمِ. مهما كان النجاحُ سَهْلَ المنال، فالمشكِلَةُ ليست في الغريم. إِنَّ المأساةَ هي أَنَّ  مشاكلنا داخِلَ أَنْفُسِنا، وَأَنَّ مَعْرَكَتَنا مَعْ أَنْفُسِنا ومُجْتَمَعِنا، وبعد ذلك، وفَقَطْ بَعْدَ انْتِهائِنا مِنْ إِصْلاح أَنْفُسِنا، يُمْكِنُنا التَوَجُّه إلى غريمِنا. عندئذ، يُصْبِحُ الغَرِيم قزماً. عندئذ، نستعيد قياسنا ونَقِفُ مَواقِفَنا ونعودُ إلى طبيعتِنا ونتخلّى عَنْ انحناءةِ ظهرِنا وانحسارِ عَضَلِنا، فَنَعُود لِنَقِفَ وَقْفَةَ الشابِّ الرياضيِّ بَدَلَ أَنْ نُمَثِّلَ تَمْثِيليَّةَ الصعلوك المُشَوَّّّّه. لقد طالت المسرحِيَّةُ، فلماذا نُجْبِرُ أَنْفُسَنا على تمثيلِ دَوْرِ المريض؟ لَنْ نتمرَّدْ على الدورِ. إِنَّ المطلوب أَنْ نَتَمَرَّدَ على المسرحية كُلِّها وأَنْ نُغَيِّر شُروط اللعبة.

لم يبق عند نصري إلا أَنْ يقول لي:
«اسمعني جيداً. هذا ما تراه إِنْ حَاوَلْتَ بَعْضَ المُحاولة. إلا أنَّ الأملَ أعظمَ مِنْ ذلك بكثير. عليك أَنْ ترى إمكانات المُستقبل كأَنَّها أَفْلامٌ سينمائية لا يغيب عنك تفصيلٌ فيها. فإذا استطعتَ أَنْ تَصِلَ بِذِهْنِكَ إِلى هذا البُعْد، وأَنْ تُحَلِّقَ تَحْلِيقَ النسرِ فَوْقَ هذه الإمكانيات، فإِنَّ الفَوْزَ يُصْبِحَ في مَنالِ يدك. لكن قبل ذلك، تعال معي وتفرّج كيف يُمْكِنُ للمعركة هذه أَنْ تَبْدَأَ وأَنْ تَتَفَاعَل وأَنْ تَتَطَوَّر وأَنْ تنتهي…»
إِنَّ مَرْكَبَة نصري لا تكتفي بالتَسْفارِ في أَيَّامِ التاريخِ كما يروقُ لها، ولا في جغرافِيَّةِ العوالمِ كما تُوَجِّهُها أصابِعُه وساعاتُه ومقاوِيدُهُ، إِنَّها بالإضافَةِ إلى ذلك تُهَيِّئ لِرَاكِبِها سرابَ رُؤيَةِ المشاهِدِ كما يُوحي لها نصري. لَوْ لَمْ نَكُنْ في عالم السِحْرِ لما كانَ ذلك مُمْكناً، ولَوْ لَمْ يَكُنْ مِنْ صِنْفِ الجِنِّ لما كان حُلْمي هذا مُمْكِنَاً..

أَمْ هَلْ تُرىَ هو مُمْكِنٌ بلا مُساعدته؟ وكأنّي به يُوحي لي بالإيجاب، وكأَنَّه يقول لي، أما اسْتَفَقْتَ بعد وفهِمْتُ أَنَّكَ لَوْ كُنْتَ مارستَ المَجْهُودَ وحَزَمْتَ أَمْرَ إِرَادَتِكَ وجَابَرْتَ على نَفْسِك لَكُنْتَ استطعتَ أَنْ تَفْعَلَ كُلَّ هذا وأَنْ تَتَصَوَّرَهُ وأَنْ تَقْرَأَ تفاصيلَهُ ثُمَّ أَنْ تَجِدَ مَنْ يُسَاعِدُك على تنفيذِ كُلِّ جُزْءٍ مِنْ أَجْزَائِه. كان بإمكانك أَنْ تَضَعَ هذه الخطط وَحْدَكَ.. لكنّ المُهِمّ ليس هنا. المُهِمُّ أَنْ يَبْدَأَ العدُّ العكسي. المُهِمُّ أَنْ يَعُودَ الأَمَلُ، أَنْ تُرْجِعَ إلى هذا الجِسْمِ الحركة، أَنْ تعود أُمَّتي إلى مُمارسة إرادتِهَا. تلك هي المسألَةُ المُهِمَّة. ذلك هو بالفعل الهدف.

خبراء وحواسيب بلا حساب
أقلقني الأمل. مجرّدُ التفكير بالحلول أَصْبَحَ سبباً للأرق. ذلك أَنَّ سهولة الحصول على مُكَوِّنات وقود هذا الصاروخ ثم مَزْجِها ثُمَّ حشوها في الأنبوب ثم تركيب نظام إشعالها وإطلاق السهم إلى هدفه، كل ذلك ليس إلا سلسلة من الخطوات البسيطة المُيَسَّرة التي تُفاجئ بسهولتها. أنا لست فيزيائياً ولا اختصاصياً في الكيمياء ولا تعلمت الهندسة المُخْتَّصَة بهذا الموضوع. إِنَّ ثقافتي العلمية العامة كانت كافيةً وحدها حتى أستوعب الموضوع بأَكْمَلِه. فلماذا لَمْ نتوصَّلْ بعد إلى نظام دفاعٍ ضد العدوان اليومي الذي يُمارِسُه غريمي؟ كلُّ تلك الثروات التي يَتِمُّ صرفُها في شراءِ الأسلحة لا يمكن إلا أَنْ تكونَ إِمَّا فاسِدّةً أو هي تعجز عَنْ المُواجهة. كيف يمكننا أَنْ نهزأَ مِنْ أنفسنا وأَنْ نقتنع أَنَّ عدوّنا سوف يُسَلِّحُنا حتى ننتصر عليه؟ مِنْ أَيْنَ جمعنا في ذِهْنِنَا كُلَّ عناصر السذاجة هذه حتى نَقْبَلَ بهذا المنطق؟ كيف لَمْ يخطُرْ ببالي أَنْ أُحَاوِلَ فأجد الحلول التي أراها اليوم عندما يأخذني نصري بِسِحْرِه إلى إمكانات هِيَ رَهْنُ إشارَتِنا وتَخْضَعُ لإرادَتِنا الآن، هذه الساعة! لَمْ نُحَاوِلْ وَلَمْ نَبْحَثْ. لأنَّنَا لا نَثِقُ بِأَنْفُسِنا؟ ولا بإِخوانِنا وأبناء بلدتنا؟ إنَّ هذا ليس إلا خلاصة التَخَلُّف وهو بالتأكيد عنوانُهُ وتَحْديدُه.

أقول: أَقْلَقَني الأمل وأَفْقَدَني قُدرةَ النوم. لقد اختلطت عليّ الساعاتُ والأيامُ والتواريخُ، الماضي والمستقبل، بِفِعْل سِحْرِ مَرْكَبَةِِ نصري، لَكِنْ أيضاً بفعل قدرةٍ جديدةٍ تطوّرت في رأسي على تصوّر الأُمور وتحليلِ الظواهر واسْتِشْرافِ أشكال الخُطَطِ والبرامج، كأنّ المستقبلَ أفلامٌ سينمائية أكتُبُها في ذهني فأُصَوِّرُها وأُمَثِّلُها وأُخْرِجُها ثم أعُودُ فأَتَفَرَّجَ عليها.

إلا أني ما أزال كالمُتَدَرِّجِ، أمشي خطوتين في مشروعي وأعود فأَتَعَثَّر وأَصِلُ إلى طريقٍ مسدود. وفي تلك اللحظة بالذات، يَظْهَرُ لي نصري كأَنَّهُ ينتظرني فَيُمْسِكُ بِيَدي ويُعاوِنُني على اجتِيازِ المسالِك الوَعْرَةِ حتى تَتَّضِحَ أمامي المشاهِدُ وتَتَكَشَّف لي السُتَرُ وتظهر لي الصورةُ النهائية. عندئذٍ أعرف أنَّني تمَكَّنتُ من ابتكار فكرة متكاملة، هي وَصْفٌ لِمَسارٍ آخِرُهُ هدفٌ من الأهداف التي أتوقُ لِتَحْقيقها.
لذلك، فالأمل ليس فقط شعوراً، ولا هو يقتصر على عاطفة تطرأ عليك إنْ رأيت أمامَكَ أبْواباً شُرِّعَتْ أو تَمَنّيات تَحَقَّقَت. إِنَّ الأمل جُزْءٌ من رُزْمَةٍ مِنَ المشاعر والأفكار والمواقف ومظاهر الإرادة، تَجْتَمِعُ لِتُصْبِحَ مسؤولية! ذلك أَنَّ الأَمَلَ لا يأتي إلا وتُصاحِبُهُ رُؤْيَةُ الحَلّ. فالذي يحْمِلُ في حَناياه أملاً للوطن مُلْزَمٌ على المُسارعة في العمل لتَنْفيذِ الحلول التي رآها أو اسْتَشْرَفَها. والمسؤول بين هؤلاء، هو الذي يَضْغَطُ عليه ضميرُهُ ويَحُثُّهُ على خِدْمَةِ وَطَنِه. ذلك هو الذي يَقْلَقُ ويَغيبُ عنه النوم. هو الذي يعرف أَنَّ ثمة حلٌّ لمشاكل أُمَّتِه. وإذا كان ثَمَّةَ حَلّ، فكيف ينامُ مُطْمَئنَّ البال، وشَعْبُه وَوَطَنُه ينتظران ظُهور هذا الأمل وإشْراقَةَ ضَوْئه؟

* * *

أَخَذْتُ أَتَقَلَّبُ في فراشي وأنا أسْتَعيدُ مَنْظَر المعركة التي أستطيع أن أبْدَأها. إنها كالفيلم السينمائي، أستطيع أن أراهُ مراراً، وكُلَّما خَطَر بِبالي، وبلا معدّات أو لفَّافاتِ أفلام أَوْ تمديدات كهربائية، إنها عمليةٌ ذِهْنِيَّةٌ صِرْفَةٌ، أُعَدِّل فيها مشاهِدْ المسرحية حسبما يرُوق لي، وحسبما يتراءى لي أَوْ يَخْطُر ببالي فأُغَيِّرَ في بَعْضِ مساره. ذلك أَنَّني أَعْرِفُ غريمي وأعرف كيف يتصرف في ظُروفِ القتال وأَتَصَوَّرُهُ يُحاوِلُ أَنْ يُقاوِمَ مُضادّاتِ الدبَّابات والطائرات وأَنْ يتفادى الأَسهم وهي تخترِقُ دُروعَه وتُمَزِّقُ أَغْلِفَةَ طائراتِه وتُعَطِّلُ ما تعَوَّد عليه من قُدْرَةِ التحرُّكِ وتَمْنَعُهُ عَنْ ذلك النَصْر الذي طالما تَعَوَّدَ عليه.

واضح إذاً أَنَّهُ بإمكاني ابتداءُ المعركة وكَسْبُها. فالأدواتُ الحربيةُ مُمْكِنَةُ التصْنيع، والجُنودُ تحت تصرُّفِنا، يَسْهُل تدريبُهم. هذا جُزْءٌ من الحُلْم، وقد  أَصْبَحَ سَهْلَ المنال. لكنّ السؤال التالي هو: هل يكفي ذلك؟ هل يسمح النَصْرُ في مَعْرَكَةٍ بِرِبْحِ الحَرْب؟ كيف سيكونُ رَدُّ فِعْلِ الغريم؟ وكيف سَيَتَصرَّف أَهْلي ومُواطِنِيَّ عندما يُهاجِمُ هذا العَدُوُّ المُجْرِمُ كُلَّ ما يمكن أَنْ تَصِلَ إليه قنابِلُهُ مِنْ سكانٍ ومنازلَ ومصانع، ومِنُ قنابِلَ عُنقودية تَفْتُك بالأوْلادِ والعُزَّلِ والأبْرِياء؟ كِمْ مِنْ معركةٍ سوف أَحْتاجُ أَنْ أَرْبحها واشتباكٍ أَنْتَصِرُ فيه حتى أَقْتَرِبَ مِنَ النصر النِهائيّ؟ وما هو النصر الذي أَرْغَبُ بتحقيقه؟ ما هو شَكْلُهُ وما هي عناصره؟ ما هي هذه الحالةُ الجديدة التي أَبَتَغيها وأتوقُ إلى تحقيقها حتى تَسْتَحِقَّ لَقَبَ “النَصْر”؟ كيفَ أبْدَأُ مَعْركَةً لا أعرِفُ مُنْتَهاها أو َلَمْ أُحَدَِّدْ مُسْبَقاً مَسارِيَ الكامل فيها نَحْوَ النَصْر؟
حقاً، فالقرارُ السياسيّ ليس بسيطاً. إِنَّه إمْعانٌ في البحث وتَعَمُّقٌ في التخطيط مع الكثير من التدقيق والتَحَقُّقِ. لكنَّ ذلك غير ممكن بلا معلومات لا نهايَةَ لها. فهناك أولاً تلك الحاجة البديهية للمعلومات عن مبادئ جغرافية بلدنا فلسطين. فَلِكُلِّ اشتباك موقع، علينا أن نعرف تضاريس أرضه، والزرع أو البناء الموجود عليه، وعدد الناس الموجودين في محيط هذا الموقع، وقُرْبَ أو بُعْدَ مواقعِ إمداد العدوّ، بالإضافة إلى عددٍ كبير من المعلومات الأخرى. كيف لا، والمعركة تُربح أو تُخْسر بالتأكيد بحسب مواقع الدفاع الأخرى التي أنشأها الغريمُ ليحمي كُلَّ مربّعٍ منَ الأرضِ التي احْتَلَّها واستوطنها.

إلا أنَّ المعلوماتِ هذه مطلوبةٌ لكلّ كليومترٍ واحد مِنْ أراض بلدي، لكل قرية أَوْ حَيٍّ في كل مدينة! كيف لنا أن نجمع كل هذه المعلومات؟ وهل نسيت؟ عليّ أَنْ أفكر بِكُلِّ أبناء بلدي الذين عَلِيَّ أَنْ أسْتَنْفِرهم وأَنْ أنظمهم وأن أُدَرِّبَهُم وأَنْ أُرَتِّبَ شُؤُونَهُم مع عائلاتهم. ثم أفْتَرِضُ أَنَّني حققتُ كُلَّ ذلك فأعُودُ وأفَكِّرُ بالصورة العامة. فبلدي تَحْتَ الاحتلال وأكثرُ شعبي يَسْكُنُ المنفى. كيف أقومُ بكل هذا الذي أحلم بتنفيذِه بلا تفاهمٍ مع العرب الذين استضافوا شعبنا وهو في شتاتِه الحالي؟

كنت أظن أَنَّ الصورةَ معقدة فإذا بها أصْعَبُ مِنْ ذلك بكثير. ذلك أَنَّ المسألة ليست محصورَةً في ربح المعارك، وإِنْ كان هذا النصر فيها ضرورياً! فالمالُ اللازم لكلِّ هذا، والفنيون والخبراء الذين لا بدّ منهم، وصعوبَةُ التخطيط التي تكاد تتعدى صُعوبةً التنفيذ، كُلُّها أصبحت هواجسُ في ذهني لا أعرِفُ كيفَ أبدأ بمعالجتها أو مِنْ أين أُباشرُ بتَدارُسَها.

لا شك أَنَّ الأمر تعدّى قُدرتي على التصوّر. ربما هي قضية لا حلَّ لها. رُبَّما يأخُذُني نصري، هذا الجِنِّيُ الغريب إلى عالمٍ من الهَلْوَسَةِ أو التَخَيُّلِ الذهني الذي لا علاقة له بالواقع أبداً. ربما أصابني تَغَيُّرٌ فَصِرْتُ أنا المريض النفسي أَعْجزُ عن التمييز بين الحقيقة والخيال. إِنَّ الحُلْمَ عظيمٌ! لكن، هل يؤخذ الشأن السياسي على هذه الطريقة وهو أعلى مستويات الإلتزام الإنساني وأنبلُ ما يمكن أَنْ يهتمّ به المؤمِنُ بِوَطَنِه؟
طبعاً، ليس أمامي إلا أَنْ أعود فأستعيدَه، وهو الذي أَخَذَني مِنْ حياةٍ كنت مقتنعاً بها إلى أخرى ضاع فيها إحساسي بالوقت واختلطت فيه عندي ساعات النوم باليقظة والأرق. وهو الذي حوّلني مِنَ القناعة إلى الطموح ومنه إلى المبادرة. اسْتَحْضرته فحضر ووفّر عليّ عناء الشرح والتساؤل وصياغة الجمل وطرح الأسئلة. كان يريدني أن أصل إلى حيث وصلت حتى يبدأ معي بالرحلة اللاحقة.

«إنها كلها إمكانيات مستقبلية، إِنْ لَمْ تحتسِبْها في ذهنك غابت عنك عند تقييمك لِخُطَّتِك. فما فائدةُ الخطةِ التي لا بديلَ لها، أو تلك التي لَمْ تُقَارِنْها ببدائلها. وإلا،هل تكون مِثْلَ كُلِّ الطوباويين الذين يَفْتُونَ بالسياسة عن جهل ويتصرفون بشؤون الناس بِخِفَّةٍ وبلا مسؤولية. وتذكّر يا صاحبي، ولا تَنْسَ في حياتك أَنْ تتساءل بشكل مستديم، عن الفارق بين الجهل وسوء النية. إنَّهما صِنْوان، كلاهما مُضِرٌ، وكلاهما سَيِّءٌ للأمة، وكلاهما مرفوض».

نظرت إليه نظرة المُحتارِ فابْتَسَمَ مُطَمْئناً وأشار إلي، فإذا بي أركَبُ مركبته وأتحرَّكُ معه باتجاه المستقبل. لَمْ يُتِحْ لي الوقتَ للنظر إلى الساعات وللتاريخ المستقبليّ الذي قادني إليه. أَهُوَ ما زال في بدايات القرن العشرين أَمْ هو في أواسطه أم هو تاريخٌ ما في أواخِرِ أزمنة الله. فالأسئلة التي تدور في ذهني تتعلق بعشرات المواضيع، إلا أنها كالأجرام السماوية تدور حول شمس واحدة. فالذي يهمني هو ذلك الأمل، أَنْ تستجمع أُمَّتي نفسها وأَنْ تسترجع أنفاسها وأَنْ تسترد قوتها وأن تعود إلى تقلد الموقع الذي تستحقه بين الأمم وأن ترجع لأبناء أمتي عزةُ نفسهم.

* * *

إِنَّ الذي أراه أمامي مَبْنىً كالمباني التي نُشاهدها اليوم بكثرة، يغلُبُ فيها الحجر. إِلاّ أَنَّ للزجاج في عمارته مكان بارز، ترقص عليه الألوان وترتدّ عنه أشعة الشمس مِثْلَ لُعْبِ المرايا، فإذا دخلته، تذكرت منزل نصري وألوانه. فكأنَّ اختيارَ المكان إشارَةٌ إلى ما يُفَضِّلُه صاحبي مِنْ إمكانات مَشاهد المُسْتَقبل.

أدخلني إلى صالة فإذا بمجموعة من الرجال مجتمعين فيها. لا شك أنهم من العرب مِنْ مناطقَ مُخْتلفةٍ مِنْ وطني العربيّ الكبير، بعضُهم بعضهم يعتمر الكوفية المُرَقَّطَة بالحُمرة أو السواد على طريقة لباس أبناء بلدي فلسطين، وهو أيضاً الزيُّ الشائع في أمكنة كثيرة من الوطن.
تحققتُ مِنْهُم، واحداً بعد الآخر، وحاولتُ أَنْ أقرأَ في وجوهِهِمْ، ففيها تتلألأ علاماتُ الثقة وفي ملامِحِهِمْ تعبيرُ الجدية، وفي عُيونِهِمْ تلك الإرادةُ يرتاح الناظِرُ إلى ثباتها. فتذكرت قول الشاعر:

بيـضُ الوُجــوهِ كَريمــةٌ أَنْسابُهُـم        شُــمَّ الأُنـوفِ مِـنَ الطـرازِ الأَوَّلِ

إذا كان لِمُستقبل بلادي إدارةٌ فإن جَمْهَرَةَ القادة المُجتمعين أمامي هي خيرُ ما يُمكِنُني أَنْ أتصوَّرَه لها. إِنَّهم بلا شك يُوحُون بالثقة. ذلك شعورٌ لَمْ يَنْتَبْني منذ أَنْ وُلِدت، منذ أَنْ وَعَيْتُ، منذ أَنْ بدأتُ أَرَى أوْجُهَ القادة المتربعين على عروش أوطاني. صحيحٌ أَنَّ بعضَهُمْ ناضل نضالاً عظيماً، صحيحٌ أَنَّ بعضَهُم حاول، إلاَّ أَنَّنا لَسْنا هنا، حيثُ خَلَّفونا، في تَخَلُّفِنا وفي الجُورِ الذي يُمارَسُ علينا إِلاَّ لأَنَّهُم فَشِلوا. مَنْ يستطيعُ أَنْ يَثِقَ بقادةٍ لا يحملون مفتاحَ الأمل، ولا يُلَوِّحون لِشَعْبِهم إلاَّ بالإحباط؟ هذه مجموعةٌ مِنْ الرجالِ والنساءِ أوحُوا لي بِشُعور الثقة حتى قَبْلَ أَنْ أَقْتَرِبَ مِنْهُم وأسْمَعَ كلامَهُمْ. كَأَنَّ لِعِظامِ القادةِ نسيجٌ خاصَّ منه، إِنْ رأَيْتَهُمْ عَرَفْتَهُ فيهم، يَشُعُّ عليك فَيُوصِلُ إليْكَ شُعورَ الإرتياح فيخترقَ جسدَك وذهنك، ويَتَضوَّعُ عِطْراً فَيُلامِسُ مَسامَّ الجسم وينطبعُ بداخله فتشعر بالنشوة. إِنَّ هذه الجَمْعَةُ مِنَ الناس مِنْ هذا النسيج، إِنْ صَحَّ التشبيه. أُدخلتُ تلك الصالة دُخولاً مَخْفِيَّاً، كما هي العادة. فأنا لستُ موجوداً عندهم، لا يلاحِظُون دخولي ولا تَحَرُّكي ولا جولتي حول الطاولة ولا اقترابي مِنْ كُلِّ واحدٍ مِنْهم، أَتَفحَّصُ وجهَهُ وأسترِقُ النظر إلى الملاحظات المُدَوَّنَةِ أمامَهُ، أَتَلَمَّسُ في ذلك كُلِّه في نفسي أَسْباب شُعوري بالثقة نحوهم وأنا لَمْ أتداولْ مَعَهم بعد.

رأيتُ أحدَهم يوزع أوراقاً على الحاضرين، فاقتربت، فإذا بها لائحة من الأسماء، وأمام كلِّ اسْمٍ رقمٌ، هو بالترجيح قيمةٌ ماليَّةٌ. إِنَّ الورقة مُؤلَّفة مِنْ عددٍ وافرٍ مِنَ الصفحات. لا شك أَنَّ عدد الأسماء كبير. كُلّي تَساؤلٌ وكُلِّي تَرَقَّب وتفاؤلٌ، وإلا، فلماذا أتى بي نصري إلى هذا المكان، وإلى هذه الغرفة بالذات وإلى هذه المجموعة وهذا الاجتماع وتلك الورقة وتلك الأسماءُ عليها بالذات؟ ما أَنْ انتهى توزيع الأوراق حتى تحرَّكت سيّدة مِنْ مقعدِها حول الطاولة وتوجَّهَت نحو ما يُشْبه الشاشة وأشارت بِبَنانها، فظهر الضَوْءُ وبدأ استعراضُ الموضوع. وتقدمت السيدة متوجِّهَةً إلى زملائها، ويَدُها تشير إلى ما يظهر على الشاشة وقالت:

« كان هدفُنا، عندما بدأنا منذ أقلّ من سنتين، أَنْ نحقق استقلالنا المالي. فالمؤسسة السياسية التي تعتمد على غيرها في تمويلها تفقد قرارها وتضيع استقلالها.

وقد فَهِمْنا كُلُّنا في هذا المجلس أَن الاقتصاد هو عملية تحويل طاقات البشر إلى ثراء ومدّخرات. وقد باشرنا هكذا بخلق المؤسسات الصغيرة التي وفّرت لنا الأعضاء المستقلين بسبب استقرارهم في عملٍ دائم. وبما أننا نجحنا في هذه السياسة، استطعنا أيضاً أَنْ نقدّم العروض للثروات المتراكمة في المنطقة والتي تبحث هي أيضاً عن مشاريع نستطيع تشغيلها. وهكذا، اجتمعت عندنا نسبةٌ مِنْ ثروات الدول العربية الثرية وَتَمَّ استثمارها في مشاريع مختلفة، صناعية وتجارية، في البلاد العربية. وللتذكير، فالهدف الذي كُنَّا اعتمدناه هو أَنْ تنشأ هذه القدرة الاقتصادية في بلادنا وأن تُعطِيَ صاحِبَ المالِ الثقة التي يبحث عنها والمردود الذي ينتظره عندما يتوجّه إلى الدول الصناعية. طبعاً، فهدفنا أيضاً استقلالنا المالي. لقد نجحنا في اسْتِجْلاب هذه الكميَّات، مِنْ هذه اللائحة مِنَ الأسماء. وكما ترون، فإِنَّ المبالغ مُهِمَّةٌ، وكما يظهر في هذا المُنْحَنى، فإِنَّ عدد المستثمرين يزدادُ مِنْ شهر إلى آخر.

ثُمَّ أشارَتْ لِمُساعِدِها فأرسل إلى الشاشة صورةً جديدة، فَعَلَّقَتْ عليها بقولها:
« وهذه هي القطاعات الاقتصادية التي استثمرنا فيها هذه الأموال، وتُظهِرُ لكم اللوحة التالية الأَمْكِنَةَ الجغرافية لهذه الاستثمارات. إِنَّ الربحية عظيمة. فبلادنا تستورد كلَّ شيء تقريباً. لذلك فإن الصناعة التي نُنْشِئُها لا يمكن إلاّ أن تنجح. ونحن نهتمّ بنوعية الإنتاج، لذلك، فالمنافسة ضئيلة.

وهذه اللوحة هي موجز المردود. إن عندنا هذه الأرباح، وهي رهن إشارة هذا المجلس، يستمثرها بدوره أينما شاء.
 كيفما استطاعوا فِعْلَ ذلك؟ كيف جمعوا هذه المبالغ وكيف نجحوا باستثمارها وإنتاج هذه الأرباح؟ أَيْنَ أنت يا نصري؟
أخذتني أنامِلُهُ ومركَبَتُهُ مُباشرة إلى الجواب الذي أبحث عنه. صالةٌ لا نهاية لها مِنَ الحواسيب. لم أَكُنْ أَعْرفُ أَنَّهُ قد تطوَّرت عندي قدرةُ قِراءَةِ ذَواكِرِ الحواسيب وفَهْمَ الإشارات الكهربية التي تتبادلُها هذه الأجهزة. إِلاّ أَنّي أمام بياناتٍ تكاد تكون شامِلَة، للمدن العربية وقراها، لِمُحْتَوياتِها، لِسُكَّانِها، لأثريائِها وعُلَمائِها، وللمتعلمين منهم ولِمَنْ لم تُتَحْ لهم فرصةُ التَعَلُّم. وبيانات أخرى عن المؤسساتِ والشركاتِ. يا الله هذا ما كان يجب أَنْ تَمْتَلِكَهُ كُلٌّ مِنْ دُوَلِنا، فتستعملَ معلوماتها لتحسينِ أوضاع البلد والسكان. إِنَّ أمامي معلومات. هي المادّة الخام التي تتكوّن منها المعرفة. بلا معلومات، لا يمكن تخطيط أَيّ شيء.

إِنَّ أمامي أدوات التخطيط. إِنَّها مِثْلُ حاسب الجيب، لا فائدة له إِنْ لم تكن لديك عملية تحسبها أو مشكلة تحتاج لتقييم أرقامها. وهي كالسيارة، لا فائدة منها إِنْ لم يكن لها سائق، وإِنْ لم يكن لِصاحِبِها هدف يريدُ أِنْ يُساقَ إليه. إلاَّ أَنَّ المُهِمَّ هو أَنِّي كنت أَشُكُّ بوجود حاسب الجيب، فإذا به أمامي، وبإمكانية شراء السيارة فإذا بها مَرْكونَةٌ أمام البيت.
هناك جماعةٌ خَطَّطَت، وقرَّرت أن تُوَفِّر لنفسها استقلالها المالي، وأن تبني نظاماً صناعياً مع الخدمات التي تلحقه وتصاحبه. لقد خَطَّطَتْ وبَرْمَجَت وكَتَبَتْ ورَوَّجَتْ واتصلتْ وأقنعت واستْمَرَتْ ونَجَحَتْ ورَبِحَتْ وأَرْضَتْ المستثمِرَ واستوجَدَت المال وحققت هدفها وأَهْدَت نفسها استقلاليَّتها التي كانت تُنْشِدُها. هذا فِعلاً إنجازٌ، بَوَّابَةُ أَمَل. هذا ما كنت أرجوه لِوَطني.

 دخل المَجْمَعُ في نقاش حول ما تَمَّ وما سوف يبدأ وما فشل أو كاد أن ينجح، والدروسُِ التي تُسْتَنْتَجُ مِنْ كُلِّ هذا، وأنا أتفرّج، طوراً أتابع معاني الكلمات عن طريق قراءة الحواسيب، وطوراً أستمع إلى كلامهم وأراقب حركاتهم وأُسَجِّلُ في ذهني أَساليبَ كلِّ واحدٍ منهم. فالواضح أَنْ لا صعوبة في تجميع المعلومات، ولا استيداعها في الحواسيب. ولا استخراجها ولا تحليلها. كُلُّ الصعوبة في تلك الخِطَّةِ التي جمعت هذه الرؤوس، والتي ابْتَكَرَتْ هذه الطُرُق والتي خَطَّطَتْ لتوظيف الفنيّين والتي بَرْمَجَتْ مئات المشاريع والتي نجحت في التنفيذ وحقَّقَتْ هذه الأرباح وفَرَزَتْ هذا الرصيد المالي الضخم. كلُّ هذا بهدف تغيير الوضع العربي إلى حيث أرغَبُ وأُريد.

لكن أَيْنَ هذا الربح مِنَ المعارك التي أنوي أَنْ أرْبَحها في مواجهة الغريم؟ هل نحن أمام تمويل صناعة تلك الصواريغ التي واكَبْتُ تجارِبَها في أَحَدِ بلادِ افريقيا؟ هل أَنْجَزَ هؤلاء ذلك الحُلْمَ وأنا ما أزال أحاول أَنْ أفهم؟

مِنْ أَيْنَ أتى هؤلاء؟ مِنْ هُمْ؟ كيف يمكن أَنْ ينتقِلَ هذا الأمرُ من الخفاء إلى العلانية، إلى مواقِفَ سياسيَّةٍ يعرِفُها العالم كُلُّه فيتحوّل تنَجاحُنا مِنَ الاحْتِقار إلى الاحترام؟

دخلتُ صالة الحواسيب ثم انتقلتُ منها إلى صالاتٍ تجتمِعُ فيها مجموعات مِنَ الفنيّين، بعضُهُمْ يُراجِعُ بياناتِ سكانِ منطقةٍ ما، وبعضُهم يَتَدارسُ وضع مدينَةٍ أَوْ منطقة، وبعضُهُم يهتَمُّ بأُمور مِعْمارية بينما يهتَمُّ غيرُهم بقضايا تعليمية. وبين كل فريق وكل مجموعة صالةٌ أُخْرى مِنَ الحواسيب، ثم تأتي مجموعة أخرى واختصاصٌ آخرُ وحواسيب أخرى. إِنَّ في رؤوس هذه المجموعات تلك المعرِفَةُ التي تُسْتَخْلَصُ مِنْ هذه المعلومات وهذه الحواسيب.

إِنَّهُمْ بَشَرٌ، تتراكَمُ فيهم المعارِفُ، وتتراكم في الحواسيب كميات المعلومات. ولا تتراكم هذه المعارف ولا يأتي النجاحُ الواضح في استعمالها إلاَّ بتراكم المعلومات. هذه هي مؤسسات وطني. هذا هو نوع المستقبل الذي أتوق إليه. هذا هو شكل التقدم الذي يأخذ بشعبنا إلى حيث يرغب، إلى حيث ينتصر، إلى حيث يسترجع عزة نفسه.

الإِنْطِــلاقُ
بَيْني وبَيْنَ المستقبل الباهر خطواتٌ مَعدودات. قد يكونُ عددُ الخطواتِ كبيراً، وقد يكونُ كلُّ برنامجٍ جهدٌ يفوقُ قُدرتي، وكلُّ مشروع أعظمُ مِنْ إمكانِيَّاتي. إلاَّ أَنَّني أصبحتُ في عالم اليقين وتركتُ عالم التشكيك والتردُّد والذُهول والخُمول الذهني وعالمَ الانتظار والتريُّثِ والاعتماد على الغير، أَيْ على مُتَرَدِّدين أُخرٍ مثلي. إِنَّ الذي اختلفَ وتَغَيَّرَ وانتقلَ مِنْ طورٍ إلى آخر حصلَ في ذهني. لَمْ يَتَغيَّرْ شيءٌ على الأرض، ولا في خِطابِ أصدقائي ومعارفي ولا في شكلِ المدن التي أَنْتَقِلُ فيها ومِنْها وإليها. إِنَّه كُلُّه في داخلي، في شخصيّ. فقد تَغَيَّرَتْ طريقةُ تفكيري وتبدل منهجي وحتى في وضعي النفسيِّ وفي معنوياتي ما جعلني أشعرُ أَنَّ العالمَ حَوْلي لَمْ يَعُدْ كما كان. إِنَّ في نواةِ ما تَغَيَّرَ في داخلي هو الشُعورُ بالتبدُّل، تَبَدُّلِ كُلِّ شيء حولي إلى طبيعةٍ أُخْرى. فقد كان كلُّ ما يدخُل في تكوين مستقبلِ بلدي قراراً يأتي مِنْ بلدٍ آخر. لَمْ يَتَغيَّرْ شيء. إلاَّ أَنِّي صِرْتُ واثقاً مِنْ قُدرتي، مع زُملائي وإخواني ومُعاوِنِيَّ أَنْ أُؤَثِّرَ بهذا القرار، ورُبَّما، أَنْ أُغيِّرَهُ حتى يتلاءَم مع مصالح وطني.

لَقَدْ حصلَ تَغَيُّرٌ ما في داخلي. لقد تَغَيَّرَ عالمي. لكنَّ كلَّ ما رأيتُ ليس إلاّ سراباً. فقد دخلتُ عَرَبَةً وهميَّةً، وسافرتُ في الزمانِ رحلاتٍ غيرَ مُمكِنَةٍ حسب علومِ الطبيعة ورأيتُ الأمورَ تَتَّخِذُ مَناحٍ مُخْتلفة قارَنْتُ فيما بينها، كلُّ هذا نظريٌّ في طبيعتِه، افتراضيٌّ، شكليّ، ذِهْنيّ، لا عِلاقة له بواقعِ الأُمور على الأرض. إلاَّ أَنَّ ثَمَّةَ أمرٌ حَصَلَ فِعلاً، إِنَّه المعرفة التي استطعتُ أَن أُحَصِّلَها، والتي كانت في بداياتها صُوَراً، ثٌمَّ أصبحت مَشاهِد ثُمَّ تَطوَّرت فأَصْبَحَت مَساراً يُشْبه الفيلم السينمائي، ثُمَّ أصبحت فِكرةً، ثُمَّ أصبحت خُطَّةً ثُمَّ أصبحت منْهجاً، إِنَّ المنهجَ ليس سراباً. لقد تعلمتُه. لقد أصْبح جُزءاً مِنْ جَسدي وفِكري وذِهني وبدأتُ أتماهى مع النهج الجديد.

لَمْ يعد ثمَّةَ داعٍ أَنْ أَتساءلَ عَنْ الزُملاء والشركاء والمعاونين. طبعاً لَنْ أجِدْهُمْ في شوارعِ القاهرة وبغداد ودمشق. إلاَّ أَنَّهُم موجودون، مِثْلَما كنتُ موجوداً أنا، بحاجةٍ إلى مَنْ يَسْتَحِثُّنا فإذا أبْدَينا الاستِعداد، فإِنَّنا بِحَاجَةٍ إلى مَنْ يُعلِّمُنا ما تَعَلَّمْتُ أنا مِنْ نصري.

ما أبسطَ الموضوعُ رَغم كُلِّ تعقيداته. فهو يَتَحَمَّلُ أَنْ تَصِفَهُ كلمةٌ واحدة: التعليم. لَوْ كنتُ تَعلَّمَتُ كُلَّ هذا في منزلي، عند والدي أَوْ في المدرسة أَوْ في الجامعة، لَما احْتَجتُ إلى نصري، ولَما كانَ قَرَّرَ أَنْ يزورني وأَنْ يَسْتَحِثَّني وأَنْ يَدْفَعَني إلى تَعَلُّمِ ما دَرَّسَني.
هل هذا صحيح؟

طبعاً ظهرَ نصري، وطبعاً أجابَ على سُؤالي بالإيجاب، وطبعاً ثَبَّتَ قدمي في القرارات الإراديَّة التي تَمَكَّنتُ مِنْ اتخاذِها والاقتِناع بِجَدْواها. أَمَّا الذي أضافَهُ نصري فهو اخْتِصارُ الوقت. لقد اخْتَصَرَ فترةَ التعليمِ والتَعَلُّمِ إلى بضعة أسابيع. كَمْ كنتُ يا تُرى أحْتاجُ مِنَ الوقتِ لو رَغِبْتُ دَرْسَ ما تعلَّمْتُ، لكن وحدي؟ سَنَوات؟ عُقُود؟
“هذا سؤالٌ عظيم!”

 قالها بِمُنْتَهى الجدِّية ثُمَّ نَظَرَ إليَّ وَوَجَّهَني إلى مَرْكَبَتِهِ وقال “تعال نُحاوِلُ فَهْمَ الموضوع بشيء من الواقعية أشدَّ دقةً وأوضحَ ألواناً”. لا داعي لِوَصْفِ المركبة مِنْ جديد، فقد أَخَذَتنا مُباشرةً إلى عَيِّناتٍ مِنْ القرن السابع عشر. لَمْ تَكُنْ المُفاجأة عندي في رُؤْيتي تلك البواخِرَ الخشبيَّةَ وهي تَمْخُرُ عُبابَ مياهِ البحارِ والاوقيانُسات، ولا منظر الأفارِقة الذين تَمَّ اخْتِطافُهم وتَحْميلُهُمْ تحميلاً حيوانياً ونقلُهُم إلى المُستعمرات، ولا التحسيناتُ الفَنيَّةُ التي استطعتُ أَنْ أُراقِبَها في طريقة بناءِ السُفن، كلُّ هذه رأيتُها في مُسلسلاتٍ تلفزيونيةٍ أَوْ في أفلامٍ سينمائية. إِنَّ الذي لَفَتَ نظري وأَدهشني هو عَقْليَّاتُ الناس. ففي مَوانئ أُروبا، أَكانت هولندية أو إسبانية أو إيطالية أو بريطانية أو فرنسية مقاهي ومطاعمُ وفنادق، يُعَشِّشُ فيها بَحارون ومُغامرون، مِنْهُمْ مَنْ يَحْلَمُ بالذَهَبِ ومِنْهم مَنْ يتأَمَّل باحتلال أرضٍ ما في بلدٍ مِنْ بُلدانِ العالم، ومِنْهم مَنْ انْضَمَّ إلى هذه الساحات والمقاهي آملاً أَنْ يَجِدَ مَنْ يُوظِّفُه فَيَدْرأ عنه خَطَرَ الجوع. نحنُ إذاً في أماكن لا يراودُها عظامُ القوم. إِنَّ  الذين يزورون هذه المواقِعَ رجالٌ ونساءٌ هُمْ أبسطُ وأَفقرُ مَنْ في تلك المدن، وبالترجيح أيضاً، فَهُمْ أيضاً أغْلَظُهُم وأَقْرَبُهُم إلى العُنْفِ وأبْعَدُهم عَنْ العِلْمِ والثقافة. إلا أَنَّهمْ يشترِكون في أمرٍ واحدٍ على الأقل، وهو اسْتِعْدادُهم للسفَرِ إلى المُستعمرات في قارّات العالم الخمس. مِنْهم مَنْ يرغبُ بالسفرِ إلى أمريكا، ومِنْهُم إلى أحدِ القواعِدِ في أفريقيا أو جُزُرِ آسيا أو حَتَّى أوستراليا. تلك بلادٌ تستغرقُ الرحلةُ إليها عدداً من الأشهر. أَبْسطُ الناس في هذه البلاد يعرِفُ عن الفلبيّن وعن الكونغو وأورانج وجاوا والهند والصين واليابان ورأس الرجاء الصالح. إِنَّ العالم مُنْفَتِحٌ عليهم، والتفكيرُ في البحث عَنْ عملٍ هو تفكيرٌ يشمل كل العالم، والتجارةُ في ذهنهم عالمية، وكذلك المُغامرة، فهي مُمكنةٌ أيْنَما شاؤوا، في كل العالم، وكذلك التوظيفُ والتبشيرُ والتصديرُ واستخراجُ المعادن، كُلُّها نشاطاتٌ يُفكرون بها بمنظارٍ دوليّ. وكذلك فإنَّ هذا المنظار يشملُ الحربَ والسلم. لذلك، فالذي يُفكر في تلك البلاد بأيِّ موضوعٍ، فإنَّ خِطَّته تأتي بعد أَنْ يكونَ قد قَرَّرَ أَنْ يدرُس موضوعه على مُستوى مدينته، ثُمَّ أَنْ يوسِّع الدائرة وأَنْ يشمُل أوروبا كلها، أَوْ أَنْ يَتَوَسَّع بحساباتِه فيشمُل كلَّ العالم المعروف. خمسمئة عامٍ مِنَ التفكير على هذه الطريقة أَدَّى إلى توغُّل هذا الأسلوب في أعمقِ رقائق حضارتهم وتربيتهم. تلك ظاهرةٌ عليك فَهْمُها وتقديرُ أهميتها. فالتخلفُ،  في بعض جوانبه، عدمُ القدرةِ على التخطيط على مُستوى العالم بأَجْمَعِه. ولِلْقُدْرَةِ شِقَّان: أَحدُهما قدرةُ التفكير. هذا تخلّفٌ لا يُزيلُهُ إلاَّ التعليم. أَمَّا الآخر، فهو عدمُ القدرة على ممارسة هذا التفكير، لأن مواطنينا لا يستطيعون السفر إلى تلك الدول بلا تأشيرات هي صعبةُ المَنَال بينما يستطيعُ مواطنوهم دخولَ بلادِنا بلا صعوبة. هذا تخلُّف مِنَ الصنف الذي لا يُزيلُه التعليم وحدُه: إِنَّه بحاجةٍ إلى نِضال.

لَمْ أستطِعْ أَنْ أفهم كُلَّ ما قال فسألتُه فأجاب: يمكنُك تصوُّرُ العولمة كأنها لُعبة شطرنج، ثم يقرِّر أحدُ اللاعبَيْنَ أَنْ يكتفي بالدفاع عن المُربعات السِتّ التي وضَعَ فيها الملك والأحجار التي تحميه. هذا لاعبٌ لا يمكن إلا أَنْ يخسر. ذلك أَنَّ غريمه يملُك كلَّ الأحجارِ الموزَّعَة على رقعة الشطرنج ويستطيع أن يفترس الملك بحَجَرٍ مَوْجودٍ في مُرَبَّعٍ بعيد. كذلك السياسيّ الذي يكتفي بالدفاعِ عن مصالح بلده دون أَنْ يحسبَ حسابَ مصالح القِوى الأخرى التي تهتمُّ ببلدهِ، فهو مُعرَّضٌ لِخسارَةِ مَواقِعه بسهولة مذهلة. فكثيراً ما يكون كلُّ القرار بيد الغَيْرِ، فإذا لَمْ يأخذ بأسبابه ولم يبادر إلى المُشاركة به وبالمُناورة حتى يُصْبِح مقبولاً في اللعبة، اتُخِذَتْ القرارات كُلُّها بِغيابه.
لكنَّنا الآن وَصَلنا إلى النُقطة الأهم. فاسمع أخي ما أقوله لك. إِنَّ عليك أَنْ تجزِمَ أمرَك وأَنْ تتخِذَ قرارَك وأَنْ تلتزِمَ بقضيَّتِك وقضيَّة بلدِك وأَنْ تعرِفَ أَنَّك أمامَ مَخاطرَ إن قرَّرْتَ أصبَحَتْ تُحيقُ بك وتُهدِّدُك وقد تُهدِّدُ أَرواحَ مُواطنيك. فَكِّرْ وقرِّرْ.
فما وَسَعَني إلا أَنْ رَدَّدْتُ له قول الشاعر:

ومَـنْ هـابَ أَسْبـابَ المَنِيَّــةِ يَلْقَهـا        ولـو رامَ أَسْبــابَ السمـــاءِ بِسُـلَّمِ

فقال: بارك الله فيك وبأمثالِك، إلاَّ أَنِّي ما أزالُ أرى أَمامَكَ عَقَبةً عليك تَخَطِّيها. إِنَّ قرارَك مسؤوليَّةٌ. سَوْفَ تتعرَّفُ على أمور كثيرة لا يجوزُ ذكرُها، فالمسؤوليَّةُ أسرارٌ فيها حياةُ أو هلاكُ بعضِ مواطنيك. هنا أيضاً لم أتردَّدْ، وأنشدتُ له:

فلا يَسْمَعَــنْ سِـرِّي وســرَّك ثـالِثٌ       أَلا كُـلُّ سِــرٍّ جـاوَزَ اثْنَيْــنَ شائِـعُ
وكيف يَشيــعُ السِــرُّ مِنِّــي ودُونَه       حِجـابٌ ومِـنْ فوقِ الحِجــابِ الأَضالِعُ

فَنَظَرَ ِإليَّ مع ابتسامَتِهُ المُلْتَبِسَةِ وقال واللهِ ما شَكَكْتُ ثانية بموقِفِك، إلاَّ إِنَّه كان عليَّ أَنْ أسْألَ فأجْعَلَ الموقِفَ قراراً والكتمان إرادةً وطريقةَ تصرُّفٍ. تعالَ الآن لِنَرى كيفَ يُمْكِنُ لنا أَنْ نَنْظُرَ إلى ذلك المسْتَقبلِ العظيم.

* * *

أَخَذتْنا المركَبَةُ السِحْرِيَّة مِنْ جديدٍ إلى تلك الصالَةِ في ذلك المبنى حيثُ رأيتُ مِنْ جديد تلك الجَمْهَرَة مِنَ الناس الذين انطبَعتْ أوجُهُهُم في ذاكرتي وشخصياتُهُمْ في روحي. لكنَّهُمْ ليسوا في غُرفة الاجتماعات هذه المَرَّةَ. إِنَّهم في صالةِ عرضٍ، وفي الصالةِ عددٌ مِنَ الشباب، لِعلّهُم في دورة تدريب، يستعرِضُ لهم أحدُ هؤلاء القادة أُسُساً ومبادئ عليهم تعلُّمُها وفَهْمُها. إِنَّهم يُحَضِّرون قادَةَ المستقبل. إِنَّنا أمام نظامٍ مُتَكامِلٍ هذه إحدى مظاهِرِهِ. لكنَّني أنا هو الذي اختَصَّهُ نصري باختصار المسافاتِ والساعاتِ حتى أصْبَحَتْ مفاهيمُ الزمانِ والمكانِ مِثْلَ المادَّةِ المطَّاطةِ أتلاعبُ بها وأسْتفيدُ مِنْ مُرونتها. ذلك أَنَّني أرى برامج التدريب التي تمتدُّ على عددٍ من الأشهر تمرُّ أمامي بدقائق، دون أَنْ تؤثِّرَ بِقُدْرتي على فَهْمِ ما يتمّ تداوُلُه وتدارُسُه.

كان موضوعُ الدرْس في الصالة فعلاً يمتد على أسبوعين ويختصُّ بالعلاقات الدولية وكَيْفِيَّةِ التعامُل مع مواطني الدول الأخرى وعَرْضِ قضايانا عليهم.
ابْتدأَ  المُعَلِّمُ الدرسَ قائلاً:
ما هو موضوعُنا؟ أَحَقُّنا في فلسطين؟ أم هو حقُّنا في امتلاك مَوارِدِنا الدفينة في باطن أرض أُمَّتِنا؟ أَمْ هو حقُّنا بالأمان والحرية والعدل؟ هل هنالك تشكيك في هذه الحُقوق؟

هَـلْ تَطْمُسـونَ مِـنَ السَمـاءِ نُجُومَها         بِأَكُفِّكُـــمْ أَوْ تَسْتُــــرونَ هِـلاَلَها؟

إِنْ كانت تلك بديهيّاتٌ في أذهانكم، فلماذا لا تَقِفُ شعوبُ العالم إلى جانِبِكُمْ وتُطيحُ بحكوماتها وتأتي بغيرها تحترمُ القانون وتَنْضَبِطُ بأحكامٍ العدْلِ؟
لكنَّ العالمَ ليس بديهياً. ففي أذهان الناس في كل تلك البلاد الأخرى مئات مِنَ السنين انْطَبَعَتْ فيها حضارتُهُم وانصهرُوا بها.  تماماً كما انْطَبَعَتْ فينا حَضارتُنا. وأخَذَ يُعطي الأَمثالَ عن الفوارِقَ بين شعوبِ تلك الدُول ونظراتِها المختلِفَة إلى كلٍ مِنْ بلادِ العالم الخارجيّ، مُظهِراً تلك النِسْبِيَّةَ في فَهْمِ وقراءة الأُمور.

 رُبَّما حَضَرْتُ حديثَ يومَيْن بدقائق معدودات، فإذا بِهِمْ قد توصَّلوا إلى نتائج تُذْهِلُ ببساطتها. كيف يُمْكن للسياسيّ العربيّ أَنْ يُصْبِحَ شريكاً مع أهل تلك البلاد في القضايا التي تَهُمُّهم؟ فإذا بنا نقف أمام نظرةٍ أُخرى.
مَنْ يعرِفُ عددَ الصُحفِ اليوميَّةِ ثم الاسبوعيَّةِ في أمريكا الشمالية؟
مَنْ يعرِفُ عناوينَ الدوريَّات وطُرُقَ الاتصال بها في نفس المنطقة؟
وعلى هذه الشاكلة لوائح ثم لوائح مِنَ الأسئلة ثُمَّ أتاهُمْ بأسئلةٍ مِنْ صنفٍ آخر.

باستثناءِ المَواضيعِ الاقتصادية المحلية، ما هي القضايا الإنسانية التي يتعاطون بها وتَحُوذُ على اهتمامِ شعوبِ تلك المنطقة؟
ما هي لائحةُ الجمعِيَّات التي تختصُّ بِكُلِّ موضوعٍ؟ ما هو عددُ المشتركين في كلٍّ مِنْ هذه الجمعِيَّات؟

ثم أتى المُحاضِرُ على مسألةِ هذه اللوائح وأشارَ عليهم، فَنَظَرَ الطُلابُ إلى الحواسيب، فإذا بالقضايا أمامَهُمْ، والأرقامُ مُبَوَّبَةٌ على شاشاتِهِمْ، والعناوينُ وأرقامُ الهواتفِ وأسماءُ الصحفِ والدورياتِ والجمعياتِ مسجلةٌ أمام أعيُنِهم وإذا بالمُحاضِرُ يقول:
كيف لا يمكننا أَنْ نَلْتَزِمَ بنظافةِ البيئة وهي التي تسمحُ لنا بالعيشِ والصحة؟ وكيف يمكنُ أَنْ نَتَخَلًَّفَ عَنْ دَعْمِ حُقُوقِ الناس بالعدلِ في بلاد العالم ونحن نُطالبُ بها؟ وكيف يُمكنُنا أَنْ نَنْسى جرائِمَ الغربِ بنقلهِمْ ملايين الأفارِقَةِ عبيداً إلى مزارِعِهِمْ في المُستعمرات؟
ما هي الفائدة مِنْ كل هذه الأمور؟ إِنْ كُنَّا أَصدقاءَ جمعياتِ البيئة، أَمْكَنَ لِبَعْضِهِمْ أَنْ يُصْبِحوا أَصدقاء لقضايانا. وكذلك مع الأفارِقَةِ، وكذلك مع الالتزام بالعدلِ للشعوب المقهورة، يمكن أَنْ يَقِفوا بجانبنا عند بحثِ قضايانا.
هل هذا مُمْكن؟

نحن نخسرُ كُلَّ قضايانا لأَنَّنا، على مِثال ذلك اللاعِبِ الردئ لا نُمارِسُ لُعْبَة الشطرنج على كلِّ رقعتِها، إِنَّما نكتفي بالدفاع عن مُربَّعاتنا بِمَعْزَل عن العالم. ولو مارسنا اللُعبة حَسَبَ أُصولها، لَكُنَّا طرفاً في اتخاذ القرار. إِنَّ اللاعِبَ الردئَ هذا ليس لاعباً فِعْلِيَّاً ولا يحترِمُهُ غريمُه. إِنَّه يُمارِسُ اللُعْبَ معه فقط بِقَصدِ افتراسه. لكنَّه لا يشعُر أَنَّ أمامه غريم بما أَنَّه مُتَيَقِّنٌ مِنَ الربح كلَّ مرة. لكنْ، لو دخلْنا العالم ومارَسْنا اللعبة، لَكُنَّا طرفاً في اتخاذ القرار. وما هي اللعبة؟ هي أَنْ نُشارِكَ الغريم في قراره هُوَ. هذا يعني أَنْ نشارك كلَّ فِئَةٍ مِنْ شَعْبِه في كُلِّ قضيةٍ تَهُمُّه، وذلك عَبْرَ مُؤَسَّساته وجمعيَّاته وأدواتِه الاجتماعيَّة المُختلفة، عَبْرَ مُشاركتِهِ في كُلِّ القضايا التي يَهْتَمُّ بِها، والمُساهمةِ بالتَرْويج لها، والإشارةِ إلى مُشارَكَتِنا حتى يَظْهَرَ دَوْرُنا في ذلك النشاط..واستمرت المحاضراتُ والنقاشُ والاستفهام وأنا أختصرُ الأيام بالثواني…

* * *

تلك أجملُ رحلةٍ نَقَلَني فيها نصري إلى المستقبل. طَوَّفَني فوقَ المُدن والقُرى العربية المُجاوِرَة، فإذا بي أراها بِمَناظير مُخْتَلِفة، كُلُّها تُشير إلى التعاوُن فيما بينها. يُظْهِرُ لك مِنْظارٌ حركَةَ التزاوُجِ والتزاوُرِ بَيْنَها، بَيْنَما يُظْهِرُ المِنْظار الثاني حَرَكة التِجارة، وآخرُ حركةَ التوظيفِ والعمل، وآخرُ حركةَ الإنتاج الزراعيّ، ثُمَّ الصناعيّ، ثُمَّ كَمِيَّةَ العملِ في الصحافَةِ والتعليم، والمَسرح والإِنتاجِ الأدبيّ، فكأَنَّ هذه القُرى والمُدُنَ قد تحوَّلَتْ مِنْ مَنامات كَسُولَةٍ إلى خلايا نَحْلٍ لا يَهْدأُ العَمَلُ فيها. إلاَّ أَنَّ هذه المُدنُ لا تَحْتاجُ إلى مَناظير حتَّى ترى التَغْييرَ الذي طرأَ عليها. فالتطوُّرُ واضحٌ تقرأُه العَيْنُ المُجَرَّدَة. لقد نُظِّفَتْ الشوارعُ وَتَكَحَّلَتْ بأَرْصِفَةٍ زُرِعَتْ فيها الأشجارُ على مسافاتٍ متساوِيَةٍ فيما بينها. فإذا حَوَّلْتَ النظَرَ إلى المنازِلِ رأَيْتَها وَرْشةَ عملٍ، مِنْها ما تَمَّ تحسينُه، ومِنْها ما تَمَّ بناؤُه فهو جديد، ومِنْها قِلَّةٌ لم تَتَغيَّرْ بعد، إلاَّ أَنَّها شواهِدُ على التغيّر الذي طرأ. والذي يَلْفُتُ النظر هو الأحياءُ الجديدةُ التي تَمَّ اسْتِحْداثُها، أَكَانَتْ للصِناعَة أَوْ للمُؤسَّسات التجاريَّة على أشكالِها، تَعْرِفُ مِنْ مَنْظرِها ومِنْ عددِ السياراتِ الواقِفَةِ على أبوابِها ومِنْ مداخِل الدهاليز إلى مواقِفِها تحتَ الأَرْضِ أَنَّ الحَرَكَةَ فيها عظيمة.

كان مَشْهَدُ بلادي، بِمُدُنِها وقُراها، مَنْظَرُ السلبِيَّةِ والبُطْءِ والإِنْتِظَارِ، ورُبَّما كان في بَعْضِ أَحياءِ المُدن ما يَرْمُزُ إلى الإِسْتِهلاك. إِنَّ الصورَةَ الجدِيدَةَ تَخْتَلِفُ تماماً. إِنَّ الذي يَظْهَرُ في هذه المَشاهِدِ هو الحَرَكِيَّةُ والمُبادَرَةُ والنشاط. تلك ليست أوصاف تنطبق على المُدنِ أَوْ القُرى. إِنَّها أَوْصافُ ساكِنِيها. إِنَّها أَوْصافُ ذلك الشعبِ العربيِّ الذي أَتوقُ أَنْ أَرى هذه الظاهِرَةَ تَتَحَقَّقُ فيه. إِنَّ السعادَةَ التي تغمُرُني هي أَنَّني أَراها، ماثِلَةً أَمامي، حتَّى ولَوْ كان ذلك بِمِنْظارِ مركَبَةِ نصري العجائِبِيَّة. إِنِّي أراهُ طبيعياً. وهو المشهد الذي أتوق له. وهو مُمْكِنٌ لأنَّهُ طبيعي. كيف يُمْكِنُ أَنْ أُخَطِّطَ لِلْوُصولِ إلى تحقيقِ هذا الحُلْم إِنْ لَمْ يَكُنْ بِمَقْدُوري أَنْ أَتَصَوَّر هذا المشهد؟ كانَ ضروريَّاً إذاً أَنْ أرى كيف تَنَنَظَّمُ وتَنْتَظِمُ فيما بينها هذه المُدُنُ والقرى حتى أَحْسُبَ حِسابَ المَسارِ الذي يؤدّي إليه. أَنَّ هذه الصورةَ ليست حُلْماً، ولا هِيَ مِنْ أَبْوابِ الهَلْوَسَةِ أَوْ الجنون. إِنَّها كالرَسْمِ الهندسيِّ، إِنَّها كالمُشَيَّدِ المُجَسَّمِ الذي يَصْنَعُه المُهندسُ قَبْلَ أَنْ يَبْدأَ بِحَفْرِ الأَرض وَوَضْعِ الأَساسِ وإنشاءِ البناءِ. إِنَّه عَمَلٌ عِلْمِيّ ضَروريّ. إِنَّه العملُ الذي يَفْعَلُه كلُّ مسؤول. إِنَّه الفاصِلُ بَيْنَ التَخَلُّفِ والتَقَدُّمِ. إِنَّهُ عِنْوانُ المَعْرَكَةِ بَيْنَهُما. إِنَّهُ تماماً ما يُفَرِّقُ بين الدُوَلِ المُتَقَدِّمَة والمُتَخَلِّفَة.

هل يُمكِنُ أَنْ نكونَ على هذا المُسْتوى مِنْ السذاجَةِ حتَّى نَظُنَّ الدُوَلَ التي أَحْسَنَتْ في التخطيطَ لِنَفْسِها وحَقَّقَتْ نَجاحها لا تَعْرِفُ أَنَّ هذه النتائِجَ مُمْكِنَةٌ في كُلِّ مَكان؟ هل شاركوا في إبْقائنا على تَخَلُّفِنا؟ أَلَيْسَ لِلْتَخَلُّفِ تخطيطٌ مِثْلَما لِلْتَقَدُّمِ تخطيط؟ إِنَّه تماماً ما
تَفْعَلُهُ الدولُ الصناعيَّةُ عندما تُخَطِّطُ لنا. فالتَقَدُّمُ مَوْضوعٌ مِنْ مواضيعِ التخطيط. إلاَّ أَنَّ التخلُّفَ أيضاً موضوعَ تخطيط. وكلٌّ يَعْمَلُ لِمَصْلَحَتِه. تلك هي حقيقةُ الصِراع!

* * *

أَخَذْتُ أَتَفَرَّجُ على هذا المشهد وأُبَدِّل المَناظيرَ وأُغَيِّرُ مواقِعَ المَركَبَةِ وأُحاوِلُ فَهْمَ الآلِيَّات التي أَراها أَمام عَيْنَيّ. إِنَّها، وبِشكلٍ واضحٍ، صُورَةُ الحركِيَّة التي تَعْكِسُ مَصالح سُكَّانِ هذه المُدُنِ والقُرى. مَصْلَحَتُهُم أَنْ يَتَعاونوا وأَنْ يُتاجِروا فيما بَيْنَهُم وأَنْ يَتَزاوَرُوا وأَنْ يَتَزاوَجُوا وأَنْ يَتَفاهَموا. إِنَّها ما يُسَمُّونَه الوِحْدَةَ الوطنية. إِنَّ ما أراه يكادُ يَصْدُمُ بتداعياته.
أَمَّا أوَّلُ درس تعلّمتُهُ فهو أَنَّ الوحدةَ الوطنية لَيْسَتْ حالةً، أَوْ لَقطةً، أو صورةً على ورقة. إِنَّها مشروعٌ، إِنَّها مسارٌ، إِنَّها موضوعٌ مَرِنٌ، ولا يَكِلُّ المَجْهودُ في المُثابرةِ على دَفْعِه إلى الأَمام. إِنَّه عَمَلٌ دائم.

ثُمَّ أَنَّ ثَمَّةَ دَرْسٌ آخر. فالتعاوُنُ بين هذه المُدُنِ والقُرى أَمْرٌ يرغَبُه سُكَّانُها وهي رَغْبَةٌ تَحْمِلُ الطابِعَ الاجتماعي بِقَدْرِ ما تحمِلُ صَبْغَةَ المَصْلَحَةِ الاقتصادِيَّة. إِنَّ لهذه الظاهِرَة مَعْنىً، إِذْ أَنَّها تَعْني أَنَّ أَهْلَ هذه البلادِ يُفَضِّلونَ أَنْ تَتَوَحَّدَ الأمورُ فيما بينهُم، أَنْ تُرْفَعَ العوائِقُ التي تحولُ دونَ تَحَرُّكِ الناس أَوْ انْتِقالِ السيارات أَوْ البضائعِ والخُضار والفواكِهِ أَوْ حتَّى البائعين الجوالين. وإذا كانت الحدود السياسية قد أقامَتْ مبانٍ لِتَمْنَعَ أَوْ لِتُعيقَ الناس عَنْ رغبتهم ولِتَتَعدّى على حياتِهِمْ اليومية.، فَهُم يرفُضونها، مهما كان الإسم الذي تحمله: أَكان مبنى جمارك أَوْ رقابة هويات المواطنين. والذي يزيد من حدَّة رفضها أَنَّ الناس، ومعهم حكوماتهم، لَمْ يُقَرِّروا إِنشاءَ هذه الحدود. فالذي ابْتَناها ونَظَّمَها وشَغَّلَها وفَرَضَها وحَوَّلَها إلى حدودٍ دوليّة فيما بيننا هو الغريمُ الذي نُحاولُ الإِفلاتَ مِنْ براثِنِه. لَمْ يَسْتَشِرْنا ولَمْ يَسْتَفْتِ شَعْبَنا ولَمْ يُعْطِ هذه القرارات حتَّى أيَّة أهمية. فالذي رسم الحدود ضابطٌ مِنْ ضُباط جُيوشه، رُبَّما حَدَّدها بنفسه أَوْ تفاوضَ عليها مع ضابط آخر مِنْ جيش دولةٍ أُخرى مُنافِسَة لَه. إِنَّها قرارات تزيد مِنَ الإهانة التي تَحمِلها، الخِفَّةُ التي مَيَّزَت طريقةَ اتِّخاذِها. لذلك، فإِنِّي لَمْ أسْتَطِعْ أَنْ أُقاوِمَ إغراءَ التَلاعُبِ بالمَفاتيح أمامي، فتقدَّمت في الزمان وراقبت تطوّرات الأُمور. يا الله! فإذا بهذه المُدن والقُرى تتحوَّل بقدرة قادِرٍ إلى طاقَةٍ سياسِيَّةٍ مُحَرِّكَةٍ نَشِطَة، لها فروعُها وأقسامُها، كلُّ واحدةٍ مِنها تُمَثِّلُ مَصالِحَ مَنْطِقَتِها. وإِذا بِهِمْ قد نَظَّمُوا أنفسهم وتفاوَضوا على توزيع المسؤوليات والمصالح والموارد والمنافع فيما بينَهُمْ. إِنَّ الذي تغيَّر هو قدرة القوم على الرأي الحرّ. فَكُلُّهُم مُتحرِّرٌ مِنْ قُيودِ لُقْمَةِ العيش والتَبعِيَّةِ الاقتصاديَّة. فَكُلُّ واحدٍ مِنْهُمْ يعمَلُ في دُكّانِهِ أَوْ وظيفَتِهِ أَوْ مصنعِهِ أَوْ مزرعتِه. فهي قرارات حُرّة. وهي مواقفُ لا تقبلُ ضغطَ الأجهزةِ الفاسدة. فدوائر الدولة السيئة والتي لا تخدم مُواطنيها مِنْها ما سقط وتمَّ استبدالُه ومِنْها ما تطوَّر وتأقلم وحافظ على عمله. وكذلك بالنسبة للوزارات وحتَّى الدول، مِنْها ما تأقلم ومِنْها ما تغيَّر. لقد بدأت تلك القِوى الهائلة تلعب على الساحة العربية، قوامُها الناس في أكثرِيَّتِهِمْ وعَضَلُها تَنْظيمُها ومؤسساتُه. إِنَّها ما كُنّا نَصْبُو إليه. لقد بدأ مَفعولُها بالظهور. ما الذي حصل؟

إِنَّ الذي غَيَّرَ هذا الوضع هو تلك الجمهرة مِنَ الناس، هؤلاء الذين رأيتُهم في مبناهُم بالأمس، تلك المجموعةُ التي انْتَظَمَتْ بشكل حُكومَةِ ظلٍّ للأمة العربية ودُوَلِها. جُلَُّ جُهدِها تَحْوِيلُ طاقاتِ الناسِ إلى إنتاجٍ وثَراء. ما مَعنى هذا؟ يكفي أَنْ يُعطى الناسُ عملاً حتى يُنْتِجوا. فإذا كان الشابُ عاطِلاً عَنْ العمل، حَوَّلوهُ مُباشرة إلى مُنْتِج. كيف تُصْنَعُ له فُرْصَةُ العَمَل؟ هنا تأتي قُدْرَةُ حُكومَةِ الظِلّ. فقد استنفرَتْ طاقات العرب، فحوَّلت جُزءاً مِنْهُمْ إلى شبكات تسويق، وقسماً آخر منهم إلى شبكات تموين، ثم آخر حوّلته إلى شبكات استيراد وتصدير ثم آخر إلى أنظمَةِ خدمات تُسَهِّلُ عَمَلَ هذه الخلايا النَشِطَةِ في هذا القَفيرِ الاقتصاديِّ النَشيط. هنا تأتي قُدْرَةُ التخطيط. لقد استطاعَتْ هذه المجموعةُ أَنْ تُحوِّل العرب في الأوطان والشتات إلى خلايا مُتكامِلَةٍ مُتَعاونة، بَدَلَ أَنْ تبقى كما كانت في السابق جُزُراً من الناسِ مَعزولَةٍ عن بعضِها، لا رابط بَيْنَها. ثُمَّ استطاعت أَنْ تهتمَّ حتَّى بتلك المادة الخام، أَيْ البشر، فأَخَذت تُعنى بِصِحَّتِهِمْ، ممَّا يُحسِّن شُروط الإنتاج، وتشاركُ في تعليمِهِمْ وتثقيفِهِمْ وتوجيهِ تدريبِهِمْ حتّى ترتقي قُدراتُهُمْ مِنْ يومٍ لآخر ومِنْ عامٍ لآخر. إِنَّها قدرةُ التخطيط. إِنَّها أيضاً قدرة الإِنْضباط والدقة بالتنفيذ. إِنَّها أيضاً الالتزامُ بمبادئ التكافؤ والتكامُلِ والتداوُلِ والتراضي في اتخاذ القرارات حتّى تأتي في مصلحة الأُمَّة. هذا الذي أَدَّى إلى تَوَجُّه عَرَبِ النفطِ إلى السوقِ الاقتصاديةِ العربيةِ في استثماراتِهِمْ، دون أَنْ يخافوا مِنْ ضَغْطِ الغريم الكبير أَوْ مِنْ إرهابِ الإمبراطورية. لقد أصبحَ العربُ حُماةً لَهُمْ. لقد أصْبَحَ لِلْحِلْفِ الطبيعيِّ أساسٌ مُشترك.

* * *

 طبعاً فإِنَّ الغريم، تَضَرَّرَ. لَمْ يَكُنْ يَظُنُّ أَنَّ هؤلاء العرب الذين كان يَتَعامَلُ مَعَهم كَأَنَّهُمْ مِنْ الهُنود الحُمر، كَالذين استأصَلَهُمْ المُسْتوطنون في السابق، يُمْكِنُ أَنْ يرتَفِعوا إلى مُستوى التحدّي. لذلك فقد هاجمَنا الغريمُ في الموقعِ الذي كان يَظُنُّهُ ضعيفاُ غير ذي حِماية، وأقنَعَ نَفْسَهُ أنَّهُ سوف يعلِّمُنا درساً جديداً، أَنَّنا، في ذهنه، قد تَمَّ تَدْجينُنا. إِنَّنا سوف نَتَلَقَّى الضربة مِنْ جديد وسوف نُجيبُ كعادتِنا بالتصريحات السخيَّةِ عَنْ القانون الدولي، مثلما فَعَلَ الحَمَلُ مع الذِئب. إلاَّ أَنَّ غَريمَنا فُوجئَ هذه المرّة. لقد أُصيبَتْ أنيابُه كما أصابَ حمارُ الوحش أنيابَ الأسد. لَمْ يَمُتْ الأسد، ولَمْ يتضرَّر الغَريم. لكنَّه تعلَّم أمراً جديداً ودرساً صعباً: لقد خَسِرَ سِيْطَرَتَهُ على جَوّ المعركة وسَقَطَتْ بعضُ طائراته. وخسِرَ أيضاً سيطرتَهُ على أرْضِ المعركَةِ بخسارَتِهِ بعض الدبابات.

كلُّ هذا لَمْ يُلْغِ الغريمَ ولا طاقَتَهُ العسكرية. فالمعرَكَةُ هي الأُولى في سلسلةٍ لَمْ تبدأْ بعد. إِلاَّ أَنَّ كُلَّ الجَوِّ السياسي تغيّر. لقد تَغَيَّرَ مَوْضوعُ البحث. لقد طرحَ الطرفُ العَرَبيُّ مَوْضوعَ تهديمِ حائطِ الخِزْيِ الذي أَنْشأَه الغريم. لقد قبل الغريمُ أيضاً أَنْ يبحثَ في إعادةِ بعضِ الأراضي التي احتلَّها.

ما زالَ العدوُّ على ما هو مِنَ القوة، وما زالَ الخِلافُ معهُ على أَشَدّه، وما زال يمتلِكُ السلاحَ النووي، وأداةً عسكريةً فتَّاكة. إنَّ الذي تغيّر حَصَلَ في أَرْضِنا، وشَعْبِنا ومعنوياتِنا.

* * *

نظرتُ إلى المركبةِ وعدَّاداتِها وحاولْتُ أَنْ أتعرَّف على التاريخِ الظاهر على شاشاتها. ونظرتُ إلى نفسي وحاولت أَنْ أتحقَّقَ إِنْ كُنتُ نائماً أسْبَحُ في حُلُمٍ أَمْ أَنِّي في حالَةِ اليقظة. ثُمَّ قرَّرْت. سوف أبْقى في الحُلْم. فَمَدَدْتُ يَدِي وحرَّكتُ العقارِبَ وأَدَرْتُ الأزرار، وغَرِقْتُ في نورٍ مِنْ صِنْفٍ جديد.

وبقيت في ذلك العالم الذي ابتكَرَهُ لي نصري… إلى أَنْ دَعاني هازِمُ اللّذات ومُفَرِّقُ الجماعات.