الحياة بالأقدمية بقلم محمد سعيد الريحاني – المغرب

منذ دخلت المدرسة في سن السابعة من العمر وأنا أدرس في كل فصل ثلاث سنوات أعاشر خلالها ثلاثة أجيال. وقد وسعت بهذه السياسة دائرة معارفي لتشمل كل أحياء المدينة. فقد صار لي أصدقاء في كل مكان كما صار لي أصدقاء من كل الأعمار. ولما وصلت قسم الشهادة الابتدائية بعد رحلة الشتاء والصيف التي دامت خمسة عشر عاما، كان لي أصدقاء في القسم الذي أدرس فيه وآخرون في الثانوية وغيرهم في الجامعة أو في مراكز تكوين المعلمين بعضهم اختار العمل معلما رسميا في مدرستي ويتعامل معي كصديق طفولة يتحسر عليها وأنا لازلت أعيشها….

‎لا أعتقد أن الأمر يتعلق بضعف مستوى المدرسين كما لا أعتقد أنني بليد أو كسول ولكنها الحكمة الآمنة التي فطمنا عليها جميعا ولم يعد يؤمن بها غيري وبعض الصفوة من طليعة رجال الغد.

‎” العجلة من الشيطان”
‎ولذلك فقد تحملت، بمعية هذه الصفوة من التلاميذ، مهمة تعميم هذه الفلسفة على العالمين. ولكن قبل الخروج للناس، كان علينا أن نمارس التعاليم التي سنبشر بها الناس وأولها: ” ما فاز إلا النوم”. فقد واصلنا النوم لمدة ثلاث سنوات في كل فصل حتى تغيرت المسطرة النظامية المسيرة للنجاح والرسوب فأصبح لا يسمح بلزوم فصل دراسي لأكثر من سنة واحدة لمن سبق له تكرار فصلين دراسيين.لكن المسطرة الجديدة، رغم شكلها الزجري، فقد كانت عاملا مساعدا لنا من أجل المبالغة في النوم بغية المبالغة في النجاح لأننا كنا نعلم علم اليقين أننا ناجحون كل سنة من السنوات القادمة ” أحب من أحب وكره من كره”، كما كان يردد المكافحون والمجاهدون والمناضلون القدامى وكل من كان يؤمن بأنه يبذل جهدا….

‎المسطرة الجديدة ضمنت لنا النجاح طيلة مدة إقامتنا في الابتدائي والإعدادي لأن الإدارة لا تنوي طردنا وحرماننا من التمدرس قبل بلوغ سن الرشد. لكن في المرحلة الثانوية، تفاجأنا بالإيقاع الجديد ووجدنا أنفسنا غير محميين بقانون أو مسطرة تضمن لنا النجاح دون جهد. وبعد أربع سنوات، كان كل رفاقي خارج أسوار المدرسة وقد نيفوا على الثلاثين من العمر يبحثون عن مقعد في قسم الباكالوريا في ثانوية حرة بعدما استحال وصولهم إليها عبر قناة التعليم العمومي.

‎في الثانوية الحرة، وجدنا السند الذي فقدناه في السنين الخوالي. فلكي تصبح طالبا له الحق في الدراسة في صف الباكالوريا يكفي أن تكون كبيراً في السن وأن تدفع تسبيق الشهر الأول. لكن الفرحة الكبرى كانت خبر نجاحي في الدورة الأولى مع النوابغ من تلاميد الإقليم. طبعا لم أكن الوحيد فكل رفاقي كانت أسماؤهم على سبورة الشرف ضمن الناجحين لأن إجاباتنا على اوراق الامتحان كانت واحدة. فكل وريقة كنت أتقاها ممن كنت أستجديهم من نوابغ التلاميذ في القاعة، كنت أمررها للرفاق الذين يحفرون لي ظهري برؤوس أقلامهم بعصبية تزداد حدتها مع اقتراب عقارب الساعة الحائطية من موعد جمع الأوراق وغلق أبواب القاعات…

‎في الجامعة، كان خاي احمد الزيزوة، في وجاق مقصف الكلية، خبيرا بحق في تحضير الشاي المغربي المنعنع . وكان لخبرته في تحضير الشاي ومهارته في خدمة الزبناء فعل السحر في احتفاظنا بمائدة قرب وجاقه لمدة سبع سنوات بالتمام والكمال تخرج خلالها مجايلونا والأجيال الستة الموالية لهم وحصلوا على مناصب شغل وتسلقوا المراتب… ولم ننتبه إلا على وقع رنين القانون الجديد الذي لوح بالطرد في وجه المتقادمين. ولحسن حظنا، نلنا شهادة الإجازة الجامعية في ذات السنة. لكن حسن الحظ لا يعني الفرح بالمكسب لأننا كنا ننيف على الأربعين وكل مباريات الشغل تؤكد على سن الثلاثين كأقصى سن بالنسبة للمتباري. وهذا يعني أننا حملة شواهد محكوم عليهم بالعطالة إلى الأبد.

‎والحل؟
‎البعض نصحني بالبحث عن وسيط نافذ، يسهل عليه ما صعب على القانون.
‎البعض الآخر نصحني بالبحث عن وزير أو برلماني يستعمل سلطته ونفوذه لصالح ولوجي دنيا العمل. لكنني فضلت رفع دعوى قضائية للتخفيض من عمري وكان علي أن أنقص أحد عشر عاما من عمري ليصبح عمري 28 عاما لأحتفظ باحتمال اجتياز المباريات خلال السنتين المتبقيتين للسقف العمري المحدد: ثلاثون عاما.

‎خلال خمسة عشر يوما في المحاكم، سافرت في الزمن نحو الماضي وصار عمري ثمانية وعشرين عاما فتقدمت لأول مباراة. اجتزت الامتحان الكتابي بسلام. لكن، في الامتحان الشفوي، صعب علي الأمر وبدأ الفشل يلوح لي في عيوني محاوري الثلاث على الحافة الأخرى من الطاولة. ولم أجد بدا من الارتماء على أقدام الأساتذة تحت الطاولة بيننا وتقييل أحذيتهم واحدا واحدا، فردة فردة والتوسل إليهم بإنقاذي من الرسوب المحقق، طالبا الرحمة لآبائهم وأمهاتهم وأجدادهم وجداتهم … ولم أستو إلا على وقع ربت أكثر من يد على أردافي تطلب مني القيام وتعدني بالنجاح في المباراة.

‎أخيرا دخلت دنيا الشغل.
‎أخيرا ولجت عالم الإنتاج.
‎لكن ثمة ضوابط وخطوط حمراء لا يجب علي المساس بها: أولياء نعمتي من المشغلين وزملائي من المستخدمين. وعليه، يجب أن ألجم ميلي للترقي وتحسين وضعيتي الاجتماعية حتى لا أصطدم مع مشغلي وزملائي وأن أكتفي بانتظار ترقيتي بالأقدمية … هذا التوجه الحكيم فتح عيني على فلسفة تستحق الممارسة: ” الحياة بالأقدمية” فهي أكثر أمانا من مخاطر المنافسة والمغامرة وأكثر من ذلك فهي مضمونة: ففي السنة المحددة تترقى دون امتحان أو شهادة أو أي شيء…

‎فتحت، إذن، عيني بمنظار جديد، منظار الأقدمية، وانبهرت للنجاحات التي تكون الأقدمية وراءها وللفتوحات التي تكون الأقدمية مبدعتها وللعلاقات التي تكون الأقدمية ملهمتها… ووجدتني أربح الأحكام القضائية بالتقادم، وأكسب احترام الصغار لأنني أقدم منهم، ويعتبرني الوافدون الجدد على المدينة “كابن المدينة الأصلي” لأنني أقدم منهم فيها، وآخذ التزكية من الحزب للتقدم للانتخابات لأنني أقدم من باقي المرشحين في اقتناء بطاقة العضوية في الحزب، ويصوت علي الجيران لأني قديم في الحي يعرفون أسرار دواخلي وأعرف مجاهل أعماقهم… هكذا، درجة درجة، وجدتني أقترب من مواقع تدبير الشأن العام والمساهمة في التنمية فأسسنا فيدرالية تنضوي تحتها كل الإطارات الجمعوية بالمدينة ندعو من خلالها المواطنين إلى تبني فلسفة ” الحياة بالأقدمية” كسبيل أضمن لتحقيق الأهداف دون مخاطر أو مغامرات ولا نعير أدني اهتمام لمن يحاول التشويش علينا بتسمتنا قدحا “جمعية قدماء كسالى الثانوية الوحيدة بمدينة النحاس” ووصف عملنا التنموي على أنه انتقام لماضي الكسل الذي عشناه في ضروب المؤسسات التعليمية، ورغبة دفينة لقبر الإجتهاد وروح التنافس الشريف ومحو الكفاءة من الوجود. لا يهمنا القيل والقال، نحن عمليون ونركز حاليا على الأشكال الضاغطة لتحريك الملف نحو المركز وعلى الأدوات القانونية التي ستعجل من مطلب ” الأقدمية” واقعا ملموسا. أما الأشكال الضاغطة فهي مجموع الإطارات والقوى الحية المنضوية تحت فدراليتنا وهم في غالبيتهم رفاق الأمس متشبعون بقيم “الحياة بالأقدمية”. وقد كان لإيمانهم هذا بمصداقية مطلبهم دافع كبير في إنجازه وتحقيقه، بعد حوار مع السلطات المعنية قبل الخروج إلى الجماهير المبتهجة، صائحين:

‎- ” أنجزت المهمة ! لقد سويناها : فلا مباراة بعد اليوم ولا شواهد ولا كفاءة ولا مزايدة ولا رياء … عيشوا حياتكم بالأقدمية. اقدموا وتقادموا وسترون بأم عيونكم تحقق الأماني التي استعصت على سواعدكم. أيها الإخوة، بشرى لكم وهنيئا بالحقيقة السعيدة وإلى لقاء نضالي قريب مع مطلب جماهيري جديد”…

‎القصر الكبير، بتاريخ: 03/01/2006
‎قصة قصيرة بقلم الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني