افتح، يا سمسم بقلم محمد سعيد الريحاني – المغرب

‎”افتح، ياسمسم”

‎” قد تكون ،يا ولدي، عاشقا للموسيقى والنغمة المخلصة من سطوة الصمت والخرس. وقد تكون عاشقا للتشكيلات اللونية المحررة للبصر من نمطية الرؤية. وقد تكون عاشقا للشعر فتتجدد نبضاتك على وقع الصور المبتكرة والوزن الأصيل. وقد تكون أيضا عاشقا للفرجة التي تفتح العوالم الصغيرة على العوالم الكبيرة وتبدأ بالهزل لتنتهي بالجد … لكن العشق، كل العشق، يا ولدي، هو أن تعيش حلما في غفوتك وتتذكره كاملا في يقظتك. وهذا مالا يحدث ل” يا أيها الناس “: أن تتخلص من كل قوانين الطبيعة وتطير حرا كاليمام، خفيفا كالغمام، طليقا كالريح. أن تلقي جانبا كل قوانين المجتمع وتتعرى كطفل فرحان بتعلمه المشي، وتجري مبتهجا في الشوارع الرئيسية غير آبه بقوانين السن والنوع والقبيلة والعرق… ” العشق يا ولدي هو أن تعيش حاء الحلم”.

‎مقتطف من نص “الحاءات الثلاث”
عن المجموعة القصصية “موسم الهجرة إلى أي مكان” 2006 
- محمد سعيد الريحاني-

‎ما هذا ؟ …
‎مرتبي ؟ …
‎هل أصبح لي عمل ؟…
‎هل هذا تعويض عن عطالتي ؟…
‎أنا لم ألف المفاجآت في حياتي … و الآن؟… هل أحلم؟… هل أعيش حياة ثانية؟… مئات الدراهم!…
‎في جيبي أوراق نقدية من فئة مئة دراهم !…
‎عجبا! …
‎أتحسس الأوراق… الواحدة تلو الأخرى …أثنيها أكمشها …
‎هبة من السماء! …
‎أرفعها قبالة الشمس… أتفحص الخيط الفضي داخلها …
‎الخيط هناك …
‎الخيط واضح و غليظ مثل هراوة…عبارة التهديد مكتوبة أسفل الورقة المالية بالعربية الفصحى :
‎”كل من حرف أوراق البنك أو زورها أو ساعد على ذلك سيعاقب طبقا للقوانين والقرارات الجاري بها العمل”…
‎لا مجال للشك … الأوراق البنكية حقيقية…
‎-“الآن أصبحت مسؤولا عن أسرتك… يجب أن تشتري ملابس لاخويك …هناك متجر في المنعطف”.
‎انتبهت الى مصدر الصوت عند قدمي …
‎أعوذ بالله من الشيطان الرجيم! …
‎من هذا الذي يرشدني؟ … متسول حاف عار يستر عورته بيديه…! إنه يعرف ما يدور في دماغي! … و هؤلاء الرجال المعتصمون قبالة تلك البوابة وهم يئنون شعارات حزينة، هل هم يموتون؟… إنهم يكترون … شكاويهم تملأ المكان صخبا :

‎- أنا مطرود”… 
-” أنا موقوف” … 
-“أنا مرفوض” …
-“أنا ..”..

‎يغمرني الخوف… أضطرب… تسود الدنيا أما عيني … سواد ظلام دامس… أتحسس الحاجز أمامي … أبحث عن مخرج … هذا باب … باب موصد … باب خشبي …حديدي… حجري … أقرع الباب…
لا أحد يجيب … 
أنادي بكل قواي :
-“افتح يا رفيق!”
سكون …
-“افتح يا أخ !”…
سكون -“افتح يا سمسم ! “…
وينفتح الكون! …و ينجلي السواد !… وتنقشع الظلمة عن رجل و طفلين … عن بائع و… اخواي الصغيرين!…
‎يا للصدفة ! … اخواي!… ها هما يقيسان القمصان … يشاوران البائع … في اللون … في الطول … في العرض … يااااااااا!… يا العجب ! … سبقاني للمتجر! شيء ما حدث! … لم تبق لي أسرار … حياتي لم تعد لي وحدي … أصبح غيري يعرف أسراري ويسمع أفكاري … أصبحت أخاف أن أفكر …
‎-لا تخف! … يقاطع البائع تفكيري يربت على كتفي … لا تخف فكر كما تريد … ما يحدث هو مجرد تفاهم …

‎ينحني البائع على الطفلين … يقبلهما… أسناهما تزداد بياضا تحت بسمة الفرحة بكسوة العيد … أؤدي ثمن القميصين … و لأول مرة أحس بمـتعة صــرف المال ! … متعة المسؤولية …! يقبلني أخواي … ينصرفان … نشيطين على غير عادتهما … يقفزان … يجريان… يتوقفان … يطالبان المارة أن يقرؤوا لهما الكتابة على صدر قميصهما… يرددانها … يفرحان بها …يجريان … يطلقان ذراعهما الصغيرتين ليطيرا … يحاكيان اللقلاق القادم من الجنوب ،السابح على مهل في زرقة السماء، باسطا جناحيه الطويلتين وهو يميل يمنة ويسرة يمنة ويسرة دون أن يحرك جناحيه … يعلو… ينحني… يهزهز جناحيه قليلا … يستريح وهو يحوم … جناحاه دائما مبسوطتان … يعلو… يعلو… فوق الربيع … فوق النخيل … فوق الجبال … فوق السماء… فوق الشمس البيضاء بياض اللبن …
‎كم اشتقت للبن! …
‎-اللبن يطهر الجسم … الحامض منه خاصة …
‎هكذا يقول النادل للزبناء المتهالكين على الكراسي …

‎-السكر والحلوى مفيدان للحنجرة أيضا … يضيف من وراء منضدته البيضاء كقبر عظيم … المقهى كله قبور … قبور بيضاء … قبور في شكل موائد حولها كراسي يتهالك عليها الأحياء من أهل المدينة .… يفتخر مالك المقهى بمقهاه … ” مقهى أحياء و أموات “… يطالبنا بالصمت :
‎-اشششش !…
‎الأمر الأبدي بالصمت يثير احتجاج الموتى تحت القبور المبنية بالحجر … يثير قلق من حولي من الأحياء … أنا الآن أتفهم توترهم نحن لا ننبس ببنت شفة حتى يطالبنا أحد بالصمت … هذا ظلم !
‎يجيب مالك المقهى :
‎- أنا لا أظلم أحد … كلامكم يعرض مقهاي للخطر …يعلق المالك لوحة على الجدار قبالة الجميع :
‎”الرجاء من الزبناء الكرام عـــــدم التدخين والكلام والصراخ حفاظا على الصالح العام”.

‎ينفجر القبر الأول … ينفجر الثاني … الثالث… تثور ثائرة الأحياء و الأموات … كل الزبناء… الموتى .. المجانين ..ماسحي الأحذية .. المومسات.. بائعي السجائر… المتسولين… شباب يستر عورته بشواهده الجامعية … يستقيم الجميع… يجربون حناجرهم … ينتفون لوحة الأمر و النهي عن الجدار … يكسرونها … يفتتونها يلقون بفتات الأمر بعيدا … ينصتون للوحي للإلهام … لأنشودة الخلود… لصوت عبد الرحمان المجذوب … نجري في صخب وفوضى وراءه … ندوس بالأقدام من يعترض طريقا … نلتحق بالشاعر … نتحلق حوله … نرسم دائرة من الأجساد حوله … نتزاحم …نطيل الأعناق لنسمع المجذوب ينشد ملء حنجرته:

ركبت ى القصر صبتو خال يصفر وسبب خلاه جاي من صرصر نضطرب إجلالا…
‎هذه النبوة ! … هذا المنظر !…
‎ننظر الى أسفل الجبل …
‎أسفل سافلين …
‎ننظر الى مدينة القصر … مدينة القصور …مدينة خالية من الحياة إلا من حركة أولئك الذين يسرعون لغلق نوافذ فيلاتهم و قصورهم … ننظر الى وادي المخازن … مياهه شفافة … مياهه برتقالية … حمراء … قانية … سوداء … النهر يمتلئ سوادا… يمتلئ … يمتلئ… سطح مياهه يعلو بإصرار نحو حاشية السد … إننا ننتظر الفيضان الأخير… ننتظر الطوفان من على قمة جبل صرصر … نعد لانفجار السد بجنون … نعد لغرق سباستيان البورتقيز … نعد لغرق الطاغوت… نلوح بالأيادي … بالقمصان بالجلابيب … نكبر … نكبر … نكبر…
‎الله أكبر(..) (..)
الله أكبر(… ! ) (طق! )
الله أكبر(طق ! ) (طق! )
الله أ…
(طق! ) (طق! )
… …
(طق! ) (طق! )
استيقظ عرقانا … تكبيرات غامضة و بعيدة ترن في ذاكرتي على إيقاع الدق على الباب .
‎طق ! طق !
‎طق ! طق !
‎يشتد الدق على الباب … أصيح :
‎-” انتظر ! “…
‎يهدأ الصداع لفترة .انتهز المهلة .اتفوه. اقرأ الشخبطات الجديدة على الحائط قرب السرير . اقترب منها أكثر. افرك عيني لأقرأ جيدا:

‎الشغل حق مضمون الشغل شـ شـ الشغ حق حـ حـ حـق مضمون ضـ ضـ مضمون
‎تنظيم السطور وتفكيك الحروف يذكرني بدروس الخط في المدارس الإبتدائية .هذا خط أخي الأصغر انه لا يثق في ذاكرته لهذا فهو دائما يدون كل ما يسمعه أو يدرسه …حلمه هو أن تجعل منه دراسته معلما أو أستاذا . الخط المتموج يعكس رغبته في البقاء على السطر المفترض على الجدار. لا يخفى علي أبدا أنه بدل جهدا كبيرا ليكتب كل تلك الكلمات عالية لهذا الحد كي يقنعني أنه كبر فعلا.
‎يعود الطرق على الباب، من جديد.
‎أقفز من السرير. أتعثر في سروالي .أتدارك نفسي من السقوط.أجد نفسي أمام الباب. أفتحها على رجل في بذلة مهنية. أفرك عيني : ساعي البريد.
‎يمد لي ساعي البريد رسالة قائلا :
‎- ” رسالة مضمونة. وقع هنا “.
‎يمد لي السجل أشخبط توقيعي تحت أصبعه يسحب سجله ثم ينصرف.

‎أزن الرسالة بيدي. هي في مثل ثقل الرسائل المضمونة التي ألفت تلقيها. لقد نميت حاستي السادسة جيدا خاصة فيما يتعلق بالرسائل المضمونة . إنني أستطيع التكهن بمحتوياتها دون الحاجة الى فتحها: إنها لا تحتوي سوى على وثائقي المرفوضة في مباراة شغل.
‎رميت الرسالة داخل البيت . هاهي تسبح في فضاء البيت، ترتطم بالجدار وتترنح ساقطة أسفل الدرس الطفولي.
‎الشمس ثابتة في وسط السماء. ساعي البريد، مثل جني، يزحف نحو أبواب الجيران، بلا ظل . يدنو من الباب الأخرى، محملا بالسجلات و كسوة العمل و محفظة الرسائل. يطرق الباب من جديد ثم ينطق :
-” افتح يا سمسم! “.
‎ينظر ساعي البريد باتجاهي. ينظر الى عيني بإلحاح. ملامحه تقاوم ابتسامة قوية. تغلبه أخيرا. يبتسم.

‎قصة قصيرة بقلم الباحث والقاص المغربي محمد سعيد الريحاني