أنا وجدتي بقلم اياد مداح – سوريا

‎
‎


انطفأت الأنوار في لحظةٍ واحدةٍ، تاركةً كل ما تطاله الأعين من أماكن في حالة من السواد القاتم، ولم يتبقَ أمام جدتي سوى أن تأتي بالفانوس وتشعله.

فانوس يحكي حكايتها من الألف الى الياء، بدءاً من أيام الطفولة وحتى بداية رحلتها مع جدي والتقائها بالمرأة الغريبة التي علمتها القراءة والكتابة، وانتهاءً بتركها لضيعتها ومجيئها الى هذه المدينة الخرساء التي تعج بدخان السيارات والكتل الحديدية. جدتي كانت امرأةً مختلفةً تماماً عن كل عجائز ضيعتها. كانت تقرأ كل ما يقع بين يديها. شيء آخر كان يميزها: انقطاع الكهرباء!….. أجل، انقطاع الكهرباء. لا أعرف لماذا كنت أشعر دائماً أنها السبب بانقطاع التيار الكهربائي عن بيتنا. ربما لأنني دائماً، عند حدوث ذلك، كنت أرى ابتسامةً تعلو وجهها وكأن ما حدث غاية تحققت. ذلك الشعور جعلني، في بعض الأحيان، أتمنى لو أنها ليست معنا. في تلك الليلة بالذات شعرت أنني لم أعد أحتمل. أحب جدتي، لكنها تتسبب دائماً بانقطاع الكهرباء.

“ماذا أفعل؟ يجب أن أصارحها!”.

أجل، قررت أن أجد حلاً لتلك المشكلة بيني وبينها. تقدمت منها ببطءٍ، جلست قربها وانتظرتها إلى أن أتمت طقوس إشعال الفانوس.

-جدتي، جدتي!! 

-ماذا، يا حبيبتي؟

-أولاً، أريدك أن تعديني ألا تنزعجي من الكلام الذي سأقوله لك.

-حسناً يا حبيبتي، قولي ما لديك وأعدك ألا أنزعج أبدأ، وأساساً، في ليالي الفانوس هذه، لا يمكن لأي شيء أن يزعجني.

-تماماً، جدتي، هذا ما كنت أود أن أكلمك عنه، الفانوس، ذلك الفانوس العتيق المهترىء. أحس أحيانا أنه السبب في انقطاع الكهرباء.

-كيف هذا يا ابنتي! الفانوس هو الذي ينير عتمة البيت كما ترين. إنه ما قبل العتمة وما بعدها، إنه الحياة التي تجعل هذا البيت دافئاً في ليالي الشتاء الباردة، فحتى أنتِ لا تتقدمين مني إلا حين أحضن هذا الفانوس وأشعله وأحكي لك حكاية. أتذكرين حين كنتِ لا تزالين طفلةً، وكان بيتكم هذا لا يزال من الصفيح، ولم يكن لدينا سوى هذا الفانوس لينير ليل غربتنا، أنسيت يا ريم يا ابنتي؟

-الحق أقول يا جدتي، أنني لا أتذكر شيئا من هذا. شعور واحد يتملكني حين تقفزين لإشعال هذا الفانوس عند انقطاع التيار الكهربائي، وهو أنك والفانوس السبب بذلك. ربما كنت أغار منه وحسب أو ربما صار الإنترنت والتلفاز أهم من حكاياك! لا أعرف!!. اليوم سأجد مخرجاً من هذه الدوامة التي تكاد تفقدني عقلي. حدثيني عنك، عن الفانوس، لا أريد أن أسمع حكايا الغول الذي التهم كل أهالي ضيعتك، أريد أن أعرف حكايتك وحكاية هذا الفانوس. 

-حسناً يا ريم، لستِ وحدكِ التي نسيتِ. كثيرون غيركِ نسوا أو تناسوا حكاية ضيعتنا وغاصوا في ضجيج هذه المدينة التي سلبت منهم رائحة الضيعة. ربما آن الأوان أن نحدثك أنا وهذا الفانوس عن حكايتنا، لعلك تعيدينه أنت إلى مكانه.

-وأين مكانه يا جدتي؟ أخبريني وأنا سأعيده غداً.

-يا ليت يا ابنتي!. تقولين هذا لأنكِ لا تحبين الفانوس، والفانوس يحتاج للحب والأمل والتكاتف كي يعود. ونحن، كما ترين، ننسى أو يريدون لنا أن ننسى درب الفانوس إلى بيتنا في الضيعة، بيت جدك. جدك الذي عاهدته أن أحتفظ بهذا الفانوس من بعده وأن أعطيه لأحفادي من جيل الى جيل إلى أن يعود الى مكانه، حيث ينتمي. 

-هات يا جدتي، لقد شوقتِني لحكايتكِ وحكاية الفانوس وجدي والضيعة. حدثيني وسأصغي اليك حتى النهاية.

حسناً، يا ابنتي، هاك حكايتنا وحكايتك…

ضيعتنا كانت كطفلةٍ مشاكسةٍ لا تهدأ طرقاتها من الحركة في كل الفصول. كل فصلٍ كان يهديها من جماله جمالاً لا يضاهيه شيء في الوجود، ويترك على أطرافها اللون الذي يلائم فرحها: الأبيض الثلجي، والأصفر والأخضر وكل ألوان الطيف التي كانت لا تتركها أبداً، بل على العكس، كانت ترافقها حتى تنام.

وفي الصباح كانت تطرق أبواب بيوتها لتصحو إلى الفرح ثانيةً. كانت حقول الضيعة وبساتينها كريمةً جداً، لا تبخل على أحدٍ بما لديها: إن عطشنا، تروينا ينابيع الماء، وإن جعنا تحتضننا الأرض وتعطينا كل ما ينبت فوقها.

سكان الضيعة فلاحون محبون، طعامهم كان بسيطاً ممزوجاً برائحة الأرض، وحكاياهم بسيطةٌ لكنها تحمل الفرح والبهجة وحب الحياة. كانت تلك الحكايا تُروى على ضوء الفوانيس في ليالي الصيف الهادئة وليالي الشتاء الباردة لتبعث الدفء في الأطفال وليكبروا معها. تلك الحياة كانت عنوان ضيعتنا طوال سنوات، إلى أن غرقت في ليلٍ طويلٍ حالكٍ لم تخرج منه حتى اليوم.

ففي يوم من أيام جني الثمار المليئة بضجيج الأقدام وهدوء الأوراق، سمعنا أنا وجدك صوت صرخةٍ قادمةٍ من بستان جارنا أبي عادل.

“انهم المحتلون!!!

عندما سمع جدك صرخة أبي عادل، هرع مسرعاً باتجاه الصوت حاملاً بيده مجرفةً غير آبهٍ بما قد يلحق به من أذى، وركضت أنا خلفه إلى أن تعبتُ ووقفتُ فوق تلةٍ تشرف على بستان جارنا. وإذ بي أرى حشداً غفيراً من الآليات الحديدية تدوس أشجار الزيتون وتعيث الخراب في كل مكان. وفي البعيد، رأيت رجال الضيعة والنساء يزحفون لنجدة أبي عادل. لكن، كانت آليات الغزاة تحصد الجميع بدون استثناء. اعتقدت أن جدك قد مات تحت جنازير آلياتهم، لكن، فجأةً رأيته قادماً من البعيد مضرجاً بالدماء، وهو يلوح لي بيده لملاقاته……….. حين وصلت اليه، ارتمى بين ذراعي غير قادرٍ على الحركة، وقال لي بما بقي لديه من كلمات:

“المحتلون أتوا….. ليسلبوا منا ضيعتنا….. ويقضوا علينا…… جميعاً……. لكي ننسى أن لنا ضيعةً هنا……….. ابتعدي بقدر ما تستطيعين و…………”. تأمل جدك فضاء المكان للحظةٍ، ونام نومةً عميقةً لا صحوة منها. بكيت كثيراً، لم أستطع حتى أن أحمله. تركته لأوراق الأشجار في الخريف لتغطيه، وأسرعت باتجاه البيت. كان والدكِ نائماً في بيت جارتنا، تلك الغريبة التي جاءت إلى ضيعتنا هاربةً من ضجيج المدينة، فأعطيناها بيتاً تقيم فيه وأعطتنا المعرفة والعلم. علّمتني الكتابة والقراءة، كما سبق وقلت لك. أخذت والدكِ وأسرعت وإياها لنلحق بالجموع التي استطاعت ترك الضيعة.

أدركت أن الظلام قد ينزل علينا أثناء رحلتنا، لذلك عدت الى البيت، التقطت الفانوس ليعينني في ليل غربتي، ورحت أركض أنا والغريبة، وأنا أحمل والدكِ على كتفي. إلى أن التقينا ببقية سكان الضيعة الذين لم يحملوا من الضيعة إلا فوانيس تنير دربهم. إنضممت إليهم ومشينا بينما كان كابوس الطامعين بأرضنا يلاحقنا، إلى أن وصلنا الى أطراف هذه المدينة. استقبلنا سكانها واحتضنونا وبنوا لنا بيوتاً من الصفيح على أرض اسمنتيةٍ لا تعرف اللون الأخضر. حاصر الفقر كل الذين خرجوا من الضيعة. باعوا فوانيسهم، الشيء الوحيد الذي بقي من رائحة الضيعة،، لكنني رفضت ذلك. تحملت كل المتاعب لهدفٍ واحد وهو أن أرى والدكِ يكبر، لتكبر معه حكاية الضيعة. لكن المدينة، يا ابنتي، سرقت من والدكِ ذاكرته، وها أنا ما زلت أحاول أن أعيد للجميع ذاكرتهم، ويا ليت تنبت ذاكرتي في ذاكرتك.

هذه هي حكايتي وحكايتك

وحكايتنا…

لم تكد جدتي تنهي كلامها حتى شعرت بخيطٍ دافىءٍ ينسلّ فوق خدي. بكيت كثيراً، وما هي الا ثوانٍ قليلة، حتى عاد التيار الكهربائي، أطفأت جدتي الفانوس بحزن، حينها شعرت بالظلام رغم كل تلك الأنوار، أشعلت المصباح من جديد، أطفأت الأنوار، ابتسمت جدتي، وعادت لتحدثني عن ضيعتها. 

اياد مداح/ مجدل شمس/ الجولان