أخطاء إملائية بقلم الدكتور فلاح جاسم – فلسطين

‎عندما كـُنا صغاراً، اعتدنا الكتابة على جدران الجيران، في غفلة منهم، نكتب بطبشور أبيض، نحكـّه حكـّاً؛ “الحُبّ عذاب”، وننسى الألف، والمعنى جد مختلف…كاختلاف أرض الدار عن السقف… حتى أسعد الناس في الحُبّ، والغرام لم يذقه بدون ألف، وأراهن على ذلك، هذا إن كان ما يشعر به حُبّاً، أما إن كان نزوة عابرة، أو حالة نفسية عارضة، فالأمر يختلف كثيراً.

كانت مجازفة خطيرة بالنسبة لي، لأن خطي شبه معروف من قبل الجميع؛ خط رقعة واضح، متناسق الحروف، وهذا يجعلني عرضة للعقاب من والدي لأسباب عدة؛ أولها إنني كبرت، وأصبح يخشى عليّ من الانحراف، والانجرار بتيار العواطف، وتركِ الدراسة، التي كنتُ مُبدعاً فيها، السبب الثاني؛ تشويه جدار الجيران، إن لم يتجاوز الأمر ذلك الحد، ويعرف أن المقصودة من تلك العبارة هي ابنة الجيران. يتكلم معه أبوها، ويكبر الأمر،ويعتذر لجارنا، ولا يعرف “وين يودي وجهه؟”، على حد قولهم، ويلعن هذا الزمن الذي تغير فيه كل شيء بسرعة، حتى الأطفال الصغار أصبحوا يعرفون شيئاً اسمه “الحُبّ”، ويسرد قائمة طويلة من مآثر فروسيات جيلهم، ليدلل على انحطاط ما نحن فيه، أو ربما ليضيع الموضوع، ويدعو جارنا للتفضل بالدخول، لتناول كوباً من الشاي الأسود، الذي لا تكاد تفتح شفتيك لحلاوته، وسيجارة حبلى، انتفخ وسطها، يصنعها من دخان “الغازي”، و(ورق الشام المُنقى)؛ الذي “يشفي العليل”، يبلل أطرافها، بتمرير لسانه عليها برفق بعد اللـّف، ويقطع جزءا يسيراً من ورقها لإحكام الإغلاق، ثم يلتفتُ جانباً، ليلفظ من فمه ما تبقى من الورق، فيلتصق بالجدار عن يمينه. ذلك الأمر يجعل والدتي تتذمر عند كنس الغرفة، وشطفها، حيث تضطر لإزالة عشرات القطع الملتصقة بالجدار كالنمل الأبيض، لا تشبه تلك التي كنا نلصقها على سقف الغرفة، عندما نعلك الورق، ثم نرمي به إلى السقف فيلتصق. كان ذلك في ليالي الشتاء الباردة الطويلة، حيث تنعدم المُسليات، إلا حكايات جدتي، التي حفظناها عن ظهر قلب، وأصبحنا نصحح لها ما يحصل من أخطاء في السرد. كانت تردّ مدافعة عن نفسها، قائلة: “قلبي مو دفتر”، رحمك الله يا جدتي، لو أدركتِ زمننا هذا لعرفتِ أن الدفتر لا يمتّ لتكنولوجيا حفظ المعلومات بـِصِلة، وربما ألححتِ لإنشاء صفحة لك على “الفيس بوك”.

ضاعت الألف من جملة “الحُبّ عذاب”، فلم يكن عذباً، كما كنا نتخيل..إذ كنا نظنه إن خلا من الآهات والآلام سيكون برداً وسلاماً على العشاق. أمعنت النظر في جميع الجدران، وإذ كـُتب عليها “الحُبّ عذب… عذب… عذب”. دخلتُ محلا لبيع الزهور لاشتري وردة حمراء، أهديها لزوجتي، في ذكرى زواجنا، من أيام مملكتي “أثينا” و “إسبارطة”، شممتُ الزهرة قبل شرائها، فلا رائحة لها أبداً، وليس هناك ما يدل على أنها طبيعية سوى ذبول زهرات مماثلة لها في اللون والشكل، تذكرتُ عندها إنني لستُ متزوجاً.