صحيح مسلم

 

 

صحيح مسلم

مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري

المتوفي بنصر أباد عام 875م

هو مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري صاحب “كتاب الصّحيح في الأحاديث“. وهو أحد الأئمّة الحفاظ. رحل إلى الحجاز والعراق والشام ومصر وسمع أحمد بن حنبل وإسحق بن راهويه وغيرهما. وقدم بغداد مرارًا فروى عنه أهلها. روى عنه التّرميذي وكان بينه وبين البخاري صحبةٌ أكيدةٌ.

قال محمّد الماسرجسي: “سمعت مسلم ابن الحجاج يقول: “صنّفت هذا المسند الصحيح من ثلاثمائة ألف حديث مسموعة”. وقال الحافظ أبو على النيسابوري: “ما تحت أديم السّماء أصحّ من كتاب مسلم في علم الحديث”. وقال الخطيب البغداي: “كان مسلم يناضل عن البخاري حتّى أوحش ما بينه وبين محمد ابن عبد اللّه الذهلي بسببه””.

توفّي سنة 261 هـ بنصر أباد ظاهر نيسابور.

الجزء الأول

مقدمة محمد فؤاد عبدالباقي

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين‏.‏ والصلاة والسلام على سيدنا محمد رسول الله وخاتم النبيين‏.‏ وبعد‏.‏ فهذا هو الكتاب الثالث من أصول السنة الثمانية، التي خار الله لنا أن نخرجها معدودة الكتب والأبواب والأحاديث، بالأرقام المطابقة للتي وضعها مؤلف أصل كتاب ‏”‏مفتاح كنوز السنة‏”‏ وواضعو ‏”‏المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي‏”‏ – بالنسخ الأصلية التي اعتمدوها في عملهم‏.‏

أخرجنا عام 1951 م موطأ الإمام مالك رضي الله عنه‏.‏ وأخرجنا عام 1953 سنن الإمام ابن ماجه‏.‏ وها نحن أولاء نعززهما بثالث‏.‏ هو هذا الكتاب‏.‏ صحيح الإمام مسلم بن الحجاج رضي الله عنه‏.‏

وقد اتخذ واضعو الكتابين، أساسا لعملهما، نسخة صحيح مسلم التي عليها شرح الإمام النووي المطبوعة عام 1283 هجرية بالمطبعة الكستلية‏.‏

وقد نشرها العلامة الشيخ حسن العدوي‏.‏ ووقف على تصحيحها كل من الشيخ محمد السملوطي، والشيخ نصر أبو الوفا الهورني، والشيخ زين المرصفي، والشيخ محمود العالم‏.‏

وقد يدل ‏”‏مفتاح كنوز السنة‏”‏ على الحديث هنا، بذكر رقم الكتاب ومعه رقم الحديث‏.‏

ويدل ‏”‏المعجم المفهرس لألفاظ الحديث النبوي‏”‏ على الحديث هنا؛ بذكر رقم الكتاب ومعه رقم الحديث‏.‏ وزدت أنا من عندي شيئين‏:‏ أحدهما عد أبواب كل كتاب ووضع رقم مسلسل لها‏.‏ والثاني وضع رقم مسلسل لأحاديث الصحيح الأصلية، دون الطرق المتعددة لكل حديث‏.‏ وهو الرقم الموضوع بين قوسين‏.‏ وبه يستدل على أحاديث صحيح مسلم بالدقة لا بالتقريب أو التخمين‏.‏

وقد اعتمدت في تحقيق النص على هذا الشرح المطبوع بالمطبعة الكستلية المذكورة‏.‏ وعليه، المطبوع بهامش شرح القسطلاني على البخاري، طبعة بولاق عام 1304 هـ‏.‏

وعلى النسخة المصححة أتم وأدق تصحيح، والمقيدة بالشكل الكامل، المطبوعة بدار الطباعة العامرة، بالأستانة، عام 1329 هـ

وهذه النسخة لم يأل القائمون على طبعها جهدا في تصحيحها ومراجعة النسخ المخطوطة التي كانت تحت أيديهم‏.‏ وقد تضافرت على تصحيحها كل من‏:‏ العلامة النحرير الحاج محمد ذهني أفندي، والشيخ إسماعيل بن عبدالحميد محمد الطرابلسي، والعلامة أبي نعمة الله الحاج محمد شكري بن حسن الأنقروي‏.‏ بعد تصحيح مصححي المطبعة المذكورة‏:‏ أحمد رفعت بن عثمان حلمي القره حصاري، والحاج محمد بن عزت بن الحاج عثمان الزعفران بوليوي، رضي الله عنهم أجمعين‏.‏

وقد علقت على المتن خلاصة وزبدة شرح الإمام النووي، مع زيادات من أئمة اللغة‏.‏

وطبعة الأستانة هذه هي التي اعتمدتها في تجزئة الكتاب‏.‏ وهي تقع في ثمانية أجزاء‏.‏ جعلت كل جزأين منها جزءا واحدا‏.‏ فيصدر الكتاب، إن شاء الله تعالى في أربعة أجزاء‏.‏

وقد خصصت الجزء الخامس لهذه الفهارس‏:‏

أولا – مفتاح الصحيح‏.‏ وهو عبارة عن جميع الأحاديث القولية النبوية الشريفة التي تضمنها الصحيح، مرتبة ترتيبا ألف بائيا على حسب أوائل كلماتها‏.‏ ومدلول على موضع كل حديث بذكر رقم الصفحة‏.‏

ثانيا – فهرس ألف بائي بأسماء الصحابة الذين روى الإمام مسلم أحاديثهم في صحيحه، ومع كل صحابي أرقام أحاديثه التي رواها‏.‏

ثالثا – سرد أرقام الأحاديث التي اتفق فيها الإمام مسلم في صحيحه مع الإمام البخاري في صحيحه، وذكر الرقم المسلسل لحديث البخاري الذي اتفق مع مسلم، مأخوذا من طبعة صحيح البخاري، التي سنقدمها، إن شاء الله، عقب إخراج صحيح مسلم منبها فيها على طرق كل حديث‏.‏

رابعا – سرد أرقام الأحاديث التي انفرد الإمام مسلم في صحيحه‏.‏

خامسا – الفهرس العام لموضوعات الكتاب، بذكر أسماء الكتب مع أرقامها ثم سرد الأبواب التي تحت كل كتاب بأرقامها أيضا ‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

ويتبع ذلك ترجمة مستوفاة للإمام مسلم، والكلام على صحيحه ودرجته بين كتب الحديث‏.‏

وسبحان الله، والحمد لله، ولا إله إلا الله، والله أكبر، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم‏.‏

جزيرة الروضة في 22 من شهر ربيع الأول عام 1374 هـ الموافق 19 من شهر نوفمبر عام 1954 م‏.‏

‏(‏خادم الكتاب والسنة‏)‏

محمد فؤاد عبدالباقي

‏{‏هو الذي بعث في الأميين رسولا منهم يتلو عليهم آياته ويزكيهم ويعلمهم الكتاب والحكمة وإن كانوا من قبل لفي ضلال مبين ‏}‏ ‏(‏62 سورة الجمعة / الآية 2‏)‏‏.‏

مقدمة الإمام مسلم رحمه الله

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله رب العالمين‏.‏ والعاقبة للمتقين‏.‏ وصلى الله على محمد خاتم النبيين‏.‏ وعلى جميع الأنبياء والمرسلين‏.‏ أما بعد فإنك، يرحمك الله بتوفيق خالقك، ذكرت أنك هممت بالفحص ‏(‏‏(‏الفحص‏)‏ شدة الطلب والبحث عن الشيء‏.‏ يقال‏:‏ فحصت عن الشيء وتفحصت وافتحصت بمعنى واحد‏)‏‏.‏ عن تعرف جملة الأخبار المأثورة ‏(‏‏(‏أي المنقولة المذكورة‏.‏ يقال‏:‏ أثرت الحديث إذا نقلته عن غيرك‏)‏‏.‏ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في سنن الدين وأحكامه‏.‏ وما كان منها في الثواب والعقاب، والترغيب والترهيب، وغير ذلك من صنوف الأشياء‏.‏ بالأسانيد التي بها نقلت، وتداولها أهل العلم فيما بينهم‏.‏ فأردت، أرشدك الله، أن توقف ‏(‏‏(‏توقف‏)‏ ضبطناه بفتح الواو وتشديد القاف‏.‏ ولو قرئ بإسكان الواو وتخفيف القاف لكان صحيحا‏)‏‏.‏ على جملتها مؤلفة ‏(‏‏(‏مؤلفة‏)‏ أي مجموعة‏)‏ محصاة ‏(‏‏(‏محصاة‏)‏ أي مجتمعة كلها‏)‏‏.‏ وسألتني أن ألخصها ‏(‏‏(‏ألخصها‏)‏ أي أبينها‏)‏‏.‏ لك في التأليف بلا تكرار يكثر‏.‏ فإن ذلك، زعمت ‏(‏‏(‏زعمت‏)‏ أي قلت‏.‏ وقد كثر الزعم بمعنى القول‏.‏ وفي الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ زعم جبريل‏.‏ وفي حديث ضمام بن ثعلبه رضي الله عنه‏:‏ زعم رسولك‏.‏ وقد أكثر سيبويه في كتابه المشهور من قوله‏:‏ زعم الخليل كذا‏.‏ في أشياء يرتضيها سيبويه‏.‏ فمعنى زعم، في كل هذا، قال‏)‏، مما يشغلك عما قصدت‏.‏ من التفهم فيها، والاستنباط منها‏.‏ وللذي ‏(‏‏(‏وللذي الخ‏)‏ هو بكسر اللام‏.‏ وهو خبر عاقبة‏)‏‏.‏ سألت، أكرمك الله، حين رجعت إلى تدبره، وما تؤول به الحال إن شاء الله، عاقبة محمودة، ومنفعة موجودة‏.‏ وظننت، حين سألتني تجشم ‏(‏‏(‏تجشم‏)‏ أي تكلفه والتزم مشقته‏)‏ ذلك أن لو عزم ‏(‏‏(‏عزم‏)‏ قيل معناه لو سهل لي سبيل العزم، أو خلق في قدرة عليه‏.‏ وقيل‏:‏ العزم هنا بمعنى الإرادة والنية متقاربات، فيقام بعضها مقام بعض‏)‏ لي عليه، وقضي لي تمامه، كان أول من يصيبه نفع ذلك إياي خاصة، قبل غيري من الناس‏.‏ لأسباب كثيرة‏.‏ يطول بذكرها الوصف‏.‏ إلا أن جملة ذلك، أن ضبط القليل من هذا الشان وإتقانه، أيسر على المرء من معالجة الكثير منه‏.‏ ولا سيما عند من لا تمييز عنده من العوام‏.‏ إلا بأن يوقفه ‏(‏‏(‏يوقفه‏)‏ هو بتشديد القاف‏.‏ ولا يصح أن يقرأ هنا بتخفيف القاف‏)‏ على التمييز غيره‏.‏ فإذا كان الأمر في هذا كما وصفنا‏.‏ فالقصد منه إلى الصحيح القليل، أولى بهم من ازدياد السقيم‏.‏ و إنما يرجى بعض المنفعة في الاستكثار من هذا الشان، وجميع المكررات منه، لخاصة من الناس‏.‏ ممن رزق فيه بعض التيقظ، والمعرفة بأسبابه وعلله‏.‏ فذلك إن شاء الله، يهجم ‏(‏‏(‏يهجم‏)‏ هو بفتح الياء وكسر الجيم‏.‏ هكذا ضبطناه‏.‏ وهكذا هو في نسخ بلادنا وأصولها‏.‏ وذكر القاضي عياض رحمه الله أنه روى كذا‏.‏ وروى ينهجم‏.‏ قال‏:‏ ومعنى يهجم يقع عليها ويبلغ إليها وينال بغيته منها‏.‏ قال بن دريد‏:‏ انهجم الخباء إذا وقع‏)‏ بما أوتي من ذلك على الفائدة في الاستكثار من جمعه‏.‏ فأما عوام الناس الذين هم بخلاف معاني الخاص، من أهل التيقظ والمعرفة، فلا معنى لهم في طلب الكثير، وقد عجزوا ‏(‏‏(‏عجزوا‏)‏ العجز في كلام العرب أن لا تقدر على ما تريد‏)‏ عن معرفة القليل‏.‏

ثم إنا، إن شاء الله، مبتدئون في تخريج ما سألت وتأليفه، على شريطة ‏(‏‏(‏شريطة‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الشرط والشريطة لغتان بمعنى واحد‏.‏ وجمع الشرط شروط‏.‏ وجمع الشريطة شرائط‏)‏ سوف أذكرها لك‏.‏ وهو إنا نعمد إلى جملة ما أسند من الأخبار عن رسول الله صلى الله عنه وسلم فنقسمها على ثلاثة أقسام‏.‏ وثلاث طبقات ‏(‏‏(‏طبقات‏)‏ الطبقة هم القوم المتشابهون من أهل العصر‏)‏ من الناس‏.‏ على غير تكرار‏.‏ إلى أن يأتي موضع لا يستغنى فيه عن ترداد حديث فيه زيادة معنى، أو إسناد ‏(‏‏(‏أو إسناد‏)‏ هو مرفوع معطوف على قوله موضع‏)‏‏.‏ يقع إلى جنب إسناد، لعلة تكون هناك‏.‏ لأن المعنى الزائد في الحديث، المحتاج ‏(‏‏(‏المحتاج‏)‏ هو بالنصب، صفة للمعنى‏)‏ إليه، يقوم مقام حديث تام‏.‏ فلا بد من إعادة الحديث الذي فيه ما وصفنا من الزيادة‏.‏ أو أن يفصل ذلك المعنى من جملة الحديث على اختصاره ‏(‏‏(‏اختصاره‏)‏ الاختصار هو إيجاز اللفظ مع استيفاء المعنى‏.‏ وقيل رد الكلام الكثير إلى قليل فيه معنى الكثير‏.‏ وسمي اختصارا لاجتماعه‏)‏ إذا أمكن‏.‏ ولكن تفصيله ربما عسر من جملته‏.‏ فإعادته بهيئته، إذا ضاق ذلك، أسلم‏.‏

فأما ما وجدنا بدا من إعادته بجملته، من غير حاجة منا إليه، فلا نتولى فعله إن شاء الله تعالى‏.‏

فأما القسم الأول، فإنا نتوخى ‏(‏‏(‏نتوخى‏)‏ معناه نقصد‏.‏ يقال توخى وتأخى وتحرى وقصد بمعنى واحد‏)‏ أن نقدم الأخبار التي هي أسلم من العيوب من غيرها وأنقى ‏(‏‏(‏وأنقى‏)‏ معطوف على قوله أسلم‏.‏ وهنا تم الكلام‏.‏ ثم ابتدأ بيان كونها أسلم وأنقى فقال‏:‏ من أن يكون ناقلوها الخ‏)‏ من أن يكون ناقلوها أهل استقامة في الحديث، وإتقان لما نقلوا‏.‏ لم يوجد في روايتهم اختلاف شديد‏.‏ ولا تخليط فاحش‏.‏ كما قد عثر ‏(‏‏(‏عثر‏)‏ أي اطلع‏.‏ من قول الله تعالى‏:‏ فإن عثر على أنهما استحقا إثما‏)‏ فيه على كثير من المحدثين‏.‏ وبان ذلك في حديثهم‏.‏

فإن نحن تقصينا ‏(‏‏(‏تقصينا‏)‏ معناه أتينا بها كلها‏.‏ يقال اقتص الحديث، وقصه، وقص الرؤيا؛ أتى بذلك الشيء بكماله‏)‏ أخبار هذا الصنف من الناس، أتبعنا أخبارا يقع في أسانيدها بعض من ليس بالموصوف بالحفظ والإتقان‏.‏ كالصنف المقدم قبلهم‏.‏ على أنهم، وإن كانوا فيما وصفنا دونهم، فإن اسم الستر ‏(‏‏(‏الستر‏)‏ هو بفتح السين، مصدر سترت الشيء أستره سترا‏.‏ ويوجد في أكثر الروايات والأصول مضبوطا بكسر السين‏.‏ ويمكن تصحيح هذا على أن الستر يكون بمعنى المستور‏.‏ كالذبح بمعنى المذبوح ونظائره‏)‏ والصدق وتعاطي العلم يشملهم ‏(‏‏(‏يشملهم‏)‏ أي يعمهم‏.‏ وهو بفتح الميم على اللغة الفصيحة‏.‏ ويجوز ضمها في لغة‏)‏ كعطاء بن السائب، ويزيد بن أبي زياد، وليث بن أبي سليم، وأضرابهم ‏(‏‏(‏وأضرابهم‏)‏ فمعناه أشباههم‏.‏ وهو جمع ضرب‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الضريب، على وزن الكريم، والضرب وهما عبارة عن الشكل والمثل‏.‏ وجمع الضرب أضراب، وجمع الضريب ضرباء‏.‏ ككريم وكرماء‏)‏، من حمال الآثار ونقال الأخبار‏.‏

فهم بما وصفنا من العلم والستر عند أهل العلم معروفين، فغيرهم من أقرانهم ممن عندهم ما ذكرنا من الإتقان والاستقامة في الرواية يفضلونهم في الحال والمرتبة‏.‏ لأن هذا عند أهل العلم درجة رفيعة وخصلة سنية‏.‏

ألا ترى أنك إذا وازنت ‏(‏‏(‏وازنت‏)‏ معناه قابلت‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ ويروى وازيت بالياء أيضا، وهو بمعنى وازنت‏)‏ هؤلاء الثلاثة الذين سميناهم، عطاء ويزيد وليثا، بمنصور بن المعتر وسليمان الأعمش وإسماعيل بن أبي خالد، في إتقان الحديث و الاستقامة فيه، وجدتهم مباينين لهم‏.‏ لا يدانونهم لاشك عند أهل العلم بالحديث في ذلك‏.‏ للذي استفاض عندهم من صحة الحديث عند منصور والأعمش وإسماعيل‏.‏ وإتقانهم لحديثهم‏.‏ وأنهم لم يعرفوا مثل ذلك من عطاء ويزيد وليث‏.‏

وفي مثل مجرى هؤلاء إذا وازنت بين الأقران، كابن عون وأيوب السختياني، مع عوف بن أبي جميلة وأشعث الحمراني وهما صاحبا الحسن وابن سيرين‏.‏ كما أن بن عون وأيوب صاحباهما‏.‏ إلا أن البون ‏(‏‏(‏البون‏)‏ معناه الفرق‏.‏ أي أنهما متباعدان‏)‏ بينهما وبين هاذين بعيد في كمال الفضل وصحة النقل‏.‏ وإن كان عوف وأشعث غير مدفوعين عن صدق وأمانة عند أهل العلم‏.‏ ولكن الحال ما وصفنا من المنزلة عند أهل العلم‏.‏

وإنما مثلنا هؤلاء في التسمية، ليكون تمثيلهم سمة ‏(‏‏(‏ليكون تمثيلهم سمة‏)‏ السمة العلامة‏)‏ يصدر ‏(‏‏(‏يصدر‏)‏ أي يرجع‏.‏ يقال‏:‏ صدر عن الماء والبلاد والحج، إذا انصرف عنه بعد قضاء وطره‏.‏ فمعنى يصدر عن فهمهما، ينصرف عنها بعد فهمها وقضاء حاجته منها‏)‏ عن فهمها من غبي ‏(‏‏(‏غبي‏)‏ أي خفي‏)‏ عليه طريق أهل العلم في ترتيب أهله فيه‏.‏ فلا يقصر بالرجل العالي القدر عن درجته‏.‏ ولا يرفع متضع القدر في العلم فوق منزلته‏.‏ ويعطي كل ذي حق فيه حقه‏.‏ وينزل منزلته‏.‏

وقد ذكر عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت‏:‏ أمرنا رسول الله صلى الله علية وسلم أن ننزل الناس منازلهم‏.‏ مع ما نطق به القرآن من قول الله تعالى‏:‏ ‏{‏وفوق كل ذي علم عليم‏}‏‏.‏

فعلى نحو ما ذكرنا من الوجوه، نؤلف ما سألت من الأخبار عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فأما ما كان منها عن قوم هم عند أهل الحديث متهمون‏.‏ أو عند الأكثر منهم‏.‏ فلسنا نتشاغل بتخريج حديثهم‏.‏ كعبدالله بن مسور أبي جعفر المدائني‏.‏ وعمرو بن خالد، وعبدالقدوس الشامي، ومحمد بن سعيد المصلوب، وغياث بن إبراهيم، وسليمان بن عمرو أبي داود النخعي، وأشباههم ممن اتهم بوضع الأحاديث وتوليد ‏(‏‏(‏وتوليد الأخبار‏)‏ معناه إنشاؤها وزيادتها‏)‏ الأخبار‏.‏

وكذلك من الغالب على حديثه المنكر أو الغلط، أمسكنا أيضا عن حديثهم‏.‏

وعلامة المنكر في حديث المحدث، إذا ما عرضت روايته للحديث عن رواية غيره من أهل الحفظ والرضا، خالفت روايته روايتهم‏.‏ أو لم تكد ‏(‏‏(‏لم تكد توافقها‏)‏ معناه لا توافقها إلا في قليل‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ كاد موضوعة للمقاربة‏.‏ فإن لم يتقدمها نفي كانت لمقاربة الفعل، ولم يفعل‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ يكاد البرق يخطف أبصارهم‏.‏ وإن تقدمها نفي كانت للفعل بعد بطء‏.‏ وإن شئت لمقاربة عدم الفعل‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فذبحوها وما كادوا يفعلون‏}‏‏)‏ توافقها‏.‏ فإذا كان الأغلب من حديثه كذلك، كان مهجور الحديث، غير مقبولة ولا مستعمله‏.‏

فمن هذا الضرب من المحدثين عبدالله بن محرر، ويحيى بن أبي أنيسة، والجراح بن المنهال أبو العطوف، وعباد بن كثير، وحسين بن عبدالله بن ضميرة، وعمر بن صهبان‏.‏ ومن نحا نحوهم في رواية المنكر من الحديث‏.‏ فلسنا نعرج على حديثهم‏.‏ ولا نتشاغل به‏.‏

لأن حكم أهل العلم، والذي نعرف من مذهبهم في قبول ما يتفرد به المحدث من الحديث، أن يكون قد شارك الثقات من أهل العلم والحفظ في بعض ما رووا‏.‏ وأمعن في ذلك على الموافقة لهم‏.‏ إذا وجد كذلك، ثم ذاد بعد ذلك شيئا ليس عند أصحابه، قبلت زيادته‏.‏

فأما من تراه يعمد لمثل الزهري في جلالته وكثرة أصحابه الحفاظ المتقنين لحديثه وحديث غيره، أو لمثل هشام بن عروة، وحديثهما عند أهل العلم مبسوط مشترك‏.‏ قد نقل أصحابهما عنهما حديثهما على الاتفاق منهم في أكثره‏.‏ فيروى عنهما أو عن أحدهما العدد من الحديث، مما لا يعرفه أحد من أصحابهما، وليس ممن قد شاركهم في الصحيح مما عندهم، فغير جائز قبول حديث هذا الضرب من الناس‏.‏ والله أعلم‏.‏

قد شرحنا من مذهب الحديث وأهله بعض ما يتوجه به ‏(‏‏(‏يتوجه به‏)‏ يقصد طريقهم ويسلك مذهبهم‏)‏ من أراد سبيل القوم ‏(‏‏(‏سبيل القوم‏)‏ السبيل الطريق‏.‏ وهما يؤنثان ويذكران‏)‏ ووفق لهما ‏(‏‏(‏ووفق لهما‏)‏ التوفيق خلق قدرة الطاعة‏)‏‏.‏ وسنزيد، إن شاء الله تعالى، شرحا وإيضاحا في مواضع من الكتاب‏.‏ عند ذكر الأخبار المعللة‏.‏ إذا أتينا عليها في الأماكن التي يليق بها الشرح والإيضاح، إن شاء الله تعالى‏.‏

وبعد، يرحمك الله، فلولا الذي رأينا من سوء صنيع كثير ممن نصب نفسه محدثا، فيما يلزمهم من طرح الأحاديث الضعيفة، والروايات المنكرة، وتركهم الاقتصار على الأحاديث الصحيحة المشهورة، مما نقله الثقات المعروفين بالصدق والأمانة‏.‏ بعد معرفتهم وإقرارهم بألسنتهم، أن كثيرا مما يقذفون به ‏(‏‏(‏يقذفون به‏)‏ أي يلقونه إليهم‏)‏ إلى الأغبياء ‏(‏‏(‏الأغبياء‏)‏ هم الغفلة والجهال والذين لا فطنة لهم‏)‏ من الناس هو مستنكر، ومنقول عن قوم غير مرضيين، ممن ذم الرواية عنهم أئمة أهل الحديث‏.‏ مثل مالك بن أنس، وشعبة بن الحجاج، وسفيان بن عيينة، ويحيى بن سعيد القطان، وعبدالرحمن بن مهدي، وغيرهم من الأئمة – لما سهل علينا الانتصاب لما سألت من التمييز والتحصيل‏.‏

ولكن من أجل ما أعلمناك من نشر القوم الأخبار المنكرة، بالأسانيد الضعاف المجهولة، وقذفهم بها إلى العوام الذين لا يعرفون عيوبها، خف على قلوبنا إجابتك إلى ما سألت‏.‏

‏(‏1‏)‏ باب وجوب الرواية عن الثقات وترك الكذابين، والتحذير من الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

واعلم، وفقك الله تعالى، أن الواجب على كل أحد عرف التمييز بين صحيح الروايات وسقيمها‏.‏ و ثقات الناقلين لها، من المتهمين‏.‏ أن لا يروي منها إلا ما عرف صحة مخارجه‏.‏ والستارة ‏(‏‏(‏والستارة‏)‏ ما يستتر به، وكذلك السترة‏.‏ وهي هنا إشارة إلى الصيانة‏)‏ في ناقليه‏.‏ وأن يتقي منها ‏(‏‏(‏وأن يتقي منها‏)‏ ضبطناه بالتاء المثناة فوق، بعد المثناة تحت، وبالقاف‏.‏ من الاتقاء وهو الاجتناب‏.‏ وفي بعض الأصول وأن ينفى بالنون والفاء، وهو صحيح أيضا‏.‏ وهو بمعنى الأول‏)‏ ما كان منها من أهل التهم والمعاندين‏.‏ من أهل البدع‏.‏

والدليل على أن الذي قلنا من هذا هو اللازم دون ما خالفه – قول الله جل ذكره‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا إذا جاءكم فاسق بنبأ فتبينوا أن تصيبوا قوما بجهالة فتصبحوا على ما فعلتم نادمين‏}‏‏.‏ وقال جل ثناؤه‏:‏ ‏{‏ممن ترضون من الشهداء‏}‏‏.‏ وقال عز وجل‏:‏ ‏{‏وأشهدوا ذوي عدل منكم‏}‏‏.‏ فدل بما ذكرنا من هذه الآي – أن خبر الفاسق ساقط غير مقبول، وأن شهادة غير العدل مردودة‏.‏ والخبر، وإن فارق معناه معنى الشهادة في بعض الوجوه، فقد يجتمعان في أعظم معانيهما‏.‏ إذ كان خبر الفاسق غير مقبول عند أهل العلم‏.‏ كما أن شهادته مردودة عند جميعهم‏.‏ ودلت السنة على نفي رواية المنكر من الأخبار‏.‏

كنحو دلالة القرآن على نفي خبر الفاسق‏.‏ وهو الأثر المشهور ‏(‏‏(‏وهو الأثر المشهور‏)‏ هذا جار على المذهب المختار الذي قاله المحدثون وغيرهم، واصطلح عليه السلف وجماهير الخلف‏.‏ وهو أن الأثر يطلق على المروي مطلقا‏.‏ سواء كان عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو عن صحابي‏)‏ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏ من حدث عني بحديث يري أنه كذب فهو أحد الكاذبين‏”‏‏.‏ ‏(‏‏(‏يري‏)‏ ضبطناه يري بضم الياء‏.‏ وذكر بعض الأئمة جواز فتح الياء من يرى وهو ظاهر حسن‏.‏ فأما من ضم الياء فمعناه يظن‏.‏ وأما من فتحها فظاهر، ومعناه وهو يعلم‏)‏‏.‏ ‏(‏فهو أحد الكاذبين‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ الرواية فيه عندنا الكاذبين على الجمع‏.‏ ورواه أبو نعيم الأصبهاني في كتابه المستخرج على صحيح مسلم، في حديث سمرة، الكاذبين، بفتح الباء وكسر النون على التثنية‏)‏‏.‏

حدثنا بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع، عن شعبة، عن الحكم، عن عبدالرحمن بن أبي ليلى، عن سمرة بن جندب‏.‏ ح وحثنا بكر بن أبي شيبة أيضا‏.‏ حدثنا وكيع، عن شعبة وسفيان، عن حبيب عن ميمون بن أبي شبيب، عن المغيرة بن شعبة؛ قالا‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك‏.‏

‏(‏2‏)‏ باب تغليظ الكذب على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

1 – ‏(‏1‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا غندر، عن شعبة‏.‏ ح وحدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة، عن منصور، عن ربعي بن حراش؛ أنه سمع عليا رضي الله عنه يخطب‏.‏ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏لا تكذبوا علي فإنه من يكذب علي يلج النار‏”‏‏.‏

2 -‏(‏2‏)‏ وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا إسماعيل، يعني ابن علية، عن عبدالعزيز بن صهيب، عن أنس بن مالك؛ أنه قال‏:‏ إنه ليمنعني أن أحدثكم حديثا كثيرا – أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏”‏من تعمد علي كذبا فليتبوأ مقعده من النار‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فليتبوأ مقعده من النار‏)‏ قال العلماء‏:‏ معناه فلينزل‏.‏ وقيل‏:‏ فليتخذ منزله من النار‏.‏ قال الخطابي‏:‏ أصله من مباءة الإبل، وهي أعطانها‏]‏‏.‏

3 – ‏(‏3‏)‏ وحدثنا محمد بن عبيد الغبري‏.‏ حدثنا أبو عوانة، عن أبي حصين، عن أبي صالح، عن أبي هريرة؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏”‏من كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار‏”‏‏.‏

4 – ‏(‏4‏)‏ وحدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا سعيد بن عبيد‏.‏ حدثنا علي بن ربيعة؛ قال‏:‏ أتيت المسجد‏.‏ والمغيرة أمير الكوفة‏.‏ قال فقال المغيرة‏:‏ سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏”‏إن كذبا علي ليس ككذب على أحد‏.‏ فمن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار‏”‏‏.‏

وحدثني علي بن حجر السعدي‏.‏ حدثنا علي بن مسهر‏.‏ أخبرنا محمد بن قيس الأسدي، عن علي بن ربيعة الأسدي، عن المغيرة بن شعبة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثله ولم يذكر ‏”‏إن كذبا علي ليس ككذب على أحد‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قوله ربيعة الأسدي‏)‏ كذا في النسخ التي بأيدينا‏.‏ والصواب فيه سكون السين‏.‏ انظر مستدركات الزبيدي في‏:‏ و ل ب‏]‏‏.‏

*3* ‏(‏3‏)‏ باب النهي عن الحديث بكل ما سمع‏.‏

5 – ‏(‏5‏)‏ وحدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ ح وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا عبدالرحمن بن مهدي‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم، عن أبي هريرة؛ قال‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏كفى بالمرء كذبا أن يحدث بكل ما سمع‏”‏‏.‏

وحدثنا بن أبي بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا علي بن حفص‏.‏ حدثنا شعبة، عن خبيب بن عبدالرحمن، عن حفص بن عاصم‏.‏ عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمثل ذلك‏.‏

وحدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا هشيم، عن سليمان التيمي، عن أبي عثمان النهدي؛ قال‏:‏ قال عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه‏:‏ بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع‏.‏

‏[‏ش ‏(‏بحسب‏)‏ معناه يكفيه ذلك من الكذب، فإنه قد استكثر منه‏]‏‏.‏

وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن عبدالله بن عمرو بن سرح قال‏:‏ أخبرنا ابن وهب؛ قال‏:‏ قال لي مالك‏:‏ اعلم أنه ليس يسلم رجل حدث بكل ما سمع‏.‏ ولا يكون إماما أبدا، وهو يحدث بكل ما سمع

حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ قال‏:‏ حدثنا عبدالرحمن‏.‏ قال‏:‏ حدثنا سفيان، عن أبي إسحاق، عن أبي الأحوص، عن عبدالله؛ قال‏:‏ بحسب المرء من الكذب أن يحدث بكل ما سمع‏.‏

وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ قال‏:‏ سمعت عبدالرحمن بن مهدي يقول‏:‏ لا يكون الرجل إماما يقتدى به حتى يمسك عن بعض ما سمع‏.‏

وحدثنا يحيى بن يحيى أخبرنا عمر بن علي بن مقدم، عن سفيان بن حسين؛ قال‏:‏ سألني إياس بن معاوية فقال‏:‏ إني أراك قد كلفت بعلم القرآن‏.‏ فاقرأ علي سورة‏.‏ وفسر حتى أنظر فيما علمت‏.‏ قال ففعلت‏.‏ فقال لي‏:‏ احفظ علي ما أقول لك‏.‏ إياك والشناعة في الحديث فإنه قلما حملها أحد إلا ذل في نفسه‏.‏ وكذب في حديثه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كلفت‏)‏ معناه ولعت به ولازمته‏.‏ قال بن فارس وغيره من أهل اللغة‏:‏ الكلف الإيلاع بالشيء‏.‏ وقال أبو قاسم الزمخشري‏:‏ الكلف الإيلاع بالشيء مع شغل قلب ومشقة‏.‏ ‏(‏إياك والشناعة في الحديث‏)‏ قال أهل اللغة‏:‏ الشناعة القبح‏.‏ وقد شنع الشيء أي قبح‏.‏ فهو أشنع وشنيع‏.‏ وشنعت بالشيء، و شنعته أي أنكرته‏.‏ ومعنى كلامه أي حذره أن يحدث بالأحاديث المنكرة التي يشنع عن صاحبها وينكر‏.‏ ويقبح حال صاحبها فيكذب أو يستراب في روايته فتسقط منزلته، ويذل في نفسه‏]‏‏.‏

وحدثني أبو الطاهر وحرملة بن يحيى‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ قال‏:‏ أخبرني يونس عن أبي شهاب، عن عبيدالله بن عبدالله ابن عتبة؛ أن عبدالله بن مسعود قال‏:‏ ما أنت بمحدث قوما حديثا لا تبلغه عقولهم، إلا كان لبعضهم فتنة‏.‏

*3* ‏(‏4‏)‏ باب النهي عن الرواية عن الضعفاء والاحتياط في تحملها‏.‏

6 – ‏(‏6‏)‏ وحدثني محمد بن عبدالله بن نمير وزهير بن حرب‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالله بن يزيد‏.‏ قال‏:‏ حدثني سعيد بن أبي أيوب‏.‏ قال‏:‏ حدثني أبو هانئ، عن أبي عثمان مسلم بن يسار، عن أبي هريرة، عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال ‏”‏سيكون في آخر أمتي أناس يحدثونكم ما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم‏.‏ فإياكم وإياهم‏”‏‏.‏

7 – ‏(‏7‏)‏ وحدثني حرملة بن يحيى بن عبدالله بن حرملة بن عمران التجيبي‏.‏ قال‏:‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ قال‏:‏ حدثني أبو شريح؛ أنه سمع شراحيل بن يزيد يقول‏:‏ أخبرني مسلم بن يسار؛ أنه سمع أبا هريرة يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏:‏ ‏”‏يكون في آخر الزمان دجالون كذابون‏.‏ يأتونكم من الأحاديث بما لم تسمعوا أنتم ولا آباؤكم‏.‏ فإياكم وإياهم‏.‏ لا يضلونكم ولا يفتنونكم‏”‏

وحدثني أبو سعيد الأشج‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا الأعمش، عن المسيب بن رافع، عن عامر بن عبدة؛ قال‏:‏ قال عبدالله‏:‏ إن الشيطان ليتمثل في صورة الرجل‏.‏ فيأتي القوم فيحدثهم بالحديث من الكذب‏.‏ فيتفرقون‏.‏ فيقول الرجل منهم‏:‏ سمعت رجلا أعرف وجهه، ولا أدري ما اسمه، يحدث‏.‏

وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر، عن ابن طاوس عن أبيه، عن عبدالله بن عمر بن العاص؛ قال‏:‏ إن في البحر شياطين مسجونة أوثقها سليمان‏.‏ يوشك أن تخرج فتقرأ على الناس قرآنا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏العاص‏)‏ أكثر ما يأتي في كتب الحديث والفقه بحذف الياء‏.‏، وهي لغة‏.‏ والفصيح الصحيح العاص بإثبات الياء‏.‏ ‏(‏يوشك‏)‏ معناه يقرب‏.‏ ويستعمل أيضا ماضيا فيقال‏:‏ أوشك كذا أي قرب‏]‏‏.‏

وحدثني محمد بن عباد وسعيد بن عمرو الأشعثي جميعا، عن ابن عيينة‏.‏ قال سعيد‏:‏ أخبرنا سفيان عن هشام بن حجير، عن طاوس؛ قال‏:‏ جاء هذا إلى ابن عباس ‏(‏يعني بشير بن كعب‏)‏‏.‏ فجعل يحدثه‏.‏ فقال له ابن عباس‏:‏ عد لحديث كذا وكذا‏.‏ فعادله‏.‏ ثم حدثه‏.‏ فقال له‏:‏ عد لحديث كذا وكذا‏.‏ فعادله‏.‏ فقال له‏:‏ ما أدري، أعرفت حديثي كله وأنكرت هذا‏؟‏ أم أنكرت حديثي كله وعرفت هذا‏؟‏ فقال له ابن عباس‏:‏ إنا كنا نحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ لم يكن يكذب عليه‏.‏ فلما ركب الناس الصعب والذلول، تركنا الحديث عنه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الصعب والذلول‏)‏ أصل الصعب والذلول في الإبل‏.‏ فالصعب العسر المرغوب عنه، والذلول السهل الطيب المحبوب المرغوب فيه‏.‏ فالمعنى سلك الناس كل مسلك، مما يحمد ويذم‏]‏‏.‏

وحدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر، عن ابن طاوس، عن أبيه، عن ابن عباس؛ قال‏:‏ إنما كنا نحفظ الحديث‏.‏ والحديث يحفظ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأما إذ ركبتم كل صعب وذلول، فهيهات‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فهيهات‏)‏ أي بعدت استقامتكم أو بعد أن نثق بحديثكم‏.‏ وهيهات موضوعة لاستبعاد الشيء واليأس منه‏]‏‏.‏

وحدثني أبو أيوب سليمان بن عبيدالله الغيلاني‏.‏ حدثنا أبو عامر، يعني العقدي‏.‏ حدثنا رباح، عن قيس بن سعد، عن مجاهد؛ قال‏:‏ جاء بشير العدوي إلى ابن عباس‏.‏ فجعل يحدث ويقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فجعل ابن عباس لا يأذن لحديثه ولا ينظر إليه‏.‏ فقال يا ابن عباس‏!‏ مالي لا أراك تسمع لحديثي‏؟‏ أحدثك عن رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا تسمع‏.‏ فقال ابن عباس‏:‏ إنا كنا مرة إذا سمعنا رجلا يقول‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم – ابتدرته أبصارنا‏.‏ وأصغينا إليه بآذاننا‏.‏ فلما ركب الناس الصعب والذلول، لم نأخذ من الناس إلا ما نعرف‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا يأذن‏)‏ أي لا يستمع ولا يصغي، ومنه سميت الأذن‏]‏‏.‏

حدثنا داود بن عمرو الضبي‏.‏ حدثنا نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة؛ قال‏:‏ كتبت إلى ابن عباس أسأله أن يكتب لي كتابا ويخفي عني‏.‏ فقال‏:‏ ولد ناصح‏.‏ أنا أختار له الأمور اختيارا وأخفي عنه‏.‏ قال فدعا بقضاء علي، فجعل يكتب منه أشياء، ويمر به الشيء فيقول‏:‏ والله ما قضى بهذا علي‏.‏ إلا أن يكون ضل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ويخفي عني‏.‏‏.‏‏.‏وأخفي عنه‏)‏ قال القاضي عياض رحمه الله‏:‏ ضبطنا هذين الحرفين وهما ‏(‏ويخفي عني واخفي عنه‏)‏ بالحاء المهملة فيهما عن جميع شيوخنا‏.‏ إلا عن أبي محمد الخشني فإني قرأتهما عليه بالخاء المعجمة‏.‏ قال‏:‏ وكان أبو بحر يحكي لنا عن شيخه القاضي أبي الوليد الكناني أن صوابه بالمعجمة‏.‏

قال القاضي عياض رحمه الله‏:‏ ويظهر لي أن رواية الجماعة هي الصواب‏.‏ وأن معنى أحفى أنقص‏.‏ من إحفاء الشوارب وهو جزها‏.‏ أي أمسك عني من حديثك ولا تمسك علي‏.‏ أو أن يكون الإحفاء الإلحاح أو الاستقصاء، ويكون عني بمعنى علي‏.‏ أي استقصي ما تحدثني‏.‏ هذا كلام القاضي عياض رحمه الله‏.‏

وذكر صاحب مطالع الأنوار قول القاضي، ثم قال‏:‏ وفي هذا نظر‏.‏ قال‏:‏ وعندي أنه بمعنى المبالغة في البر به والنصيحة له‏.‏ من قوله تعالى‏:‏ وكان بي حفيا‏.‏ أي أبالغ له وأستقصي في النصيحة له والاختيار فيما ألقي إليه من صحيح الآثار‏.‏

وقال الشيخ الإمام أبو عمر بن الصلاح‏:‏ هما بالخاء المعجمة‏.‏ أي يكتم عني أشياء ولا يكتبها، إذا كان عليه فيها مقال من الشيع المختلفة وأهل الفتن‏.‏ فإنه إذا كتبها ظهرت‏.‏ وإذا ظهرت خولف فيها، وحصل فيها قال وقيل‏.‏ مع أنها ليست مما يلزم بيانها لابن أبي مليكة‏.‏ وإن لزم فهو ممكن بالمشافهة دون المكاتبة‏.‏ قال‏:‏ وقوله‏:‏ ولد ناصح، مشعر بذلك‏]‏‏.‏

حدثنا عمرو الناقد‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة، عن هشام بن حجير، عن طاوس؛ قال‏:‏ أتى ابن عباس بكتاب فيه قضاء علي رضي الله عنه فمحاه‏.‏ إلا قدر وأشار سفيان بن عيينة بذراعه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إلا قدر‏)‏ قدر منصوب غير منون‏.‏ معناه محاه إلا قدر ذراع‏]‏‏.‏

حدثنا حسن بن علي الحلواني‏.‏ حدثنا يحيى بن آدم‏.‏ حدثنا ابن إدريس، عن الأعمش، عن أبي إسحاق؛ قال‏:‏ لما أحدثوا تلك الأشياء بعد علي رضي الله عنه؛ قال رجل من أصحاب علي‏:‏ قاتلهم الله أي علم أفسدوا‏.‏

حدثنا علي بن خشرم‏.‏ أخبرنا أبو بكر، يعني ابن عياش‏.‏ قال‏:‏ سمعت المغيرة يقول‏:‏ لم يكن يصدق على علي رضي الله عنه، إلا من أصحاب عبدالله بن مسعود‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يصدق‏)‏ ضبط على وجهين‏:‏ أحدهما بفتح الياء وإسكان الصاد وضم الدال‏.‏ والثاني بضم الياء وفتح الصاد والدال المشددة‏.‏ ‏(‏إلا من‏)‏ يجوز في من وجهان‏:‏ أحدهما أنها لبيان الجنس، والثاني أنها زائدة‏]‏‏.‏

(‏5‏)‏ باب بيان أن الإسناد من الدين‏.‏ وأن الرواية لا تكون إلا عن الثقات‏.‏ وأن جرح الرواة بما هو فيهم جائز، بل واجب‏.‏ وأنه ليس من الغيبة المحرمة، بل من الذب عن الشريعة المكرمة‏.‏

حدثنا حسن بن الربيع‏.‏ حدثنا حماد بن زيد، عن أيوب وهشام، عن محمد‏.‏ وحدثنا فضيل عن هشام‏.‏ قال وحدثنا مخلد بن حسين، عن هشام، عن محمد بن سيرين؛ قال‏:‏ إن هذا العلم دين‏.‏ فانظروا عمن تأخذون دينكم‏.‏

حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح‏.‏ حدثنا إسماعيل بن زكرياء، عن عاصم الأحول، عن ابن سيرين؛ قال‏:‏ لم يكونوا يسألون عن الإسناد‏.‏ فلما وقعت الفتنة، قالوا‏:‏ سموا لنا رجالكم‏.‏ فينظر إلى أهل السنة فيؤخذ حديثهم وينظر إلى أهل البدع فلا يؤخذ حديثهم‏.‏

حدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي‏.‏ أخبرنا عيسى، وهو ابن يونس‏.‏ حدثنا الأوزاعي، عن سليمان بن موسى؛ قال‏:‏ لقيت طاوسا فقلت‏:‏ حدثني فلان كيت وكيت قال‏:‏ إن كان صاحبك مليا فخذ عنه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كيت وكيت‏)‏ هما بفتح التاء وكسرها‏.‏ لغتان نقلهما الجوهري في صحاحه عن أبي عبيدة‏.‏ ‏(‏مليا‏)‏ يعني ثقة ضابطا متقنا يوثق بدينه ومعرفته، يعتمد عليه كما يعتمد الملي بالمال ثقة بذمته ‏]‏‏.‏

وحدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ أخبرنا مروان، يعني ابن محمد الدمشقي‏.‏ حدثنا سعيد بن عبدالعزيز، عن سليمان ابن موسى؛ قال قلت لطاوس‏:‏ إن فلانا حدثني بكذا وكذا‏.‏ قال‏:‏ إن كان صاحبك مليا فخذ عنه‏.‏

حدثنا نصر بن علي الجهضمي‏.‏ حدثنا الأصمعي، عن ابن أبي الزناد، عن أبيه؛ قال‏:‏ أدركت بالمدينة مائة كلهم مأمون‏.‏ ما يؤخذ عنهم الحديث‏.‏ يقال‏:‏ ليس من أهله‏.‏

حدثني محمد بن أبي عمر المكي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ ح وحدثني أبو بكر بن خلاد الباهلي‏.‏ واللفظ له‏.‏ قال‏:‏ سمعت سفيان بن عيينة، عن مسعر‏.‏ قال‏:‏ سمعت سعد بن إبراهيم يقول‏:‏ لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا يحدث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا الثقات‏)‏ معناه لا يقبل إلا من الثقات‏]‏‏.‏

وحدثني محمد بن عبدالله بن قهزاذ‏.‏ من أهل مرو‏.‏ قال‏:‏ سمعت عبدان بن عثمان يقول‏:‏ سمعت عبدالله بن المبارك يقول‏:‏ الإسناد من الدين‏.‏ ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء‏.‏

وقال محمد بن عبدالله‏:‏ حدثني العباس بن أبي رزمة؛ قال‏:‏ سمعت عبدالله يقول‏:‏ بيننا وبين القوم القوائم يعني الإسناد‏.‏

‏[‏ش ‏(‏بيننا وبين القوم القوائم‏)‏ معنى هذا الكلام‏:‏ إن جاء بإسناد صحيح قبلنا حديثه، وإلا تركناه‏.‏ فجعل الحديث كالحيوان لا يقوم بغير إسناد‏.‏ كما لا يقوم الحيوان بغير قوائم‏]‏‏.‏

وقال محمد‏:‏ سمعت أبا إسحاق إبراهيم بن عيسى الطالقاني؛ قال‏:‏ قلت لعبدالله بن المبارك‏:‏ يا أبا عبدالرحمن‏!‏ الحديث الذي جاء ‏”‏إن من البر بعد البر، أن تصلي لأبويك مع صلاتك، وتصوم لهما مع صومك‏”‏ قال فقال عبدالله‏:‏ يا أبا إسحاق عمن هذا‏؟‏ قال قلت له ‏:‏ هذا من حديث شهاب بن خراش‏.‏ فقال‏:‏ ثقة‏.‏ عمن‏؟‏ قال قلت‏:‏ عن الحجاج بن دينار‏.‏ قال‏:‏ ثقة‏.‏ عمن‏؟‏ قال قلت‏:‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ يا أبا إسحاق‏!‏ إن بين الحجاج بن دينار وبين النبي صلى الله عليه وسلم مفاوز، تنقطع فيها أعناق المطي، ولكن ليس في الصدقة اختلاف

‏[‏ش ‏(‏مفاوز‏)‏ جمع مفازة‏.‏ وهي الأرض القفر البعيدة عن العمارة وعن الماء التي يخاف الهلاك فيها‏.‏ ‏(‏ليس في الصدقة اختلاف‏)‏ معناه أن هذا الحديث لا يحتج به‏.‏ ولكن من أراد بر والديه فليتصدق عنهما‏.‏ فإن الصدقة تصل إلى الميت وينتفع بها، بلا خلاف بين المسلمين‏]‏‏.‏

وقال محمد‏:‏ سمعت علي بن شقيق يقول‏:‏ سمعت عبدالله بن المبارك يقول على رؤوس الناس‏:‏ دعوا حديث عمرو بن ثابت فإنه كان يسب السلف‏.‏

وحدثني أبو بكر بن النضر بن أبي النضر‏.‏ قال‏:‏ حدثني أبو النضر هاشم بن القاسم‏.‏ حدثنا أبو عقيل صاحب بهية‏.‏ قال‏:‏ كنت جالسا عند القاسم بن عبيدالله ويحيى بن سعيد‏.‏ فقال يحيى للقاسم‏:‏ يا أبا محمد‏!‏ إنه قبيح على مثلك، عظيم أن تسأل عن شئ من أمر هذا الدين، فلا يوجد عندك منه علم‏.‏ ولا فرج‏.‏ أو علم ولا مخرج‏.‏فقال له القاسم‏:‏ وعم ذاك‏؟‏ قال‏:‏ لأنك ابن إمامي هدى بن أبي بكر وعمر‏.‏ قال يقول له القاسم‏:‏ أقبح من ذاك عند من عقل عن الله، أن أقول بغير علم‏.‏ أو آخذ عن غير ثقة‏.‏ قال فسكت فما أجابه‏.‏

وحدثني بشر بن الحكم العبدي‏.‏ قال‏:‏ سمعت سفيان بن عيينة يقول‏:‏ أخبروني عن أبي عقل صاحب بهية أن أبناء لعبدالله بن عمر سألوه عن شيء لم يكن عنده فيه علم‏.‏ فقال له يحيى بن سعيد‏:‏ والله إني لأعظم أن يكون مثلك، وأنت ابن إمامي الهدى‏.‏ يعني عمر وابن عمر‏.‏ تسأل عن أمر ليس عندك فيه علم‏.‏ فقال‏:‏ أعظم من ذلك، والله، عند الله، وعند من عقل عن الله، أن أقول بغير علم‏.‏ أو أخبر عن غير ثقة‏.‏ قال وشهدهما أبو عقيل يحيى بن المتوكل حين قالا ذلك‏.‏

وحدثنا عمر بن علي، أبو حفص‏.‏ قال‏:‏ سمعت يحيى بن سعيد‏.‏ قال‏:‏ سألت سفيان الثوري وشعبة ومالكا وابن عيينة، عن الرجل لا يكون ثبتا في الحديث‏.‏ فيأتيني الرجل فيسألني عنه‏.‏ قالوا‏:‏ أخبر عنه أنه ليس بثبت‏.‏

وحدثنا عبيدالله بن سعيد‏.‏ قال سمعت النضر يقول‏:‏ سئل ابن عون عن حديث لشهر وهو قائم على أسكفة الباب‏.‏ فقال‏:‏ إن شهرا نزكوه‏.‏ إن شهرا نزكوه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أسكفة الباب‏)‏ هي العتبة السفلى التي توطأ‏.‏ ‏(‏نزكوه‏)‏ معناه طعنوا فيه وتكلموا بجرحه‏.‏ فكأنه يقول‏:‏ طعنوه بالنيزك، وهو رمح قصير‏]‏‏.‏

قال مسلم رحمه الله‏:‏ يقول‏:‏ أخذته ألسنة الناس‏.‏ تكلموا فيه‏.‏

وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا شبابة‏.‏ قال‏:‏ قال شعبة‏:‏ وقد لقيت شهرا فلم أعتد به‏.‏ وحدثني محمد بن عبدالله بن قهزاذ، من أهل مرو‏.‏ قال‏:‏ أخبرني علي بن حسين بن واقد‏.‏ قال‏:‏ قال عبدالله بن المبارك‏:‏ قلت لسفيان الثوري‏:‏ إن عباد بن كثير من تعرف حاله‏.‏ وإذا حدث جاء بأمر عظيم‏.‏ فترى أن أقول للناس‏:‏ لا تأخذوا عنه‏؟‏ قال سفيان‏:‏ بلى‏.‏ قال عبدالله‏:‏ فكنت، إذا كنت في مجلس ذكر فيه عباد، أثنيت عليه في دينه، وأقول‏:‏ لا تأخذوا عنه‏.‏

وقال محمد‏:‏ حدثنا عبدالله بن عثمان‏.‏ قال، قال أبي، قال عبدالله بن المبارك‏:‏ انتهيت إلى شعبة‏.‏ فقال‏:‏ هذا عباد بن كثير فاحذروه‏.‏

وحدثني الفضل بن سهل قال‏:‏ سألت معلى الرازي عن محمد بن سعيد، الذي روى عنه عباد‏.‏ فأخبرني عن عيسى بن يونس؛ قال‏:‏ كنت على بابه وسفيان عنده‏.‏ فلما خرج سألته عنه، فأخبرني أنه كذاب‏.‏

وحدثني محمد بن أبي عتاب‏.‏ قال‏:‏ حدثني عفان، عن محمد بن يحيى بن سعيد القطان، عن أبيه، قال‏:‏ لم نر الصالحين في شئ أكذب منهم في الحديث‏.‏

قال ابن أبي عتاب‏:‏ فلقيت أنا محمد بن يحيى بن سعيد القطان، فسألته عنه‏.‏ فقال عن أبيه‏:‏ لم تر أهل الخير في شئ، أكذب منهم في الحديث‏.‏

قال مسلم‏:‏ يقول‏:‏ يجري الكذب على لسانهم ولا يتعمدون الكذب‏.‏

حدثني الفضل بن سهل‏.‏ قال‏:‏ حدثنا يزيد بن هارون‏.‏ قال‏:‏ أخبرني الخليفة بن موسى‏.‏ قال‏:‏ دخلت على غالب بن عبيدالله‏.‏ فجعل يملي علي‏:‏ حدثني مكحول‏.‏ حدثني مكحول‏.‏ فأخذه البول فقام فنظرت في الكراسة فإذا فيها حدثني أبان، عن أنس، وأبان عن فلان، فتركته وقمت‏.‏

قال‏:‏ وسمعت الحسن بن علي الحلواني يقول‏:‏ رأيت في كتاب عفان حديث هشام أبي المقداد، حديث عمر بن عبدالعزيز‏.‏ قال هشام‏:‏ حدثني رجل يقال له يحيى بن فلان، عن محمد بن كعب قال قلت لعفان‏:‏ إنهم يقولون‏:‏ هشام سمعه عن محمد بن كعب‏.‏ فقال‏:‏ إنما ابتلي من قبل هذا الحديث‏.‏ كان يقول‏:‏ حدثني يحيى عن محمد‏.‏ ثم ادعى، بعد، أنه سمع عن محمد‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أخذه البول‏)‏ فمعناه ضغطه وأزعجه واحتاج إلى إخراجه‏.‏ ‏(‏الكراسة‏)‏ فال أبو جعفر النحاس في كتاب ‏”‏صناعة الكتاب‏”‏‏:‏ الكراسة معناه الكتبة المضموم بعضها إلى بعض‏.‏ والورق الذي قد ألصق بعضه إلى بعض‏.‏ مشتق من قولهم‏:‏ رسم مكرس، إذا ألصقت الريح التراب به‏.‏ وقال أقضى القضاة الماوردي‏:‏ أصل الكرسي العلم، ومنه قيل للصحيفة يكون فيها علم مكتوب‏:‏ كراسة‏]‏‏.‏

حدثني محمد بن عبدالله بن قهزاذ‏.‏ قال‏:‏ سمعت عبدالله بن عثمان بن جبلة يقول‏:‏ قلت لعبدالله بن المبارك‏:‏ من هذا الرجل الذي رويت عنه حديث عبدالله بن عمرو ‏”‏يوم الفطر يوم الجوائز‏”‏ قال‏:‏ سليمان بن الحجاج‏.‏ انظر ما وضعت في يدك منه‏.‏

قال‏:‏ ابن قهزاذ‏.‏ وسمعت وهب بن زمعة يذكر عن سفيان بن عبدالملك‏.‏ قال‏:‏ قال عبدالله، يعني ابن المبارك‏:‏ رأيت روح بن غطيف، صاحب الدم قدر الدرهم، وجلست إليه مجلسا‏.‏ فجعلت أستحيي من أصحابي أن يروني جالسا معه‏.‏ كره حديثه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏صاحب الدم قدر الدرهم‏)‏ يريد وصفه وتعريفه بالحديث الذي رواه روح هذا عن الزهري، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة يرفعه ‏”‏تعاد الصلاة من قدر الدرهم‏”‏ يعني من الدم‏.‏ ‏(‏كره حديثه‏)‏ أي كراهية له‏]‏‏.‏

حدثني ابن قهزاذ قال‏:‏ سمعت وهبا يقول عن سفيان، عن ابن المبارك؛ قال‏:‏ بقية صدوق اللسان‏.‏ ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ولكنه يأخذ عمن أقبل وأدبر‏)‏ يعني عن الثقات والضعفاء‏]‏‏.‏

حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا جرير، عن مغيرة، عن الشعبي؛ قال‏:‏ حدثني الحارث الأعور الهمداني، وكان كذابا‏.‏

حدثنا أبو عامر، عبدالله بن براد الأشعري‏.‏ حدثنا أبو أسامة، عن مفضل، عن مغيرة؛ قال‏:‏ سمعت الشعبي يقول‏:‏ حدثني الحارث الأعور، وهو يشهد أنه أحد الكاذبين‏.‏

حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا جرير، عن مغيرة، عن إبراهيم؛ قال‏:‏ قال علقمة‏:‏ قرأت القرآن في سنتين‏.‏ فقال الحارث‏:‏ القرآن هين‏.‏ الوحي أشد‏.‏

وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا أحمد، يعني ابن يونس‏.‏ حدثنا زائدة عن الأعمش، عن إبراهيم؛ أن الحارث قال‏:‏ تعلمت القرآن في ثلاث سنين والوحي في سنتين‏.‏ أو قال‏:‏ الوحي في ثلاث سنين‏.‏ والقرآن في سنتين‏.‏

وحدثني حجاج‏.‏ قال‏:‏ حدثني أحمد، وهو ابن يونس‏.‏ حدثنا زائدة، عن منصور والمغيرة، عن إبراهيم؛ أن الحارث اتهم‏.‏

وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا جرير، عن حمزة الزيات‏.‏ قال‏:‏ سمع مرة الهمداني من الحارث شيئا‏.‏ فقال له‏:‏ اقعد بالباب‏.‏ قال، فدخل مرة وأخذ سيفه‏.‏ قال، وأحس الحارث بالشر، فذهب‏.‏

وحدثني عبيدالله بن سعيد‏.‏ حدثنا عبدالرحمن، يعني ابن المهدي‏.‏ حدثنا حماد بن زيد، عن ابن عون؛ قال‏:‏ قال لنا إبراهيم‏:‏ إياكم والمغيرة بن سعيد، وأبا عبدالرحيم‏.‏ فإنهما كذابان‏.‏

حدثنا أبو كامل الجحدري‏.‏ حدثنا حماد، وهو ابن زيد‏.‏ قال‏:‏ حدثنا عاصم‏.‏ قال‏:‏ كنا نأتي أبا عبدالرحمن السلمي ونحن غلمة أيفاع‏.‏ فكان يقول لنا‏:‏ لا تجالسوا القصاص غير أبي الأحوص‏.‏ وإياكم وشقيقا‏.‏ قال وكان شقيق هذا يرى رأي الخوارج‏.‏ وليس بأبي وائل‏.‏

حدثنا أبو غسان، محمد بن عمرو الرازي‏.‏ قال‏:‏ سمعت جريرا يقول‏:‏ لقيت جابر بن يزيد الجعفي‏.‏ فلم أكتب عنه‏.‏ كان يؤمن بالرجعة‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كان يؤمن بالرجعة‏)‏ معنى إيمانه بالرجعة ما تقوله الرافضة وتعتقده بزعمها الباطل أن عليا كرم الله وجهه في السحاب‏.‏ فلا نخرج، يعني مع من يخرج من ولده حتى ينادي من السماء أن اخرجوا معه‏]‏‏.‏

حدثنا الحسن الحلواني‏.‏ حدثنا يحيى بن آدم‏.‏ حدثنا مسعر‏.‏ قال‏:‏ حدثنا جابر بن يزيد، قبل أن يحدث ما أحدث‏.‏

وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحميدي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ كان الناس يحملون عن جابر قبل أن يظهر ما أظهر‏.‏ فلما أظهر ما أظهر اتهمه الناس في حديثه‏.‏ وتركه بعض الناس‏.‏ فقيل له‏:‏ وما أظهر‏؟‏ قال‏:‏ الإيمان بالرجعة‏.‏

وحدثنا حسن الحلواني‏.‏ حدثنا أبو يحيى الحماني‏.‏ حدثنا قبيصة وأخوه؛ أنهما سمعا الجراح بن مليح يقول‏:‏ سمعت جابرا يقول‏:‏ إن عندي سبعون ألف حديث عن أبي جعفر، عن النبي صلى الله عليه وسلم، كلها‏.‏

وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا أحمد بن يونس‏.‏ قال، سمعت زهيرا يقول‏:‏ قال جابر‏:‏ أو سمعت جابرا يقول‏:‏ إن عندي لخمسين ألف حديث‏.‏ ما حدثت منها بشيء‏.‏ قال ثم حدث يوما بحديث فقال‏:‏ هذا من الخمسين ألفا‏.‏

وحدثني إبراهيم بن خالد اليشكري‏.‏ قال سمعت أبا الوليد يقول‏:‏ سمعت سلام بن أبي مطيع يقول‏:‏ سمعت جابرا الجعفي يقول‏:‏ عندي خمسون ألف حديث عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحميدي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ سمعت سأل جابرا عن قوله عز وجل‏:‏ ‏{‏فلن أبرح الأرض حتى يأذن لي أبي أو يحكم الأرض لي وهو خير الحاكمين‏}‏‏.‏ فقال جابر‏:‏ لم يجيء تأويل هذه‏.‏ قال سفيان‏:‏ وكذب فقال لسفيان‏:‏ وما أراد بهذا‏؟‏ فقال‏:‏ إن الرافضة تقول‏:‏ إن عليا في السحاب‏.‏ فلا نخرج مع من خرج من ولده، حتى ينادي مناد من السماء‏.‏ يريد عليا أنه ينادي اخرجوا مع فلان‏.‏ يقول جابر‏:‏ فهذا تأويل هذه الآية‏.‏ وكذب‏.‏ كانت في إخوة يوسف صلى الله عليه وسلم‏.‏

وحدثني سلمة‏.‏ حدثنا الحميدي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ سمعت جابرا يحدث بنحو من ثلاثين ألف حديث‏:‏ ما أستحل أن أذكر منها شيئا، وأن لي كذا وكذا‏.‏

قال مسلم‏:‏ وسمعت أبا غسان، محمد بن عمرو الرازي‏.‏ قال‏:‏ سألت جرير بن عبدالحميد‏.‏ فقلت‏:‏ الحارث بن حصيرة لقيته‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ شيخ طويل السكوت‏.‏ يصر على أمر عظيم‏.‏

حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي‏.‏ قال‏:‏ حدثني عبدالرحمن بن مهدي‏.‏ عن حماد بن زيد‏.‏ قال‏:‏ ذكر أيوب رجلا يوما‏.‏ فقلت‏:‏ لم يكن بمستقيم اللسان‏.‏ وذكر آخر فقال‏:‏ هو يزيد في الرقم‏.‏

حدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا سليمان بن حرب‏.‏ حدثنا حماد بن زيد‏.‏ قال‏:‏ قال أيوب‏:‏ إن لي جارا‏.‏ ثم ذكر من فضله‏.‏ ولو شهد عندي على تمرتين ما رأيت شهادته جائزة‏.‏

وحدثني محمد بن رافع‏.‏ وحجاج بن الشاعر‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ قال‏:‏ قال معمر‏:‏ ما رأيت أيوب اغتاب أحدا قط إلا عبدالكريم‏.‏ يعني أبا أمية‏.‏ فإنه ذكره فقال‏:‏ رحمه الله‏.‏ كان غير ثقة‏.‏ لقد سألني عن حديث لعكرمة‏.‏ ثم قال‏:‏ سمعت عكرمة‏.‏

حدثني الفضل بن سهل‏.‏ قال‏:‏ حدثنا عفان بن مسلم‏.‏ حدثنا همام‏.‏ قال‏:‏ قدم علينا أبو داود الأعمى‏.‏ فجعل يقول‏:‏ حدثنا البراء‏.‏ قال‏:‏ وحدثنا زيد بن أرقم‏.‏ فذكرنا ذلك لقتادة‏.‏ فقال‏:‏ كذب‏.‏ ما سمع منهم‏.‏ إنما كان ذلك سائلا‏.‏ يتكفف الناس‏.‏ زمن طاعون الجارف‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ما سمع منهم‏)‏ يعني البراء وزيدا وغيرهما ممن أزعم أنه روى عنهم‏.‏ فإنه زعم أنه رأى ثمانية عشر بدريا‏.‏ ‏(‏يتكفف الناس‏)‏ معناه يسألهم في كفه أو بكفه‏.‏ ‏(‏طاعون الجارف‏)‏ سمي بذلك لكثرة من مات فيه من الناس‏.‏ وسمي الموت جارفا لاجترافه الناس‏.‏ وسمي السيل جارفا لاجترافه ما على وجه الأرض‏.‏ والجرف الغرف من فوق الأرض وكسح ما عليها‏.‏ وأما الطاعون فوباء معروف‏.‏ وهو بثر وورم مؤلم جدا يخرج من لهب ويسود ما حوله أو يخضر أو يحمر حمرة بنفسجية كدرة‏.‏ ويحصل معه خفقان القلب والقيء‏]‏‏.‏

وحدثني حسن بن علي الحلواني‏.‏ قال حدثنا يزيد بن هارون‏.‏ أخبرنا همام‏.‏ قال‏:‏ دخل أبو داود الأعمى على قتادة‏.‏ فلما قام قالوا‏:‏ إن هذا يزعم أنه لقي ثمانية عشر بدريا‏.‏ فقال قتادة‏:‏ هذا كان سائلا قبل الجارف‏.‏ لا يعرض في شيء من هذا‏.‏ ولا يتكلم فيه‏.‏ فوالله ما حدثنا الحسن عن بدري مشافهة‏.‏ ولا حدثنا سعيد بن المسيب عن بدري مشافهة، إلا عن سعد بن مالك‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا يعرض لشيء من هذا‏)‏ أي لا يعتني بالحديث‏]‏‏.‏

حدثنا عثمان بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا جرير، عن رقبة؛ أن أبا جعفر الهاشمي المدني كان يضع أحاديث الناس‏.‏ كلام حق‏.‏ وليست من أحاديث النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وكان يرويها عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كلام حق‏)‏ بنصب كلام، وهو بدل من أحاديث ومعناه كلام صحيح المعنى وحكمة من الحكم ولكنه كذب‏.‏ فنسبه إلى النبي صلى الله عليه وسلم وليس هو من كلامه صلى الله عليه وسلم‏]‏‏.‏

حدثنا الحسن الحلواني‏.‏ قال‏:‏ حدثنا نعيم بن حماد‏.‏ قال أبو إسحاق إبراهيم بن محمد بن سفيان‏.‏ وحدثنا محمد بن يحيى‏.‏ قال حدثنا نعيم بن حماد‏.‏ حدثنا أبو داود الطيالسي، عن شعبة، عن يونس بن عبيد؛ قال‏:‏ كان عمرو بن عبيد يكذب في الحديث‏.‏

حدثني عمرو بن علي، أبو حفص‏.‏ قال سمعت معاذ بن معاذ يقول‏:‏ قلت لعوف بن أبي جميلة‏:‏ إن عمرو بن عبيد حدثنا عن الحسن؛ أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏من حمل علينا السلاح فليس منا‏”‏ قال‏:‏ كذب، والله‏!‏ عمرو‏.‏ ولكنه أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث

‏[‏ش ‏(‏من حمل علينا السلاح فليس منا‏)‏ صحيح مروي من طرق‏.‏ وقد ذكرها مسلم رحمه الله بعد هذا‏.‏ ومعناه عند أهل العلم أنه ليس ممن اهتدى بهدينا واقتدى بعلمنا وعملنا وحسن طريقتنا‏.‏ كما يقول الرجل لولده، إذا لم يرضى فعله‏:‏ لست مني‏.‏

ومراد مسلم رحمه الله بإدخال هذا الحديث هنا بيان أن عوفا جرح عمرو بن عبيد وقال‏:‏ كذاب‏.‏ وإنما كذبه، مع أن الحديث صحيح لكونه نسبه إلى الحسن‏.‏ وكان عوف من كبار أصحاب الحسن والعارفين بأحاديثه‏.‏ فقال كذب في نسبته إلى الحسن‏.‏ فلم يروي الحسن هذا، أو لم يسمعه هذا من الحسن‏.‏ ‏(‏أراد أن يحوزها إلى قوله الخبيث‏)‏ معناه كذب بهذه الرواية ليعضد بها مذهبه الباطل الرديء، وهو الاعتزال‏.‏ فإنهم يزعمون أن ارتكاب المعاصي يخرج صاحبه عن الأيمان ويخلده في النار‏.‏ ولا يسمونه كافرا، بل فاسقا مخلدا في النار‏]‏‏.‏

وحدثنا عبيدالله بن عمر القواريري‏.‏ حدثنا حماد بن زيد‏.‏ قال‏:‏ كان رجل قد لزم أيوب وسمع منه‏.‏ ففقده أيوب‏.‏ فقالوا‏:‏ يا أبا بكر إنه قد لزم عمرو بن عبيد‏.‏ قال حماد‏:‏ فبينا أنا يوما مع أيوب وقد بكرنا إلى السوق‏.‏ فاستقبله الرجل‏.‏ فسلم عليه أيوب وسأله‏.‏ ثم قال له أيوب‏:‏ بلغني أنك لزمت ذاك الرجل‏.‏ قال حماد‏:‏ سماه، يعني عمرا‏.‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ يا أبا بكر إنه يجيئنا بأشياء غرائب‏.‏ قال يقول له أيوب‏:‏ إنما نفر أو نفرق من تلك الغرائب‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نفر أو نفرق‏)‏ شك من الراوي في إحداها‏.‏ معناه إنما نهرب أو نخاف من هذه الغرائب‏]‏‏.‏

وحدثني حجاج بن الشاعر‏.‏ حدثنا سليمان بن حرب‏.‏ حدثنا ابن زيد، يعني حمادا‏.‏ قال قيل لأيوب ‏:‏ إن عمر بن عبيد روى عن الحسن قال‏:‏ لا يجلد السكران من النبيذ ‏.‏ فقال‏:‏ كذب‏.‏أنا سمعت الحسن يقول‏:‏ يجلد السكران من النبيذ‏.‏

وحدثني حجاج‏.‏ حدثنا سليمان بن حرب‏.‏ قال‏:‏ سمعت سلام بن أبي مطيع يقول‏:‏ بلغ أيوب أني آتي عمرا‏.‏ فأقبل علي يوما فقال‏:‏ أرأيت رجلا لا تأمنه على دينه، كيف تأمنه على الحديث‏؟‏

وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحميدي‏.‏ حدثنا سفيان‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا موسى يقول‏:‏ حدثنا عمرو بن عبيد قبل أن يحدث‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يحدث‏)‏ يعني قبل أن يصير معتزلا قدريا‏]‏‏.‏

حدثني عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ قال‏:‏ كتبت إلى شعبة أسأله عن أبي شيبة قاضي واسط‏.‏ فكتب إلي‏:‏ لا تكتب عنه شيئا‏.‏ ومزق كتابي‏.‏

وحدثنا الحلواني‏.‏ قال‏:‏ سمعت عفان قال‏:‏ حدثت حماد بن سلمة عن صالح المري بحديث عن ثابت‏.‏ فقال‏:‏كذب‏.‏ وحدثت هماما عن صالح المري بحديث، فقال‏:‏ كذبت‏.‏

وحدثنا محمود بن غيلان‏.‏ حدثنا أو داود‏.‏ قال‏:‏ قال لي شعبة‏:‏ إيت جرير بن حازم فقل له‏:‏ لا يحل لك أن تروي عن الحسن بن عمارة‏.‏ فإنه يكذب‏.‏ قال لأبو داود‏:‏ قلت لشعبة‏:‏ وكيف ذاك‏؟‏ فقال‏:‏حدثنا عن الحكم بأشياء لم أجد لها أصلا‏.‏ قال قلت له‏:‏ بأي شئ‏؟‏ قال قلت للحكم أصلى النبي صلى الله عليه وسلم على قتلى أحد‏؟‏ فقال‏:‏ لم يصل عليهم‏.‏ فقال الحسن بن عمارة عن الحكم عن مقسم عن ابن عباس؛ إن النبي صلى الله عليه وسلم صلى عليهم ودفنهم‏.‏ قلت للحكم‏:‏ ما تقول في أولاد الزنا‏؟‏ قال‏:‏ يصلى عليهم‏.‏ قلت‏:‏ من حديث من يروي‏؟‏ قال‏:‏ يروي عن الحسن البصري‏.‏ فقال الحسن بن عمارة‏:‏ حدثنا الحكم بن يحيى بن الجزار عن علي‏.‏

وحدثنا الحسن الحلواني‏.‏ قال‏:‏ سمعت يزيد بن هارون، وذكر زياد بن ميمون، فقال‏:‏ حلفت ألا أروي عنه شيئا‏.‏ ولا عن خالد بن محدوج‏.‏ وقال‏:‏ لقيت زياد بن ميمون‏.‏ فسألته عن حديث فحدثني به عن بكر المزني‏.‏ ثم عدت إليه فحدثني به عن مورق‏.‏ ثم عدت إليه فحدثني به عن الحسن‏.‏ وكان ينسبهما إلى الكذب‏.‏

قال الحلواني‏:‏ سمعت عبدالصمد، وذكرت عنده زياد بن ميمون، فنسبه إلى الكذب‏.‏

وحدثنا محمود بن غيلان‏.‏ قال قلت لأبي داود الطيالسي‏:‏ قد أكثرت عن عباد بن منصور‏.‏ فمالك لم تسمع منه حديث العطارة الذي روى لنا النضر بن شميل‏؟‏ قال لي‏:‏ اسكت‏.‏ فأنا لقيت زياد بن ميمون، وعبدالرحمن بن مهدي فسألناه فقلنا له‏:‏ هذه الأحاديث التي ترويها عن أنس‏؟‏ فقال أرأيتما رجلا يذنب فيتوب أليس يتوب الله عليه‏؟‏ قال قلنا‏:‏ نعم‏.‏ قال‏:‏ ما سمعت من أنس، من ذا قليلا ولا كثيرا‏.‏ إن كان لا يعلم الناس فأنتما لا تعلمان أني لم ألق أنسا‏.‏

قال أبو داود‏:‏ فبلغنا، بعد، أنه يروي‏.‏ فأتيناه أنا وعبدالرحمن فقال‏:‏ أتوب‏.‏ ثم كان، بعد، يحدث‏.‏ فتركناه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏حديث العطارة‏)‏ قال القاضي عياض رحمه الله‏:‏ هو حديث رواه زياد بن ميمون هذا عن أنس أن امرأة يقال لها الحولاء، عطارة كانت بالمدينة‏.‏ فدخلت على عائشة رضي الله عنها وذكرت خبرها مع زوجها وأن النبي صلى الله عليه وسلم ذكر لها فضل الزوج‏.‏ وهو حديث طويل غير صحيح‏.‏ ‏(‏وعبدالرحمن بن مهدي‏)‏ مرفوع معطوف على الضمير في قوله لقيت‏.‏ ‏(‏فأنتما لا تعلمان‏)‏ هكذا وقع في الأصول‏.‏ ومعناه فأنتما تعلمان‏.‏ فيجوز أن تكون لا زائدة‏.‏ معناه أفأنتما لا تعلمان‏؟‏ وقد يكون استفهام تقرير، وحذف همزة الاستفهام‏]‏‏.‏

حدثنا حسن الحلواني قال‏:‏ سمعت شبابة‏.‏ قال‏:‏ كان عبدالقدوس يحدثنا فيقول‏:‏ سويد بن عقلة‏.‏ قال شبابة‏:‏ وسمعت عبدالقدوس يقول‏:‏ نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يتخذ الروح عرضا‏.‏ قال فقيل له‏:‏ أي شئ هذا‏؟‏ قال‏:‏ يعني تتخذ كوة في حائط ليدخل عليه الروح‏.‏

‏[‏ش ‏(‏سمعت شبابة الخ‏)‏ المراد بهذا المذكور بيان تصحيف عبدالقدوس وغباوته واختلال ضبطه وحصول الوهم في إسناده ومتنه‏.‏ فأما الإسناد فإنه قال‏:‏ سويد بن عقلة‏.‏ وهو تصحيف ظاهر وخطأ بين‏.‏ وإنما هو غفلة‏.‏ وأما المتن، فقال‏:‏ الروح، وعرضا‏.‏ وهو تصحيف قبيح وخطأ صريح‏.‏ وصوابه الروح، وغرضا‏.‏ ومعناه نهى أن يتخذ الحيوان الذي فيه الروح غرضا، أي هدفا للرمي‏.‏ فيرمى إليه بالنشاب وشبهه‏.‏ ‏(‏الروح‏)‏ أي النسيم‏]‏‏.‏

قال مسلم‏:‏ وسمعت عبيدالله بن عمر القواريري يقول‏:‏ سمعت حماد بن زيد يقول لرجل، بعد ما جلس مهدي بن هشام بأيام‏:‏ ما هذه العين المالحة التي نبعت قبلكم‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ يا أبا إسماعيل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏العين المالحة‏)‏ كناية عن ضعفه وجرحه‏]‏‏.‏

وحدثنا الحسن الحلواني‏.‏ قال‏:‏ سمعت عفان قال‏:‏ سمعت أبا عوانة قال‏:‏ ما بلغني عن الحسن حديث إلا أتيت به أبان بن أبي عياش، فقرأه علي‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ما بلغني عن الحسن حديث‏)‏ معنى هذا الكلام أنه كان يحدث عن الحسن بكل ما يسأل عنه، وهو كاذب في ذلك‏]‏‏.‏

وحدثنا سويد بن سعيد‏.‏ حدثنا علي بن مسهر‏.‏ قال‏:‏ سمعت أنا، وحمزة الزيات من أبان بن أبي عياش نحوا من ألف حديث‏.‏

قال علي‏:‏ فلقيت حمزة فأخبرني أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم في المنام‏.‏ فعرض عليه ما سمع من أبان‏.‏ فما عرف منها إلا شيئا يسيرا‏.‏ خمسة أو ستة‏.‏

حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ أخبرنا زكرياء بن عدي‏.‏ قال‏:‏ قال لي أبو إسحاق الفزاري‏:‏ اكتب عن بقية ما روي عن المعروفين‏.‏ ولا تكتب عنه ما روي عن غير المعروفين ولا تكتب عن إسماعيل بن عياش ما روي عن المعروفين، ولا عن غيرهم‏.‏

وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي‏.‏ قال‏:‏ سمعت بعض أصحاب عبدالله قال‏:‏ قال ابن المبارك‏:‏ نعم الرجل بقية‏.‏ لولا أنه كان يكني الأسامي ويسمي الكنى‏.‏ كان دهرا يحدثنا عن أبي سعيد الوحاظي‏.‏ فنظرنا فإذا هو عبدالقدوس‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كان يكني الأسامي ويسمي الكنى‏)‏ معناه أنه إذا روي عن إنسان معروف باسمه كناه ولم يسمه‏.‏ وإذا روي عن معروف بكنيته سماه ولم يكنه‏.‏ وهذا نوع من التدليس، وهو قبيح مذموم‏]‏‏.‏

وحدثني أحمد بن يوسف الأزدي‏.‏ قال سمعت عبدالرزاق يقول‏:‏ ما رأيت ابن المبارك يفصح بقوله‏:‏ كذاب إلا لعبدالقدوس‏.‏ فإني سمعته يقول له‏:‏ كذاب‏.‏

وحدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا نعيم‏.‏ وذكر المعلى بن عرفان‏.‏ فقال‏:‏ قال‏:‏ حدثنا أبو وائل قال‏:‏ خرج علينا ابن مسعود بصفين‏.‏ فقال أبو نعيم‏:‏ أتراه بعث بعد الموت‏؟‏

‏[‏ش ‏(‏أتراه‏)‏ معناه أتظنه‏]‏‏.‏

حدثني عمرو بن علي وحسن الحلواني، كلاهما عن عفان بن مسلم‏.‏ قال‏:‏ كنا عند إسماعيل بن علية‏.‏ فحدث رجل عن رجل‏.‏ فقلت إن هذا ليس بثبت‏.‏ قال فقال الرجل‏:‏ اغتبته‏.‏ قال إسماعيل‏:‏ ما اغتابه ولكنه حكم‏:‏ أنه ليس بثبت‏.‏

وحدثنا أبو جعفر الدارمي‏.‏ حدثنا بشر بن عمر‏.‏ قال‏:‏ سألت مالك بن أنس، عن محمد بن عبدالرحمن الذي يروي عن سعيد بن المسيب‏؟‏ فقال‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وسألته عن صالح مولى التوأمة‏؟‏ فقال‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وسألته عن أبي الحويرث‏؟‏ فقال‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وسألته عن شعبة الذي روي عنه ابن أبي ذئب‏؟‏ فقال‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وسألته عن حرام بن عثمان‏؟‏ فقال‏:‏ ليس بثقة‏.‏ وسألت مالكا عن هؤلاء الخمسة‏؟‏ فقال‏:‏ ليسوا بثقة في حديثهم‏.‏ وسألته عن رجل أخر نسيت اسمه‏؟‏ فقال‏:‏ هل رأيته في كتبي‏؟‏ قلت‏:‏ لا‏.‏ قال‏:‏ لو كان ثقة لرأيته في كتبي‏.‏

وحدثني الفضل بن سهل‏.‏ قال حدثني يحيى بن معين‏.‏ حدثنا حجاج‏.‏ حدثنا ابن أبي ذئب عن شرحبيل بن سعد، وكان متهما‏.‏

وحدثني محمد بن عبدالله بن قهزاذ‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا إسحاق الطالقاني يقول‏:‏ سمعت ابن المبارك يقول‏:‏ لو خيرت بين أن أدخل الجنة وبين أن ألقى عبدالله بن محرر، لاخترت أن ألقاه ثم أدخل الجنة‏.‏ فلما رأيته، كانت بعرة أحب إلي منه‏.‏

وحدثني الفضل بن سهل‏.‏ حدثنا وليد بن صالح‏.‏ قال‏:‏ قال عبدالله بن عمرو‏:‏ قال زيد، يعني ابن أبي أنيسة‏:‏ لا تأخذوا عن أخي‏.‏

حدثني أحمد بن إبراهيم الدورقي‏.‏ قال‏:‏ حدثني عبدالسلام الوابصي‏.‏ قال‏:‏ حدثني عبدالله بن جعفر الرقي، عن عبيدالله بن عمرو؛ قال‏:‏ كان يحيى بن أبي أنيسة كذابا‏.‏

حدثني أحمد بن إبراهيم‏.‏ قال‏:‏ حدثني سليمان بن حرب، عن حماد بن زيد؛ قال‏:‏ ذكر فرقد عند أيوب‏.‏ فقال‏:‏ إن فرقدا ليس صاحب حديث‏.‏

وحدثني عبدالرحمن بن بشر العبدي‏.‏ قال‏:‏ سمعت يحيى بن سعيد القطان، ذكر عنده محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير الليثي، فضعفه جدا‏.‏ فقيل ليحيى‏:‏ أضعف من يعقوب بن عطاء‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ثم قال‏:‏ ما كنت أرى أن أحدا يروي عن محمد بن عبدالله بن عبيد بن عمير‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جدا‏)‏ هو بكسر الجيم‏.‏ وهو مصدر جد يجد جدا‏.‏ ومعناه تضعيفا بليغا‏]‏‏.‏

وحدثني بشر بن الحكم‏.‏ قال‏:‏ سمعت يحيى بن سعيد القطان‏.‏ ضعف حكيم بن جبير وعبدالأعلى‏.‏ وضعف يحيى بن موسى بن دينار‏.‏ قال‏:‏ حديثه ريح‏.‏ وضعف موسى بن دهقان، وعيسى بن أبي عيسى المدني‏.‏ قال‏:‏ وسمعت الحسن بن عيسى يقول‏:‏ قال لي ابن المبارك‏:‏ إذا قدمت على جرير فاكتب علمه كله إلا حديث ثلاثة‏.‏ لا تكتب حديث عبيدة بن معتب‏.‏ والسري بن إسماعيل‏.‏ ومحمد بن سالم‏.‏

قال مسلم‏:‏ وأشباه ما ذكرنا من كلام أهل العلم في متهمي رواة الحديث وإخبارهم عن معايبهم كثير‏.‏ يطول الكتاب بذكره، على استقصائه‏.‏ وفيما ذكرنا كفاية‏.‏ لمن تفهم وعقل مذهب القوم‏.‏ فيما قالوا من ذلك وبينوا‏.‏

وإنما ألزموا أنفسهم الكشف عن معايب رواة الحديث‏.‏ وناقلي الأخبار‏.‏ وأفتوا بذلك حين سئلوا، لما فيه من عظيم الخطر‏.‏ إذ الأخبار في أمر الدين إنما تأتي بتحليل، أو تحريم، أو أمر، أو نهي، أو ترغيب، أو ترهيب‏.‏ فإذا كان الراوي لها ليس بمعدن للصدق والأمانة‏.‏ ثم أقدم على الرواية عنه من قد عرفه ولم يبين ما فيه لغيره، ممن جهل معرفته، كان أثما بفعله ذلك‏.‏ غاشا لعوام المسلمين‏.‏ إذ لا يؤمن على بعض من سمع تلك الأخبار التي يستعملها، أو يستعمل بعضها‏.‏ ولعلها أو أكثرها أكاذيب‏.‏ لا أصل لها‏.‏ مع أن الأخبار الصحاح من رواية الثقات‏.‏ وأهل القناعة أكثر من يضطر إلى نقل من ليس بثقة‏.‏ ولا مقنع‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أهل القناعة‏)‏ أي الذين يقنع بحديثهم لكمال حفظهم وإتقانهم وعدالتهم‏.‏ ‏(‏مقنع‏)‏ مثل جعفر‏.‏ أي يقنع به‏.‏ ويستعمل بلفظ واحد مطلقا‏]‏‏.‏

ولا أحسب كثيرا ممن يعرج من الناس على ما وصفنا من هذه الأحاديث الضعاف والأسانيد المجهولة، ويعتد بروايتها بعد معرفته بما فيها، من التوهن والضعف – إلا أن الذي يحمله على روايتها، والاعتداد بها، إرادة التكثر بذلك عند العوام، ولأن يقال‏:‏ ما أكثر ما جمع فلان من الحديث، وألف من العدد‏.‏

ومن ذهب في العلم هذا المذهب‏.‏ وسلك هذا الطريق فلا نصيب له فيه‏.‏ وكان بأن يسمى جاهلا، أولى من أن ينسب إلى علم‏.‏

وقد تكلم بعض منتحلي الحديث من أهل عصرنا في تصحيح الأسانيد وتسقيمها بقول، لو ضربنا عن حكايته وذكر فساده صفحا – لكان رأيا متينا، ومذهبا صحيحا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لو ضربنا الخ‏)‏ أي لو أعرضنا عن ذلك إعراضا‏.‏ فصفحا مصدر من غير لفظه‏.‏ وفي التنزيل الجليل‏:‏ أفنضرب عنكم الذكر صفحا‏]‏‏.‏

إذ الإعراض عن القول المطروح، أحرى لإماتته وإخمال ذكر قائله وأجدر ألا يكون ذلك تنبيها للجهال عليه‏.‏ غير أنا لما تخوفنا من شرور العواقب واغترار الجهلة بمحدثات الأمور، وإسراعهم إلى اعتقاد خطأ المخطئين، والأقوال الساقطة عند العلماء، رأينا الكشف عن فساد قوله، ورد مقالته بقدر ما يليق بها من الرد – أجدى على الأنام، وأحمد للعاقبة إن شاء الله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وإخمال ذكر قائله‏)‏ أي إسقاطه‏.‏ والخامل الساقط‏.‏ ‏(‏أجدى على الأنام‏)‏ معناه أنفع للناس‏]‏‏.‏

وزعم القائل الذي افتتحنا الكلام على الحكاية عن قوله، والإخبار عن سوء رويته، أن كل إسناد لحديث فيه فلان عن فلان، وقد أحاط العلم بأنهما قد كانا في عصر واحد، وجائز أن يكون الحديث الذي روى الراوي عمن روي عنه قد سمعه عنه وشافهه به‏.‏ غير أنه لا نعلم له منه سماعا ولم نجد في شيء من الروايات أنهما التقيا قط، أو تشافها بحديث – أن الحجة لا تقوم عنده بكل خبر جاء هذا المجيء، حتى يكون عنده العلم بأنهما قد اجتمعا في دهرهما مرة فصاعدا‏.‏ أو تشافها في الحديث بينهما‏.‏ أو يرد خبر فيه بيان اجتماعهما، وتلاقيهما، مرة من دهرهما‏.‏ فما فوقها‏.‏ فإن لم يكن عنده علم ذلك، ولم تأت رواية صحيحة تخبر أن هذا الراوي عن صاحبه قد لقيه مرة، وسمع منه شيئا – لم يكن قد نقله الخبر عمن روى عنه ذلك، والأمر كما وصفنا، حجة‏.‏ وكان الخبر عنده موقوفا‏.‏ حتى يرد عليه سماعه منه لشيء من الحديث، قل أو كثر‏.‏ في رواية مثل ما ورد‏.‏

‏[‏ش ‏(‏رويته‏)‏ أي فكره‏]‏‏.‏

‏(‏6‏)‏ باب صحة الاحتجاج بالحديث المعنعن‏.‏

وهذا القول، يرحمك الله، في الطعن في الأسانيد، قول مخترع‏.‏ مستحدث غير مسبوق صاحبه إليه‏.‏ ولا مساعد له من أهل العلم عليه‏.‏وذلك أن القول الشائع المتفق عليه بين أهل العلم بالأخبار والروايات قديما وحديثا، أن كل رجل ثقة روى عن مثله حديثا، وجائز ممكن له لقاؤه، والسماع منه، لكونهما جميعا كانا في عصر واحد، وإن لم يأت في خبر قط أنهما اجتمعا، ولا تشافها بكلام؛ فالرواية ثابتة‏.‏ والحجة بها لازمة‏.‏ إلا أن يكون هناك دلالة بينة، أن هذا الراوي لم يلق من روى عنه، أو لم يسمع منه شيئا‏.‏ فأما والأمر مبهم على الإمكان الذي فسرنا، فالرواية على السماع أبدا، حتى تكون الدلالة التي بينا‏.‏

فيقال لمخترع هذا القول الذي وصفنا مقالته، أو للذاب عنه‏:‏ قد أعطيت في جملة قولك أن خبر الواحد الثقة، عن الواحد الثقة، حجة يلزم به العمل‏.‏ ثم أدخلت فيه الشرط بعد، فقلت‏:‏ حتى نعلم أنهما قد كانا التقيا مرة فصاعدا، أو سمع منه شيئا‏.‏ فهل تجد هذا الشرط الذي اشترطته عن أحد يلزم قوله‏؟‏ وألا فهلم دليلا على ما زعمت‏.‏

فإذا ادعى قول أحد من علماء السلف بما زعم من إدخال الشريطة في تثبيت الخبر، طولب به‏.‏ ولن يجد هو ولا غيره إلى إيجاده سبيلا‏.‏ وإن هو ادعى فيما زعم دليلا يحتج به قيل له‏:‏ وما ذاك الدليل‏؟‏ فإن قال‏:‏ قلته لأني وجدت رواة الأخبار قديما وحديثا يروي أحدهم عن الأخر الحديث ولما يعاينه ولا سمع منه شيئا قط، فلما رأيتهم استجازوا رواية الحديث بينهم هكذا على الإرسال من غير سماع، والمرسل من الروايات في أصل قولنا وقول أهل العلم بالأخبار ليس بحجة – احتجت، لما وصفت من العلة، إلى البحث عن سماع راوي كل خبر عن راويه‏.‏ فإذا أنا هجمت على سماعه منه لأدنى شيء، ثبت عنه عندي بذلك جميع ما يروى عنه بعد‏.‏ فإن عزب عني معرفة ذلك، أوقفت الخبر ولم يكن عندي موضع حجة لإمكان الإرسال فيه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فإن عزب عني‏)‏ يقال عزب عني الشيء يعزب‏.‏ والضم أشهر وأكثر، ومعناه ذهب‏.‏ ‏(‏أوقفت‏)‏ كذا هو في الأصول أوقفت‏.‏ وهي لغة قليلة‏.‏ والفصيح المشهور وقفت، بغير ألف‏]‏‏.‏

فيقال له‏:‏ فإن كانت العلة في تضعيفك الخبر وتركك الاحتجاج به إمكان الإرسال فيه، لزمك ألا تثبت إسنادا معنعنا حتى ترى فيه السماع من أوله إلى آخره‏؟‏

وذلك أن الحديث الوارد علينا بإسناد هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة، فبيقين نعلم أن هشاما قد سمع من أبيه، وأن أباه قد سمع من عائشة‏.‏ كما نعلم أن عائشة قد سمعت من النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وقد يجوز، إذ لم يقل هشام، في رواية يرويها عن أبيه‏:‏ سمعت أو أخبرني، أن يكون بينه وبين أبيه في تلك الرواية إنسان أخر، أخبره بها عن أبيه، ولم يسمعها هو من أبيه، لما أحب أن يرويها مرسلا‏.‏ ولا يسندها إلى من سمعها منه‏.‏

وكما يمكن ذلك في هشام عن أبيه، فهو أيضا ممكن في أبيه عن عائشة‏.‏

وكذلك كل إسناد لحديث ليس فيه ذكر سماع بعضهم عن بعض‏.‏

وإن كان قد عرف في الجملة أن كل واحد منهم قد سمع من صاحبه سماعا كثيرا، فجائز لكل واحد منهم أن ينزل في بعض الرواية فيسمع من غيره عنه بعض أحاديثه، ثم يرسله عنه أحيانا، ولا يسمي من سمع منه‏.‏ وينشط أحيانا فيسمي الرجل الذي حمل عنه الحديث ويترك الإرسال‏.‏ وما قلنا من هذا موجود في الحديث مستفيض، من فعل ثقات المحدثين، وأئمة أهل العلم‏.‏ وسنذكر من رواياتهم على الجهة التي ذكرنا عددا يستدل بها على أكثر منها إن شاء الله تعالى‏.‏ فمن ذلك، أن أيوب السختياني وابن المبارك ووكيعا وابن نمير وجماعة غيرهم رووا عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة رضي الله عنها؛ قالت‏:‏ كنت أطيب رسول الله صلى الله عليه وسلم لحله ولحرمه بأطيب ما أجد‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لحله ولحرمه‏)‏ يقال حرمه‏.‏ لغتان‏.‏ ومعناه لإحرامه‏]‏‏.‏

فروى هذه الرواية بعينها الليث بن سعد وداود العطار وحميد بن الأسود ووهيب بن خالد وأبو أسامة عن هشام؛ قال‏:‏ أخبرني عثمان بن عروة، عن عروة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وروى هشام، عن أبيه، عن عائشة؛ قالت‏:‏ كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا اعتكف يدني إلي رأسه فأرجله وأنا حائض‏.‏

فرواها بعينها مالك بن أنس، عن الزهري، عن عروة، عن عمرة، عن عائشة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وروى الزهري وصالح بن أبي حسان، عن أبي سلمة، عن عائشة؛ كان النبي صلى الله عليه وسلم يقبل وهو صائم‏.‏

فقال يحيى بن أبي كثير في هذا الخبر في القبلة‏:‏ أخبرني أبو سلمة بن عبدالرحمن؛ أن عمر بن عبدالعزيز أخبره أن عروة أخبره أن عائشة أخبرته أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقبلها وهو صائم‏.‏

وروى بن عيينة وغيره، عن عمرو بن دينار، عن جابر؛ قال‏:‏ أطعمنا رسول الله صلى الله عليه وسلم لحوم الخيل ونهانا عن لحوم الحمر‏.‏

فرواه حماد بن يزيد، عن عمرو عن محمد بن علي، عن جابر، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وهذا النحو في الروايات كثير‏.‏ يكثر تعداده‏.‏ وفيما ذكرنا منها كفاية لذوي الفهم‏.‏

فإذا كانت العلة عند وصفنا قوله من قبل، في فساد الحديث وتوهينه، إذا لم يعلم أن الراوي قد سمع ممن روي عنه شيئا، إمكان الإرسال فيه، لزمه ترك الاحتجاج في قياد قوله برواية من يعلم أنه قد سمع ممن روى عنه‏.‏ إلا في نفس الخبر الذي فيه ذكر السماع‏.‏ لما بينا من قبل عن الأئمة الذين نقلوا الأخبار، أنهم كانت لهم تارات يرسلون فيها الحديث إرسالا‏.‏ ولا يذكرون من سمعوا منه‏.‏ وتارات ينشطون فيها فيسندون الخبر على هيئة ما سمعوا‏.‏ فيخبرون بالنزول فيه إذا نزلوا‏.‏ وبالصعود إن صعدوا‏.‏ كما شرحنا ذلك عنهم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏قياد‏)‏ أي مقتضاه‏]‏‏.‏

وما علمنا أحد من أئمة السلف، ممن يستعمل الأخبار ويتفقد صحة الأسانيد وسقمها، مثل أيوب السختياني وابن عون ومالك بن أنس وشعبة بن الحجاج ويحيى بن سعيد القطان وعبدالرحمن بن مهدي ومن بعدهم من أهل الحديث، فتشوا عن موضع السماع في الأسانيد‏.‏ كما ادعاه الذي وصفنا قوله من قبل‏.‏

وإنما كان تفقد من تفقد منهم سماع رواة الحديث ممن روى عنهم – إذا كان الراوي ممن عرف بالتدليس في الحديث وشهر به‏.‏ فحينئذ يبحثون عن سماعه في روايته‏.‏ ويتفقدون ذلك منه‏.‏ كي تنزاح عنهم علة التدليس‏:‏

فمن ابتغى ذلك من غير مدلس، على الوجه الذي زعم من حكينا قوله، فما سمعنا ذلك عن أحد ممن سمينا، ولم نسم، من الأئمة‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فما ابتغى‏)‏ هكذا وقع في أكثر الأصول‏.‏ على ما لم يسم فاعله‏.‏ وفي بعضها فما ابتغى‏.‏ وفي بعض الأصول المحققة فمن ابتغى‏.‏ ولكل واحد وجه‏]‏‏.‏

فمن ذلك أن عبدالله بن يزيد الأنصاري، وقد رأى النبي صلى الله عليه وسلم، قد روى عن حذيفة وعن أبي مسعود الأنصاري وعن كل واحد

منهما حديثا يسنده إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وليس في روايته عنهما ذكر السماع منهما‏.‏ ولا حفظنا في شيء من الروايات أن عبدالله بن يزيد شافه حذيفة وأبا مسعود بحديث قط‏.‏ ولا وجدنا ذكر رؤيته إياهما في رواية بعينها‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وعن كل واحد‏)‏ فكذا هو في الأصول‏.‏ وعن‏.‏ بالواو‏.‏ والوجه حذفها‏.‏ فإنها تغير المعنى‏]‏‏.‏

ولم نسمع عن أحد من أهل العلم ممن مضى، ولا ممن أدركنا، أنه طعن في هذين الخبرين، اللذين رواهما عبدالله بن يزيد عن حذيفة وأبي مسعود، بضعف فيهما‏.‏ بل هما وما أشبههما، عند من لاقينا من أهل العلم بالحديث، من صحاح الأسانيد وقويها‏.‏ يرون استعمال ما نقل بها، والاحتجاج بما أتت من سنن وأثار‏.‏

وهي في زعم من حكينا قوله، من قبل، واهية مهملة‏.‏ حتى يصيب سماع الراوي عمن روى‏.‏ ولو ذهبنا نعدد الأخبار الصحاح عند أهل العلم ممن يهن بزعم هذا القائل، ونحصيها – لعجزنا عن تقصي ذكرها وإحصائها كلها‏.‏

‏[‏ش ‏(‏واهية‏)‏ لو قال‏:‏ ضعيفة، بدل واهية لكان أحسن‏.‏ فإن هذا القائل لا يدعي أنها واهية، شديدة الضعف، متناهية فيه، كما هو معنى واهية‏.‏ بل يقتصر على أنها ضعيفة لا تقوم بها الحجة‏]‏‏.‏

ولكنا أحببنا أن ننصب منها عددا يكون سمة لما سكتنا عنه منها‏.‏

وهذا أبو عثمان النهدي وأبو رافع الصائغ، وهما من أدرك الجاهلية وصحبا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من البدريين هلم جرا‏.‏ ونقلا عنهم الأخبار حتى نزلا إلى مثل أبي هريرة وابن عمر وذويهما قد أسند كل واحد منهما عن أبي بن كعب، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا‏.‏ ولم نسمع في رواية بعينها أنهما عاينا أبيا أو سمعا منه شيئا‏.‏

‏[‏ش ‏(‏هلم جرا‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ ليس هذا موضع استعمال هلم جرا‏.‏ لأنها تستعمل فيما اتصل إلى زمان المتكلم بها‏.‏ وإنما أراد مسلم فمن بعدهم من الصحابة‏.‏

وقال ابن الأنباري‏:‏ معنى هلم جرا؛ سيروا وتمهلوا في سيركم وتثبتوا‏.‏ وهو من الجر‏.‏ وهو ترك النعم في سيرها‏.‏ فيستعمل فيما دووم عليه من الأعمال‏.‏ قال ابن الأنباري‏:‏ فانتصب جرا على المصدر، أي جروا جرا‏.‏ أو على الحال أو على التمييز‏.‏ ‏(‏وذويهما‏)‏ فيه إضافة ذي إلى غير الأجناس‏.‏ والمعروف عند أهل العربية أنها لا تستعمل إلا مضافة إلى الأجناس‏.‏ كذي مال‏.‏ وقد جاء في الحديث، وغيره من كلام العرب، إضافة أحرف منها إلى المفردات‏.‏ كما في الحديث ‏”‏وتصل ذا رحمك‏”‏ وكقولهم‏:‏ ذو يزن وذو نواس وأشباهها‏.‏ قالوا‏:‏ هذا كله مقدر فيه الانفصال‏.‏ فتقدير ذي رحمك الذي له معك رحم‏]‏‏.‏

وأسند أبو عمر الشيباني‏.‏ وهو ممن أدرك الجاهلية وكان في زمن النبي صلى الله عليه وسلم رجلا‏.‏ وأبو معمر عبدالله بن سخبرة‏.‏ كل واحد منهما عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، خبرين‏.‏

وأسند عبيد بن عمير عن أم سلمة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم، عن النبي صلى الله عليه وسلم حديثا‏.‏ وعبيد بن عمير ولد في زمن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأسند قيس بن أبي حازم، وقد أدرك زمن النبي صلى الله عليه وسلم عن أبي مسعود الأنصاري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، ثلاثة أخبار‏.‏

وأسند عبدالرحمن بن أبي ليلى، وقد حفظ عن عمر بن الخطاب، وصحب عليا، عن أنس بن مالك، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا‏.‏

وأسند ربعي بن حراش عن عمران بن حصين، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثين‏.‏ وعن أبي بكرة عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا‏.‏ وقد سمع ربعي من علي بن أبي طالب، وروى عنه‏.‏

وأسند نافع بن جبير بن مطعم، عن أبي شريح الخزاعي، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا‏.‏

وأسند النعمان بن أبي عياش، عن أبي سعيد الخدري، ثلاثة أحاديث، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

وأسند عطاء بن يزيد الليثي، عن تميم الداري، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا‏.‏

وأسند سليمان بن يسار عن رافع بن خديج، عن النبي صلى الله عليه وسلم، حديثا‏.‏

وأسند حميد بن عبدالرحمن الحميري عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم، أحاديث‏.‏

فكل هؤلاء التابعين الذين نصبنا روايتهم عن الصحابة الذين سميناهم، لم يحفظ عنهم سماع علمناه منهم في رواية بعينها ولا أنهم لقوم في نفس خبر بعينه‏.‏

وهي أسانيد عند ذوي المعرفة بالأخبار والروايات من صحاح الأسانيد‏.‏ لا نعلمهم وهنوا منها شيئا قط‏.‏ ولا التمسوا فيها سماع بعضهم من بعض‏.‏

إذ السماع لكل واحد منهم ممكن من صاحبه غير مستنكر‏.‏ لكونهم جميعا كانوا في العصر الذي اتفقوا فيه‏.‏

وكان هذا القول الذي أحدثه القائل الذي حكيناه في توهين الحديث، بالعلة التي وصف – أقل من أن يعرج عليه ويثار ذكره‏.‏

إذ كان قولا محدثا وكلاما خلفا لم يقله أحد من أهل العلم سلف، ويستنكره من بعدهم خلف‏.‏ فلا حاجة بنا في رده بأكثر مما شرحنا‏.‏ إذ كان قدر المقالة وقائلها القدر الذي وصفناه‏.‏ والله المستعان على دفع ما خالف مذهب العلماء‏.‏ وعليه التكلان‏.‏

‏[‏ش ‏(‏خلفا‏)‏ هو الساقط الفاسد‏.‏ ‏(‏التكلان‏)‏ أي الاتكال‏]‏‏.‏