كتاب التوبة


                                                                                            صحيح مسلم

 

كتاب التوبة

*3* 1 – باب في الحض على التوبة والفرح بها

1 – ‏(‏2675‏)‏ حدثني سويد بن سعيد‏.‏ حدثنا حفص بن مسيرة‏.‏ حدثني زيد بن أسلم عن أبي صالح، عن أبي هريرة،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال ‏”‏قال الله عز وجل‏:‏ أنا عند ظن عبدي بي‏.‏ وأنا معه حيث ذكرني‏.‏ والله‏!‏ لله أفرح بتوبة عبده من أحدكم يجد ضالته بالفلاة‏.‏ ومن تقرب إلي شبرا، تقربت إليه ذراعا‏.‏ ومن تقرب إلي ذراعا، تقربت إليه باعا‏.‏ وإذا أقبل إلي يمشي، أقبلت إليه أهرول‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏التوبة‏)‏ أصل التوبة، في اللغة، الرجوع‏.‏ يقال‏:‏ تاب وثاب وأناب وآب، بمعنى رجع‏.‏ والمراد بالتوبة، هنا، الرجوع عن الذنب‏.‏ ‏(‏قال الله عز وجل‏)‏ هذا القدر من الحدث سبق شرحه واضحا في أول كتاب الذكر‏.‏ ووقع في النسخ، هنا، حيث يذكرني‏.‏ ووقع في الأحاديث السابقة، هناك، حين‏.‏ وكلاهما من رواية أبي هريرة‏.‏ وبالنون هو المشهور‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ ظاهر المعنى‏]‏‏.‏

2 – ‏(‏2675‏)‏ حدثني عبدالله بن مسلمة بن قعنب القعنبي‏.‏حدثنا المغيرة ‏(‏يعني ابن عبدالرحمن الحزامي‏)‏ عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة أحدكم، من أحدكم بضالته، إذا وجدها‏”‏‏.‏

2-م – ‏(‏2675‏)‏ وحدثنا محمد بن رافع حدثنا عبدالرزاق‏.‏ حدثنا معمر عن همام بن منبه، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعناه‏.‏

3 – ‏(‏2744‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم – واللفظ لعثمان – ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال عثمان‏:‏ حدثنا‏)‏ جرير عن الأعمش، عن عمارة بن عمير، عن الحارث بن سويد، قال‏:‏ دخلت على عبدالله أعوده وهو مريض‏.‏ فحدثنا بحديثين‏:‏ حديثا عن نفسه وحديثا عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن من رجل في أرض دوية مهلكة‏.‏ معه راحلته‏.‏ عليها طعامه وشرابه‏.‏ فنام فاستيقظ وقد ذهبت‏.‏ فطلبها حتى أدركه العطش‏.‏ ثم قال‏:‏ أرجع إلى مكاني الذي كنت فيه‏.‏ فأنام حتى أموت‏.‏ فوضع رأسه على ساعده ليموت‏.‏ فاستيقظ وعنده راحلته وعليها زاده طعامه وشرابه‏.‏ فالله أشد فرحا بتوبة العبد المؤمن من هذا براحلته وزاده‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏دوية‏)‏ اتفق العلماء على أنها بفتح الدال وتشديد الواو والياء جميعا‏.‏ وذكر مسلم، في الرواية التي بعد هذه، رواية أبي بكر بن أبي شيبة‏:‏ أرض داوية، بزيادة ألف، وهي بتشديد الياء أيضا‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الدوية الأرض القفر والفلاة الخالية‏.‏ قال الخليل‏:‏ هي المفازة‏.‏ قالوا‏:‏ ويقال دوية وداوية‏.‏ فأما الدوية فمنسوبة إلى الدو، بتشديد الواو، وهي البرية التي لا نبات بها‏.‏ وأما الداوية فهي على إبدال إحدى الواوين ألفا‏.‏ كما قيل في النسب إلى طيء طائي‏.‏ ‏(‏مهلكة‏)‏ موضع خوف الهلاك، بفتح اللام وكسرها، ويقال مفازة‏.‏ قيل إنه من قولهم فوز الرجل، إذا هلك‏.‏ وقيل‏:‏ هو على سبيل التفاؤل بفوزه ونجاته منها، كما يقال للديغ سليم‏]‏‏.‏

3-م – ‏(‏2744‏)‏ وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا يحيى بن آدم عن قطبة بن عبدالعزيز، عن الأعمش، بهذا الإسناد‏.‏ وقال ‏”‏من رجل بداوية من الأرض‏”‏‏.‏

4 – ‏(‏2744‏)‏ وحدثني إسحاق بن منصور‏.‏ حدثنا أبو أسامة‏.‏ حدثنا الأعمش‏.‏ حدثنا عمارة بن عمير قال‏:‏ سمعت الحارث بن سويد قال‏:‏ حدثني عبدالله حديثين‏:‏ أحدهما عن رسول الله صلى الله عليه وسلم والآخر عن نفسه‏.‏ فقال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة عبده المؤمن‏”‏ بمثل حديث جرير‏.‏

5 – ‏(‏2745‏)‏ حدثنا عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا أبو يونس عن سماك قال‏:‏

خطب النعمان بن بشير فقال ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة عبده من رجل حمل زاده ومزاده على بعير‏.‏ ثم سار حتى كان بفلاة من الأرض، فأدركته القائلة‏.‏ فنزل فقال تحت شجرة‏.‏ فغلبته عينه‏.‏ وانسل بعيره‏.‏ فاستيقظ فسعى شرفا فلم يرى شيئا‏.‏ ثم سعى شرفا ثانيا فلم ير شيئا‏.‏ ثم سعى شرفا ثالثا فلم يرى شيئا‏.‏ فأقبل حتى أتى مكانه الذي قال فيه‏.‏ فبينما هو قاعد إذ جاءه بعيره يمشي‏.‏ حتى وضع خطامه في يده‏.‏ فلله أشد فرحا بتوبة العبد، من هذا حين وجد بعيره على حاله‏”‏‏.‏

قال سماك‏:‏ فزعم الشعبي؛ أن النعمان رفع هذا الحديث النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وأما أنا فلم أسمعه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏حمل زاده ومزاده‏)‏ كأنه اسم جنس للمزادة، وهي القربة العظيمة‏.‏ سميت بذلك لأنه يزاد فيها من جلد آخر‏.‏ ‏(‏وانسل بعيره‏)‏ أي ذهب خفية‏.‏ ‏(‏فسعى شرفا فلم يرى شيئا‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل أنه أراد بالشرف، هنا، الطلق والغلوة، كما في الحديث الآخر‏:‏ فاستنت شرفا أو شرفين‏.‏ قال‏:‏ ويحتمل أن المراد هنا، الشرف من الأرض، لينظر منه هل يراها‏.‏ قال‏:‏ وهذا أظهر‏]‏‏.‏

6 – ‏(‏2746‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وجعفر بن حميد ‏(‏قال جعفر‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال يحيى‏:‏ أخبرنا‏)‏ عبيدالله بن إياد بن لقيط عن إياد، عن البراء بن عازب قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏كيف تقولون بفرح رجل انفلتت منه راحلته‏.‏ تجر زمامها بأرض قفر ليس بها طعام ولا شراب‏.‏ وعليها له طعام وشراب‏.‏ فطلبها حتى شق عليه‏.‏ ثم مرت بجذل شجرة فتعلق زمامها‏.‏ فوجدها متعلقة به‏؟‏‏”‏ قلنا‏:‏ شديدا‏.‏ يا رسول الله‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏أما، والله‏!‏ لله أشد فرحا بتوبة عبده، من الرجل براحلته‏”‏‏.‏

قال جعفر‏:‏ حدثنا عبيدالله بن إياد عن أبيه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مرت بجذل شجرة‏)‏ بكسر الجيم وفتحها، وهو أصل الشجرة القائم‏.‏ ‏(‏قلنا شديدا‏)‏ أي نراه فرحا شديدا‏]‏‏.‏

7 – ‏(‏2747‏)‏ حدثنا محمد بن الصباح وزهير بن حرب‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عمر بن يونس‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثنا إسحاق بن عبدالله بن طلحة‏.‏ حدثنا أنس بن مالك، وهو عمه، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة عبده، حين يتوب إليه، من أحدكم كان على راحلته بأرض فلاة‏.‏ فانفلتت منه‏.‏ وعليها طعامه وشرابه‏.‏ فأيس منها‏.‏ فأتى شجرة‏.‏ فاضطجع في ظلها‏.‏ قد أيس من راحلته‏.‏ فبينا هو كذلك إذا هو بها، قائمة عنده‏.‏ فأخذ بخطامها‏.‏ ثم قال من شدة الفرح‏:‏ اللهم‏!‏ أنت عبدي وأنا ربك‏.‏ أخطأ من شدة الفرح‏”‏‏.‏

8 – ‏(‏2747‏)‏ حدثنا هداب بن خالد‏.‏ حدثنا همام‏.‏ حدثنا قتادة عن أنس بن مالك؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏لله أشد فرحا بتوبة عبده من أحدكم إذا استيقظ على بعيره، قد أضله بأرض فلاة‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إذا استيقظ على بعيره‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏:‏ إذا استيقظ على بعيره‏.‏ وكذا قال القاضي عياض‏:‏ إنه اتفقت عليه رواة صحيح مسلم‏.‏ قال قال بعضهم‏:‏ وهو وهم‏.‏ وصوابه‏:‏ إذا سقط على بعيره‏.‏ وكذا رواه البخاري‏:‏ سقط على بعيره، أي وقع عليه وصادفه من غير قصد‏.‏ قال القاضي‏:‏ وقد جاء في الحديث الآخر عن ابن مسعود قال‏:‏ فأرجع إلى المكان الذي كنت فيه فأنام حتى أموت‏.‏ فوضع رأسه على ساعده ليموت، فاستيقظ وعنده راحلته‏.‏ وفي كتاب البخاري‏:‏ فنام نومة فرفع رأسه فإذا راحلته عنده‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهذا يصحح رواية‏:‏ استيقظ‏.‏ قال‏:‏ ولكن وجه الكلام وسياقه يدل على سقط، كما رواه البخاري‏.‏ ‏(‏أضله بأرض فلاة‏)‏ أي فقده‏]‏‏.‏

8-م – ‏(‏2747‏)‏ وحدثنيه أحمد الدارمي‏.‏ حدثنا حبان‏.‏ حدثنا همام‏.‏ حدثنا قتادة‏.‏ حدثنا أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثله‏.‏

*3* 2 – باب سقوط الذنوب بالاستغفار

9 – ‏(‏2748‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن محمد بن قيس، قاص عمر بن عبدالعزيز، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب؛ أنه قال، حين حضرته الوفاة‏:‏ كنت كتمت عنكم شيئا سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏لولا أنكم تذنبون لخلق الله خلقا يذنبون، يغفر لهم‏”‏‏.‏

10 – ‏(‏2748‏)‏ حدثنا هارون بن سعيد الأيلي‏.‏ حدثنا ابن وهب‏.‏ حدثني عياض ‏(‏وهو ابن عبدالله الفهري‏)‏‏.‏ حدثني إبراهيم بن عبيد بن رفاعة عن محمد بن كعب القرظي، عن أبي صرمة، عن أبي أيوب الأنصاري،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال ‏”‏لو أنكم لم تكن لكم ذنوب، يغفرها الله لكم، لجاء الله بقوم لهم ذنوب، يغفرها لهم‏”‏‏.‏

11 – ‏(‏2749‏)‏ حدثني محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن جعفر الجزري، عن يزيد بن الأصم، عن أبي هريرة قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏والذي نفسي بيده‏!‏ لو لم تذنبوا لذهب الله بكم، ولجاء بقوم يذنبون، فيستغفرون الله، فيغفر لهم‏”‏‏.‏

*3* 3 – باب فضل دوام الذكر والفكر في أمور الآخرة، والمراقبة، وجواز ترك ذلك في بعض الأوقات، والاشتغال بالدنيا

12 – ‏(‏2750‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التيمي وقطن بن نسير ‏(‏واللفظ ليحيى‏)‏‏.‏ أخبرنا جعفر بن سليمان عن سعيد بن إياس الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة الأسيدي قال ‏(‏وكان من كتاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏)‏ قال‏:‏

لقيني أبو بكر فقال‏:‏ كيف أنت‏؟‏ يا حنظلة‏!‏ قال قلت‏:‏ نافق حنظلة‏.‏ قال‏:‏ سبحان الله‏!‏ ما تقول‏؟‏ قال قلت‏:‏ نكون عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ يذكرنا بالنار والجنة‏.‏ حتى كأنا رأي عين‏.‏ فإذا خرجنا من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات‏.‏ فنسينا كثيرا‏.‏ قال أبو بكر‏:‏ فوالله‏!‏ إنا لنلقى مثل هذا‏.‏ فانطلقت أنا وأبو بكر، حتى دخلنا على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قلت‏:‏ نافق حنظلة‏.‏ يا رسول الله‏!‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏وما ذاك‏؟‏‏”‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نكون عندك‏.‏ تذكرنا بالنار والجنة‏.‏ حتى كأنا رأى عين‏.‏ فإذا خرجنا من عندك، عافسنا الأزواج والأولاد والضيعات‏.‏ نسينا كثيرا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏والذي نفسي بيده‏!‏ إن لو تدومون على ما تكونون عندي، وفي الذكر، لصافحتكم الملائكة على فرشكم وفي طرقكم‏.‏ ولكن، يا حنظلة‏!‏ ساعة وساعة‏”‏ ثلاث مرات‏.‏

‏[‏ش ‏(‏الأسيدي‏)‏ ضبطوه بوجهين‏.‏ أصحهما وأشهرهما ضم الهمزة وفتح السين وكسر الياء المشددة‏.‏ والثاني كذلك إلا أنه بإسكان الياء‏.‏ ولم يذكر القاضي إلا هذا الثاني‏.‏ وهو منسوب إلى بني أسيد، بطن من بني تميم‏.‏ ‏(‏حتى كأنا رأي عين‏)‏ قال القاضي‏:‏ ضبطناه رأى عين، بالرفع‏.‏ أي كأنا بحال من يراها بعينه‏.‏ قال‏:‏ ويصح النصب على المصدر، أي نراها رأي عين‏.‏ ‏(‏عافسنا‏)‏ قال الهروي وغيره‏:‏ معناه حاولنا ذلك ومارسناه واشتغلنا به‏.‏ أي عالجنا معايشنا وحظوظنا‏.‏ ‏(‏والضيعات‏)‏ جمع ضيعة، وهي معاش الرجل من مال أو حرفة أو صناعة‏]‏‏.‏

13 – ‏(‏2750‏)‏ حدثني إسحاق بن منصور‏.‏ أخبرنا عبدالصمد‏.‏ سمعت أبي يحدث‏.‏ حدثنا سعيد الجريري عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة‏.‏ قال‏:‏

كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فوعظنا فذكر النار‏.‏ قال‏:‏ ثم جئت إلى البيت فضاحكت الصبيان ولاعبت المرأة‏.‏ قال فخرجت فلقيت أبا بكر‏.‏ فذكرت ذلك له‏.‏ فقال‏:‏ وأنا قد فعلت مثل ما تذكر‏.‏ فلقينا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ نافق حنظلة‏.‏ فقال ‏”‏مه‏”‏ فحدثته بالحديث‏.‏ فقال أبو بكر‏:‏ وأنا قد فعلت مثل ما فعل‏.‏ فقال ‏”‏يا حنظلة‏!‏ ساعة وساعة‏.‏ ولو كانت ما تكون قلوبكم كما تكون عند الذكر، لصافحتكم الملائكة، حتى تسلم عليكم في الطرق‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مه‏)‏ قال القاضي‏:‏ معناه الاستفهام‏.‏ أي ما تقول‏؟‏‏.‏ والهاء، هنا، هاء السكت‏.‏ قال‏:‏ ويحتمل أنها للكف والزجر والتعظيم لذلك‏]‏‏.‏

13-م – ‏(‏2750‏)‏ حدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا الفضل بن دكين‏.‏ حدثنا سفيان عن سعيد الجريري، عن أبي عثمان النهدي، عن حنظلة التميمي الأسيدي، الكاتب قال‏:‏ كنا عند النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكرنا الجنة والنار‏.‏ فذكر نحو حديثهما‏.‏

*3* 4 – باب في سعة رحمة الله تعالى، وأنها سبقت غضبه

14 – ‏(‏2751‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا المغيرة ‏(‏يعني الحزامي‏)‏ عن أبي زناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏لما خلق الله الخلق، كتب في كتابه، فهو عنده فوق العرش‏:‏ إن رحمتي تغلب غضبي‏”‏‏.‏

15 – ‏(‏2751‏)‏ حدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا سفيان بن عيينة عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم ‏”‏قال الله عز وجل‏:‏ سبقت رحمتي غضبي‏”‏‏.‏

16 – ‏(‏2751‏)‏ حدثنا علي بن خشرم‏.‏ أخبرنا أبو ضمرة عن الحارث بن عبدالرحمن، عن عطاء بن ميناء، عن أبي هريرة، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لما قضى الله الخلق، كتب في كتابه على نفسه، فهو موضوع عنده‏:‏ إن رحمتي تغلب غضبي‏”‏‏.‏

17 – ‏(‏2752‏)‏ حدثنا حرملة بن يحيى التجيبي‏.‏ أخبرنا ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب؛ أن سعيد بن المسيب أخبره؛ أن أبا هريرة قال‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏جعل الله الرحمة مائة جزء‏.‏ فأمسك عنده تسعة وتسعين‏.‏ وأنزل في الأرض جزءا واحدا‏.‏ فمن ذلك الجزء تتراحم الخلائق‏.‏ حتى ترفع الدابة حافرها عن ولدها، خشية أن تصيبه‏”‏‏.‏

18 – ‏(‏2752‏)‏ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر‏.‏ قالوا‏:‏ حدثنا إسماعيل ‏(‏يعنون ابن جعفر‏)‏ عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏خلق الله مائة رحمة‏.‏ فوضع واحدة بين خلقه‏.‏ وخبأ عنده مائة، إلا واحدة‏”‏‏.‏

19 – ‏(‏2752‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا عبدالملك عن عطاء، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏إن لله مائة رحمة‏.‏ أنزل منها رحمة واحدة بين الجن والإنس والبهائم والهوام‏.‏ فبها يتعاطفون‏.‏ وبها يتراحمون‏.‏ وبها تعطف الوحش على ولدها‏.‏ وأخر الله تسعا وتسعين رحمة‏.‏ يرحم بها عباده يوم القيامة‏”‏‏.‏

20 – ‏(‏2753‏)‏ حدثني الحكم بن موسى‏.‏ حدثنا معاذ بن معاذ‏.‏ حدثنا سليمان التيمي‏.‏ حدثنا أبو عثمان النهدي عن سلمان الفارسي، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏إن لله مائة رحمة‏.‏ فمنها رحمة بها يتراحم الخلق بينهم‏.‏ وتسعة وتسعون ليوم القيامة‏”‏‏.‏

20-م – ‏(‏2753‏)‏ وحدثناه محمد بن عبدالأعلى‏.‏ حدثنا المعتمر عن أبيه، بهذا الإسناد‏.‏

21 – ‏(‏2753‏)‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا أبو معاوية عن داود بن أبي هند، عن أبي عثمان، عن سلمان، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏إن الله خلق، يوم خلق السماوات والأرض، مائة رحمة‏.‏ كل رحمة طباق ما بين السماء والأرض‏.‏ فجعل منها في الأرض رحمة‏.‏ فبها تعطف الوالدة على ولدها‏.‏ والوحش والطير بعضها على بعض‏.‏ فإذا كان يوم القيامة، أكملها بهذه الرحمة‏”‏‏.‏

22 – ‏(‏2754‏)‏ حدثني الحسن بن علي الحلواني ومحمد بن سهل التميمي ‏(‏واللفظ لحسن‏)‏‏.‏ حدثنا ابن أبي مريم‏.‏ حدثنا أبو غسان‏.‏ حدثني زيد بن أسلم عن أبيه، عن عمر بن الخطاب؛ أنه قال‏:‏

قدم على رسول الله صلى الله عليه وسلم بسبي‏.‏ فإذا امرأة من السبي، تبتغي، إذا وجدت صبيا في السبي، أخذته فألصقته ببطنها وأرضعته‏.‏ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏أترون هذه المرأة طارحة ولدها في النار‏؟‏‏”‏ قلنا‏:‏ لا‏.‏ والله‏!‏ وهي تقدر على أن تطرحه‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لله أرحم بعباده من هذه بولدها‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏تبتغي‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم‏:‏ تبتغي، من الابتغاء وهو الطلب‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ وهذا وهم‏.‏ والصواب ما في رواية البخاري‏:‏ تسعى، بالسين، من السعي‏.‏ قلت‏:‏ كلاهما صواب لا وهم فيه‏.‏ فهي ساعية وطالبة مبتغية لابنها‏]‏‏.‏

23 – ‏(‏2755‏)‏ حدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر‏.‏ جميعا عن إسماعيل بن جعفر‏.‏ قال ابن أيوب‏:‏ حدثنا إسماعيل‏.‏ أخبرني العلاء عن أبيه، عن أبي هريرة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏لو يعلم المؤمن ما عند الله من العقوبة، ما طمع بجنته أحد‏.‏ ولو يعلم الكافر ما عند الله من الرحمة، ما قنط من جنته أحد‏”‏‏.‏

24 – ‏(‏2756‏)‏ حدثني محمد بن مرزوق بن بنت مهدي بن ميمون‏.‏ حدثنا روح‏.‏ حدثنا مالك عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏قال رجل، لم يعمل حسنة قط، لأهله‏:‏ إذا مات فحرقوه‏.‏ ثم اذروا نصفه في البر ونصفه في البحر‏.‏ فوالله‏!‏ لئن قدر الله عليه ليعذبنه عذابا لا يعذبه أحدا من العالمين‏.‏ فلما مات الرجل فعلوا ما أمرهم‏.‏ فأمر الله البر فجمع ما فيه‏.‏ وأمر البحر فجمع ما فيه‏.‏ ثم قال‏:‏ لم فعلت هذا‏؟‏ قال‏:‏ من خشيتك‏.‏ يا رب‏!‏ وأنت أعلم‏.‏ فغفر الله له‏”‏‏.‏

25 – ‏(‏2756‏)‏ حدثنا محمد بن رافع وعبد بن حميد ‏(‏قال عبد‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال ابن رافع – واللفظ له – حدثنا‏)‏ عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر قال‏:‏ قال لي الزهري‏:‏ ألا أحدثك بحديثين عجيبين‏؟‏ قال الزهري‏:‏ أخبرني حميد بن عبدالرحمن عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏أسرف رجل على نفسه‏.‏ فلما حضره الموت أوصى بنيه فقال‏:‏ إذا أنا مت فأحرقوني‏.‏ ثم اسحقوني‏.‏ ثم اذروني في الريح في البحر‏.‏ فوالله‏!‏ لئن قدر علي ربي، ليعذبني عذابا ما عذبه به أحد‏.‏ قال ففعلوا ذلك به‏.‏ فقال للأرض‏:‏ أدي ما أخذت‏.‏ فإذا هو قائم‏.‏ فقال له‏:‏ ما حملك على ما صنعت‏؟‏ فقال‏:‏ خشيتك‏.‏ يا رب‏!‏ – أو قال – مخافتك‏.‏ فغفر له بذلك‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أسرف رجل على نفسه‏)‏ أي بالغ وغلا في المعاصي والسرف‏]‏‏.‏

‏(‏2619‏)‏ قال الزهري‏:‏ وحدثني حميد عن أبي هريرة،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏دخلت امرأة النار في هرة ربطتها‏.‏ فلا هي أطعمتها‏.‏ ولا هي أرسلتها تأكل من خشاش الأرض‏.‏ حتى ماتت هزلا‏”‏‏.‏

قال الزهري‏:‏ ذلك، لئلا يتكل رجل، ولا ييأس رجل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لئلا يتكل رجل ولا ييأس رجل‏)‏ معناه أن ابن شهاب لما ذكر الحديث الأول خاف أن سامعه يتكل على ما فيه من سعة الرحمة وعظم الرجاء‏.‏ فضم إليه حديث الهرة الذي فيه من التخويف ضد ذلك ليجتمع الخوف والرجاء‏.‏ وهذا معنى قوله‏:‏ لئلا يتكل ولا ييأس‏.‏ وهكذا معظم آيات القرآن العزيز‏.‏ يجتمع فيه الخوف والرجاء‏]‏‏.‏

26 – ‏(‏2756‏)‏ حدثني أبو الربيع، سليمان بن داود‏.‏ حدثنا محمد بن حرب‏.‏ حدثني الزبيدي‏.‏ قال الزهري‏:‏ حدثني حميد بن عبدالرحمن بن عوف عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏أسرف عبد على نفسه‏”‏ بنحو حديث معمر‏.‏ إلى قوله ‏”‏فغفر الله له‏”‏‏.‏ ولم يذكر حديث المرأة في قصة الهرة‏.‏ وفي حديث الزبيدي قال ‏”‏فقال الله عز وجل، لكل شيء أخذ منه شيئا‏:‏ أد ما أخذت منه‏”‏‏.‏

27 – ‏(‏2757‏)‏ حدثني عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا شعبة عن قتادة‏.‏ سمع عقبة بن عبدالغافر يقول‏:‏ سمعت أبا سعيد الخدري يحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم؛

‏”‏أن رجلا فيمن كان قبلكم‏.‏ راشه الله مالا وولدا‏.‏ فقال لولده‏:‏ لتفعلن ما آمركم به‏.‏ أو لأولين ميراثي غيركم‏.‏ إذا أنا مت، فأحرقوني ‏(‏وأكثر علمي أنه قال‏)‏ ثم إسحاقوني‏.‏ واذروني في الريح‏.‏ فإني لم أبتهر عند الله خيرا، وإن الله يقدر على أن يعذبني‏.‏ قال فأخذ منهم ميثاقا‏.‏ ففعلوا ذلك به‏.‏ وربي‏!‏ فقال الله‏:‏ ما حملك على ما فعلت‏؟‏ فقال‏:‏ مخافتك‏.‏ قال فما تلافاه غيرها‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏راشه مالا وولدا‏)‏ هذه اللفظة رويت بوجهين في صحيح مسلم‏.‏ أحدهما راشه، والثاني رأسه‏.‏ قال القاضي‏:‏ والأول هو الصواب، وهو رواية الجمهور‏.‏ ومعناه أعطاه الله مالا وولدا‏.‏ قال ولا وجه للمهملة هنا‏.‏ ‏(‏لم أبتهر‏)‏ كذا هو في أكثر النسخ‏:‏ لم أبتهر‏.‏ وفي بعضها أبتئر‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏ والهاء مبدلة من الهمزة‏.‏ ومعناها لم أقدم خيرا ولم أدخره‏.‏ وقد فسرها قتادة في الكتاب‏.‏ ‏(‏وإن الله يقدر على أن يعذبني‏)‏ هكذا هو في معظم النسخ في بلادنا‏.‏ ونقل اتفاق الرواة والنسخ عليه هكذا بتكرير إن‏.‏ وسقطت لفظة إن الثانية في بعض النسخ المعتمدة‏.‏ فعلى هذا تكون إن الأولى شرطية‏.‏ وتقديره‏:‏ إن قدر الله علي عذبني‏.‏ وهو موافق للرواية السابقة‏.‏ وأما على رواية الجمهور وهي إثبات إن الثانية مع الأولى فاختلف في تقديره‏.‏ فقال القاضي‏:‏ هذا الكلام فيه تلفيق‏.‏ قال فإن أخذ على ظاهره ونصب اسم الله وجعل يقدر في موضع خبر إن، استقام اللفظ وصح المعنى‏.‏ لكنه يصير مخالفا لما سبق من كلامه الذي ظاهره الشك في القدرة‏.‏ قال‏:‏ وقال بعضهم‏:‏ صوابه حذف إن الثانية وتخفيف الأولى ورفع اسم الله تعالى‏.‏ وكذا ضبطناه عن بعضهم‏.‏ هذا كلام القاضي‏.‏ وقيل هو على ظاهره بإثبات إن في الموضعين والأولى مشددة‏.‏ ومعناه إن الله قادر على أن يعذبني ويكون هذا على قول من تأويل الرواية الأولى على أنه أراد بقدر ضيق، أو غيره‏.‏ مما ليس فيه نفي حقيقة القدرة‏.‏ ويجوز أن يكون على ظاهره كما ذكر هذا القائل‏.‏ لكن يكون قوله هنا معناه إن الله قادر على أن يعذبني إن دفنتموني بهيئتي‏.‏ وأما إن سحقتموني وذريتموني في البر والبحر فلا يقدر علي‏.‏ ويكون جوابه كما سبق‏.‏ ‏(‏ففعلوا ذلك به وربي‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ صحيح مسلم‏.‏ وربي‏.‏ على القسم‏.‏ ونقل القاضي عياض رحمه الله الاتفاق عليه أيضا في كتاب مسلم‏.‏ قال‏:‏ وهو على القسم من المخبر بذلك عنهم لتصحيح خبره‏.‏ وفي صحيح البخاري‏:‏ فأخذ منهم ميثاقا وربي‏!‏ ففعلوا ذلك به‏.‏ قال بعضهم‏:‏ وهو الصواب‏.‏ قال القاضي‏.‏ بل هما متقاربان في المعنى والقسم‏.‏ ‏(‏تلافاه غيرها‏)‏ أي ما تداركه‏.‏ والتاء فيه زائدة‏.‏ والتلافي تدارك شيء بعد أن فات‏]‏‏.‏

28 – ‏(‏2757‏)‏ وحدثناه يحيى بن حبيب الحارثي‏.‏ حدثنا معتمر بن سليمان قال‏:‏ قال لي أبي‏:‏ حدثنا قتادة‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا الحسن بن موسى‏.‏ حدثنا شيبان بن عبدالرحمن‏.‏ ح وحدثنا ابن المثنى‏.‏ حدثنا أبو الوليد‏.‏ حدثنا أبو عوانة‏.‏ كلاهما عن قتادة‏.‏ ذكروا جميعا بإسناد شعبة نحو حديثه‏.‏ وفي حديث شيبان وأبي عوانة ‏”‏أن رجلا من الناس رغسه الله مالا وولدا‏”‏‏.‏ وفي حديث التيمي ‏”‏فإنه لم يبتئر عند الله خيرا‏”‏ قال فسرها قتادة‏:‏ لم يدخر عند الله خيرا‏.‏ وفي حديث شيبان ‏”‏فإنه‏.‏ والله‏!‏ ما ابتأر عند الله خيرا‏”‏‏.‏ وفي حديث أبي عوانة ‏”‏ما امتأر‏”‏ بالميم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏رغسه الله مالا وولدا‏)‏ قال الإمام الزمخشري في الفائق‏:‏ الرغس والرغد نظيران في الدلالة على السعة والنعمة يقال‏:‏ عيش مرغس أي منعم واسع‏.‏ وأرغد القوم‏:‏ إذا صاروا في سعة ونعمة‏.‏ ورغس الله فلانا، إذا وسع عليه النعمة، وبارك في أمره، وفلان مرغوس‏.‏ ‏(‏ما امتأر‏)‏ الميم مبدلة من الباء‏]‏‏.‏

*3* 5 – باب قبول التوبة من الذنوب، وإن تكررت الذنوب والتوبة

29 – ‏(‏2758‏)‏ حدثني عبدالأعلى بن حماد‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن عبدالرحمن بن أبي عمرة، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم، فيما يحكي عن ربه عز وجل قال ‏”‏أذنب عبد ذنبا‏.‏ فقال‏:‏ اللهم‏!‏ اغفر لي ذنبي‏.‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنبا، فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب‏.‏ ثم عاد فأذنب‏.‏ فقال‏:‏ أي رب‏!‏ اغفر لي ذنبي‏.‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ عبدي أذنب ذنبا‏.‏ فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب‏.‏ ثم عاد فأذنب فقال‏:‏ أي رب‏!‏ اغفر لي ذنبي‏.‏ فقال تبارك وتعالى‏:‏ أذنب عبدي ذنبا‏.‏ فعلم أن له ربا يغفر الذنب، ويأخذ بالذنب‏.‏ اعمل ما شئت فقد غفرت لك‏”‏‏.‏

قال عبدالأعلى‏:‏ لا أدري أقال في الثالثة أو الرابعة ‏”‏اعمل ما شئت‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏اعمل ما شئت فقد غفرت لك‏)‏ معناه ما دمت تذنب ثم تتوب، غفرت لك‏]‏‏.‏

29-م – ‏(‏2758‏)‏ قال أبو أحمد‏:‏ حدثني محمد بن زنجوية القرشي القشيري‏.‏ حدثنا عبدالأعلى بن حماد النرسي، بهذا الإسناد‏.‏

30 – ‏(‏2758‏)‏ حدثني عبد بن حميد‏.‏ حدثني أبو الوليد‏.‏ حدثنا همام‏.‏ حدثنا إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة‏.‏ قال‏:‏ كان بالمدينة قاص يقال له عبدالرحمن بن أبي عمرة‏.‏ قال‏:‏ فسمعته يقول‏:‏ سمعت أبا هريرة يقول‏:‏

سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏إن عبدا أذنب ذنبا‏”‏ بمعنى حديث حماد بن سلمة‏.‏ وذكر ثلاث مرات، أذنب ذنبا‏.‏ وفي الثالثة‏:‏ قد غفرت لعبدي فليعمل ما شاء‏.‏

31 – ‏(‏2759‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا عبيدة يحدث عن أبي موسى،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏إن الله عز وجل يبسط يده بالليل، ليتوب مسيء النهار‏.‏ ويبسط يده بالنهار، ليتوب مسيء الليل‏.‏ حتى تطلع الشمس من مغربها‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏يبسط يده‏)‏ قال المازري‏:‏ المراد به قبول التوبة‏.‏ وإنما ورد لفظ بسط اليد، لأن العرب، إذا رضي أحدهم الشيء، بسط يده لقبوله‏.‏ وإذا كرهه قبضها عنه‏.‏ فخوطبوا بأمر حسي يفهمونه‏.‏ وهو مجاز‏]‏‏.‏

31-م – ‏(‏2759‏)‏ وحدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثنا أبو داود‏.‏ حدثنا شعبة، بهذا الإسناد، نحوه‏.‏

*3* 6 – باب غيرة الله تعالى، وتحريم الفواحش

32 – ‏(‏2760‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وإسحاق بن إبراهيم ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال عثمان‏:‏ حدثنا‏)‏ جرير عن الأعمش، عن أبي وائل، عن عبدالله، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏ليس أحد أحب إليه المدح من الله‏.‏ من أجل ذلك مدح نفسه‏.‏ وليس أحد أغير من الله، من أجل ذلك حرم الفواحش‏”‏‏.‏

33 – ‏(‏2760‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن نمير وأبو كريب‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو معاوية‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا عبدالله بن نمير وأبو معاوية عن الأعمش، عن شقيق، عن عبدالله، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏لا أحد أغير من الله، ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏.‏ ولا أحد أحب إليه المدح من الله‏”‏‏.‏

34 – ‏(‏2760‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى وابن بشار‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة عن عمرو بن مرة‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبا وائل يقول‏:‏ سمعت عبدالله بن مسعود يقول ‏(‏قلت له‏:‏ آنت سمعته من عبدالله‏؟‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ ورفعه‏)‏؛

أنه قال ‏”‏لا أحد أغير من الله‏.‏ ولذلك حرم الفواحش ما ظهر منها وما بطن‏.‏ ولا أحد أحب إليه المدح من الله، ولذلك مدح نفسه‏”‏‏.‏

35 – ‏(‏2760‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة وزهير بن حرب وإسحاق بن إبراهيم ‏(‏قال إسحاق‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا‏)‏ جرير عن الأعمش، عن مالك بن الحارث، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبدالله بن مسعود، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏ليس أحد أحب إليه المدح من الله عز وجل‏.‏ من أجل ذلك مدح نفسه‏.‏ وليس أحد أغير من الله‏.‏ من أجل ذلك حرم الفواحش‏.‏ وليس أحد أحب إليه العذر من الله‏.‏ من أجل ذلك أنزل الكتاب وأرسل الرسل‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وليس أحد أحب إليه العذر من الله‏)‏ قال القاضي‏:‏ يحتمل أن المراد الاعتذار‏.‏ أي اعتذار العباد إليه من تقصيرهم، وتوبتهم من معاصيهم، فيغفر لهم‏.‏ كما قال تعالى‏:‏ وهو الذي يقبل التوبة عن عباده‏]‏‏.‏

36 – ‏(‏2761‏)‏ حدثنا عمرو الناقد‏.‏ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم بن علية عن حجاج بن أبي عثمان‏.‏ قال‏:‏ قال يحيى‏:‏ وحدثني أبو سلمة عن أبي هريرة قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏إن الله يغار‏.‏ وإن المؤمن يغار‏.‏ وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم عليه‏”‏‏.‏

‏(‏2762‏)‏ قال يحيى‏:‏ وحدثني أبو سلمة؛ أن عروة بن الزبير حدثه؛ أن أسماء بنت أبي بكر حدثته؛

أنها سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏”‏ليس شيء أغير من الله عز وجل‏”‏‏.‏

‏(‏2761‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا أبو داود‏.‏ حدثنا أبان بن يزيد وحرب بن شداد عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن أبي هريرة، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثل رواية حجاج‏.‏ حديث أبي هريرة خاصة‏.‏ ولم يذكر حديث أسماء‏.‏

37 – ‏(‏2762‏)‏ وحدثنا محمد بن أبي بكر المقدمي‏.‏ حدثنا بشر بن المفضل عن هشام، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة، عن عروة، عن أسماء،

عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال ‏”‏لا شيء أغير من الله عز وجل‏”‏‏.‏

38 – ‏(‏2761‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا عبدالعزيز ‏(‏يعني ابن محمد‏)‏ عن العلاء، عن أبيه، عن أبي هريرة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏المؤمن يغار‏.‏ والله أشد غيرا‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏والله أشد غيرا‏)‏ هكذا هو في النسخ‏:‏ غيرا‏.‏ بفتح الغين وإسكان الياء، منصوب بالألف، وهو الغيرة‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الغيرة والغير والغار بمعنى‏]‏‏.‏

38-م – ‏(‏2761‏)‏ وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة قال‏:‏ سمعت العلاء، بهذا الإسناد‏.‏

*3* 7 – باب قوله تعالى‏:‏ إن الحسنات يذهبن السيئات

39 – ‏(‏2763‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد وأبو كامل، فضيل بن حسين الجحدري‏.‏ كلاهما عن يزيد بن زريع ‏(‏واللفظ لأبي كامل‏)‏‏.‏ حدثنا يزيد‏.‏ حدثنا التيمي عن أبي عثمان، عن عبدالله بن مسعود؛

أن رجلا أصاب من امرأة قبلة‏.‏ فأتى النبي صلى الله عليه وسلم فذكر ذلك له‏.‏ قال فنزلت‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل، إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين‏}‏ ‏[‏11 /هود /114‏]‏‏.‏ قال فقال الرجل‏:‏ ألي هذه‏؟‏ يا رسول الله‏!‏ قال ‏”‏لمن عمل بها من أمتي‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وزلفى من الليل‏)‏ هي ساعاته‏.‏ ويدخل في صلاة طرفي النهار، الصبح والظهر والعصر‏.‏ وفي زلفى من الليل، المغرب والعشاء‏]‏‏.‏

40 – ‏(‏2763‏)‏ حدثنا محمد بن عبدالأعلى‏.‏ حدثنا المعتمر عن أبيه‏.‏ حدثنا أبو عثمان عن ابن مسعود؛

أن رجلا أتى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أنه أصاب من امرأة، إما قبلة، أو مسا بيد، أو شيئا‏.‏ كأنه يسأل عن كفارتها‏.‏ قال فأنزل الله عز وجل‏.‏ ثم ذكر بمثل حديث يزيد‏.‏

41 – ‏(‏2763‏)‏ حدثنا عثمان بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا جرير عن سليمان التيمي، بهذا الإسناد‏.‏ قال‏:‏

أصاب رجل من امرأة شيئا دون الفاحشة‏.‏ فأتى عمر بن الخطاب فعظم عليه‏.‏ ثم أتى أبا بكر فعظم عليه‏.‏ ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر بمثل حديث يزيد والمعتمر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏دون الفاحشة‏)‏ أي دون الزنى في الفرج‏]‏‏.‏

42 – ‏(‏2763‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى وقتيبة بن سعيد وأبو بكر بن أبي شيبة – واللفظ ليحيى – ‏(‏قال يحيى‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا‏)‏ أبو الأحوص عن سماك، عن إبراهيم، عن علقمة والأسود، عن عبدالله قال‏:‏

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني عالجت امرأة في أقصى المدينة‏.‏ وإني أصبت منها ما دون أن أمسها‏.‏ فأنا هذا‏.‏ فاقض في ما شئت‏.‏ فقال له عمر‏:‏ لقد سترك الله، لو سترت نفسك‏.‏ قال فلم يرد النبي صلى الله عليه وسلم شيئا‏.‏ فقام الرجل فانطلق‏.‏ فأتبعه النبي صلى الله عليه وسلم رجلا دعاه، وتلا عليه هذه الآية‏:‏ ‏{‏أقم الصلاة طرفي النهار وزلفى من الليل إن الحسنات يذهبن السيئات ذلك ذكرى للذاكرين‏}‏ ‏[‏11 /هود /114‏]‏‏.‏ فقال رجل من القوم‏:‏ يا نبي الله‏!‏ هذا له خاصة‏؟‏ قال ‏”‏بل للناس كافة‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إني عالجت امرأة‏)‏ معنى عالجها أي تناولها واستمتع بها‏.‏ ‏(‏دون أن أمسها‏)‏ المراد بالمس الجماع‏.‏ ومعناه‏:‏ استمتعت بها، بالقبلة والمعانقة وغيرهما، من جميع أنواع الاستمتاع، إلا الجماع‏.‏ ‏(‏بل للناس كافة‏)‏ هكذا تستعمل كافة حالا‏.‏ أي كلهم‏.‏ ولا يضاف فيقال كافة الناس، ولا الكافة، بالألف واللام‏.‏ وهو معدود في تصحيف العوام ومن أشبههم‏]‏‏.‏

43 – ‏(‏2763‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا أبو النعمان، الحكم بن عبدالله العجلي‏.‏ حدثنا شعبة عن سماك بن حرب‏.‏ قال‏:‏ سمعت إبراهيم يحدث عن خاله الأسود، عن عبدالله،

عن النبي صلى الله عليه وسلم بمعنى حديث أبي الأحوص‏.‏ وقال في حديثه‏:‏ فقال معاذ‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هذا لهذا خاصة، أو لنا عامة‏؟‏ قال ‏”‏بل لكم عامة‏”‏‏.‏

44 – ‏(‏2764‏)‏ حدثنا الحسن بن علي الحلواني‏.‏ حدثنا عمرو بن عاصم‏.‏ حدثنا همام عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أنس، قال‏:‏

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أصبت حدا فأقمه علي‏.‏ قال‏:‏ وحضرت الصلاة فصلى مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فلما قضى الصلاة قال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني أصبت حدا فأقم في كتاب الله‏.‏ قال ‏”‏هل حضرت الصلاة معنا‏؟‏‏”‏ قال‏:‏ نعم‏.‏ قال ‏”‏قد غفر لك‏”‏‏.‏

45 – ‏(‏2765‏)‏ حدثنا نصر بن علي الجهضمي وزهير بن حرب ‏(‏واللفظ لزهير‏)‏ قالا‏:‏ حدثنا عمر بن يونس‏.‏ حدثنا عكرمة بن عمار‏.‏ حدثنا شداد‏.‏ حدثنا أبو أمامة قال‏:‏

بينما رسول الله صلى الله عليه وسلم في المسجد، ونحن قعود معه، إذ جاء رجل فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني أصبت حدا‏.‏ فأقمه علي‏.‏ فسكت عنه رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ثم أعاد فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني أصبت حدا‏.‏ فأقمه علي‏.‏ فسكت عنه‏.‏ وأقيمت الصلاة‏.‏ فلما انصرف نبي الله صلى الله عليه وسلم قال أبو أمامة‏:‏ فاتبع الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم حين انصرف‏.‏ واتبعت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنظر ما يرد على الرجل‏.‏ فلحق الرجل رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني أصبت حدا، فأقمه علي‏.‏ قال أبو أمامة‏:‏ فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏أرأيت حين خرجت من بيتك، أليس قد توضأت فأحسنت الوضوء‏؟‏‏”‏ قال‏:‏ بلى‏.‏ يا رسول الله‏!‏ قال ‏”‏ثم شهدت الصلاة معنا‏؟‏‏”‏ فقال نعم‏.‏ يا رسول الله‏!‏ قال فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏فإن الله قد غفر لك حدك‏.‏ – أو قال – ذنبك‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إني أصبت حدا فأقمه علي‏)‏ هذا الحد معناه معصية من المعاصي الموجبة للتعزير‏.‏ وهي هنا من الصغائر‏.‏ لأنها كفرتها الصلاة‏.‏ ولو كانت كبيرة موجبة لحد، أو غير موجبة له لم تسقط بالصلاة‏]‏‏.‏

*3* 8 – باب قبول توبة القاتل، وإن كثر قتله

46 – ‏(‏2766‏)‏ حدثنا محمد بن المثنى ومحمد بن بشار ‏(‏واللفظ لابن المثنى‏)‏‏.‏ قال‏:‏ حدثنا معاذ بن هشام‏.‏ حدثني أبي عن قتادة، عن أبي الصديق، عن أبي سعيد الخدري؛

أن نبي الله صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏كان فيمن كان قبلكم رجل قتل تسعة وتسعين نفسا‏.‏ فسأل عن أعلم أهل الأرض فدل على راهب فأتاه فقال‏:‏ إنه قتل تسعة وتسعين نفسا‏.‏ فهل له من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ فقتله‏.‏ فكمل به مائة‏.‏ ثم سأل عن أعلم أهل الأرض فدل على رجل عالم‏.‏ فقال‏:‏ إنه قتل مائة نفس‏.‏ فهل له من توبة‏؟‏ فقال‏:‏ نعم‏.‏ ومن يحول بينه وبين التوبة‏؟‏ انطلق إلى أرض كذا وكذا‏.‏ فإن بها أناسا يعبدون الله فاعبد الله معهم‏.‏ ولا ترجع إلى أرضك فإنها أرض سوء‏.‏ فانطلق حتى إذا نصف الطريق أتاه الموت‏.‏ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب‏.‏ فقالت ملائكة الرحمة‏:‏ جاء تائبا مقبلا بقلبه إلى الله‏.‏ وقالت ملائكة العذاب‏:‏ إنه لم يعمل خيرا قط‏.‏ فأتاه ملك في صورة آدمي‏.‏ فجعلوه بينهم‏.‏ فقال‏:‏ قيسوا ما بين الأرضين‏.‏ فإلى أيتهما كان أدنى، فهو له‏.‏ فقاسوه فوجدوه أدنى إلى الأرض التي أراد‏.‏ فقبضته ملائكة الرحمة‏”‏

قال قتادة‏:‏ فقال الحسن‏:‏ ذكر لنا؛ أنه لما أتاه الموت نأى بصدره‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نصف‏)‏ أي بلغ نصفها‏.‏ ‏(‏نأى‏)‏ أي نهض‏.‏ ويجوز تقديم الألف على الهمزة، وعكسه‏]‏‏.‏

47 – ‏(‏2766‏)‏ حدثني عبيدالله بن معاذ العنبري‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ حدثنا شعبة عن قتادة؛ أنه سمع أبا الصديق الناجي، عن أبي سعيد الخدري،

عن النبي صلى الله عليه وسلم؛ ‏”‏أن رجلا قتل تسعة وتسعين نفسا‏.‏ فجعل يسأل‏:‏ هل له من توبة‏؟‏ فأتى راهبا فسأله فقال‏:‏ ليست لك توبة‏.‏ فقتل الراهب‏.‏ ثم جعل يسأل‏.‏ ثم خرج من قرية إلى قرية فيها قوم صالحون‏.‏ فلما كان في بعض الطريق أدركه الموت‏.‏ فنأى بصدره‏.‏ ثم مات‏.‏ فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب‏.‏ فكان إلى القرية الصالحة أقرب منها بشبر‏.‏ فجعل من أهلها‏”‏‏.‏

48 – ‏(‏2766‏)‏ حدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثنا ابن أبي عدي‏.‏ حدثنا شعبة عن قتادة، بهذا الإسناد، نحو حديث معاذ بن معاذ‏.‏ وزاد فيه ‏”‏فأوحى الله إلى هذه‏:‏ أن تباعدي‏.‏ وإلى هذه‏:‏ أن تقربي‏”‏‏.‏

49 – ‏(‏2767‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا أبو أسامة عن طلحة بن يحيى، عن أبي بردة، عن أبي موسى قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏إذا كان يوم القيامة، دفع الله عز وجل إلى كل مسلم يهوديا أو نصرانيا‏.‏ فيقول هذا فكاكك من النار‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فكاكك‏)‏ بفتح الفاء وكسرها، والفتح أفصح وأشهر، وهو الخلاص والفداء‏]‏

50 – ‏(‏2767‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا عفان بن مسلم‏.‏ حدثنا همام‏.‏ حدثنا قتادة؛ أن عونا وسعيد بن أبي بردة حدثاه؛ أنهما شهدا أبا بردة يحدث عمر بن عبدالعزيز عن أبيه،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏لا يموت رجل مسلم إلا أدخل الله مكانه، النار، يهوديا أو نصرانيا‏”‏ قال فاستحلفه عمر بن عبدالعزيز بالله الذي لا إله إلا هو‏!‏ ثلاث مرات أن أباه حدثه عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال فحلف له‏.‏ قال فلم يحدثني سعيد أنه استحلفه‏.‏ ولم ينكر على عون قوله‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فاستحلفه عمر بن عبدالعزيز‏)‏ إنما استحلفه لزيادة الاستيثاق والطمأنينة‏.‏ ولما حصل له من السرور بهذه البشارة العظيمة للمسلمين أجمعين‏.‏ ولأنه، إذا كان فيه شك وخوف غلظ، أو نسيان أو اشتباه، أو نحو ذلك، أمسك عن اليمين‏.‏ فإذا حلف تحقق انتفاء هذه الأمور وعرف صحة الحديث‏.‏ وقد جاء عن عمر بن عبدالعزيز والشافعي، رحمهما الله، أنهما قالا‏:‏ هذا الحديث أرجى حديث للمسلمين‏]‏

50-م – ‏(‏2767‏)‏ حدثنا إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن المثنى‏.‏ جميعا عن عبدالصمد بن عبدالوارث‏.‏ أخبرنا همام‏.‏

حدثنا قتادة، بهذا الإسناد، نحو حديث عفان‏.‏ وقال‏:‏ عون بن عتبة‏.‏

51 – ‏(‏2767‏)‏ حدثنا محمد بن عمرو بن عباد بن جبلة بن أبي رواد‏.‏ حدثنا حرمي بن عمارة‏.‏ حدثنا شداد، أبو طلحة الراسبي عن غيلان بن جرير، عن أبي بردة، عن أبيه،

عن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏”‏يجيء الناس يوم القيامة، ناس من المسلمين، بذنوب أمثال الجبال‏.‏ فيغفرها الله لهم‏.‏ ويضعها على اليهود والنصارى‏”‏ فيما أحسب أنا‏.‏ قال أبو روح‏:‏ لا أدري ممن الشك‏.‏

قال أبو بردة‏:‏ فحدثت به عمر بن عبدالعزيز فقال‏:‏ أبوك حدثك هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم‏؟‏ قلت نعم‏.‏

52 – ‏(‏2768‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا إسماعيل بن إبراهيم عن هشام الدستوائي، عن قتادة، عن صفوان بن محرز قال‏:‏

قال رجل لابن عمر‏:‏ كيف سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في النجوى‏؟‏ قال‏:‏ سمعته يقول ‏”‏يدني المؤمن يوم القيامة من ربه عز وجل‏.‏ حتى يضع عليه كنفه‏.‏ فيقرره بذنوبه‏.‏ فيقول‏:‏ هل تعرف‏؟‏ فيقول‏:‏ أي رب‏!‏ أعرف‏.‏ قال‏:‏ فإني قد سترتها عليك في الدنيا، وإني أغفرها لك اليوم‏.‏ فيعطى صحيفة حسناته‏.‏ وأما الكفار والمنافقون فينادى بهم على رؤوس الخلائق‏:‏ هؤلاء الذي كذبوا على الله‏”‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كنفه‏)‏ هو ستره و عفوه‏]‏‏.‏

*3* 9 – باب حديث توبة كعب بن مالك وصاحبيه

53 – ‏(‏2769‏)‏ حدثني أبو الطاهر، أحمد بن عمرو بن عبدالله بن عمرو بن سرح، مولى بني أمية‏.‏ أخبرني ابن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ قال‏:‏

ثم غزا رسول الله صلى الله عليه وسلم غزوة تبوك‏.‏ وهو يريد الروم ونصارى العرب بالشام‏.‏ قال ابن شهاب‏:‏ فأخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك؛ أن عبدالله بن كعب كان قائد كعب، من بنيه، حين عمي‏.‏ قال‏:‏ سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك‏.‏ قال كعب بن مالك‏:‏ لم أتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط‏.‏ إلا في غزوة تبوك‏.‏ غير أني قد تخلفت في غزوة بدر‏.‏ ولم يعاتب أحدا تخلف عنه‏.‏ إنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون يريدون عير قريش‏.‏ حتى جمع الله بينهم وبين عدوهم، على غير ميعاد‏.‏ ولقد شهدت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلة العقبة‏.‏ حين تواثقنا على الإسلام‏.‏ وما أحب أن لي بها مشهد بدر‏.‏ وإن كانت بدر أذكر في الناس منها‏.‏ وكان من خبري، حين تخلفت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، في غزوة تبوك، أني لم أكن قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنه في تلك الغزوة‏.‏ والله‏!‏ ما جمعت قبلها راحلتين قط‏.‏ حتى جمعتهما في تلك الغزوة‏.‏ فغزاها رسول الله صلى الله عليه وسلم في حر شديد‏.‏ واستقبل سفرا بعيدا ومفازا‏.‏ واستقبل عدوا كثيرا‏.‏ فجلا للمسلمين أمرهم ليتأهبوا أهبة غزوهم‏.‏ فأخبرهم بوجههم الذي يريد‏.‏ والمسلمون مع رسول الله صلى الله عليه وسلم كثير‏.‏ ولا يجمعهم كتاب حافظ ‏(‏يريد، بذلك، الديوان‏)‏‏.‏ قال كعب‏:‏ فقل رجل يريد أن يتغيب، يظن أن ذلك سيخفى له، ما لم ينزل فيه وحي من الله عز وجل‏.‏ وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم تلك الغزوة حين طابت الثمار والظلال‏.‏ فأنا إليها أصعر‏.‏ فتجهز رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون معه‏.‏ وطفقت أغدو لكي أتجهز معهم‏.‏ فأرجع ولم أقض شيئا‏.‏ وأقول في نفسي‏:‏ أنا قادر على ذلك، إذا أردت‏.‏ فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى استمر بالناس الجد‏.‏ فأصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم غاديا والمسلمون معه‏.‏ ولم أقض من جهازي شيئا‏.‏ ثم غدوت فرجعت ولم أقض شيئا‏.‏ فلم يزل ذلك يتمادى بي حتى أسرعوا وتفارط الغزو‏.‏ فهممت أن أرتحل فأدركهم‏.‏ فيا ليتني فعلت‏.‏ ثم لم يقدر ذلك لي‏.‏ فطفقت، إذا خرجت في الناس، بعد خروج رسول الله صلى الله عليه وسلم، يحزنني أني لا أرى لي أسوة‏.‏ إلا رجلا مغموصا عليه في النفاق‏.‏ أو رجلا ممن عذر الله من الضعفاء‏.‏ ولم يذكرني رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى بلغ تبوكا فقال، وهو جالس في القوم بتبوك ‏”‏ما فعل كعب بن مالك‏؟‏‏”‏ قال رجل من بني سلمة‏:‏ يا رسول الله‏!‏ حبسه براده والنظر في عطفيه‏.‏ فقال له معاذ بن جبل‏:‏ بئس ما قلت‏.‏ والله‏!‏ يا رسول الله‏!‏ ما علمنا عليه إلا خيرا‏.‏ فسكت رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فبينما هو على ذلك رأى رجلا مبيضا يزول به السراب فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏كن أبا خيثمة ‏”‏، فإذا هو أبو خيثمة الأنصاري‏.‏ وهو الذي تصدق بصاع التمر حين لمزه المنافقون‏.‏

فقال كعب بن مالك‏:‏ فلما بلغني أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد توجه قافلا من تبوك، حضرني بثي‏.‏ فطفقت أتذكر الكذب وأقول‏:‏ بم أخرج من سخطه غدا‏؟‏ وأستعين على ذلك كل ذي رأي من أهلي‏.‏ فلما قيل لي‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم قد أظل قادما، زاح عني الباطل‏.‏ حتى عرفت أني لن أنجو منه بشيء أبدا‏.‏ فأجمعت صدقة‏.‏ وصبح رسول الله صلى الله عليه وسلم قادما‏.‏ وكان، إذا قدم من سفر، بدأ بالمسجد فركع فيه ركعتين‏.‏ ثم جلس للناس‏.‏ فلما فعل ذلك جاءه المخلفون‏.‏ فطفقوا يعتذرون إليه‏.‏ ويحلفون له‏.‏ وكانوا بضعة وثمانين رجلا‏.‏ فقبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم علانيتهم‏.‏ وبايعهم واستغفر لهم‏.‏ ووكل سرائرهم إلى الله‏.‏ حتى جئت‏.‏ فلما سلمت، تبسم تبسم المغضب ثم قال ‏”‏تعال‏”‏ فجئت أمشي حتى جلست بين يديه‏.‏ فقال لي ‏”‏ما خلفك‏؟‏ ألم تكن قد ابتعت ظهرك‏؟‏‏”‏ قال قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إني، والله‏!‏ لو جلست عند غيرك من أهل الدنيا، لرأيت أني سأخرج من سخطه بعذر‏.‏ ولقد أعطيت جدلا‏.‏ ولكني، والله‏!‏ لقد علمت، لئن حدثتك اليوم حديث كذب ترضى به عني، ليوشكن الله أن يسخطك علي‏.‏ ولئن حدثتك حديث صدق تجد علي فيه، إني لأرجو فيه عقبى الله‏.‏ والله‏!‏ ما كان لي عذر‏.‏ والله‏!‏ ما كنت قط أقوى ولا أيسر مني حين تخلفت عنك‏.‏ قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏أما هذا، فقد صدق‏.‏ فقم حتى يقضي الله فيك‏”‏ فقمت‏.‏ وثار رجال من بني سلمة فاتبعوني‏.‏ فقالوا لي‏:‏ والله‏!‏ ما علمناك أذنبت ذنبا قبل هذا‏.‏ لقد عجزت في أن لا تكون اعتذرت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، بما اعتذر به إليه المخلفون‏.‏ فقد كان كافيك ذنبك، استغفار رسول الله صلى الله عليه وسلم لك‏.‏

قال‏:‏ فوالله‏!‏ ما زالوا يؤنبونني حتى أردت أن أرجع إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأكذب نفسي قال ثم قلت لهم‏:‏ هل لقي هذا معي من أحد‏؟‏ قالوا‏:‏ نعم‏.‏ لقيه معك رجلان‏.‏ قالا مثل ما قلت‏.‏ فقيل لهما مثل ما قيل لك‏.‏ قال قلت‏:‏ من هما‏؟‏ قالوا‏:‏ مرارة بن ربيعة العامري، وهلال بن أمية الواقفي‏.‏ قال فذكروا لي رجلين صالحين قد شهدا بدرا فيهما أسوة‏.‏ قال فمضيت حين ذكروهما لي‏.‏

قال ونهى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسلمين عن كلامنا، أيها الثلاثة، من بين من تخلف عنه‏.‏ قال، فاجتنبنا الناس‏.‏ وقال، تغيروا لنا حتى تنكرت لي في نفسي الأرض‏.‏ فما هي بالأرض التي أعرف‏.‏ فلبثنا على ذلك خمسين ليلة‏.‏ فأما صاحباي فاستكانا وقعدا في بيوتهما يبكيان‏.‏ وأما أنا فكنت أشب القوم وأجلدهم‏.‏ فكنت أخرج فأشهد الصلاة وأطوف في الأسواق ولا يكلمني أحد‏.‏ وآتي رسول الله صلى الله عليه وسلم فأسلم عليه، وهو في مجلسه بعد الصلاة‏.‏ فأقول في نفسي‏:‏ هل حرك شفتيه برد السلام، أم لا‏؟‏ ثم أصلي قريبا منه وأسارقه النظر‏.‏ فإذا أقبلت على صلاتي نظر إلي‏.‏ وإذا التفت نحوه أعرض عني‏.‏ حتى إذا طال ذلك علي من جفوة المسلمين، مشيت حتى تسورت جدار حائط أبي قتادة، وهو ابن عمي، وأحب الناس إلي‏.‏ فسلمت عليه‏.‏ فوالله‏!‏ ما رد علي السلام‏.‏ فقلت له‏:‏ يا أبا قتادة‏!‏ أنشدك بالله‏!‏ هل تعلمن أني أحب الله رسوله‏؟‏ قال فسكت‏.‏ فعدت فناشدته‏.‏ فسكت فعدت فنا شدته‏.‏ فقال‏:‏ الله ورسوله أعلم‏.‏ ففاضت عيناي، وتوليت، حتى تسورت الجدار‏.‏ فبينا أنا أمشي في سوق المدينة، إذا نبطي من نبط أهل الشام، ممن قدم بالطعام يبيعه بالمدينة‏.‏ يقول‏:‏ من يدل على كعب بن مالك‏.‏ قال فطفق الناس يشيرون له إلي‏.‏ حتى جاءني فدفع إلي كتابا من ملك غسان‏.‏ وكنت كاتبا‏.‏ فقرأته فإذا فيه‏:‏ أما بعد‏.‏ فإنه قد بلغنا أن صاحبك قد جفاك‏.‏ ولم يجعلك الله بدار هوان ولا مضيعة‏.‏ فالحق بنا نواسك‏.‏ قال فقلت، حين قرأتها‏:‏ وهذه أيضا من البلاء‏.‏ فتياممت بها التنور فسجرتها بها‏.‏ حتى إذا مضت أربعون من الخمسين، واستلبث الوحي، إذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يأتيني فقال‏:‏ إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمرك أن تعتزل امرأتك‏.‏ قال فقلت‏:‏ أطلقها أم ماذا أفعل‏؟‏ قال‏:‏ لا‏.‏ بل اعتزلها‏.‏ فلا تقربنها‏.‏ قال فأرسل إلى صاحبي بمثل ذلك‏.‏ قال فقلت لامرأتي‏:‏ الحقي بأهلك فكوني عندهم حتى يقضي الله في هذا الأمر‏.‏ قال فجاءت امرأة هلال بن أمية رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالت له‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن هلال بن أمية شيخ ضائع ليس له خادم‏.‏ فهل تكره أن أخدمه‏؟‏ قال ‏”‏لا‏.‏ ولكن لا يقربنك‏”‏ فقالت‏:‏ إنه، والله‏!‏ ما به حركة إلى شئ‏.‏ ووالله‏!‏ ما زال يبكي منذ كان من أمره ما كان‏.‏ إلى يومه هذا‏.‏

قال فقال لي بعض أهلي‏:‏ لو استأذنت رسول الله صلى الله عليه وسلم في امرأتك‏؟‏ فقد أذن لامرأة هلال بن أمية أن تخدمه‏.‏ قال فقلت‏:‏ لا استأذن فيها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وما يدريني ماذا يقول رسول الله صلى الله عليه وسلم، إذا استأذنته فيها، وأنا رجل شاب‏.‏ قال فلبثت بذلك عشر ليال‏.‏ فكمل لنا خمسون ليلة من حين نهي عن كلامنا‏.‏ قال ثم صليت صلاة الفجر صباح خمسين ليلة، على ظهر بيت من بيوتنا‏.‏ فبينا أنا جالس على الحال التي ذكر الله عز وجل منا‏.‏ قد ضاقت علي نفسي وضاقت علي الأرض بما رحبت، سمعت صوت صارخ أوفى على سلع يقول، بأعلى صوته‏:‏ يا كعب بن مالك‏!‏ أبشر‏.‏ قال فخررت ساجدا‏.‏ وعرفت أن قد جاء فرج‏.‏ قال فآذن رسول الله صلى الله عليه وسلم الناس بتوبة الله علينا، حين صلى صلاة الفجر‏.‏ فذهب الناس يبشروننا‏.‏ فذهب قبل صاحبي مبشرون‏.‏ وركض رجل إلي فرسا‏.‏ وسعى ساع من أسلم قبلي‏.‏ وأوفى الجبل‏.‏ فكان الصوت أسرع من الفرس‏.‏ فلما جاءني الذي سمعت صوته يبشرني‏.‏ فنزعت له ثوبي فكسوتهما إياه ببشارته‏.‏ والله‏!‏ ما أملك غيرهما يومئذ‏.‏ واستعرت ثوبين فلبستهما‏.‏ فانطلقت أتأمم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ يتلقاني الناس فوجا فوجا، يهنئونني بالتوبة ويقولون‏:‏ لتهنئك توبة الله عليك‏.‏ حتى دخلت المسجد، فإذا رسول الله صلى الله عليه وسلم جالس في المسجد، وحوله الناس‏.‏ فقام طلحة بن عبيدالله يهرول حتى صافحني وهنأني‏.‏ والله‏!‏ ما قام رجل من المهاجرين غيره‏.‏ قال فكان كعب لا ينساها لطلحة‏.‏

قال كعب‏:‏ فلما سلمت على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال، وهو يبرق وجهه من السرور ويقول ‏”‏أبشر بخير يوم مر عليك منذ ولدتك أمك‏”‏ قال فقلت‏:‏ أمن عندك‏؟‏ يا رسول الله‏!‏ أم من عند الله‏؟‏ فقال ‏”‏لا‏.‏ بل من عند الله‏”‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا سر استنار وجهه‏.‏ كأن وجهه قطعة قمر‏.‏ قال وكنا نعرف ذلك‏.‏ قال فلما جلست بين يديه قلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن من توبتي أن أنخلع من مالي صدقة إلى الله وإلى رسوله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ‏”‏فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏”‏أمسك بعض مالك‏.‏ فهو خير لك‏”‏ قال فقلت‏:‏ فإني أمسك سهمي الذي بخيبر‏.‏ قال وقلت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن الله إنما أنجاني بالصدق‏.‏ وإن من توبتي أن لا أحدث إلا صدقا ما بقيت‏.‏ قال فوالله‏!‏ ما علمت أن أحدا من المسلمين أبلاه الله في صدق الحديث، منذ ذكرت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم إلى يومي هذا، أحسن مما أبلاني الله به‏.‏ والله‏!‏ ما تعمدت كذبة منذ قلت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم، إلى يومي هذا‏.‏ وإني لأرجو أن يحفظني الله فيما بقي‏.‏

قال‏:‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏لقد تاب الله على النبي والمهاجرين والأنصار الذين اتبعوه في ساعة العسرة من بعد ما كاد يزيغ قلوب فريق منهم ثم تاب عليهم، إنه بهم رءوف رحيم* وعلى الثلاثة الذين خلفوا حتى ضاقت عليهم الأرض بما رحبت وضاقت عليهم أنفسهم‏}‏ ‏[‏9 /التوبة /117 و-118‏]‏ حتى بلغ‏:‏ ‏{‏يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وكونوا مع الصادقين‏}‏ ‏[‏9 /التوبة /119‏]‏‏.‏

قال كعب‏:‏ والله‏!‏ ما أنعم الله علي من نعمة قط، بعد إذ هداني الله للإسلام، أعظم في نفسي، من صدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ أن لا أكون كذبته فأهلك كما هلك الذين كذبوا‏.‏ إن الله قال للذين كذبوا، حين أنزل الوحي، شر ما قال لأحد‏.‏ وقال الله‏:‏ ‏{‏سيحلفون بالله لكم إذا انقلبتم إليهم لتعرضوا عنهم، فأعرضوا عنهم، إنهم رجس، ومأواهم جهنم جزاء بما كانوا يكسبون* يحلفون لكم لترضوا عنهم، فإن ترضوا عنهم فإن الله لا يرضى عن القوم الفاسقين‏}‏ ‏[‏9 /التوبة /95 و-96‏]‏‏.‏ قال كعب‏:‏ كنا خلفنا، أيها الثلاثة، عن أمر أولئك الذين قبل منهم رسول الله صلى الله عليه وسلم حين حلفوا له‏.‏ فبايعهم واستغفر لهم‏.‏ وأرجأ رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرنا حتى قضى الله فيه‏.‏ فبذلك قال الله عز وجل‏:‏ وعلى الثلاثة الذين خلفوا‏.‏ وليس الذي ذكر الله مما خلفنا، تخلفنا عن الغزو‏.‏ وإنما هو تخليفه إيانا، وإرجاؤه أمرنا، عمن حلف له واعتذر إليه فقبل منه‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ليلة العقبة‏)‏ هي الليلة التي بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم الأنصار فيها على الإسلام‏.‏ وأن يؤووه وينصروه‏.‏ وهي العقبة التي في طرف منى، التي يضاف إليها جمرة العقبة‏.‏ وكانت بيعة العقبة مرتين، في سنتين‏.‏ في السنة الأولى كانوا اثني عشر، وفي الثانية سبعين‏.‏ كلهم من الأنصار رضي الله عنهم‏.‏ ‏(‏تواثقنا على الإسلام‏)‏ أي تبايعنا عليه وتعاهدنا‏.‏ ‏(‏وإن كانت بدر أذكر‏)‏ أي أشهر عند الناس بالفضيلة‏.‏ ‏(‏ومفازا‏)‏ أي برية طويلة قليلة الماء، يخاف فيها الهلاك‏.‏ ‏(‏فجلا للمسلمين أمرهم‏)‏ أي كشفه وبينه وأوضحه‏.‏ وعرفهم ذلك على وجهه من غير تورية‏.‏ يقال‏:‏ جلوت الشيء كشفته‏.‏ ‏(‏ليتأهبوا أهبة غزوهم‏)‏ أي ليستعدوا بما يحتاجون إليه في سفرهم ذلك‏.‏ ‏(‏فأخبرهم بوجههم‏)‏ أي بمقصدهم‏.‏ ‏(‏فقل رجل يريد أن يتغيب‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏)‏ قال القاضي‏:‏ هكذا هو في جميع نسخ مسلم‏.‏ وصوابه‏:‏ إلا يظن أن ذلك سيخفى له‏.‏ بزيادة إلا‏.‏ وكذا رواه البخاري‏.‏ ‏(‏فأنا إليها أصعر‏)‏ أي أميل‏.‏ ‏(‏وتفارط الغزو‏)‏ أي تقدم الغزاة وسبقوا وفاتوا‏.‏ ‏(‏مغموصا عليه في النفاق‏)‏ أي متهما به‏.‏ ‏(‏حتى بلغ تبوكا‏)‏ هو في أكثر النسخ‏:‏ تبوكا، بالنصب‏.‏ وكذا هو في نسخ البخاري‏.‏ وكأنه صرفها لإرادة الموقع، دون البقعة‏.‏ ‏(‏والنظر في عطفيه‏)‏ أي جانبيه‏.‏ وهو إشارة إلى إعجابه بنفسه ولباسه‏.‏ ‏(‏مبيضا‏)‏ هو لابس البياض‏.‏ ويقال‏:‏ هم المبيضة والمسودة، أي لابسوا البياض والسواد‏.‏ ‏(‏يزول به السراب‏)‏ أي يتحرك وينهض‏.‏ والسراب هو ما يظهر للإنسان في الهواجر، في البراري، كأنه ماء‏.‏ ‏(‏كن أبا خيثمة‏)‏ قيل‏:‏ معناه أنت أبو خيثمة‏.‏ قال ثعلب‏:‏ العرب تقول‏:‏ كن زيدا، أي أنت زيد‏.‏ قال القاضي عياض‏:‏ والأشبه عندي أن كن هنا للتحقق والوجود‏.‏ أي لتوجد، يا هذا الشخص، أبا خيثمة حقيقة‏.‏ وهذا الذي قاله القاضي هو الصواب‏.‏ وهو معنى قول صاحب التحرير‏:‏ تقديره اللهم اجعله أبا خيثمة‏.‏ ‏(‏لمزه المنافقون‏)‏ أي عابوه واحتقروه‏.‏ ‏(‏توجه قافلا‏)‏ أي راجعا‏.‏ ‏(‏حضرني بثي‏)‏ هو أشد الحزن‏.‏ ‏(‏أظل قادما‏)‏ أي أقبل ودنا قدومه كأنه ألقى علي ظله‏.‏ ‏(‏زاح‏)‏ أي زال‏.‏ ‏(‏فأجمعت صدقة‏)‏ أي عزمت عليه‏.‏ يقال‏:‏ أجمع أمره وعلى أمره، وعزم عليه، بمعنى‏.‏ ‏(‏أعطيت جدلا‏)‏ أي فصاحة وقوة في الكلام وبراعة، بحيث أخرج عن عهدة ما ينسب إلي، إذا أردت‏.‏ ‏(‏ليوشكن‏)‏ أي ليسرعن‏.‏ ‏(‏تجد علي فيه‏)‏ أي تغضب‏.‏ ‏(‏إني لأرجو فيه عقبى الله‏)‏ أي أن يعقبني خيرا، وأن يثيبني عليه‏.‏ ‏(‏يؤنبونني‏)‏ أي يلومونني أشد اللوم‏.‏ ‏(‏العامري‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ مسلم‏:‏ العامري‏.‏ وأنكره العلماء وقالوا‏:‏ هو غلط إنما صوابه العمري‏.‏ من بني عمرو بن عوف‏.‏ وكذا ذكره البخاري‏.‏ وكذا نسبه محمد بن إسحاق وابن عبدالبر، وغيرهما من الأئمة‏.‏ قال القاضي‏:‏ هو الصواب‏.‏ ‏(‏أيها الثلاثة‏)‏ قال القاضي‏:‏ هو بالرفع، وموضعه نصب على الاختصاص‏.‏ قال سيبويه، نقلا عن العرب‏:‏ اللهم اغفر لنا، أيتها العصابة، وهذا مثله‏.‏ ‏(‏فما هي بالأرض التي أعرف‏)‏ معناه‏:‏ تغير علي كل شيء‏.‏ حتى الأرض، فإنها توحشت علي وصارت كأنها أرض لم أعرفها، بتوحشها علي‏.‏ ‏(‏فاستكانا‏)‏ أي خضعا‏.‏ ‏(‏أشب القوم وأجلدهم‏)‏ أي أصغرهم سنا وأقواهم‏.‏ ‏(‏حتى تسورت‏)‏ معنى تسورته علوته وصعدت سوره، وهو أعلاه‏.‏ ‏(‏أنشدك بالله‏)‏ أي أسألك بالله، وأصله من النشيد، وهو الصوت‏.‏ ‏(‏نبطي من نبط أهل الشام‏)‏ يقال‏:‏ النبط والأنباط والنبيط، وهم فلاحو العجم‏.‏ ‏(‏مضيعة‏)‏ فيها لغتان‏:‏ إحداهما مضيعة، والثانية مضيعة‏.‏ أي موضع وحال يضيع فيه حقك‏.‏ ‏(‏نواسك‏)‏ وفي بعض النسخ‏:‏ نواسيك، بزيادة ياء‏.‏ وهو صحيح، أي ونحن نواسيك، وقطعه عن جواب الأمر‏.‏ ومعناه نشاركك فيما عندنا‏.‏ ‏(‏فتياممت‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ ببلادنا، وهي لغة في تيممت‏.‏ ومعناها قصدت‏.‏ ‏(‏فسجرتها‏)‏ أي أحرقتها‏.‏ وأنث الضمير لأنه أراد معنى الكتاب، وهو الصحيفة‏.‏ ‏(‏واستلبث الوحي‏)‏ أي أبطأ‏.‏ ‏(‏وضاقت علي الأرض بما رحبت‏)‏ أي بما اتسعت‏.‏ ومعناه‏:‏ ضاقت علي الأرض مع أنها متسعة‏.‏ والرحب السعة‏.‏ ‏(‏أوفى على سلع‏)‏ أي صعده وارتفع عليه‏.‏ وسلع جبل بالمدينة معروف‏.‏ ‏(‏فآذن‏.‏‏.‏الناس‏)‏ أي أعلمهم‏.‏ ‏(‏أتأمم‏)‏ أي أقصد‏.‏ ‏(‏فوجا فوجا‏)‏ الفوج الجماعة‏.‏ ‏(‏أن أنخلع من مالي‏)‏ أي أخرج منه وأتصدق به‏.‏ ‏(‏أبلاه الله‏)‏ أي أنعم عليه‏.‏ والبلاء والإبلاء يكون في الخير والشر‏.‏ لكن إذا أطلق، كان للشر غالبا‏.‏ فإذا أريد الخير، قيد كما قيد هنا، فقال أحسن مما أبلاني‏.‏ ‏(‏أن لا أكون كذبته‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ مسلم، وكثير من روايات البخاري‏.‏ قال العلماء‏:‏ لفظة لا في قوله‏:‏ أن لا أكون، زائدة‏.‏ ومعناه‏:‏ أن أكون كذبته‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ما منعك أن لا تسجد إذ أمرتك‏.‏ ‏(‏وإرجاؤه أمرنا‏)‏ أي تأخيره‏]‏‏.‏

53-م – ‏(‏2769‏)‏ وحدثنيه محمد بن رافع‏.‏ حدثنا حجين بن المثنى‏.‏ حدثنا الليث عن عقيل، عن ابن شهاب‏.‏ بإسناد يونس عن الزهري‏.‏ سواء‏.‏

54 – ‏(‏2769‏)‏ وحدثني عبد بن حميد‏.‏ حدثني يعقوب بن إبراهيم بن سعد‏.‏ حدثنا محمد بن عبدالله بن مسلم، ابن أخي الزهري عن عمه، محمد بن مسلم الزهري‏.‏ أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك؛ أن عبيدالله بن كعب بن مالك، وكان قائد كعب حين عمى، قال‏:‏ سمعت كعب بن مالك يحدث حديثه، حين تخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة تبوك‏.‏ وساق الحديث‏.‏ وزاد فيه، على يونس‏:‏ فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قلما يريد غزوة إلا ورى بغيرها‏.‏ حتى كانت تلك الغزوة‏.‏ ولم يذكر، في حديث ابن أخي الزهري، أبا خيثمة ولحوقه بالنبي صلى الله عليه وسلم‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إن عبيدالله بن كعب‏)‏ كذا قال في هذه الرواية‏:‏ عبيدالله، بضم العين، مصغرا‏.‏ وكذا قاله في الرواية التي بعدها، رواية معقل بن عبيدالله عن الزهري عن عبدالرحمن عن عبيدالله بن كعب، مصغرا‏.‏ وقال قبلهما في رواية يونس المذكورة أول الحديث‏:‏ عن الزهري عن عبدالله بن كعب، مكبرا‏.‏ قال الدارقطني‏:‏ الصواب رواية من قال‏:‏ عبدالله، مكبرا‏.‏ ولم يذكر البخاري في الصحيح إلا رواية عبدالله، مكبرا، مع تكراره الحديث‏.‏ ‏(‏إلا ورى بغيرها‏)‏ أي أوهم غيرها‏.‏ وأصله من وراء‏.‏ كأنه جعل البيان وراء ظهره‏]‏‏.‏

55 – ‏(‏2769‏)‏ وحدثني سلمة بن شبيب‏.‏ حدثنا الحسن بن أعين‏.‏ حدثنا معقل ‏(‏وهو ابن عبيدالله‏)‏ عن الزهري‏.‏ أخبرني عبدالرحمن بن عبدالله بن كعب بن مالك عن عمه عبيدالله بن كعب‏.‏

وكان قائد كعب حين أصيب بصره‏.‏ وكان أعلم قومه وأوعاهم لأحاديث أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال‏:‏ سمعت أبي، كعب بن مالك، وهو أحد الثلاثة الذين تيب عليهم، يحدث؛ أنه لم يتخلف عن رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة غزاها قط‏.‏ غير غزوتين‏.‏ وساق الحديث وقال فيه‏:‏ وغزا رسول الله صلى الله عليه وسلم بناس كثير يزيدون على عشرة آلاف‏.‏ ولا يجمعهم ديوان حافظ‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وأوعاهم‏)‏ أي أحفظهم‏.‏ ‏(‏غير غزوتين‏)‏ المراد بهما غزوة بدر وغزوة تبوك‏.‏ ‏(‏يزيدون على عشرة آلاف‏)‏ هكذا وقع هنا زيادة على عشرة آلاف‏.‏ ولم يبين قدرها‏.‏ وقد قال أبو زرعة الرازي‏:‏ كانوا سبعين ألفا‏.‏ وقال ابن إسحاق‏:‏ كانوا ثلاثين ألفا‏.‏ وهذا أشهر‏.‏ وجمع بينهما بعض الأئمة بأن أبا زرعة عد التابع والمتبوع‏.‏ وابن إسحاق عد المتبوع فقط‏]‏‏.‏

*3* 10 – باب في حديث الإفك، وقبول توبة القاذف

56 – ‏(‏2770‏)‏ حدثنا حبان بن موسى‏.‏ أخبرنا عبدالله بن المبارك‏.‏ أخبرنا يونس بن يزيد الأيلي‏.‏ ح وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي ومحمد بن رافع وعبد بن حميد‏.‏ ‏(‏قال ابن رافع‏:‏ حدثنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ أخبرنا‏)‏ عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر‏.‏ والسياق حديث معمر من رواية عبد وابن رافع‏.‏ قال يونس ومعمر‏.‏ جميعا عن الزهري‏:‏ أخبرني سعيد بن المسيب وعروة بن الزبير وعلقمة بن وقاص وعبيدالله بن عبدالله بن عتبة بن مسعود عن حديث عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم حين قال لها أهل الإفك ما قالوا‏.‏ فبرأها الله مما قالوا‏.‏ وكلهم حدثني طائفة من حديثها‏.‏ وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض‏.‏ وأثبت اقتصاصا‏.‏ وقد وعيت عن كل واحد منهم الحديث الذي حدثني‏.‏ وبعض حديثهم يصدق بعضا‏.‏ ذكروا؛ أن عائشة، زوج النبي صلى الله عليه وسلم قالت‏:‏

كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا أراد أن يخرج سفرا، أقرع بين نسائه‏.‏ فأيتهن خرج سهمها، خرج بها رسول الله صلى الله عليه وسلم معه‏.‏ قالت عائشة‏:‏ فأقرع بيننا في غزوة غزاها‏.‏ فخرج سهمي‏.‏ فخرجت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ وذلك بعدما أنزل الحجاب‏.‏ فأنا أحمل هودجي، وأنزل فيه، مسيرنا‏.‏ حتى إذا فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من غزوه، وقفل، ودنونا من المدينة، آذن ليلة بالرحيل‏.‏ فقمت حين آذنوا بالرحيل‏.‏ فمشيت حتى جاوزت الجيش‏.‏ فلما قضيت من شأني أقبلت إلى الرحل‏.‏ فلمست صدري فإذا عقدي من جزع ظفار قد انقطع‏.‏ فرجعت فالتمست عقدي فحبسني ابتغاؤه‏.‏ وأقبل الرهط الذين كانوا يرحلون لي فحملوا هودجي‏.‏ فرحلوه على بعيري الذي كنت أركب‏.‏ وهم يحسبون أني فيه‏.‏ قالت‏:‏ وكانت النساء إذ ذاك خفافا‏.‏ لم يهبلن ولم يغشهن اللحم‏.‏ إنما يأكلن العلقة من الطعام‏.‏ فلم يستنكر القوم ثقل الهودج حين رحلوه ورفعوه‏.‏ وكنت جارية حديثة السن‏.‏ فبعثوا الجمل وساروا‏.‏ ووجدت عقدي بعد ما استمر الجيش‏.‏ فجئت منازلهم وليس بها داع ولا مجيب‏.‏ فتيممت منزلي الذي كنت فيه‏.‏ وظننت أن القوم سيفقدوني فيرجعون إلي‏.‏ فبينا أنا جالسة في منزلي غلبتني عيني فنمت‏.‏ وكان صفوان بن المعطل السلمي، ثم الذكواني، قد عرس من وراء الجيش فادلج‏.‏ فأصبح عند منزلي‏.‏ فرأى سواد إنسان نائم‏.‏ فأتاني فعرفني حين رآني‏.‏ وقد كان يراني قبل أن يضرب الحجاب علي‏.‏ فاستيقظت باسترجاعه حين عرفني‏.‏ فخمرت وجهي بجلبابي‏.‏ ووالله‏!‏ ما يكلمني كلمة ولا سمعت منه كلمة غير استرجاعه‏.‏ حتى أناخ راحلته‏.‏ فوطئ على يدها فركبتها‏.‏ فانطلق يقود بي الراحلة‏.‏ حتى أتينا الجيش‏.‏ بعد ما نزلوا موغرين في نحر الظهيرة‏.‏ فهلك من هلك في شأني‏.‏ وكان الذي تولى كبره‏.‏ عبدالله بن أبي بن سلول‏.‏

فقدمنا المدينة‏.‏ فاشتكيت، حين قدمنا المدينة، شهرا‏.‏ والناس يفيضون في قول أهل الإفك‏.‏ ولا أشعر بشيء من ذلك‏.‏ وهو يريبني في وجعي أني لا أعرف من رسول الله صلى الله عليه وسلم اللطف الذي كنت أرى منه حين أشتكي‏.‏ إنما يدخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيسلم ثم يقول ‏”‏كيف تيكم‏؟‏‏”‏ فذاك يريبني‏.‏ ولا أشعر بالشر‏.‏ حتى خرجت بعدما نقهت وخرجت معي أم مسطح قبل المناصع‏.‏ وهو متبرزنا‏.‏ ولا نخرج إلا ليلا إلى ليل‏.‏ وذلك قبل أن نتخذ الكنف قريبا من بيوتنا‏.‏ وأمرنا أمر العرب الأول في التنزه‏.‏ وكنا نتأذى بالكنف أن نتخذها عند بيوتنا‏.‏ فانطلقت أنا وأم مسطح، وهي بنت أبي رهم بن المطلب بن عبد مناف‏.‏ وأمها ابنة صخر بن عامر، خالة أبي بكر الصديق‏.‏ وابنها مسطح بن أثاثة بن عباد بن المطلب‏.‏ فأقبلت أنا وبنت أبي رهم قبل بيتي‏.‏ حين فرغنا من شأننا‏.‏ فعثرت أم مسطح في مرطها‏.‏ فقالت‏:‏ تعس مسطح‏.‏ فقلت لها‏:‏ بئس ما قلت‏.‏ أتسبين رجلا قد شهد بدرا‏.‏ قالت‏:‏ أي هنتاه‏!‏ أو لم تسمعي ما قال‏؟‏ قلت‏:‏ وماذا قال‏؟‏ قالت، فأخبرتني بقول أهل الإفك‏.‏ فازددت مرضا إلى مرضي‏.‏ فلما رجعت إلى بيتي، فدخل علي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فسلم ثم قال ‏”‏كيف تيكم‏؟‏‏”‏ قلت‏:‏ أتأذن لي أن آتي أبوي‏؟‏ قالت، وأنا حينئذ أريد أن أتيقن الخبر من قبلهما‏.‏ فأذن لي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فجئت أبوي فقلت لأمي‏:‏ يا أمتاه‏!‏ ما يتحدث الناس‏؟‏ فقالت‏:‏ يا بنية‏!‏ هوني عليك‏.‏ فوالله‏!‏ لقلما كانت امرأة قط وضيئة عند رجل يحبها، ولها ضرائر، إلا كثرن عليها‏.‏ قالت قلت‏:‏ سبحان الله‏!‏ وقد تحدث الناس بهذا‏.‏

قالت، فبكيت تلك الليلة حتى أصبحت لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم‏.‏ ثم أصبحت أبكي‏.‏ ودعا رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب وأسامة بن زيد حين استلبث الوحي‏.‏ يستشيرهما في فراق أهله‏.‏ قالت فأما أسامة بن زيد فأشار على رسول الله صلى الله عليه وسلم بالذي يعلم من براءة أهله، وبالذي يعلم في نفسه لهم من الود‏.‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ هم أهلك ولا نعلم إلا خيرا‏.‏ وأما علي بن أبي طالب فقال‏:‏ لم يضيق الله عليك‏.‏ والنساء سواها كثير‏.‏ وإن تسأل الجارية تصدقك‏.‏ قالت فدعا رسول الله صلى الله عليه وسلم بريرة فقال ‏”‏أي بريرة‏!‏ هل رأيت من شيء يريبك من عائشة‏؟‏‏”‏ قالت له بريرة‏:‏ والذي بعثك بالحق‏!‏ إن رأيت عليها أمرا قط أغمصه عليها، أكثر من أنها جارية حديثة السن، تنام عن عجين أهلها، فتأتي الداجن فتأكله‏.‏ قالت فقام رسول الله صلى الله عليه وسلم على المنبر‏.‏ فاستعذر من عبدالله بن أبي، ابن سلول‏.‏ قالت فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو على المنبر ‏”‏يا معشر المسلمين‏!‏ من يعذرني من رجل قد بلغ أذاه في أهل بيتي‏.‏ فوالله‏!‏ ما علمت على أهلي إلا خيرا‏.‏ ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا‏.‏ وما كان يدخل على أهلي إلا معي‏”‏ فقام سعد بن معاذ الأنصاري فقال‏:‏ أنا أعذرك منه‏.‏ يا رسول الله‏!‏ إن كان في الأوس ضربنا عنقه‏.‏ وإن كان من إخواننا الخزرج أمرتنا ففعلنا أمرك‏.‏ قالت فقام سعد بن عبادة، وهو سيد الخزرج، وكان رجلا صالحا‏.‏ ولكن اجتهلته الحمية‏.‏ فقال لسعد بن معاذ‏:‏ كذبت‏.‏ لعمر الله‏!‏ لا تقتله ولا تقدر على قتله‏.‏ فقام أسيد بن حضير، وهو ابن عم سعد بن معاذ، فقال لسعد بن عبادة‏:‏ كذبت‏.‏ لعمر الله‏!‏ لنقتلنه‏.‏ فإنك منافق تجادل عن المنافقين‏.‏ فثار الحيان الأوس والخزرج‏.‏ حتى هموا أن يقتتلوا‏.‏ ورسول الله صلى الله عليه وسلم قائم على المنبر‏.‏ فلم يزل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخفضهم حتى سكتوا وسكت‏.‏

قالت وبكيت يومي ذلك‏.‏ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم‏.‏ ثم بكيت ليلتي المقبلة‏.‏ لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم‏.‏ وأبواي يظنان أن البكاء فالق كبدي‏.‏ فبينما هما جالسان عندي، وأنا أبكي، استأذنت علي امرأة من الأنصار فأذنت لها‏.‏ فجلست تبكي‏.‏ قالت فبينا نحن على ذلك دخل علينا رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فسلم ثم جلس‏.‏ قالت ولم يجلس عندي منذ قيل لي ما قيل‏.‏ وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء‏.‏ قالت فتشهد رسول الله صلى الله عليه وسلم حين جلس ثم قال ‏”‏أما بعد‏.‏ يا عائشة‏!‏ فإنه قد بلغني عنك كذا وكذا‏.‏ فإن كنت بريئة فسيبرئك الله‏.‏ وإن كنت ألممت بذنب‏.‏ فاستغفري الله وتوبي إليه‏.‏ فإن العبد إذا اعترف بذنب ثم تاب، تاب الله عليه‏”‏ قالت فلما قضى رسول الله صلى الله عليه وسلم مقالته، قلص دمعي حتى ما أحس منه قطرة‏.‏ فقلت لأبي‏:‏ أجب عني رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما قال‏.‏ فقال‏:‏ والله‏!‏ ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقلت لأمي‏:‏ أجيبي عني رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالت‏:‏ والله‏!‏ ما أدري ما أقول لرسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏

فقلت، وأنا جارية حديثة السن، لا أقرأ كثيرا من القرآن‏:‏ إني، والله‏!‏ لقد عرفت أنكم قد سمعتم بهذا حتى استقر في نفوسكم وصدقتم به‏.‏ فإن قلت لكم إني بريئة، والله يعلم أني بريئة، لا تصدقوني بذلك‏.‏ ولئن اعترفت لكم بأمر، والله يعلم أني بريئة، لتصدقونني‏.‏ وإني، والله‏!‏ ما أجد لي ولكم مثلا إلا كما قال أبو يوسف‏:‏ فصبر جميل والله المستعان على ما تصفون‏.‏

قالت ثم تحولت فاضطجعت على فراشي‏.‏ قالت وأنا، والله‏!‏ حينئذ أعلم أني بريئة‏.‏ وأن الله مبرئي ببراءتي‏.‏ ولكن، والله‏!‏ ما كنت أظن أن ينزل في شأني وحي يتلى‏.‏ ولشأني كان أحقر في نفسي من أن يتكلم الله عز وجل في بأمر يتلى‏.‏ ولكني كنت أرجو أن يرى رسول الله صلى الله عليه وسلم في النوم رؤيا يبرئني الله بها‏.‏

قالت‏:‏ فوالله‏!‏ ما رام رسول الله صلى الله عليه وسلم مجلسه، ولا خرج من أهل البيت أحد، حتى أنزل الله عز وجل على نبيه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأخذه ما كان يأخذه من البرحاء عند الوحي‏.‏ حتى إنه ليتحدر منه مثل الجمان من العرق، في اليوم الشات، من ثقل القول الذي أنزل عليه‏.‏ قالت، فلما سري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهو يضحك، فكان أول كلمة تكلم بها أن قال ‏”‏أبشري‏.‏ يا عائشة‏!‏ أما الله فقد برأك ‏”‏فقالت لي أمي‏:‏ قومي إليه‏.‏ فقلت‏:‏ والله‏!‏ لا أقوم إليه‏.‏ ولا أحمد إلا الله‏.‏ هو الذي أنزل براءتي‏.‏ قالت فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏إن الذين جاءوا بالإفك عصبة منكم‏}‏ ‏[‏24 /النور /11‏]‏ عشر آيات‏.‏ فأنزل الله عز وجل هؤلاء الآيات براءتي‏.‏ قالت فقال أبو بكر، وكان ينفق على مسطح لقرابته منه وفقره‏:‏ والله‏!‏ لا أنفق عليه شيئا أبدا‏.‏ بعد الذي قال لعائشة‏.‏ فأنزل الله عز وجل‏:‏ ‏{‏ولا يأتل أولوا الفضل منكم والسعة أن يؤتوا أولي القربى‏}‏ ‏[‏24 /النور /22‏]‏ إلى قوله‏:‏ ‏{‏ألا تحبون أن يغفر الله لكم‏}‏‏.‏

قال حبان بن موسى‏:‏ قال عبدالله بن المبارك‏:‏ هذه أرجى آية في كتاب الله‏.‏

فقال أبو بكر‏:‏ والله‏!‏ إني لأحب أن يغفر الله لي‏.‏ فرجع إلى مسطح النفقة التي كان ينفق عليه‏.‏ وقال‏:‏ لا أنزعها منه أبدا‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم سأل زينب بنت جحش، زوج النبي صلى الله عليه وسلم عن أمري ‏”‏ما علمت‏؟‏ أو ما رأيت‏؟‏‏”‏ فقالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ أحمي سمعي وبصري‏.‏ والله‏!‏ ما علمت إلا خيرا‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وهي التي كانت تساميني من أزواج النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فعصمها الله بالورع‏.‏ وطفقت أختها حمنة بنت حجش تحارب لها‏.‏ فهلكت فيمن هلك‏.‏

قال الزهري‏:‏ فهذا ما انتهى إلينا من أمر هؤلاء الرهط‏.‏

وقال في حديث يونس‏:‏ احتملته الحمية‏.‏

‏[‏ش ‏(‏وبعضهم كان أوعى لحديثها من بعض وأثبت اقتصاصا‏)‏ أي أحفظ وأحسن إيرادا وسردا للحديث‏.‏ ‏(‏آذن ليلة بالرحيل‏)‏ روي بالمد وتخفيف الذال، وبالقصر وتشديدها، أي أعلم‏.‏ ‏(‏عقدي من جزع ظفار‏)‏ العقد نحو القلادة‏.‏ والجزع خرز يماني‏.‏ وظفار، مبنية على الكسر‏.‏ تقول‏:‏ هذه ظفار ودخلت ظفار وإلى ظفار، بكسر الراء بلا تنوين في الأحوال كلها‏.‏ وهي قرية باليمن‏.‏ ‏(‏الرهط‏)‏ هم جماعة دون العشرة‏.‏ ‏(‏يرحلون لي‏)‏ هكذا وقع في أكثر النسخ‏:‏ يرحلون لي، باللام‏.‏ وفي بعض النسخ‏:‏ بي، بالباء‏.‏ واللام أجود‏.‏ ويرحلون أي يجعلون الرحل على البعير، وهو معنى قولها فرحلوه‏.‏ ‏(‏هودجي‏)‏ الهودج مركب من مراكب النساء‏.‏ ‏(‏لم يهبلن‏)‏ ضبطوه على أوجه‏:‏ أشهرها ضم الياء وفتح الهاء والباء المشددة، أي يثقلن باللحم والشحم‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ يقال هبله اللحم وأهبله إذا أثقله وكثر لحمه وشحمه‏.‏ ‏(‏العلقة‏)‏ أي القليل، ويقال لها أيضا‏:‏ البلغة‏.‏ ‏(‏فتيممت منزلي‏)‏ أي قصدته‏.‏ ‏(‏قد عرس‏)‏ التعريس النزول آخر الليل في السفر لنوم أو استراحة‏.‏ وقال أبو زيد‏:‏ هو النزول أي وقت كان‏.‏ والمشهور الأول‏.‏ ‏(‏فادلج‏)‏ الادلاج هو السير آخر الليل‏.‏ ‏(‏فرأى سواد إنسان‏)‏ أي شخصه‏.‏ ‏(‏فاستيقظت باسترجاعه‏)‏ أي انتبهت من نومي بقوله‏:‏ إنا لله وإنا إليه راجعون‏.‏ ‏(‏فخمرت وجهي‏)‏ أي غطيته‏.‏ ‏(‏موغرين في نحر الظهيرة‏)‏ الموغر النازل في وقت الوغرة، وهي شدة الحر‏.‏ ونحر الظهيرة وقت القائلة وشدة الحر‏.‏ ‏(‏تولى كبره‏)‏ أي معظمه‏.‏ ‏(‏يفيضون في قول أهل الإفك‏)‏ أي يخوضون فيه‏.‏ والإفك، بكسر الهمزة وإسكان الفاء، هذا هو المشهور‏.‏ وحكى القاضي فتحهما جميعا‏.‏ قال‏:‏ هما لغتان كنجس ونجس، وهو الكذب‏.‏ ‏(‏يريبني‏)‏ بفتح أوله وضمه، يقال‏:‏ رابه وأرابه، إذا أوهمه وشككه‏.‏ ‏(‏اللطف‏)‏ بضم اللام وإسكان الطاء، ويقال بفتحهما معا، لغتان‏.‏ وهو البر والرفق‏.‏ ‏(‏كيف تيكم‏)‏ هي إشارة إلى المؤنثة، كذلكم‏.‏ في المذكر‏.‏ ‏(‏نقهت‏)‏ بفتح القاف وكسرها، لغتان‏.‏ حكاهما الجوهري في الصحاح، وغيره‏.‏ والفتح أشهر‏.‏ واقتصر عليه جماعة‏.‏ يقال‏:‏ نقه ينقه نقوها فهو ناقه، ككلح يكلح كلوحا فهو كالح‏.‏ ونقه ينقه نقها فهو ناقه كفرح يفرح فرحا‏.‏ والجمع نقه‏.‏ والناقه هو الذي أفاق من المرض وبرأ منه، وهو قريب عهد به، لم يتراجع إليه كمال صحته‏.‏ ‏(‏المناصع‏)‏ هي مواضع خارج المدينة كانوا يتبرزون فيها‏.‏ ‏(‏الكنف‏)‏ هي جمع كنيف‏.‏ قال أهل اللغة‏:‏ الكنيف الساتر مطلقا‏.‏ ‏(‏الأول‏)‏ ضبطوا الأول بوجهين‏.‏ أحدهما ضم الهمزة وتخفيف الواو‏.‏ والثاني‏:‏ الأول، بفتح الهمزة وتشديد الواو‏.‏ وكلاهما صحيح‏.‏

‏(‏التنزه‏)‏ هو طلب النزاهة بالخروج إلى الصحراء‏.‏ ‏(‏في مرطها‏)‏ المرط كساء من صوف‏.‏ وقد يكون من غيره‏.‏ ‏(‏تعس‏)‏ بفتح العين وكسرها، لغتان مشهورتان‏.‏ واقتصر الجوهري على الفتح، والقاضي على الكسر‏.‏ ورجح بعضهم الكسر، وبعضهم الفتح‏.‏ ومعناه عثر‏.‏ وقيل‏:‏ هلك‏.‏ وقيل‏:‏ لزمه الشر‏.‏ وقيل‏:‏ بعد‏.‏ وقيل‏:‏ سقط بوجهه خاصة‏.‏ ‏(‏أي هنناه‏)‏ قال صاحب نهاية الغريب‏:‏ وتضم الهاء الأخيرة وتسكن‏.‏ ويقال في التثنية‏:‏ هنتان‏.‏ وفي الجمع‏:‏ هنات وهنوات‏.‏ وفي المذكر‏:‏ هن وهنان وهنون‏.‏ ولك أن تلحقها الهاء لبيان الحركة‏.‏ تقول ياهنة‏.‏ وأن تشبع حركة النون فتصير ألفا فتقول‏:‏ يا هناه ولك ضم الهاء فتقول يا هناه أقبل‏.‏ قالوا وهذه اللفظة تختص بالنداء، ومعناه يا هذه‏.‏ وقيل‏:‏ يا امرأة‏.‏ وقيل‏:‏ يا بلهاء، كأنها نسبت إلى قلة المعرفة بمكايد الناس وشرورهم‏.‏ ‏(‏وضيئة‏)‏ هي الجميلة الحسنة‏.‏ والوضاءة الحسن‏.‏ ‏(‏ضرائر‏)‏ جمع ضرة‏.‏ وزوجات الرجل ضرائر‏.‏ لأن كل واحدة تتضرر بالأخرى، بالغيرة والقسم وغيره‏.‏ والاسم منه الضر، بكسر الضاد، وحكى ضمها‏.‏ ‏(‏كثرن عليها‏)‏ أي أكثرن القول في عيبها ونقصها‏.‏ ‏(‏لا يرقأ‏)‏ أي لا ينقطع‏.‏ ‏(‏ولا أكتحل بنوم‏)‏ أي لا أنام‏.‏ ‏(‏استلبث الوحي‏)‏ أي أبطأ ولبث ولم ينزل‏.‏ ‏(‏أغمصه‏)‏ أي أعيبها به‏.‏ ‏(‏الداجن‏)‏ الشاة التي تألف البيت ولا تخرج للمرعى‏.‏ ومعنى هذا الكلام أنه ليس فيها شيء مما تسألون عنه أصلا ولا فيها شيء من غيره، إلا نومها عن العجين‏.‏ ‏(‏استعذر‏)‏ معناه أنه قال‏:‏ من يعذرني فيمن آذاني في أهلي، كما بينه في هذا الحديث‏.‏ ومعنى من يعذرني‏:‏ من يقوم بعذري إن كافأته على قبيح فعاله ولا يلمني‏.‏ وقيل معناه من ينصرني‏.‏ والعذير الناصر‏.‏ ‏(‏أنا أعذرك منه‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ هذا مشكل لم يتكلم فيه أحد‏.‏ وهو قولها‏:‏ فقام سعد بن معاذ فقال‏:‏ أنا أعذرك منه‏.‏ وكانت هذه القصة في غزوة المريسيع، وهي غزوة بني المصطلق، سنة ست‏.‏ فيما ذكره ابن إسحاق‏.‏ ومعلوم أن سعد بن معاذ مات إثر غزوة الخندق، من الرمية التي أصابته، وذلك سنة أربع بإجماع أصحاب السير، إلا شيئا قاله الواقدي وحده‏.‏ قال القاضي‏:‏ قال بعض شيوخنا‏:‏ ذكر سعد بن معاذ، في هذا، وهم‏.‏ والأشبه أنه غيره‏.‏ ولهذا لم يذكره ابن إسحاق في السير‏.‏ وإنما قال‏:‏ إن المتكلم أولا وآخرا أسيد بن حضير‏.‏ قال القاضي‏:‏ وقد ذكر موسى بن عقبة أن غزوة المريسيع كانت سنة أربع، وهي سنة الخندق‏.‏ وقد ذكر البخاري اختلاف ابن إسحاق وابن عقبة‏.‏ قال القاضي‏:‏ فيحتمل أن غزوة المريسيع وحديث الإفك كانا في سنة أربع قبل قصة الخندق‏.‏ قال القاضي‏:‏ وقد ذكر الطبري عن الواقدي أن المريسيع كانت سنة خمس‏.‏ قال وكانت الخندق وقريظة بعدها‏.‏ وذكر القاضي إسماعيل الخلاف في ذلك‏.‏ وقال‏:‏ الأولى أن يكون المريسيع قبل الخندق‏.‏ قال القاضي‏:‏ وهذا لذكر سعد في قصة الإفك، وكانت في المريسيع‏.‏ فعلى هذا يستقيم فيه ذكر سعد بن معاذ، وهو الذي في الصحيحين‏.‏ وقول غير ابن إسحاق، في غير وقت المريسيع، أصح‏.‏ هذا كلام القاضي، وهو صحيح‏.‏

‏(‏اجتهلته الحمية‏)‏ هكذا هو هنا لمعظم رواة صحيح مسلم‏.‏ اجتهلته، بالجيم والهاء، أي أخفته وأغضبته وحملته على الجهل‏.‏ ‏(‏فثار الحيان الأوس والخزرج‏)‏ أي تناهضوا للنزاع والعصبية‏.‏ ‏(‏وإن كنت ألممت بذنب فاستغفري الله‏)‏ معناه إن كنت فعلت ذنبا، وليس ذلك لك بعادة، وهذا أصل اللمم‏.‏ ‏(‏قلص دمعي‏)‏ أي ارتفع لاستعظام ما يعيبني من الكلام‏.‏ ‏(‏ما رام‏)‏ أي ما فارق‏.‏ ‏(‏البرحاء‏)‏ هي الشدة‏.‏ ‏(‏ليتحدر‏)‏ أي ليتصبب‏.‏ ‏(‏الجمان‏)‏ الدر‏.‏ شبهت قطرات عرقه صلى الله عليه وسلم بحبات اللؤلؤ، في الصفاء والحسن‏.‏ ‏(‏فلما سري‏)‏ أي كشف وأزيل‏.‏ ‏(‏ولا يأتل أولو الفضل‏)‏ أي لا يحلفوا‏.‏ والألية اليمين‏.‏ ‏(‏أحمي سمعي وبصري‏)‏ أي أصون سمعي وبصري من أن أقول سمعت ولم أسمع، وأبصرت ولم أبصر‏.‏ ‏(‏وهي التي كانت تساميني‏)‏ أي تفاخرني وتضاهيني بجمالها ومكانها عند النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ وهي مفاعلة من السمو، وهو الارتفاع‏.‏ ‏(‏وطفقت أختها تحارب لها‏)‏ أي جعلت تتعصب لها فتحكي ما يقوله أهل الإفك‏.‏ ‏(‏احتملته الحمية‏)‏ معناه‏:‏ أغضبته‏]‏‏.‏

57 – ‏(‏2770‏)‏ وحدثني أبو الربيع العتكي‏.‏ حدثنا فليح بن سليمان‏.‏ ح وحدثنا الحسن بن علي الحلواني وعبد بن حميد‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد‏.‏ حدثنا أبي عن صالح بن كيسان‏.‏ كلاهما عن الزهري‏.‏ بمثل حديث يونس ومعمر‏.‏ بإسنادهما‏.‏

وفي حديث فليح‏:‏ اجتهلته الحمية‏.‏ كما قال معمر‏.‏

وفي حديث صالح‏:‏ احتملته الحمية كقول يونس‏.‏ وزاد في حديث صالح‏:‏ قال عروة‏:‏ كانت عائشة تكره أن يسب عندها حسان‏.‏ وتقول‏:‏ فإنه قال‏:‏

فإن أبي ووالده وعرضي * لعرض محمد منكم وقاء

وزاد أيضا‏:‏ قال عروة‏:‏ قالت عائشة‏:‏ والله‏!‏ إن الرجل الذي قيل له ما قيل ليقول‏:‏ سبحان الله‏!‏ فوالذي نفسي بيده‏!‏ ما كشفت عن كنف أنثى قط‏.‏ قالت ثم قتل بعد ذلك شهيدا في سبيل الله‏.‏

وفي حديث يعقوب بن إبراهيم‏:‏ موغرين في نحر الظهيرة‏.‏

وقال عبدالرزاق‏:‏ موغرين‏.‏

قال عبد بن حميد‏:‏ قلت لعبدالرزاق‏:‏ ما قوله موغرين‏؟‏ قال‏:‏ الوغرة شدة الحر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ما كشفت عن كنف أنثى‏)‏ الكنف، هنا، ثوبها الذي يسترها‏.‏ وهو كناية عن عدم جماع النساء جميعهن، ومخالطتهن‏]‏‏.‏

58 – ‏(‏2770‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن العلاء‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا أبو أسامة عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة، قالت‏:‏

لما ذكر من شأني الذي ذكر، وما علمت به، قام رسول الله صلى الله عليه وسلم خطيبا فتشهد‏.‏ فحمد الله وأثنى عليه بما هو أهله‏.‏ ثم قال ‏”‏أما بعد‏.‏ أشيروا علي في أناس أبنوا أهلي‏.‏ وايم الله‏!‏ ما علمت على أهلي من سوء قط‏.‏ وأبنوهم، بمن، والله‏!‏ ما علمت عليه من سوء قط‏.‏ ولا دخل بيتي قط إلا وأنا حاضر‏.‏ ولا غبت في سفر إلا غاب معي‏”‏‏.‏ وساق الحديث بقصته‏.‏ وفيه‏:‏ ولقد دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم بيتي فسأل جاريتي‏.‏ فقالت‏:‏ والله‏!‏ ما علمت عليها عيبا، إلا أنها كانت ترقد حتى تدخل الشاة فتأكل عجينها‏.‏ أو قالت خميرها ‏(‏شك هشام‏)‏ فانتهرها بعض أصحابه فقال‏:‏ اصدقي رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ حتى أسقطوا لها به‏.‏ فقالت‏:‏ سبحان الله‏!‏ والله‏!‏ ما علمت عليها إلا ما يعلم الصائغ على تبر الذهب الأحمر‏.‏

وقد بلغ الأمر ذلك الرجل الذي قيل له‏.‏ فقال‏:‏ سبحان الله‏!‏ والله‏!‏ ما كشفت عن كنف أنثى قط‏.‏

قالت عائشة‏:‏ وقتل شهيدا في سبيل الله‏.‏

وفيه أيضا من الزيادة‏:‏ وكان الذين تكلموا به مسطح وحمنة وحسان‏.‏ وأما المنافق عبدالله ابن أبي فهو الذي كان يستوشيه ويجمعه‏.‏ وهو الذي تولى كبره، وحمنة‏.‏

‏[‏ش ‏(‏أبنوا أهلي‏)‏ باء مفتوحة مخففة ومشددة‏.‏ رووه، هنا، بالوجهين‏.‏ التخفيف أشهر‏.‏ والأبن، بفتح الهمزة، التهمة يقال‏:‏ أبنة يأبنه ويأبنه، بضم الباء وكسرها، إذا اتهمه ورماه بخلة سوء، فهو مأبون‏.‏ قالوا‏:‏ وهو مشتق من الأبن، بضم الهمزة وفتح الباء، وهي العقد في القسي، تفسدها وتعاب بها‏.‏ ‏(‏حتى أسقطوا لها به‏)‏ هكذا هو في جميع نسخ بلادنا‏:‏ أسقطوا لها به، بالباء التي هي حرف الجر‏.‏ وبهاء ضمير المذكر‏.‏ وكذا نقله القاضي‏.‏ ومعناه صرحوا لها بالأمر‏.‏ ولهذا قالت‏:‏ سبحان الله، استعظاما لذلك‏.‏ وقيل‏:‏ أتوا بسقط من القول في سؤالها وانتهارها‏.‏ يقال‏:‏ أسقط وسقط في كلامه، إذا أتى فيه بساقط، وقيل إذا أخطأ فيه‏.‏ ‏(‏تبر الذهب الأحمر‏)‏ هي القطعة الخالصة‏.‏ ‏(‏يستوشيه‏)‏ أي يستخرجه بالبحث والمسئلة، ثم يفشيه ويشيعه ويحركه، ولا يدعه يخمد‏]‏‏.‏

*3* 11 – باب براءة حرم النبي صلى الله عليه وسلم من الريبة

59 – ‏(‏2771‏)‏ حدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا عفان‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏ أخبرنا ثابت عن أنس؛

أن رجلا كان يتهم بأم ولد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لعلي ‏”‏اذهب فأضرب عنقه‏”‏ فأتاه علي فإذا هو في ركي يتبرد فيها‏.‏ فقال له علي‏:‏ اخرج‏.‏ فناوله يده فأخرجه‏.‏ فإذا هو مجبوب ليس له ذكر‏.‏ فكف علي عنه‏.‏ ثم أتى النبي صلى الله عليه وسلم فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنه لمجبوب‏.‏ ماله ذكر‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ركي‏)‏ الركي البئر‏]‏‏.‏