كتاب الأقضية

                                                                                            صحيح مسلم

 

كتاب الأقضية

‏[‏ش قال الإمام النووي‏.‏ قال الزهري رحمه الله تعالى‏:‏ القضاء في الأصل إحكام الشيء والفراغ منه‏.‏ ويكون القضاء إمضاء الحكم‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وقضينا إلى بني إسرائيل‏}‏‏.‏ وسمى الحاكم قاضيا لأنه يمضي الأحكام ويحكمها‏.‏ ويكون قضى بمعنى أوجب‏.‏ فيجوز أن يكون سمى قاضيا لإيجابه الحكم على من يجب عليه‏.‏ وسمي حاكما لمنعه من الظالم من الظلم‏.‏ يقال‏:‏ حكمت الرجل وأحكمته إذا منعته‏.‏ وسميت حكمة الدابة لمنعها الدابة من ركوبها رأسها‏.‏ وسميت الحكمة حكمة لمنعها النفس من هواها‏]‏‏.‏

*3*1 – باب اليمين على المدعى عليه

1 – ‏(‏1711‏)‏ حدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح‏.‏ أخبرنا ابن وهب عن ابن جريج، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لو يعطى الناس بدعواهم، لادعى ناس دماء رجال وأموالهم‏.‏ ولكن اليمين على المدعى عليه‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لو يعطى الناس بدعواهم‏.‏‏.‏‏.‏‏)‏ هذا الحديث قاعدة كبيرة من قواعد أحكام الشرع‏.‏ ففيه أنه لا يقبل قول الإنسان فيما يدعيه بمجرد دعواه‏.‏ بل يحتاج إلى بينة أو تصديق المدعى عليه‏.‏ فإن طلب يمين المدعى عليه فله ذلك‏.‏ وقد بين صلى الله عليه وسلم الحكمة في كونه لا يعطى بمجرد دعواه لأنه لو كان أعطى بمجردها لادعى قوم دماء قوم وأموالهم واستبيح‏.‏ ولا يمكن المدعى عليه أن يصون ماله ودمه‏.‏ وأما المدعي فيمكنه صيانتهما بالبينة‏]‏‏.‏

2 – ‏(‏1711‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا محمد بن بشر عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مليكة، عن ابن عباس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى باليمين على المدعى عليه‏.‏

*3*2 – باب القضاء باليمين والشاهد

3 – ‏(‏1712‏)‏ وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة ومحمد بن عبدالله بن نمير‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا زيد ‏(‏وهو ابن خباب‏)‏‏.‏ حدثني سيف بن سليمان‏.‏ أخبرني قيس ابن سعد عن عمرو بن دينار، عن ابن عباس؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قضى بيمين وشاهد‏.‏

*3*3 – باب الحكم بالظاهر واللحن بالحجة

4 – ‏(‏1713‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ أخبرنا أبو معاوية عن هشام بن عرو، عن أبيه، عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة‏.‏ قالت‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إنكم تختصمون إلي‏.‏ ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض‏.‏ فأقضي له على نحو مما أسمع منه‏.‏ فمن قطعت له من حق أخيه شيئا، فلا يأخذه‏.‏ فإنما أقطع له به قطعة من النار‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ألحن‏)‏ معناه أبلغ وأعلم بالحجة‏.‏

‏(‏فإنما أقطع له به قطعة من النار‏)‏ معناه إن قضيت له بظاهر يخالف الباطن، فهو حرام يؤول به إلى النار‏]‏‏.‏

‏(‏1713‏)‏ – وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ ح وحدثنا أبو كريب‏.‏ حدثنا ابن نمير‏.‏ كلاهما عن هشام، بهذا الإسناد، مثله‏.‏

5 – ‏(‏1713‏)‏ وحدثني حرملة بن يحيى‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني يونس عن ابن شهاب‏.‏ أخبرني عروة بن الزبير عن زينب بنت أبي سلمة، عن أم سلمة زوج النبي صلى الله عليه وسلم؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم سمع جلبة خصم بباب حجرته‏.‏ فخرج إليهم‏.‏ فقال ‏(‏إنما أنا بشر‏.‏ وإنه يأتيني الخصم، فلعل بعضهم أن يكون أبلغ من بعض، فأحسب أنه صادق، فأقضي له‏.‏ فمن قضيت له بحق مسلم، فإنما هي قطعة من النار، فليحملها أو يذرها‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جلبة‏)‏ في الرواية الأخرى لجبة‏.‏ وهما صحيحان‏.‏ والجلبة واللجبة اختلاط الأصوات‏.‏

‏(‏خصم‏)‏ الخصم، هنا، الجماعة‏.‏ وهو من الألفاظ التي تقع على الواحد وعلى الجمع‏.‏

‏(‏إنما أنا بشر‏)‏ معناه التنبيه على حالة البشرية، وأن البشر لا يعلمون من الغيب وبواطن الأمور شيئا إلا أن يطلعهم الله تعالى على شيء من ذلك‏.‏ وأنه يجوز عليه في أمور الأحكام ما يجوز عليهم‏.‏ وأنه إنما يحكم بين الناس وبالظاهر والله يتولى السرائر‏.‏ فيحكم بالبينة وباليمين ونحو ذلك من أحكام الظاهر، مع إمكان كونه في الباطن خلاف ذلك‏.‏ ولكنه إنما كلف بحكم الظاهر‏.‏

‏(‏فمن قضيت له بحق مسلم‏)‏ هذا التقييد بالمسلم خرج على الغالب‏.‏ وليس المراد به الاحتراز من الكافر‏.‏ فإن مال الذمي والمعاهد والمرتد، في هذا، كمال المسلم‏.‏

‏(‏فليحملها أو يذرها‏)‏ ليس معناه التخيير‏.‏ بل هو التهديد والوعيد‏.‏ كقوله تعالى‏:‏ ‏{‏فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر‏}‏‏.‏ وكقوله سبحانه‏:‏ ‏{‏اعملوا ما شئتم‏}‏‏]‏‏.‏

6 – ‏(‏1713‏)‏ وحدثنا عمرو الناقد‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم بن سعد‏.‏ حدثنا أبي عن صالح‏.‏ ح وحدثنا عبد بن حميد‏.‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر‏.‏ كلاهما عن الزهري، بهذا الإسناد، نحو حديث يونس‏.‏

وفي حديث معمر‏:‏ قالت‏:‏ سمع النبي صلى الله عليه وسلم لجبة خصم بباب أم سلمة‏.‏

*3*4 – باب قضية هند

7 – ‏(‏1714‏)‏ حدثني علي بن حجر السعدي‏.‏ حدثنا علي بن مسهر عن هشام بن عروة، عن أبيه، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏

دخلت هند بنت عتبة، امرأة أبي سفيان، على رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن أبا سفيان رجل شحيح‏.‏ لا يعطيني من النفقة ما يكفيني ويكفي بني‏.‏ إلا ما أخذت من ماله بغير علمه‏.‏ فهل علي في ذلك من جناح‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏خذي من ماله بالمعروف، ما يكفيك ويكفي بنيك‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إن أبا سفيان رجل شحيح‏)‏ في هذا الحديث فوائد‏:‏ منها وجوب نفقة الزوجة‏.‏ ومنها وجوب نفقة الأولاد الفقراء الصغار‏.‏ ومنها أن النفقة مقدرة بالكفاية‏]‏‏.‏

‏(‏1714‏)‏ – وحدثناه محمد بن عبدالله بن نمير وأبو كريب‏.‏ كلاهما عن عبدالله بن نمير ووكيع‏.‏ ح وحدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا عبدالعزيز ابن محمد‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا ابن أبي فديك‏.‏ أخبرنا الضحاك ‏(‏يعني ابن عثمان‏)‏‏.‏ كلهم عن هشام، بهذا الإسناد‏.‏

8 – ‏(‏1714‏)‏ وحدثنا عبد بن حميد‏.‏ أخبرنا عبدالرزاق‏.‏ أخبرنا معمر عن الزهري، عن عروة، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏

جاءت هند إلى النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ والله‏!‏ ما كان على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يذلهم الله من أهل خبائك‏.‏ وما على ظهر الأرض أهل خباء أحب إلي من أن يعزهم الله من أهل خبائك‏.‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏وأيضا‏.‏ والذي نفسي بيده‏!‏‏)‏‏.‏ ثم قالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن أبا سفيان رجل ممسك‏.‏ فهل علي حرج أن أنفق على عياله من ماله بغير إذنه‏؟‏ فقال النبي صلى الله عليه وسلم ‏(‏لا حرج عليك أن تنفقي عليهم بالمعروف‏)‏‏.‏

بش ‏(‏أهل خباء‏)‏ قال القاضي عياض‏:‏ أرادت بقولها‏:‏ أهل خباء – نفسه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فكنت عنه بأهل الخباء إجلالا له‏.‏ قال‏:‏ ويحتمل أن تريد بأهل الخباء أهل بيته‏.‏ والخباء يعبر به عن مسكن الرجل وداره‏.‏

‏(‏وأيضا‏.‏ والذي نفسي بيده‏!‏‏)‏ معناه‏:‏ وستزيدين من ذلك، ويتمكن الإيمان من قلبك، ويزيد حبك لله ولرسوله صلى الله عليه وسلم، ويقوى رجوعك عن بغضه‏.‏ وأصل هذه اللفظة‏:‏ آض يئيض أيضا، إذا رجع‏]‏‏.‏

9 – ‏(‏1714‏)‏ حدثنا زهير بن حرب‏.‏ حدثنا يعقوب بن إبراهيم‏.‏ حدثنا ابن أخي الزهري عن عمه‏.‏ أخبرني عروة بن الزبير؛ أن عائشة قالت‏:‏

جاءت هند بنت عتبة بن ربيعة فقالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ والله‏!‏ ما كان على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يذلوا من أهل خبائك‏.‏ وما أصبح اليوم على ظهر الأرض خباء أحب إلي من أن يعزوا من أهل خبائك‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏وأيضا‏.‏ والذي نفسي بيده‏!‏‏)‏‏.‏ ثم قالت‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إن أبا سفيان رجل مسيك‏.‏ فهل علي حرج من أن أطعم، من الذي له، عيالنا‏؟‏ فقال لها ‏(‏لا‏.‏ إلا بالمعروف‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مسيك‏)‏ أي شحيح وبخيل‏.‏ واختلفوا في ضبطه على وجهين حكاهما القاضي‏:‏ أحدهما مسيك‏.‏ والثاني مسيك وهذا الثاني هو الأشهر في روايات المحدثين‏.‏ والأولى أصح عند أهل العربية‏.‏ وهما جميعا للمبالغة‏.‏

‏(‏لا‏.‏ إلا بالمعروف‏)‏ هكذا هو في جميع النسخ‏.‏ وهو صحيح‏.‏ ومعناه لا حرج‏.‏ ثم ابتدأ فقال‏:‏ إلا بالمعروف‏.‏ أي لا تنفقي إلا بالمعروف‏.‏ أو لا حرج إذا لم تنفقي إلا بالمعروف‏]‏‏.‏

*3*5 – باب النهي عن كثرة المسائل من غير حاجة‏.‏ والنهي عن منع وهات، وهو الامتناع من أداء حق لزمه أو طلب ما لا يستحقه

10 – ‏(‏1715‏)‏ حدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا جرير عن سهيل، عن أبيه، عن أبي هريرة‏.‏ قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن الله يرضى لكم ويكره لكم ثلاثا‏.‏ فيرضى لكم أن تعبدوه ولا تشركوا به شيئا‏.‏ وأن تعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا‏.‏ ويكره لكم قيل وقال‏.‏ وكثرة السؤال‏.‏ وإضاعة المال‏)‏‏.‏

بش ‏(‏يرضى لكم ثلاثا ويكره لكم ثلاثا‏)‏ قال العلماء‏:‏ الرضا والسخط والكراهة من الله تعالى، المراد بها أمره ونهيه، أو ثوابه وعقابه‏.‏ أو إرادته الثواب لبعض العباد والعقاب لبعضهم‏.‏

‏(‏وأن تعتصموا بحبل الله جميعا‏)‏ الاعتصام بحبل الله هو التمسك بعهده‏.‏ وهو اتباع كتابه العزيز وحدوده، والتأدب بأدبه‏.‏ والحبل يطلق على العهد وعلى الأمان وعلى الوصلة وعلى السبب‏.‏ وأصله من استعمال العرب الحبل في مثل هذه الأمور، لاستمساكهم بالحبل عند شدائد أمورهم، ويوصلون به المتفرق‏.‏ فاستعير اسم الحبل لهذه الأمور‏.‏

‏(‏ولا تفرقوا‏)‏ بحذف إحدى التاءين‏.‏ أي لا تتفرقوا‏.‏ وهو أمر بلزوم جماعة المسلمين وتألف بعضهم ببعض‏.‏ وهذه إحدى قواعد الإسلام‏.‏

‏(‏قيل وقال‏)‏ هو الخوض في إخبار الناس وحكايات ما لا يعني من أحوالهم وتصرفاتهم‏.‏ واختلفوا في حقيقة هذين اللفظين على قولين‏:‏ أحدهما أنهما فعلان‏.‏ فقيل مبني لما لم يسم فاعله، وقال فعل ماض‏.‏ والثاني أنهما اسمان مجروران منونان‏.‏ لأن القيل والقال والقول والقالة كله بمعنى‏.‏ ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏ومن أصدق من الله قيلا‏}‏‏.‏ ومنه قولهم‏:‏ كثر القيل والقال‏.‏

‏(‏وكثرة السؤال‏)‏ قيل‏:‏ المراد به التنطع في المسائل والإكثار من السؤال عما لم يقع ولا تدعو إليه حاجة‏.‏ وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك‏.‏ وقيل‏:‏ المراد به سؤال الناس أموالهم وما في أيديهم‏.‏ وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة بالنهي عن ذلك‏.‏ قيل‏.‏ يحتمل أن المراد كثرة سؤال الإنسان عن حاله وتفاصيل أمره، فيدخل ذلك في سؤاله عما لا يعنيه، ويتضمن ذلك حصول الحرج في حق المسئول‏.‏ فإنه قد لا يؤثر إخباره بأحواله‏.‏ فإن أخبره شق عليه، وإن كذبه في الإخبار أو تكلف التعريض لحقته المشقة‏.‏ وإن أهمل جوابه ارتكب سوء الأدب‏.‏

‏(‏وإضاعة المال‏)‏ هو صرفه في غير وجوهه الشرعية وتعريضه للتلف‏.‏ وسبب النهي أنه فسد والله لا يحب المفسدين‏.‏ ولأنه، إذا ضاع ماله 0 تعرض لما في أيدي الناس‏]‏‏.‏

11 – ‏(‏1715‏)‏ وحدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ أخبرنا أبو عوانة عن سهيل، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ غير أنه قال‏:‏ ويسخط لكم ثلاثا‏.‏ ولم يذكر‏:‏ ولا تفرقوا‏.‏

12 – ‏(‏593‏)‏ وحدثنا إسحاق بن إبراهيم الحنظلي‏.‏ أخبرنا جرير عن منصور، عن الشعبي، عن وارد مولى المغيرة بن شعبة عن المغيرة بن شعبة،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏إن الله عز وجل حرم عليكم عقوق الأمهات‏.‏ ووأد البنات‏.‏ ومنعا وهات‏.‏ وكره لكم ثلاثا‏:‏ قيل وقال‏.‏ وكثرة السؤال‏.‏ وإضاعة المال‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عقوق الأمهات‏)‏ أما عقوق الأمهات فحرام، وهو من الكبائر بإجماع العلماء‏.‏ وقد تظاهرت الأحاديث الصحيحة على عده من الكبائر‏.‏ وكذلك عقوق الآباء من الكبائر‏.‏ وإنما اقتصر، هنا، على الأمهات لأن حرمتهن آكد من حرمة الآباء‏.‏

‏(‏ووأد البنات‏)‏ هو دفنهن في حياتهن، فيمتن تحت التراب‏.‏ وهو من الكبائر الموبقات‏.‏ لأنه قتل نفس بغير حق‏.‏ ويتضمن أيضا قطيقة الرحم‏.‏ وإنما اقتصر على البنات، لأنه المعتاد الذي كانت الجاهلية تفعله‏.‏

‏(‏ومنعا وهات‏)‏ هو بكسر التاء من هات ومعنى الحديث أنه نهى أن يمنع الرجل ما توجه عليه من الحقوق، أو يطلب ما لا يستحقه‏]‏‏.‏

‏(‏593‏)‏ – وحدثني القاسم بن زكرياء‏.‏ حدثنا عبيدالله بن موسى عن شيبان، عن منصور، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ غير أنه قال‏:‏ وحرم عليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ ولم يقل‏:‏ إن الله حرم عليكم‏.‏

13 – ‏(‏593‏)‏ حدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا إسماعيل بن علية عن خالد الحذاء‏.‏ حدثني ابن أشوع عن الشعبي‏.‏ حدثني كاتب المغيرة بن شعبة‏.‏ قال‏:‏ كتب معاوية إلى المغيرة‏:‏ اكتب إلي بشيء سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فكتب إليه‏:‏

أني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏(‏إن الله كره لكم ثلاثا‏:‏ قيل وقال، وإضاعة المال، وكثرة السؤال‏)‏‏.‏

14 – ‏(‏593‏)‏ حدثنا ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا مروان بن معاوية الفزاري عن محمد بن سوقة‏.‏ أخبرنا محمد بن عبيدالله الثقفي عن وارد‏.‏ قال‏:‏ كتب المغيرة إلى معاوية‏:‏ سلام عليك‏.‏ أما بعد‏.‏

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏(‏إن الله حرم ثلاثا‏.‏ ونهى عن ثلاث‏:‏ حرم عقوق الوالد‏.‏ ووأد البنات‏.‏ ولا وهات‏.‏ ونهى عن ثلاث‏:‏ قيل وقال‏.‏ وكثرة السؤال‏.‏ وإضاعة المال‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ولا وهات‏)‏ أي وحرم لا‏.‏ يعني الامتناع عن أداء ما توجبه عليه من الحقوق‏.‏ يقول في الحقوق الواجبة‏:‏ لا أعطي‏.‏ ويقول فيما ليس له حق فيه‏:‏ أعط‏]‏‏.‏

*3*6 – باب بيان أجر الحاكم إذا اجتهد، فأصاب أو أخطأ

15 – ‏(‏1716‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ أخبرنا عبدالعزيز بن محمد عن يزيد بن عبدالله بن أسامة بن الهاد، عن محمد بن إبراهيم، عن بسر بن سعيد، عن أبي قيس مولى عمرو بن العاص، عن عمرو بن العاص؛

أنه سمع رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏إذا حكم الحاكم فاجتهد ثم أصاب، فله أجران‏.‏ وإذا حكم فاجتهد، ثم أخطأ، فله أجر‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏إذا حكم الحاكم فاجتهد‏)‏ قال العلماء‏:‏ أجمع المسلمون على أن هذا الحديث في حاكم عالم أهل للحكم‏.‏ فإن أصاب فله أجران‏.‏ أجر باجتهاده وأجر بإصابته‏.‏ وإن أخطأ فله أجر اجتهاده‏.‏ وفي الحديث محذوف تقديره‏:‏ إذا أراد الحاكم فاجتهد‏.‏ قالوا‏:‏ فأما من ليس بأهل للحكم فلا يحل له الحكم‏.‏ فإن حكم فلا أجر له، بل هو إثم‏.‏ ولا ينفذ حكمه‏.‏ سواء وافق الحق أم لا، لأن إصابته اتفاقية ليست صادرة عن أصل شرعي‏.‏ فهو عاص في جميع أحكامه‏.‏ سواء وافق الصواب أم لا‏.‏ وهي مردودة كلها ولا يعذر في شيء من ذلك‏]‏‏.‏

‏(‏1716‏)‏ وحدثني إسحاق بن إبراهيم ومحمد بن أبي عمر‏.‏ كلاهما عن عبدالعزيز بن محمد، بهذا الإسناد، مثله‏.‏ وزاد في عقب الحديث‏:‏ قال يزيد‏:‏ فحدثت هذا الحديث أبا بكر بن محمد بن عمرو بن حزم‏.‏ فقال‏:‏ هكذا حدثني أبو سلمة عن أبي هريرة‏.‏

2 م – ‏(‏1716‏)‏ وحدثني عبدالله بن عبدالرحمن الدارمي‏.‏ أخبرنا مروان ‏(‏يعني ابن محمد الدمشقي‏)‏‏.‏ حدثنا الليث بن سعد‏.‏ حدثني يزيد بن عبدالله ابن أسامة بن الهاد الليثي، بهذا الحديث، مثل رواية عبدالعزيز بن محمد‏.‏ بالإسنادين‏.‏

*3*7 – باب كراهة قضاء القاضي وهو غضبان

16 – ‏(‏1717‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا أبو عوانة عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة‏.‏ قال‏:‏ كتب أبي ‏(‏وكتبت له‏)‏ إلى عبيدالله بن أبي بكرة وهو قاض بسجستان‏:‏ أن لا تحكم بين اثنين وأنت غضبان‏.‏

فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول ‏(‏لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا يحكم أحد بين اثنين وهو غضبان‏)‏ فيه النهي عن القضاء في حال الغضب‏.‏ قال العلماء‏:‏ ويلتحق بالغضب كل حال يخرج الحاكم فيها عن سداد النظر واستقامة الحال‏.‏ كالشبع المفرط والجوع المقلق، والهم والفرح البالغ، ومدافعة الحدث، وتعلق القلب بأمر، ونحو ذلك‏.‏ فكل هذه الأحوال يكره فيها القضاء خوفا من الغلط، فإن قضى فيها صح قضاؤه‏.‏ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قضى في شراج الحرة في مثل هذا الحال‏.‏ وقال في اللقطة‏:‏ ما لك ولها‏؟‏ وكان في حال الغضب‏]‏‏.‏

‏(‏1717‏)‏ – وحدثناه يحيى بن يحيى‏.‏ أخبرنا هشيم‏.‏ ح وحدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا حماد بن أبي سلمة‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع عن سفيان‏.‏ ح وحدثنا محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ ح وحدثنا عبيدالله بن معاذ‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ كلاهما عن شعبة‏.‏ ح وحدثنا أبو كريب‏.‏ حدثنا حسين بن علي عن زائدة‏.‏ كل هؤلاء عن عبدالملك بن عمير، عن عبدالرحمن بن أبي بكرة، عن أبيه، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ بمثل حديث أبي عوانة‏.‏

*3*8 – باب نقض الأحكام الباطلة ورد محدثات الأمور

17 – ‏(‏1718‏)‏ حدثنا أبو جعفر محمد بن الصباح وعبدالله بن عون الهلالي‏.‏ جميعا عن إبراهيم بن سعد‏.‏ قال ابن الصباح‏:‏ حدثنا إبراهيم بن سعد بن إبراهيم بن عبدالرحمن بن عوف‏.‏ حدثنا أبي عن القاسم بن محمد، عن عائشة‏.‏ قالت‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد‏)‏ قال أهل العربية‏.‏ الرد هنا، بمعنى المردود‏.‏ ومعناه فهو باطل غير معتد به‏.‏ وهذا الحديث قاعدة عظيمة من قواعد الإسلام‏.‏ وهو من جوامع كلمه صلى الله عليه وسلم‏.‏ فإنه صريح في رد كل البدع والمخترعات‏]‏‏.‏

18 – ‏(‏1718‏)‏ وحدثنا إسحاق بن إبراهيم وعبد بن حميد‏.‏ جميعا عن أبي عامر‏.‏ قال عبد‏:‏ حدثنا عبدالملك بن عمرو‏.‏ حدثنا عبدالله بن جعفر الزهري عن سعد بن إبراهيم‏.‏ قال‏:‏ سألت القاسم بن محمد عن رجل له ثلاثة مساكن‏.‏ فأوصى بثلث كل مسكن منها‏.‏ قال‏:‏ يجمع ذلك كله في مسكن واحد‏.‏ ثم قال‏:‏ أخبرتني عائشة؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد‏)‏ قد يعاند بعض الفاعلين في بدعة سبق إليها‏.‏ فإذا احتج عليه بالرواية الأولى يقول‏.‏ أنا ما أحدثت شيئا‏.‏ فيحتج عليه بالثانية التي فيها التصريح برد كل المحدثات سواء أحدثها الفاعل أو سبق بإحداثها‏.‏ وهذا الحديث مما ينبغي حفظه واستعماله في إبطال المنكرات وإشاعة الاستدلال به‏]‏‏.‏

*3*9 باب بيان خير الشهود

19 – ‏(‏1719‏)‏ وحدثنا يحيى بن يحيى‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك عن عبدالله بن أبي بكر، عن أبيه، عن عبدالله بن عمرو بن عثمان، عن ابن أبي عمرة الأنصاري، عن زيد بن خالد الجهني؛

أن النبي صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏ألا أخبركم بخير الشهداء‏!‏ الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏ألا أخبركم بخير الشهداء الذي يأتي بشهادته قبل أن يسألها‏)‏ الشهداء جمع شهيد، بمعنى شاهد‏.‏ قال الإمام النووي رضي الله عنه‏:‏ في المراد بهذا الحديث تأويلان‏:‏ أصحهما وأشهرهما تأويل أصحاب الشافعي؛ أنه محمول على من عنده شهادة لأنسان بحق‏.‏ ولا يعلم ذلك الإنسان أنه شاهد، فيأتي إليه فيخبره بأنه شاهد له‏.‏ والثاني أنه محمول على شهادة الحسبة وذلك في غير حقوق الآدميين المختصة بهم‏.‏ وحكى تأويل ثالث؛ أنه محمول على المجاز والمبالغة في أداء الشهادة بعد طلبها لا قبله‏.‏ كما يقال‏:‏ الجواد يعطي قبل السؤال‏.‏ أي يعطي سريعا عقب السؤال من غير توقف‏]‏‏.‏

*3*10 – باب بيان اختلاف المجتهدين

20 – ‏(‏1720‏)‏ حدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثني شبابة‏.‏ حدثني ورقاء عن أبي الزناد، عن الأعرج، عن أبي هريرة،

عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ قال ‏(‏بينما امرأتان معهما ابناهما‏.‏ جاء الذئب فذهب بابن إحداهما‏.‏ فقالت هذه لصاحبتها‏:‏ إنما ذهب بابنك أنت‏.‏ وقالت الأخرى‏:‏ إنما ذهب بابنك‏.‏ فتحاكمتا إلى داود‏.‏ فقضى به للكبرى‏.‏ فخرجتا على سليمان بن داود عليهما السلام‏.‏ فأخبرتاه‏.‏ فقال‏:‏ ائتوني بالسكين أشقه بينكما‏.‏ فقالت الصغرى‏:‏ لا‏.‏ يرحمك الله‏!‏ هو ابنها‏.‏ فقضى به للصغرى‏.‏

قال‏:‏ قال أبو هريرة‏:‏ والله‏!‏ إن سمعت بالسكين قط إلا يومئذ‏.‏ ما كنا نقول إلا المدية‏.‏

‏[‏ش ‏(‏لا‏.‏ يرحمك الله‏)‏ معناه‏:‏ لا تشقه‏.‏ ثم استأنفت فقالت‏:‏ يرحمك الله‏!‏ هو ابنها‏.‏ قال العلماء‏:‏ ويستحب أن يقال في مثل هذا بالواو‏.‏ فيقال‏:‏ لا‏.‏ ويرحمك الله‏.‏

‏(‏المدية‏)‏ بضم الميم وفتحها وكسرها، سميت به لأنها تقطع مدى حياة الحيوان‏]‏‏.‏

‏(‏1720‏)‏ – وحدثنا سويد بن سعيد‏.‏ حدثني حفص ‏(‏يعني ابن ميسرة الصنعاني‏)‏ عن موسى بن عقبة‏.‏ ح وحدثنا أمية بن بسطام‏.‏ حدثنا يزيد بن زريع‏.‏ حدثنا روح ‏(‏وهو ابن القاسم‏)‏ عن محمد بن عجلان‏.‏ جميعا عن أبي الزناد، بهذا الإسناد، مثل معنى حديث ورقاء‏.‏

*3*11 – باب استحباب إصلاح الحاكم بين الخصمين

21 – ‏(‏1721‏)‏ حدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق‏.‏ حدثنا معمر عن همام بن منبه‏.‏ قال‏:‏ هذا ما حدثنا أبو هريرة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر أحاديث منها‏:‏

وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏اشترى رجل من رجل عقارا له‏.‏ فوجد الرجل الذي اشترى العقار في عقاره جرة فيها ذهب‏.‏ فقال له الذي اشترى العقار‏:‏ خذ ذهبك مني‏.‏ إنما اشتريت منك الأرض‏.‏ ولم أبتع منك الذهب‏.‏ فقال الذي شرى الأرض‏:‏ إنما بعتك الأرض وما فيها‏.‏ قال‏:‏ فتحاكما إلى رجل‏.‏ فقال الذي تحاكما إليه‏:‏ ألكما ولد‏؟‏ فقال أحدهما‏:‏ لي غلام‏.‏ وقال الآخر‏:‏ لي جارية‏.‏ قال‏:‏ أنكحوا الغلام الجارية‏.‏ وأنفقوا على أنفسكما منه‏.‏ وتصدقا‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عقارا‏)‏ العقار هو الأرض وما يتصل بها‏.‏ وحقيقة العقار الأصل‏.‏ سمي بذلك من العقر، بضم العين وفتحها، وهو الأصل‏.‏ ومنه‏:‏ عقر الدار، بالضم والفتح‏.‏

‏(‏جرة‏)‏ قال في المنجد‏:‏ الجرة إناء من خزف له بطن كبير وعروتان وفم واسع‏.‏

‏(‏شرى الأرض‏)‏ هكذا هو في أكثر النسخ‏:‏ شرى‏.‏ وفي بعضها‏:‏ اشترى‏.‏ قال العلماء‏:‏ الأول أصح‏.‏ وشرى بمعنى باع، كما في قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وشروه بثمن بخس‏}‏‏.‏ ولهذا قال‏:‏ فقال الذي شرى الأرض إنما بعتك‏]‏‏.‏

*2* 31 – كتاب اللقطة

‏[‏ش ‏(‏اللقطة‏)‏ اللقطة في كتب الحديث بفتح القاف وقال النووي‏:‏ هي بفتح القاف على اللغة المشهورة التي قالها الجمهور‏.‏ وقال في الفتح‏:‏ اللقطة بضم اللام وفتح القاف على المشهور عند أهل اللغة والمحدثين‏.‏ وقال عياض‏:‏ لا يجوز غيره‏.‏ وقال الزمخشري في الفائق‏:‏ اللقطة بفتح القاف والعامة تسكنها‏.‏ كذا قال‏.‏ وقد جزم الخليل بأنها بالسكون‏.‏ وقال الأزهري‏:‏ هذا الذي قاله هو القياس‏.‏ ولكن الذي سمع من العرب وأجمع عليه أهل اللغة والحديث والحديث الفتح‏.‏ وذكر مثله القسطلاني‏.‏ هذا هو الصواب الذي لا محيد عنه‏.‏ وما سواه فخطأ فاحش أوقع المخطئ فيه عدم تمييزه بين ما جاء على وزن فعلة من النعوت وما جاء على وزنها من الأسماء‏.‏

ومن هؤلاء الخليل بن أحمد ثم الليث ثم صاحب المقاييس أو الأستاذ عبدالسلام هارون الذي وقف على طبعه وتصحيحه ثم الأستاذ عبدالسلام هارون صاحب التعليقة على هذه اللفظة في صفحة 464 من تهذيب الصحاح ثم أخيرا الأستاذ محمود محمد شاكر الذي ماراني وتمسك بقول الليث في اللسان بينما أنكره عليه الأزهري حيث قال‏:‏ الفصحاء على غير ما قال الليث‏.‏ روى أبو عبيد عن الأصمعي والأحمر قالا‏:‏ هي اللقطة، والقصعة والنفقة مثقلات كلها‏.‏ وهذا قول حذاق النحويين‏.‏ ولم أسمع اللقطة لغير الليث‏.‏ ونقل الأستاذ عبدالسلام هارون في هذه التعليقة، ما جاء في شرح الفصيح المنسوب إلى ثعلب لمؤلفه ابن درستويه قال‏:‏ اللقطة على وزن فعلة، بفتح الثاني والعامة تسكنه‏.‏ وأما الخليل فذكر أن اللقطة ساكنة القاف‏.‏ والقياس ما قال الخليل وهو الصواب‏.‏ وما اختاره ثعلب وغيره خطأ‏.‏ ا هـ كلام ابن درستويه وابن درستويه خطأ الصواب وهو قاله ثعلب، وصوب الخطأ وهو ما قاله الخليل‏.‏ والذي أوقعه في ذلك عدم تمييزه بين ما جاء على وزن فعلة نعتا‏.‏ وبين ما جاء على وزنها اسمها‏.‏

وقد جاء في أدب الكاتب لابن قتيبة؛ تحت باب ما جاء محركا والعامة تسكنه‏:‏ قال‏:‏ أتحفته تحفة، وأصابته تخمة‏.‏ وهي اللقطة، لما يلتقط‏.‏ وقال في الاقتضاب‏:‏ كذا حكى غير ابن قتيبة‏.‏ ووقع في كتاب العين‏:‏ اللقطة بسكون القاف اسم لما يلتقط‏.‏ واللقطة بفتح القاف الملتقط‏.‏ وهذا هو الصحيح‏.‏ وإن صح الأول فهو نادر‏.‏ لأن فعلة بسكون العين من صفات المفعول، وبتحريك العين، من صفات الفاعل‏.‏

وأقول أنا‏:‏ إن صاحب الاقتضاب قد خلط بين ما هو اسم على وزن فعلة وبين ما هو نعت على وزنها‏.‏ كما خلط إخوان له من قبل‏.‏ أما الجواليقي فلم يعقب على قول ابن قتيبة‏.‏ وهذا هو معناه إقراره لما قاله صاحب أدب الكاتب‏.‏ وقال ابن دريد في الجمهرة ‏(‏ج 3 صلى الله عليه وسلم 113‏)‏ واللقطة، التي تسميها العامة اللقطة – معروفة‏.‏ وهو ما التقطه الإنسان فاحتاج إلى تعريفه‏.‏

هذه النقول التي ذكرتها على طولها، لأن بعض من يعز علينا جهله قد أخطأ فيها وتمادى في الخطأ حتى اعتقد أن خطأه هو الصواب وأن صواب غيره هو الخطأ‏.‏ ولله في خلقه شؤون‏.‏

والقول الفصل التعليمي في هذا الباب ما عقد له ابن السكيت في كتابه ‏(‏إصلاح المنطق‏)‏ باب فعلة‏.‏ قال‏:‏ واعلم أنه ما جاء على فعلة، بضم الفاء وفتح العين من النعوت فهو تأويل فاعل وما جاء على فعلة ساكنة العين فهو في معنى مفعول به‏.‏ تقول‏:‏ هذا رجل ضحكة كثير الضحك‏.‏ ولعبة كثير اللعب‏.‏ ولعنة كثير اللعن للناس‏.‏ الخ‏.‏ وفاته أن يذكر مثلا لفعله ساكنة العين‏.‏ فذكره السيوطي في المزهر‏:‏ قال‏:‏ قال أبو عبيد‏:‏ ويقال‏:‏ فلان لعنة يلعنه الناس‏.‏ وسبة يسبونه‏.‏ وسخرة يسخرون منه‏.‏ وهزأة وضحكة مثله‏.‏ وخدعة يخدع‏.‏ ولعبة يلعب به‏.‏

ثم قال ابن السكيت‏:‏ ومما أتى من الأسماء على فعلة‏:‏ الزهرة، النجم‏.‏ وهي التهمة واللقطة والتخمة والتحفة‏.‏ وعليك بالتؤدة في أمرك‏.‏‏.‏‏.‏ الخ‏.‏

والذي يدعو إلى الدهشة أن الأستاذ عبدالسلام هارون كان أحد شارحي ومحققي كتاب إصلاح المنطق‏.‏ وقد صدر عام 1949‏.‏ ولما أخرج كتاب تهذيب الصحاح عام 1952‏.‏ انساق مع ابن درستويه في تخطئة المصيب وتصويب المخطئ في تعليقه على مادة لقط صلى الله عليه وسلم 464‏.‏ ولم يمر بذهنه ما قرره هذا المعلم الكبير، ابن السكيت، في إصلاح المنطق‏.‏

وبعد تحرير ما تقدم حدثني الأستاذ الكبير السيد خير الدين الزركلي؛ أن بدار الكتب المصرية نسخة خطية من كتاب ‏(‏التقريب في علم الغريب‏)‏ لابن الخطيب الدهشة – محفوظة تحت رقم 677‏.‏

وقد جاء فيه‏.‏ اللقطة، كرطبة، ويسكن، أو هو من لحن العوام ا هـ‏.‏

وأنا أقول قولا لا ريب فيه‏:‏ بل هو من لحن العوام‏.‏ وإن من قالها الخليل ابن أحمد والليث وابن درستويه ومن والاهم من المعاصرين‏]‏‏.‏

1 – ‏(‏1722‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي قال‏:‏ قرأت على مالك عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني؛ أنه قال‏:‏

جاء رجل إلى النبي صلى الله عليه وسلم فسأله عن اللقطة‏؟‏ فقال ‏(‏اعرف عفاصها ووكاءها‏.‏ ثم عرفها سنة‏.‏ فإن جاء صاحبها، وإلا فشأنك بها‏)‏‏.‏ قال فضالة الغنم‏؟‏ قال ‏(‏لك أو لأخيك أو للذئب‏)‏‏.‏ قال‏:‏ فضالة الإبل‏؟‏ قال ‏(‏ما لك ولها‏؟‏ معها سقاؤها وحذاؤها‏.‏ ترد الماء وتأكل الشجر‏.‏ حتى يلقاها ربها‏)‏‏.‏

قال يحيى‏:‏ أحسب قرأت‏:‏ عفاصها‏.‏

‏[‏ش ‏(‏اعرف عفاصها‏)‏ معناه تعرف لتعلم صدق واصفها من كذبه، ولئلا تختلط بماله وتشتبه‏.‏ والعفاص هو الوعاء الذي تكون فيه النفقة، جلدا كان أو غيره‏.‏ ويطلق العفاص، أيضا، على الجلد الذي يكون على رأس القارورة لأنه كالوعاء له‏.‏ فأما الذي يدخل في فم القارورة من خشب أو جلد أو خرقة مجموعة، ونحو ذلك، فهو الصمام‏.‏ يقال‏:‏ عفصتها عفصا، إذا شددت العفاص عليها‏.‏ وأعفصتها إعفاصا، إذا جعلت لها عفاصا‏.‏ وأما الوكاء فهو الخيط الذي يشد به الوعاء‏.‏ يقال‏:‏ أوكيته إيكاء، فهو موكي، بغير همز‏.‏

‏(‏وإلا فشأنك بها‏)‏ منصوب على المفعولية لمحذوف، أي فالزم شأنك بها واستمتع‏.‏

‏(‏فضالة الغنم‏)‏ قال الأزهري وغيره‏:‏ لا يقع اسم الضالة إلا على الحيوان‏.‏ يقال‏:‏ ضل الإنسان والبعير وغيرهما من الحيوان‏.‏ وهي الضوال‏.‏ وأما الأمتتعة وما سوى الحيوان فيقال لها‏:‏ لقطة، ولا يقال‏:‏ ضالة‏.‏

‏(‏لك أو لأخيك أو للذئب‏)‏ معناه الإذن في أخذها بخلاف الإبل‏.‏ وفرق صلى الله عليه وسلم بينهما‏.‏ وبين الفرق بأن الإبل مستغنية عمن يحفظها لاستقلالها بحذائها وسقائها وورودها الماء والشجر، وامتناعها من الذئاب وغيرها من صغار السباع‏.‏ والغنم بخلاف ذلك‏.‏ فلك أن تأخذها لأنها معرضة للذئاب، وضعيفة عن الاستقلال‏.‏ فهي مترددة بين أن تأخذها أنت أو صاحبها أو أخوك المسلم الذي يمر بها، أو الذئب‏.‏ فلهذا جاز أخذها دون الإبل‏.‏ ثم إذا أخذها وعرفها سنة وأكلها ثم جاء صاحبها لزمته غرامتها‏.‏

‏(‏معها سقاؤها وحذاؤها‏)‏ معناه أنها تقوى على ورود المياه وتشرب في اليوم الواحد وتملأ كرشها بحيث يكفيها الأيام‏.‏ وأما حذاؤها فهو أحفافها‏.‏ لأنها تقوى على السير وقطع المفاوز‏]‏‏.‏

2 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثنا يحيى بن أيوب وقتيبة وابن حجر ‏(‏قال ابن حجر‏:‏ أخبرنا‏.‏ وقال الآخران‏:‏ حدثنا إسماعيل‏)‏ ‏(‏وهو ابن جعفر‏)‏ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني؛

أن رجلا سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة‏؟‏ فقال ‏(‏عرفها سنة‏.‏ ثم اعرف وكاءها وعفاصها‏.‏ ثم استنفق بها‏.‏ فإن جاء ربها فأدها إليه‏)‏ فقال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ فضالة الغنم‏؟‏ قال‏:‏ خذها‏.‏ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب‏.‏ قال‏:‏ يا رسول الله‏!‏ فضالة الإبل‏؟‏ قال‏:‏ فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى احرت وجنتاه ‏(‏أو احمر وجهه‏)‏ ثم قال‏:‏ ‏(‏ما لك ولها‏؟‏ معها حذاءها وسقاؤها حتى يلقاها ربها‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏عرفها سنة‏)‏ معناه إذا أخذتها فعرفها سنة‏.‏ والتعريف أن ينشدها في الموضع الذي وجدها فيه وفي الأسواق وأبواب المساجد ومواضع اجتماع الناس‏.‏ فيقول‏:‏ من ضاع منه شيء‏؟‏ من ضاع منه حيوان‏؟‏ من ضاع منه دراهم‏؟‏ ونحو ذلك‏.‏ ويكرر ذلك بحسب العادة‏.‏

‏(‏ثم استنفق بها‏)‏ أي تملكها ثم أنفقها على نفسك‏.‏

‏(‏وجنتاه‏)‏ الوجنة، بفتح الواو وضمها وكسرها، وفيها لغة رابعة‏:‏ أجنة بضم الهمزة، وهي اللحم المرتفع من الخدين ويقال‏:‏ رجل موجن وواجن، أي عظيم الوجنة‏.‏ وجمعها وجنات‏.‏ ويجيء فيها اللغات المعروفة في جمع قصعة وحجرة وكسرة‏]‏‏.‏

3 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثني أبو الطاهر‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني سفيان الثوري ومالك بن أنس وعمرو بن الحارث وغيرهم؛ أن ربيعة بن أبي عبدالرحمن حدثهم، بهذا الإسناد، مثل حديث مالك‏.‏ غير أنه زاد‏:‏ قال‏:‏ أتى رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا معه‏.‏ فسأله عن اللقطة‏؟‏ قال‏:‏ وقال عمرو في الحديث ‏(‏فإذا لم يأت لها طالب فاستنفقها‏)‏‏.‏

4 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثني أحمد بن عثمان بن حكيم الأودي‏.‏ حدثنا خالد بن مخلد‏.‏ حدثني سليمان ‏(‏وهو ابن بلال‏)‏ عن ربيعة بن أبي عبدالرحمن، عن يزيد مولى المنبعث‏.‏ قال‏:‏ سمعت زيد بن خالد الجهني يقول‏:‏ أتى رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر نحو حديث إسماعيل بن جعفر‏.‏ غير أنه قال‏:‏ احمار وجهه وجبينه‏.‏ وغضب‏.‏ وزاد ‏(‏بعد قوله‏:‏ ثم عرفها سنة‏)‏ ‏(‏فإن لم يجيء صاحبها كانت وديعة عندك‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏كانت وديعة عندك‏)‏ معناه تكون أمانة عندك بعد السنة ما لم تتملكها‏.‏ فإن تلفت بغير تفريط فلا ضمان عليك‏.‏ وليس معناه منعه من تملكها‏.‏ بل له تملكها‏.‏ والمراد أنه لا ينقطع حق صاحبها بالكلية‏.‏ وقد نقل القاضي وغيره إجماع المسلمين على أنه إذا جاء صاحبها بعد التملك، ضمنها المتملك‏]‏‏.‏

5 – ‏(‏1722‏)‏ حدثنا عبدالله بن مسلمة بن قعنب‏.‏ حدثنا سليمان ‏(‏يعني ابن بلال‏)‏ عن يحيى بن سعيد، عن يزيد مولى المنبعث؛ أنه سمع زيد بن خالد الجهني صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، الذهب أو الورق‏؟‏ فقال ‏(‏اعرف وكاءها وعفاصها‏.‏ ثم عرفها سنة‏.‏ فإن لم تعرف فاستنفقها‏.‏ ولتكن وديعة عندك‏.‏ فإن جاء طالبها يوما من الدهر فأدها إليه‏)‏ وسأله عن ضالة الإبل‏؟‏ فقال‏:‏ ما لك ولها‏؟‏ دعها‏.‏ فإن معها حذاءها وسقاءها‏.‏ ترد الماء وتأكل الشجر‏.‏ حتى يجدها ربها‏)‏ وسأله عن الشاة‏؟‏ فقال ‏(‏خذها‏.‏ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب‏)‏‏.‏

6 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثني إسحاق بن منصور‏.‏ أخبرنا حبان بن هلال‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏ حدثني يحيى بن سعيد وربيعة الرأي بن أبي عبدالرحمن عن يزيد مولى المنبعث، عن زيد بن خالد الجهني؛ أن رجلا سأل النبي صلى الله عليه وسلم عن ضالة الإبل‏؟‏ زاد ربيعة‏:‏ فغضب حتى احمرت وجنتاه‏.‏ واقتص الحديث بنحو حديثهم‏.‏ وزاد ‏(‏فإن جاء صاحبها فعرف عفاصها، وعددها ووكاءها، فأعطها إياه‏.‏ وإلا، فهي لك‏)‏‏.‏

7 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثني أبو الطاهر أحمد بن عمرو بن سرح‏.‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ حدثني الضحاك بن عثمان عن أبي النضر، عن بسر بن سعيد، عن زيد بن خالد الجهني‏.‏ قال‏:‏

سئل رسول الله صلى الله عليه وسلم عن اللقطة‏؟‏ فقال ‏(‏عرفها سنة‏.‏ فإن لم تعترف، فاعرف عفاصها ووكاءها‏.‏ ثم كلها‏.‏ فإن جاء صاحبها فأدها إليه‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فإن لم تعترف‏)‏ أي إن لم تعرف صاحبها‏.‏

‏(‏فإن لم تعترف‏)‏ قال ابن الأثير في النهاية‏:‏ يقال‏:‏ عرف فلان الضالة أي ذكرها وطلب من يعرفها‏.‏ فجاء رجل يعترفها أي يصفها بصفة يعلم أنه صاحبها‏]‏‏.‏

8 – ‏(‏1722‏)‏ وحدثنيه إسحاق بن منصور‏.‏ أخبرنا أبو بكر الحنفي‏.‏ حدثنا الضحاك بن عثمان، بهذا الإسناد‏.‏ وقال في الحديث ‏(‏فإن اعترفت فأدها‏.‏ وإلا فاعرف عفاصها ووكاءها وعددها‏)‏‏.‏

9 – ‏(‏1723‏)‏ وحدثنا محمد بن بشار‏.‏ حدثنا محمد بن جعفر‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ ح وحدثني أبو بكر بن نافع ‏(‏واللفظ له‏)‏‏.‏ حدثنا غندر‏.‏ حدثنا شعبة عن سلمة بن كهيل‏.‏ قال‏:‏ سمعت سويد بن غفلة قال‏:‏

خرجت أنا وزيد بن صوحان وسلمان بن ربيعة غازين‏.‏ فوجدت سوطا فأخذته‏.‏ فقالا لي‏:‏ دعه‏.‏ فقلت‏:‏ لا‏.‏ ولكني أعرفه‏.‏ فإن جاء صاحبه وإلا استمتعت به‏.‏ قال‏:‏ فأبيت عليهما‏.‏ فلما رجعنا من غزاتنا قضي لي أني حججت‏.‏ فأتيت المدينة‏.‏ فلقيت أبي بن كعب‏.‏ فأخبرته بشأن السوط وبقولهما‏.‏ فقال‏:‏ إني وجدت صرة فيها مائة دينار على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فأتيت بها رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال ‏(‏عرفها حولا‏)‏ قال‏:‏ فعرفتها فلم أجد من يعرفها‏.‏ ثم أتيته فقال ‏(‏عرفها حولا‏)‏ فعرفتها فلم أجد من يعرفها‏.‏ ثم أتيته فقال ‏(‏عرفها حولا‏)‏ فعرفتها فلم أجد من يعرفها‏.‏ فقال ‏(‏احفظ لي عددها ووعاءها ووكاءها‏.‏ فإن جاء صاحبها وإلا فاستمتع بها‏)‏ فاستمتعت بها‏.‏

فليقته بعد ذلك بمكة فقال‏:‏ لا أدري بثلاثة أحوال أو حول واحد‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فأبيت عليهما‏)‏ أي بالإصرار في الأخذ‏.‏

‏(‏فليقته‏)‏ هذا قول شعبة‏.‏ أي لقيت سلمة بن كهيل‏.‏

‏(‏فقال‏)‏ أي سلمة‏.‏ أي هل قال سويد بن غفلة‏:‏ ثلاثة أعوام، أو قال‏:‏ عاما واحدا‏]‏‏.‏

‏(‏1723‏)‏ – وحدثني عبدالرحمن بن بشر العبدي‏.‏ حدثنا بهز‏.‏ حدثنا شعبة‏.‏ أخبرني سلمة بن كهيل‏.‏ أو أخبر القوم وأنا فيهم‏.‏ قال‏:‏ سمعت سويد بن غفلة قال‏:‏ خرجت مع زيد بن صوخان وسلمان بن ربيعة‏.‏ فوجدت سوطا‏.‏ واقتص الحديث بمثله‏.‏ إلى قوله‏:‏ فاستمتعت بها‏.‏ قال شعبة‏:‏ فسمعته بعد عشر سنين يقول‏:‏ عرفها عاما واحدا‏.‏

10 – ‏(‏1723‏)‏ وحدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا جرير عن الأعمش‏.‏ ح وحدثنا أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ ح وحدثنا ابن نمير‏.‏ حدثنا أبي‏.‏ جميعا عن سفيان‏.‏ ح وحدثني محمد بن حاتم‏.‏ حدثنا عبدالله بن جعفر الرقي‏.‏ حدثنا عبيدالله ‏(‏يعني ابن عمرو‏)‏ عن زيد بن أبي أنيسة‏.‏ ح وحدثني عبدالرحمن بن بشر‏.‏ حدثنا بهز‏.‏ حدثنا حماد بن سلمة‏.‏ كل هؤلاء عن سلمة بن كهيل، بهذا الإسناد، نحو حديث شعبة‏.‏ وفي حديثهم جميعا‏:‏ ثلاثة أحوال‏.‏ إلا حماد بن سلمة فإن في حديثه‏:‏ عامين أو ثلاثة‏.‏ وفي حديث سفيان وزيد بن أبي أنيسة وحماد بن سلمة ‏(‏فإن جاء أحد يخبرك بعددها ووعائها ووكائها‏.‏ فأعطها إياه‏)‏‏.‏ وزاد سفيان في رواية وكيع ‏(‏وإلا فهي كسبيل مالك‏)‏‏.‏ وفي رواية ابن نمير ‏(‏وإلا فاستمتع بها‏)‏‏.‏

*3*1 – باب في لقطة الحاج

11 – ‏(‏1724‏)‏ حدثني أبو الطاهر ويونس بن عبدالأعلى‏.‏ قالا‏:‏ أخبرنا عبدالله بن وهب‏.‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن بكير بن عبدالله بن الأشج، عن يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن عبدالرحمن بن عثمان التيمي؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن لقطة الحاج‏.‏

‏[‏ش ‏(‏نهى عن لقطة الحاج‏)‏ يعني عن التقاطها للتملك‏.‏ وأما التقاطها للحفظ فقط، فلا منع منه‏]‏‏.‏

12 – ‏(‏1725‏)‏ وحدثني أبو الطاهر ويونس بن عبدالأعلى‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا عبدالله بن وهب‏.‏ قال‏:‏ أخبرني عمرو بن الحارث عن بكر بن سوادة، عن أبي سالم الجيشاني، عن زيد بن خالد الجهني،

عن رسول الله صلى الله عليه وسلم؛ أنه قال ‏(‏من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها‏)‏ هذا دليل للمذهب المختار إنه يلزمه تعريف اللقطة مطلقا‏.‏ سواء أراد تملكها أو حفظها على صاحبها‏.‏ ويجوز أن يكون المراد بالضالة، هنا، ضالة الإبل ونحوها مما لا يجوز التقاطها للتملك‏.‏ بل إنما تلتقط للحفظ على صاحبها‏.‏ فيكون معناه‏:‏ من آوى ضالة فهو ضال، ما لم يعرفها أبدا ولا يتملكها‏.‏ والمراد بالضال، هنا، المفارق للصواب‏]‏‏.‏

*3*2 – باب تحريم حلب الماشية بغير إذن مالكها

13 – ‏(‏1726‏)‏ حدثنا يحيى بن يحيى التميمي‏.‏ قال‏:‏ قرأت على مالك بن أنس عن نافع، عن ابن عمر؛

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال ‏(‏لا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه‏.‏ أيحب أحدكم أن تؤتى مشربته، فتكسر خزانته، فينتقل طعامه‏؟‏ إنما تخزن لهم ضروع مواشيهم أطعمتهم‏.‏ فلا يحلبن أحد ماشية أحد إلا بإذنه‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏مشربته‏)‏ المشربة، بفتح الميم، وفي الراء لغتان الضم والفتح، وهي كالغرفة يخزن فيها الطعام وغيره‏.‏ ومعنى الحديث أنه صلى الله عليه وسلم شبه اللبن في الضرع بالطعام المخزون في الخزانة في أنه لا يحق أخذه بغير إذنه‏]‏‏.‏

‏(‏1726‏)‏ – وحدثناه قتيبة بن سعيد ومحمد بن رمح‏.‏ جميعا عن الليث بن سعد‏.‏ ح وحدثناه أبو بكر بن أبي شيبة‏.‏ حدثنا علي بن مسهر‏.‏ ح وحدثنا ابن نمير‏.‏ حدثني أبي‏.‏ كلاهما عن عبيدالله‏.‏ ح وحدثني أبو الربيع وأبو كامل‏.‏ قالا‏:‏ حدثنا حماد‏.‏ ح وحدثني زهير بن حرب‏.‏ حدثنا إسماعيل ‏(‏يعني ابن علية‏)‏‏.‏ جميعا عن أيوب‏.‏ ح وحدثنا ابن أبي عمر‏.‏ حدثنا سفيان عن إسماعيل بن أمية‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رافع‏.‏ حدثنا عبدالرزاق عن معمر، عن أيوب‏.‏ وابن جريج عن موسى‏.‏ كل هؤلاء عن نافع، عن ابن عمر، عن النبي صلى الله عليه وسلم‏.‏ نحو حديث مالك‏.‏ غير أن في حديثهم جميعا ‏(‏فينتثل‏)‏ إلا الليث بن سعد فإن في حديثه ‏(‏فينتقل طعامه‏)‏ كرواية مالك‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فينتثل‏)‏ أي ينثر كله ويرمى‏]‏‏.‏

*3*3 – باب الضيافة ونحوها

14 – ‏(‏48‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث عن سعيد بن أبي سعيد، عن أبي شريح العدوي؛ أنه قال‏:‏

سمعت أذناي وأبصرت عيناي حين تكلم رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فقال ‏(‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر، فليكرم ضيفه جائزته‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ وما جائزته‏؟‏ يا رسول الله‏!‏ قال ‏(‏يومه وليلته‏.‏ والضيافة ثلاثة أيام‏.‏ فما كان وراء ذلك فهو صدقة عليه‏)‏‏.‏ وقال ‏(‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليقل خيرا أو ليصمت‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جائزته‏.‏ والضيافة ثلاثة أيام‏)‏ قال ابن الأثير في النهاية‏:‏ أي يضاف ثلاثة أيام‏.‏ فيتكلف له في اليوم الأول مما اتسع له من بر وإلطاف‏.‏ ويقدم له في اليوم الثاني والثالث ما حضره، ولا يزيد على عادته‏.‏ ثم يعطيه ما يجوز به مسافة يوم وليلة‏.‏ ويسمى الجيزة‏.‏ وهي بقدر ما يجوز المسافر من منهل إلى منهل‏]‏‏.‏

15 – ‏(‏48‏)‏ حدثنا أبو كريب محمد بن العلاء‏.‏ حدثنا وكيع‏.‏ حدثنا عبدالحميد بن جعفر عن سعيد بن أبي سعيد المقبري، عن أبي شريح الخزاعي، قال‏:‏

قال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏الضيافة ثلاثة أيام‏.‏ وجائزته يوم وليلة‏.‏ ولا يحل لرجل مسلم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه‏)‏‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ وكيف يؤثمه‏؟‏ قال ‏(‏يقيم عنده، ولا شيء يقريه به‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏حتى يؤثمه‏)‏ معناه لا يحل للضيف أن يقيم عنده بعد الثلاث حتى يوقعه في الإثم‏.‏

‏(‏يقريه‏)‏ أي يضيفه ويهيء له طعامه‏]‏‏.‏

16 – ‏(‏48‏)‏ وحدثناه محمد بن المثنى‏.‏ حدثنا أبو بكر ‏(‏يعني الحنفي‏)‏‏.‏ حدثنا عبدالحميد بن جعفر‏.‏ حدثنا سعيد المقبري؛ أنه سمع أبا شريح الخزاعي يقول‏:‏ سمعت أذناي وبصر عيني ووعاه قلبي حين تكلم به رسول الله صلى الله عليه وسلم‏.‏ فذكر بمثل حديث الليث‏.‏ وذكر فيه ‏(‏ولا يحل لأحدكم أن يقيم عند أخيه حتى يؤثمه‏)‏ بمثل ما في حديث وكيع‏.‏

17 – ‏(‏1727‏)‏ حدثنا قتيبة بن سعيد‏.‏ حدثنا ليث‏.‏ ح وحدثنا محمد بن رمح‏.‏ أخبرنا الليث عن يزيد بن أبي حبيب، عن أبي الخير، عن عقبة بن عامر؛ أنه قال‏:‏

قلنا‏:‏ يا رسول الله‏!‏ إنك تبعثنا فننزل بقوم فلا يقروننا‏.‏ فما ترى‏؟‏ فقال لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏إن نزلتم بقوم فأمروا لكم بما ينبغي للضيف، فاقبلوا‏.‏ فإن لم يفعلوا، فخذوا منهم حق الضيف الذي ينبغي لهم‏)‏‏.‏

*3*4 – باب استحباب المؤاساة بفضول المال

18 – ‏(‏1728‏)‏ حدثنا شيبان بن فروخ‏.‏ حدثنا أبو الأشهب عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخدري، قال‏:‏

بينما نحن في سفر مع النبي صلى الله عليه وسلم، إذ جاء رجل على راحلة له‏.‏ قال‏:‏ فجعل يصرف بصره يمينا وشمالا‏.‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏من كان معه فضل ظهر فليعد به على من لا ظهر له‏.‏ ومن كان له فضل من زاد فليعد به على من لا زاد له‏)‏‏.‏

قال‏:‏ فذكر من أصناف المال ما ذكر، حتى رأينا أنه لا حق لأحد منا في فضل‏.‏

‏[‏ش ‏(‏فجعل يصرف بصره‏)‏ فهكذا وقع في بعض النسخ‏:‏ وفي بعضها‏:‏ يصرف فقط، بحذف بصره‏.‏ وفي بعضها‏:‏ يضرب‏.‏ ومعنى قوله‏:‏ فجعل يصرف بصره أي متعرضا لشيء يدفع به حاجته‏.‏

‏(‏من كان معه فضل ظهر‏)‏ أي زيادة ما يركب على ظهره من الدواب‏.‏ وخصه اللغويون بالإبل‏.‏ وهو التعين‏.‏

‏(‏فليعد به‏)‏ قال في المقاييس‏:‏ عاد فلان بمعروفه، وذلك إذا أحسن ثم زاد‏]‏‏.‏

*3*5 – باب استحباب خلط الأزواد إذا قلت، والمؤاساة فيها

19 – ‏(‏1729‏)‏ حدثني أحمد بن يوسف الأزدي‏.‏ حدثنا النضر ‏(‏يعني ابن محمد اليمامي‏)‏‏.‏ حدثنا عكرمة ‏(‏وهو ابن عمار‏)‏‏.‏ حدثنا إياس بن سلمة عن أبيه، قال‏:‏

خرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في غزوة‏.‏ فأصابنا جهد‏.‏ حتى هممنا أن ننحر بعض ظهرنا‏.‏ فأمر نبي الله صلى الله عليه وسلم فجمعنا مزاودنا‏.‏ فبسطنا له نطعا‏.‏ فاجتمع زاد القوم على النطع‏.‏ قال‏:‏ فتطاولت لأحرزه كم هو‏؟‏ فحزرته كربضة العنز‏.‏ ونحن أربع عشرة مائة‏.‏ قال‏:‏ فأكلنا حتى شبعنا جميعا‏.‏ ثم حشونا جربنا‏.‏ فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فهل من وضوء‏؟‏‏)‏ قال‏:‏ فجاء رجل بإداوة له، فيها نطفة‏.‏ فأفرغها في قدح‏.‏ فتوضأنا كلنا‏.‏ ندغفقه دغفقة‏.‏ أربع عشرة مائة‏.‏

قال‏:‏ ثم جاء بعد ذلك ثمانية فقالوا‏:‏ هل من طهور‏؟‏ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ‏(‏فرغ الوضوء‏)‏‏.‏

‏[‏ش ‏(‏جهد‏)‏ بفتح الجيم، وهو المشقة‏.‏

‏(‏مزاودنا‏)‏ هكذا هو في بعض النسخ أو أكثرها‏.‏ وفي بعضها‏:‏ أزوادنا‏.‏ وفي بعضها‏:‏ تزاودنا، بفتح التاء وكسرها‏.‏ والمزاود جمع مزود، كمنبر، وهو الوعاء الذي يحمل فيه الزاد‏.‏ وهو ما تزوده المسافر لسفره من الطعام‏.‏ والتزاود معناه ما تزودناه‏.‏

‏(‏فبسطنا له‏)‏ أي للمجموع مما في مزاودنا‏.‏

‏(‏نطعا‏)‏ أي سفرة من أديم، أو بساطا‏.‏

‏(‏فتطاولت لأحرزه‏)‏ أي أظهرت طولي لأحرزه، أي لأقدره وأخمنه‏.‏

‏(‏كربضة العنز‏)‏ أي كمبركها، أو كقدرها وهي رابضة‏.‏ والعنز الأنثى من المعز إذا أتى عليها حول‏.‏

‏(‏جربنا‏)‏ الجرب جمع جراب‏.‏ ككتاب وكتب‏.‏ وهو الوعاء من الجلد يجعل فيه الزاد‏.‏

‏(‏بإداوة‏)‏ هي المطهرة‏.‏

‏(‏فيها نطفة‏)‏ أي قليل من الماء‏.‏

‏(‏ندغفقه دغفقة‏)‏ أي نصبه صبا شديدا‏]‏‏.‏