وسائل التنمية الاقتصادية

اقرأ معي :

وسائل التنمية الاقتصادية

 

تأليف : نورمان س. بوكانان وهوراد س. اليس

ترجمة : محمود فتحي عمر وابراهيم لطفي عمر

نشرت مراجعة الكتاب في تموز / يوليو 1961 ، العدد التاسع ، الرائد العربي

تحتل التنمية الاقتصادية حيزاً مهماً من اهتمام الشعب والحكام العرب الذين وجدوا من مقارنتهم لمستويات المعيشة في الوطن العربي بمستوى الرفاه في اوروبا الغربية والولايات المتحدة ، بوناً شاسعاً في الوسائل المادية الموضوعة بتصرف الافراد نتيجة تخلفنا الاقتصادي وتقدمهم .

نشطت حركة ترجمة الكتب التي تبحث في التنمية الاقتصادية الى اللغة العربية ، كما نشطت حركة تأليفها في الغرب ، وخاصة في الولايات المتحدة الاميركية . وقد قام الاستاذان محمود وابراهيم عمر بترجمة هذا الكتاب الذي يبحث في الوسائل المؤدية الى التنمية الاقتصادية ، لا من حيث هي وسائل تخطيط تهدف الى التنمية وحسب ، بل ايضاً من حيث العوامل الانسانية والجغرافية التي تشكل بمجموعها مؤسسات قابلة للسماح بالنمو الاقتصادي ، او غير قابلة لذلك . فالتنمية  لا تبنى ” على أسس مادية فقط ، بل انها تتطلب كذلك ظروفاً اجتماعية وثقافية مؤاتية “. غير ان المؤسف ان يكون هذا الكتاب قد صدر قبل تبلور تجربة الهند والصين الشعبية بشكل يسمح بتحليل عوامل النمو فيها ومقارنة توفر الفعاليات المختلفة في كل من هذين البلدين .

يقع الكتاب في جزئين ، أول ، وهو نظرة تحليلية للمشكلة ، وثان يبحث في ” الانماء الاقتصادي في سجل التاريخ ” .

يتوخى الجزء الأول الاجابة على الاسئلة المتعلقة بتعريف المناطق المتخلفة والعوامل المحددة للدخل الحقيقي وطبيعة عملية تجميع رأس المال وتخصيصه ، واخيراً تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية في التنمية . كما انه يجيب على تساؤلاتنا حول عوامل التطور الديموغرافية .

يبدأ الكتاب بتحذير القارئ من ان ” التعليمات الفضفاضة عن أحوال المناطق المتخلفة في مجموعها قد تعطي فكرة مضللة ، نظراً الى ان البلاد او المناطق التي يشملها التقسيم تختلف اختلافاً بيناً في درجة تخلفها وفقاً للاختيار الواقعي المقبول ” . ثم ينتقل الى البحث في معنى التخلف الاقتصادي من حيث هو كم قابل للقياس . ويشير الكتاب ، منذ بدايته ، “الى ان التقدم والتخلف نعتان نسبيان ، وبالتالي فان قياس التخلف يكون بنسبة تخلف ذلك المجتمع عن مجتمع آخر نعتبره متقدماً اقتصادياً . ووصف بلد ما بالتخلف ينطوي ايضاً على انه من الممكن بوسائل معروفة ومفهومة تحسين نشاطه الاقتصادي الحالي كما يبرزه معدل الاستهلاك ومستوى الرفاه . والتخلف في مدلوله نشاط اقتصادي متعثر يتمثل في انخفاض معدل الاستهلاك ومستوى الرفاه ، مع توفر القوى الكامنة القادرة على التحسين بطرائق معروفة ” . ص 11

ويورد الكتاب مجموعة من المقاييس العائدة للحياة الانسانية كغاية في حد ذاتها ، كإحصاءات ارتقاب العمر ، ونسبة الوفيات والمواليد ، والصحة العامة ، والغذاء والكساء والمأوى ودخل الفرد ، ويقارن بين ارقامها في بلدان متقدمة معينة وبلدان متخلفة مظهراً الفوارق الشاسعة بينها . ويمكن ، بشكل عام ، إتخاذ نسبة التقدم في هذه المقاييس قياساً لسرعة التقدم . غير ان الانماط الدراسية في الاقتصاد تعتمد الى حد اكبر أحدها فقط ، وهو مستوى الدخل الحقيقي للفرد لأنه يلخص أكثر تلك العناصر .

فما هي العوامل المحددة للدخل الحقيقي ؟ . ” يعتمد تدفق الانتاج ، وبالتالي متوسط الدخول الحقيقية في أي مجتمع ، على الموارد الانتاجية الميسورة ، وعلى الكيفية التي تستخدم بها استخداماً فعالاً ، وكذلك على اوضاع النظام الثقافي والاجتماعي والسياسي الذي تمارس في محيطه كافة وجوه النشاط الاقتصادي “ص 49. غير ان هذه العوامل الثلاثة الكبرى تتداخل وتتفاعل مع بعضها البعض ، ومع كمية الانتاج ، تداخلاً معقداً . وهذا هو اساس المشكلة التي تمثلها المجتمعات المتخلفة . ذلك ان كمية الموارد المتوفرة ليست بالكم الثابت المعطى ، بل ان كثيراً من الموارد يمكن تحسينه وزيادة كفاءته ، وحتى انتاجه . فالارض يمكن استصلاحها وريها ، والعمال يمكن تدريبهم ورفع كفايتهم الانتاجية وشفاؤهم من الامراض واطالة العمر المرتقب لهم ، وبالتالي حياتهم الانتاجية . وكذلك ، فان السلع الاستثمارية يمكن تحسين انتاجها . غير ان ذلك يتطلب تخصيص الموارد لعملية الاستثمار هذه . فاذا لم تتوفر امكانية تخصيص الموارد، فلا يمكن زيادة كميتها وتحسين نوعيتها ، وبالتالي لا يمكن زيادة الانتاج ككل . وينطبق المثل ذاته على استخدام الموارد . ونحن هنا امام مثل من السلسلة الدائرية المعقدة . ويبحث الكتاب تفصيلاً في هذه العوامل مثل الانتاجية والتنقل والاراضي وقابليتها للزرع وندرتها والمصادر الرأسمالية في الزراعة والانشاءات الرأسمالية الثابتة ومعادلة تجميع رأس المال وامكانيات الاحلال substitution والبطالة والموارد المهدورة الخ.. ، مقارناً توفرها بين البلدان ، ودارساً علاقاتها الحركية الواحدة بالاخرى . غير انه يعود في النهاية الى القول بانه “من المستبعد ان يتهيأ للسكان … الاستفادة الكاملة من الموارد الميسورة بين ايديهم الا اذا كانوا غير راضين بشكل ما عن الناتج الاخير الذي تقدمه لهم هذه الموارد ….وان اعمال الفكر والروية توحي بأن أشد الاختلافات بروزاً .. ترجع الى اختلاف سلوك الناس تجاه عمل اليوم وأمل الغد ”  ص 93 .

يبحث الفصل الثالث في ” تجميع رأس المال وتخصصه ” ، ويحاول ان يجيب على السؤالين التاليين : اولا ، كيف نكوِن الرأس المال المنتج وندفع به الى الامام ؛ وثانياً ، كيف يمكن توزيع هذه الزيادة في رأس المال على وجوه الاستعمال الممكنة ؟ . ولما كانت الخاصة الاساسية للمجتمع المتخلف هي اختفاء ظاهرة تكوين الرأس المال المنتج ، فان الاعتبارات التي يثيرها هذان السؤالان مهمة جداً .

من الضروري الاشارة الى ان الاستثمار ومعامل التكرار multiplier التي نستعملها كمفاهيم ذات مدلول مفيد للسياسة الاقتصادية في البلدان المتقدمة ، ليست مفيدة الى الحد ذاته في الاقتصاد المتخلف ، وذلك بسبب اختلال التوازن بين عوامل الانتاج الذي يؤدي ، بدوره ، الى قلة مرونة الانتاج الكلي تجاه الاسعار والمداخيل النقدية .

يمكن تجميع رأس المال في البلد المتخلف عن طريق انقاص الانتاج الاستهلاكي وتخصيص جزء كبير من المجهود  للإنتاج الرأسمالي ، او بزيادة الانتاج الكلي وتخصيص الجزء الاكبر من الزيادة للانتاج الرأسمالي. ويستتبع كل من هذين المخططين مشاكل ومتطلبات سياسية ومالية وادارية خاصة .

ثم يشير الكتاب الى تخصيص رأس المال ، ويسرد عوامل وفرة العمالة وحجم المشاريع والانتاجية وتكامل الصناعات وتأثرها على ميزان المدفوعات الخ.. على ان المعايير الاستثمارية  بشكل خاص ، هي التي تقرر تخصيص وتوزيع مجموعات الموارد المتوفرة لأغراض الترسمل.  ثم يأتي الكتاب على المدارس الفكرية المتقابلة التي تنادي بالتخطيط ، وتلك التي تعتمد السوق كمنظم مثالي لتوزيع الاستثمارات .

يبحث الفصل الرابع في ” تأثير العوامل الثقافية والاجتماعية في التنمية ” ، إذ ” نرى ان بعض نماذج السلوك قد تصبح مصدر خطر شديد على كفاءة النشاط الاقتصادي ، وحجر عثرة في وجه المبتكرات التي تدخل التحسينات ” ص. 150 . وايضاً انه ” اذا لم تكن الاهداف الاجتماعية والقيم الثقافية السائدة تعطي أهمية للاعمال المادية الكبرى ، مثل زيادة الانتاج ، فانه لن يكون من وراء زيادة المعدات الرأسمالية اي ارتفاع وزيادة في حجم الناتج ” ص 150. فالقيم والتقاليد إذاً ، هي عوامل محددة لسرعة النمو الاقتصادي . والمجتمع البدائي هو مجتمع مغلف مستقر تسوده التقاليد وتحكمه قوى خارجة عنه . اما المجتمع المفتوح فهو الذي ” يعترف بمبدأ الحرية في تشكيل غاياته ” . وحتى اى اعتبارات من نوع علاقة الفرد ببيئته الاجتماعية ، والمذهب العقلي والمذهب الدنيوي والمذهب المادي … قد وجدت طريقها الى هذا الكتاب على انها عوامل محددة للنمو الاقتصادي .

اما الفصل الخامس وعنوانه ” عوامل التطور الديموغرافي ” فيبحث في تأثير كل العوامل على تزايد عدد السكان ، من معدلات الخصوبة الى الهجرة والتنقلات الداخلية الخ..

يبحث الكتاب في جزئه الثاني في ” الانماء الاقتصادي في سجل التاريخ ” ، مستعرضاً عوامل النمو في انكلترا واوروبا الغربية واليابان والاتحاد السوفياتي . ثم يغوص في مواضيع متخصصة من نوع ” التقدم الزراعي من أجل زيادة الرخاء في فصله الثاني عشر  و ” التجارة والصناعة في التطور الاقتصادي ” في الفصل الثالث عشر . ويبحث في  الفصول الرابع عشر حتى السابع عشر في تمويل التنمية الاقتصادية القادم من القطاع الاهلي او القطاع الخاص او الرأسمال الاجنبيي الخاص او من المساعدات والقروض الاجنبية الحكومية ، محللاً بالتفصيل متطلبات وحدود ومعايير كل من هذه الوسائل ، مشيراً بشكل خاص الى مدلولاتها الاجتماعية والثقافية . ثم يبحث في الفصل العشرين في مصالح الولايات المتحدة الاميركية في تشجيع عملية التنمية في البلدان المتخلفة .

يقع الكتاب في 445 صفحة ، ملأى بالبيانات الاحصائية والمقارنات بين الدول والحواشي التي تشير الى مصادرها وحدود فائدتها .

غير ان لنا ملاحظتين على الترجمة العربية ، تعود الاولى الى وضع التعليقات في نهاية كل فصل ، الامر الذي يفرض على القاريء جهداً يقطع عليه لذة المطالعة . اما الملاحظة الثانية فتتعلق بالاسلوب الذي لم يكن في بعض الاحيان واضحاً بما فيه الكفاية ، وان حافظ في أكثر صفحات الكتاب على اداء دقيق للمعاني الاقتصادية والفنية .