واقع اقتصاد الجزائر

واقع اقتصاد الجزائر

صلاح كامل

نشر المقال في آب / اغسطس 1962 ، العدد الثاني والعشرون ، الرائد العربي

تعرضنا في اعداد سابقة من مجلة الرائد العربي ( الاعداد 11 – 12 – 13 – 14 ) لوضع المتوطنين الاجتماعي في الجزائر ووضع الجزائريين بالنسبة الى الاوروبيين ، في ضوء واقع اقتصاد الجزائر الذي عالجه نادي ” جان مولان ” في باريس ، في مبحث علمي شدد فيه على وجوب ترحيل عدد كبير من المتوطنين الفرنسيين الى فرنسا .

قال المبحث : ” حتى لو استبعدنا قضية استقلال الجزائر ، وهذا أمر مستحيل ( وقد تحققت هذه النظرة اليوم) فان رقي الانسان الجزائري سيؤدي حتماً الى رحيل عدة مئات الا ف الاوروبيين عن الجزائر . وقد بدأ الرحيل بالفعل ” .

قال المبحث : ” منذ الآن ( وكان هذا القول قبل تسليم الجنرال ديغول بقيام دولة جزائرية مستقلة بعامين ) يجب ان ندرك ان اعادة توزيع الاراضي بين الاوروبيين والجزائريين وتحرر الاكثرية المقهورة ، سيؤديا الى ترحيل عدد من الاقلية المسيطرة اليوم ” .

إنتقد المبحث مشروع قسطنطينية للتنمية الاقتصادية في الجزائر ، هذا المشروع الذي أراده الفرنسيون ورقة خلاص للمتوطنين الاوروبيين في الجزائر . قال : إن المشروع وقف على الانماء الاقتصادي . ثم طرح السؤال التالي : ما هي الاسباب التي حملت محركي مشروع قسطنطينية على وقف حصة متواضعة للزراعة في حين ان 80 بالمئة من السكان الجزائريين ما زالوا يعيشون في الريف في وضع متخلف خطير ؟ . بل لماذا لا بد من ترحيل المتوطنين .

في هذا المقال نترك لنادي ” جان مولان ” الفرنسي ان يضع نقطة الختام او نقطة النهاية .

يقول المبحث : يجدر بنا ان نلقي ضوءاً على سببين اثنين معينين لضعف الجهد الفرنسي في تحسين  الزراعة الجزائرية وانعاشها . وهذان السببان ” سياسيان ” ، يعود الاول منهما الى رفض فرنسا التمهيد لاصلاح زراعي جدي في الجزائر للتخفيف من بؤس الفلاح الجزائري ، ويعود السبب الثاني الى رفض تعبئة ” العمل – المدخر ” الذي يتمثل بقلة استخدام الجماهير الريفية .

السبب الاول

مما لا شك فيه ان مشروع قسطنطينة قد اخذ اهبته لاعادة توزيع 250 الف هكتار من الاراضي في خلال سوات خمس . ولهذا الغرض أنشيء صندوق ، سمي صندوق التملك والتجهيز الريفي،  لشراء المساحات الضرورية . غير ان موضوع الشراء هذا كان يدور ، بصورة عامة ، حول شراء اراض قليلة الجودة ، او أراض واقعة في مناطق أمطارها غير مؤاتية . وهذه الاراضي تعود بأكثرها الى شركات وليس الى متوطنين ، وهي كذلك موزعة في اماكن غير مترابطة ، وبالتالي لا تسمح بقيام حركة استخدام جماعية . واضافة الى ذلك، تبين ان هذه الاراضي لا تستطيع اسكان وتشغيل اكثر من 18 الف عائلة ، أي 90 الف شخص ، في خلال السنوات الخمس . ومثل هذه النتيجة تعتبر ضعيفة كل الضعف اذا ما قورنت بالمشكلة التي يطرحها بؤس السكان الجزائريين الريفيين .

وبالمناسبة ، كان على فرنسا ان تجهز في السنة الاولى من سنوات المشروع الخمس الف وخمسمئة قطعة أرض ، لكنها لم تجهز ، في الواقع ، حتى 31 كانون الاول / ديسمبر 1959 ، اي في نهاية السنة الاولى ، سوى 513 قطعة . وكان وراء هذا التقصير او عدم التنفيذ ، انسياق فرنسا وراء ارادة المتوطنين الفرنسيين في الجزائر . وتقضي هذه الارادة بالحفاظ على التركيبة الاجتماعية – الاقتصادية الراهنة للفرنسيين المتمركزين في الجزائر .

السبب الثاني

في الاحصاءات الفرنسية ، التقريبية طبعاً ، ان كل جزائري يعتاش من الزراعة ، وفي سن الشغل ، كان يعمل سنة 1954 ما لا يزيد عن 92 يوماً . وهذا رقم يغالط الحقيقة لأن الاحصاءات اسقطت من حسابها اشتراك النساء في الاعمال الزراعية . وعلى كل حال ، فان مقولة كل مزارع جزائري في سن العمل في مِكْنته ان يعمل بين 120 و 150 يوم عمل اضافي في العام هو قول مغلوط ايضاً لأن اصحاب التقدير يهملون اشتراك النساء في الاعمال الزراعية . فاذا اعتبرنا اشتراك النساء في العمل الزراعي ، فان عدد الايام المهيأة للاعمال الجماعية تتراوح بين 180 و 200 يوم عمل .

يقول مبحث نادي ” جان مولان ” : ان عدم تعبئة مليون وتسعمئة الف جزائري في سن العمل يؤدي الى خسارة 280 مليون يوم عمل في العام على أقل تقدير،  وتصل هذه الايام الى 1400 مليون يوم عمل في اعوام خمسة. إن عملاً مدخراً هائلاً سيجد نفسه بذلك معقماً ، مع انه يمكن استخدامه استخداماً مفيداً في اعمال استصلاح التربة ووقايتها ، وفي اعمال التجفيف والتسوية والتشجير الخ.. ولا بد من الاشارة هنا الى ان مثل هذه الاعمال تؤمن العمل لعدد كبير من الناس وبالتالي تحسن من مدخولهم الزراعي بسرعة وبفائدة كبيرة وشاملة . لكن ” السياسة ” لا تقر تحقيق هذه الاعمال . فكيف تتقبل تعبئة الجماهير الجزائرية فيما يتوجب على القطاعات الاقتصادية الجزائرية الاخرى ان تبقى خاضعة لمتطلبات الاقتصاد الليبرالي . فمن الوجهة “السياسية ” لا يبدو ممكناً حمل القسم الاكبر من الجزائريين على الاعمال الجماعية ، وفي الوقت نفسه تاميين او تطمين الاوروبيين والاقلية الجزائرية التي ربطت مصيرها بالاوروبيين حرية الاستمرار ، كما في الماضي ، باستثمار أراضيهم . وهنا يجب الاعتراف بان السياسة الزراعية التي رسمها مشروع قسطنطينية تنكر شروط تحديث الزراعة التي يتطلبها بلد متخلف .

لا يخفى في هذا المجال ان السلطات الفرنسية قد عملت على تجميع ما يتراوح بين مليون و نصف مليون ومليوني جزائري في محتشدات لاعتبارات عسكرية . فاذا زالت ظروف تجميعهم  فان البؤس سيدفع بهم شطر المدن ، لا سيما وانهم على اطلاع كاف على الاجراءات المتخذة لتصنيع المدن وتحسين شروط السكن فيها .

إن غياب اصلاح زراعي جدي ورفض تعبئة ” العمل – المدخر ” الذي تشكله الجماهير الجزائرية المستخدمة استخداماً سيئاً ، يوجبان في النهاية فصل قسم من الجهود والاعتمادات المخصصة للمشروع لتدارك التجمعات الواسعة ، بدلاً من تدارك النواقص الاقتصادية والاجتماعية . هذه هي الظواهر التي تحمل على التساؤل عن صحة الافتراضات التي يطرحها مشروع قسطنطينية حول نزوح السكان الجزائريين .

الهجرة الريفية

إن التوازن الاقتصادي – الاجتماعي لمشروع قسطنطينية يستند الى فرضية مقامها ان الهجرة الريفية لن تتجاوز ، خلال السوات الخمس ، نصف مليون شخص ، بينما يمكن في الوقت نفسه ، تثبيت نصف مليون شخص في الريف عن طريق نشاطات غير زراعية ، وذلك بخلق 145 الف وظيفة غير زراعية . إنما من أجل خلق 145 الف وظيفة غير زراعية في بيئة ريفية ، لا بد من ان تزداد المداخيل الزراعية الى حد يتولد معه طلب قادر على الاداء يسمح بسد حاجات لم يعبر عنها حتى اليوم ، حاجات تتعلق في آن واحد بالتجهيز الزراعي من صناع قدارين على صنع واصلاح احدث اداة او آلة ، وباستهلاك العائلات من خيرات وخدمات من خياطين وحلاقين وتجار الخ.. والحال ان المعدل السنوي لتقدم الانتاج الزراعي ، وفق تقديرات محركي مشروع قسطنطينية لا يتعدى 3.4 بالمئة . فاذا حسبنا حساب الاجراءات التي يتوجب اتخاذها لصالح الجزائريين المجمعين في اطار سياسة زراعية مشكوك فيها كل الشك ، من حيث اساليبها ، ومحددة جداً من حيث وسائلها ، واذا حسبنا حساب المسلوبات الجسيمة والمحدودة جداً العائدة الى الحرب ، تلك المنهوبات التي وجدت صدى اليماً لدى اللجان الفرنسية والجزائرية المنتخبة في تشرين الاول / اكتوبر 1960 ، فان معدل 304 بالمئة لن يبلغه بكل تأكيد الانتاج الزراعي في الوسط الجزائري ، ومن ثم لن يكون ثمة أمل بخلق 145 الف وظيفة غير زراعية في الريف من الآن وحتى سنة 1964. وبكلمة احرى ، اذا نظرنا الى وضع العالم الريفي الذي فعلت ازمته الحرب ، والى تجميع الجزائريين ، والى دونية الوسائل التي يراد بها تحديث الزراعة الجزائرية  لتبين لنا ان ، ليس نصف مليون شخص سينزحون الى المدن بحلول سنة 1964 ، بل حوالى مليون شخص . وهؤلاء لم يتبصر المشروع في ايجاد وظائف مدنية لهم جميعاً .

نتائج تنفيذ المشروع في حقل الوظيفة المدنية

ليس 390 الف وظيفة يجب خلقها في المدن ، مع اعتبار النزوح الموقت الى الجزائر سيكون بين 75 و 100 الف جزائري ، بل نحو 535 الف وظيفة مدنية . وفي الوقت نفسه ، ثمة تحفظات جدية حول امكان تصنيع الجزائر وفق الوثيقة التي نص عليها مشروع قسطنطينية والذي يلحظ خلق 390 الف وظيفة مدنية . ففي الواقع، لم يبد الصناعيون الفرنسيون رغبة بتوظيف رساميلهم عبر المتوسط ، في الوقت الذي بدأ فيه العمل على الغاء الرسوم الجمركية . فمثل هذا الحدث يحثهم على توطيد طاقاتهم الاقتصادية في فرنسا . ومثلنا على ذلك ان مشروع قسطنطينية كان يعتمد في تخطيطه على نقل مصنع الالمنيوم من فرنسا الى منطقة وهران في الجزائر ، غير ان الصناعيين الفرنسيين رفضوا هذا المشروع ، رغم المنافع المادية الكبيرة التي كانت تنتظرهم في وهران ، لأن المشروع ، في نظرهم ومن الناحية السياسية ، يعد مجازفة .

شيء آخر في هذا المجال . فالوثائق الرسمية تشير بوضوح الى ان نتائج محاولة تصنيع الجزائر، وان كانت مرضية ومربحة في حقل الصناعات الغذائية مثلاً ، فانها ضعيفة في حقل الصناعات الكيماوية ، وسيئة في حقل المنتجات النسيجية . ثم ان المتمولين والصناعيين يترددون كثيراً ويبدون تحفظات كبيرة بشأن توظيف اموالهم في قطاعات تحتاج اسواقها الى مستهلكين كبيري الاعداد ويتمتعون بقدرات مالية جيدة . وتعتبر الصناعات النسيجية من هذا النوع من القطاعات . فهي ، حتى في فرنسا ، حيث القدرة الشرائية اكبر بكثير من الجزائر، تشكو الكساد . ثم ان اقامة مشاريع صناعية كبيرة يتطلب بناء مساكن جديدة للعمال والموظفين ، وقد قدرمشروع قسطنطينية عدد هذه المساكن بمئتين وعشرة مساكن . فكيف ستبنى هذه الوحدات السكنية وفرنسا تعاني من صعوبات مالية جدية لا تسمح لها حتى بتمويل مشروعها الخاص ببيوت السكن . من هنا يطرح السؤال : كيف يستطيع مشروع قسطنطينية ان يؤمن 535 الف وظيفة مدنية في وقت تعم البطالة في الريف والمدن على السواء . فالهجرة من الريف تتسع ، وقد قاربت مليون مهاجر ، بسبب عجز السياسة الزراعية .

من المتوقع ان يبلغ عدد العاطلين عن العمل في المدن الجزائرية في سنة 1965 ما لا يقل عن مئتي الف عامل، وبالتالي سيتوجب على فرنسا ان لا تكتفي بتسفير مئة الف جزائري فقط الى فرنسا ، بل ثلاثة اضعاف هذا العدد . هنا نتساءل بتشاؤم كبير : كيف يستطيع الاقتصاد الفرنسي ان يستوعب حتى عام 1965 حوالى 300 الف جزائري في الوقت الذي يعاني الاقتصد الفرنسي من ازمة خانقة ؟ . إن صعوبة ، او استحالة ، رفع حجم الهجرة الجزائرية الى فرنسا من جهة ، وعدم تمكن مشروع قسطنطينية من تأمين الوظائف المدنية لمليون جزائري او أكثر من جهة ثانية، كل هذا يدل على ان البطالة ، في احسن الحالات ، ستحتفظ بمستواها الحالي .

إن الجماهير الجزائرية لا يمكنها الا ان تكون اكثر فأكثر شديدة الحساسية تجاه البطالة ، لا سيما تجاه السياسة التي تؤدي الى مثل هكذا بطالة . واذا ما أدركنا ان الجهود التي بذلت لتعميم التعليم الابتدائي قد سمحت سنة 1960 بادخال 630 الف طالب الى المدارس مقابل 280 الف طالب ابتدائي سنة 1954 ، وان الجهد الذي بذل في هذا الميدان العلمي كان لصالح ابناء المدنيين الجزائريين ، لتبين لنا ان الفتيان الجزائريين الذين يبلغون سن العمل خلال مرحلة تنفيذ مشروع قسطنطينية وقد تسلحوا ببعض العلم الابتدائي ، سيكونون اكثر عدداً في المدن مما كانوا عليه عشية النزاع .

اما النتيجة فستكون :

1 – ارادة أكثر حزماً للحصول على وظائف ثابتة .

2 – رفض أكثر حدة للتباين القائم حالياً في مستوى المعيشة بين الجزائريين الاصليين والمتوطنين الفرنسيين .

فاذا أضيفت البطالة الى هذين العاملين ، لقرأنا النتيجة سلفاً . والوثائق الرسمية تؤكد ، بدورها ، ان تنفيذ مشروع قسطنطينية لن يستوعب العاطلين ولن يؤدي الى استخدام الجزائريين استخداماً تاماً . من هنا يرى مبحث نادي ” جان مولان ” ان هذه العوامل مجتمعة تجعل الحفاظ على بناء الجالية الفرسية في الجزائر أمراً مستحيلاً . واذا ما عاد السلم الى الجزائر وسعينا الى الابقاء على الجالية الاوروبية كما هي الآن ، فان اسباب النزاع ستزداد وسيبلغ التوتر بين الاوروبين والجزائريين اعلى مستوياته بحيث تغرق البلاد من جديد في اتون الحرب .

ذكرنا  في مطلع المبحث ، بالوثائق والارقام ان 80 بالمئة من الموظفين في الجزائر ليسوا جزائرين أصليين . ومع عودة السلم فان الجزائريين لن يسلموا بهذا الواقع . وتحاشياً لاي نزاع بين الاوروبيين والجزائريين الذين يمارسون نشاطات مماثلة ، لا بد ، عدا التطلع نحو نمو سريع للاقتصاد الجزائري وأثره على البطالة المستشرية بين الجزائريين ، من عملية ” قلب ” جذرية لقسم كبير من الاسر الفرنسية المقيمة في الجزائر . فاذا أخذنا الزراعة مثلاً ، فان 32500 فرنسي يمارسون نشاطات زراعية وعليهم الآن ان يجدوا نشاطات غير زراعية . ومثلهم عشرات الوف الموظفين من الدرجة الدنيا عليهم ان يبحثوا عن وظائف اخرى غير ادارية في قطاعات لم يهيؤوا لها . هل عملية ” القلب ” هذه ممكنة ؟ . هل يمكن للمزارع ان يتحول بين ليلة وضحاها الى صناعي او ميكانيكي ؟ . وهل يمكن للموظف الصغير ان يتحول الى عامل ؟ . بالطبع  كلا . ما الحل اذاً ؟

الكلمة لفرنسا

يقول مبحث نادي ” جان مولان ” الفرنسي : إن الحل الانساني المقبول هو ان تحتفي فرنسا بمواطنيها بصورة تعبر فيها عن التفهم الذي يمكنه وحده ان يمنح مواطنينا شعوراً بان الجزائر ليست وطنهم الوحيد . وفي هذا المجال ، يتحتم على الدولة الفرنسية ان يكون دورها مزدوجاً : أن تهيء الرأي العام الفرنسي لاستقبال مواطنيهم الذين لا يستطيعون البقاء في الجزائر استقبالاً انسانياً من جهة ، وان تتعهد لهم ، لا فقط ميراثهم بل ايضاً الموارد المالية التي تسهل لهم الاقامة في فرنسا من جهة اخرى .

كل الحقيقة

يقول المبحث ان عاجلاً او آجلاً لا بد لفرنسا من فتح ابوابها وذراعيها لاربعمئة الف فرنسي في الجزائر. ويقول ايضاً ان الفكرة القائلة بان عودة المتوطنين الفرنسيين في الجزائر تعني قطع العلاقات مع الجزائر ، على غرار ما وقع للهولنديين مع اندونيسيا ، هي فكرة خاطئة . ففي المغرب وتونس،  حيث كان يعيش في هذين البلدين قبل الاستقلال اكثر من 350 الف فرنسي في المغرب واكثر من 250 الف فرنسي في تونس ، عاد من المغرب الى فرنسا حوالى 175 الف فرنسي ، ومن تونس حوالى 150 الف فرنسي من دون اي مشكل . وعلى العكس من ذلك فقد رحبت فرنسا بوضع عدة الآف من التقنيين ، لا سيما في اجهزة التعليم ، تحت تصرف هذين البلدين . ومن ثم ، فان عودة 300 الف و 400 الف فرنسي من تونس ومن المغرب لم تؤد الى تأزم العلاقات بين فرنسا وهذين البلدين .

لا يخفى في هذا المجال ان الجزائريين لا يريدون ترحيل الجالية الفرنسية بمجموعها ، ولم يشيروا الى هذا الامر من قريب ولا من بعيد. إن الخطر يكمن في ان يحاول الفرنسيون المتوطنون في الجزائر ان يحافظوا على الاوضاع التي كانت سائدة قبل الاستقلال ، أي ان يحافظوا على امتيازاتهم التي كانت سبباً كبيراً من أسباب الانفجار .

هذه الحقيقة يجب ان يعرفها الفرنسيون المقيمون في الجزائر ، لا ان نخفيها عنهم . يجب ان يعرفوا ان لا بد لقسم كبير منهم من ان يعود الى فرنسا ، وان على فرنسا ان تعوض عليهم أملاكهم التي لا يمكن ان ينقلوها معهم .

إن استقلال الجزائر قد ولد من صميم المأساة . وهذه المأساة لا يمكن ان تستمر . هذا صوت فرنسا الحقيقي الذي يجب ان تسمعه . إن الارقام وحدها كانت تتكلم ، ولا فرار من حكم الارقام.