نشاط المؤتمر العمالي في عدن في المجالين النقابي والشعبي

  نشاط المؤتمر العمالي في عدن في المجالين النقابي والشعبي

ايليا ابو الروس

نشر المقال في ايلول / سبتمبر 1962 ، العدد الثالث والعشرون ، الرائد العربي

تقع عدن في بقعة من أجمل البقاع العربية وأكثرها استراتيجية ، سواء من حيث الدفاع او الاقتصاد . وعدن هي القسم الجنوبي من اليمن ، وهي تعتبر من الموانئ العالمية الكبيرة .

يخضع نظام الحكم في عدن مباشرة للسلطات البريطانية . ومن خلال كونها قاعدة بريطانية مهمة وتحكّمها بمياه البحر الأحمر والطريق البحري المؤدي الى الشرق الاقصى ، ولكونها تتمتع بموقع استراتيجي مهم جدا على المحيط الهادي ، فقد نشأت فيها تكتلات صناعية متطورة الى حد ما ، مما حتم ، بالمقابل ، نمو تكتلات نقابية قوية . وقد أدى وجود هذه التكتلات النقابية وتضامنها الى انشاء المؤتمر العمالي . وهذا المؤتمر هو الممثل الوحيد لعمال عدن ، وهو الهيئة الأكثر تمثيلاً للقوى الشعبية هناك .

تأسس المؤتمر العمالي سة 1956 من ست نقابات صغيرة ، مارست نشاطها بقوة وعنف وتضامن متين ، مما أدى الى ازدياد النقابات بشكل واضح ، فغدت في سنة 1960 حوالى ثلاثين نقابة . وفي تموز / يوليو 1960 اعيد تشكيل تنظيمات المؤتمر بشكل اكثر ملاءمة للوضع النقابي النامي ، فانخرطت الثلاثون نقابة في ثمانية اتحادات ونقابات عامة ، تشكل جسم الاتحاد حالياً ، وهي :

1 – اتحاد عمال القوات المسلحة .

2 – اتحاد عمال البترول .

3 – اتحاد عمال المواصلات .

4 – النقابات العامة لعمال الميناء .

5 – النقابة العامة لعمال البنوك وشركات التأمين .

6 – النقابة العامة لعمال الحكومة والحكومات المحلية .

7 – النقابة العامة للمعلمين .

8 – النقابة العامة لعمال الصناعات الخفيفية .

ومع وجود الفارق بين كلمة اتحاد ونقابة عامة ، الا انها هنا تؤدي المعنى نفسه من وجهتي التنظيم والخدمات .

ينص دستور المؤتمر على وجود هيئة تنفيذية تتألف من رئيس ونائب رئيس وامين عام وامين مال ومساعده وثلاثة مساعدين للامين العام ، الاول للشؤون القومية والثاني لشؤون العمل والثالث لشؤون الثقافة والتوجيه . كما ينص الدستور على تكوين مجلس مندوبين يتكون من عضوين او ثلاثة اعضاء من كل اتحاد ، وتكوين هيئة عامة تتألف من اعضاء الهيئات الادارية للاتحادات ، ثم يأتي المؤتمر العام الذي يتكون من مجموع العمال والاعضاء في كل الاتحادات والنقابات العامة . ويصدر المؤتمر العمالي صحيفته الاسبوعية ” العمال ” بعد صدور قرار حكومي سمح باعادة صدورها .

يبلغ عدد العمال المنضوين تحت لواء المؤتمر حوالى عشرين الف عامل . وهذا يعني ان العمال النقابيين في عدن يمثلون فوق الثلاثين بالمئة من مجموع القوى العاملة ، استناداً الى الاحصاء الحكومي الذي يضع عدد العمال في عدن بما يقارب اربعة وستين الف عامل .

خاض المؤتمر العمالي ، وما زال ، معارك عديدة في سبيل تحسين اوضاع العمال والارتقاء بهم معيشياً ووطنياً. وتنقسم معركة نضال المؤتمر الى شقين :

1 – المطالب الآنية ، المعروفة بالمطاليب النقابية .

2 – المطالب الشعبية الطويلة الامد .

تتلخص المطالب الآنية بما يلي :

أ – اطلاق الحريات النقابية والعامة والغاء قانون التحكيم الاجباري والاعتراف بحق العمال في الدفاع عن حقوقهم واطلاق سراح المعتقلين والغاء أوامر الابعاد التعسفية .

ب – منع اعطاء الرخص لاشخاص بعيدين عن الجسم النقابي لتأليف نقابات جديدة ، وايقاف محاولات السلطة لشق الحركة النقابية .

عمل المؤتمر العمالي حثيثاً للوصول الى هدفيه ، خاصة بعد محاولات السلطة تشكيل اتحاد نقابي جديد ، ليقف في وجه المؤتمر ، متذرعة ان المؤتمر يعمل في السياسة  مما يتنافى مع القواعد النقابية التي تتبعها السلطة . لكن التشكيلات التقابية التي أنشأتها انكشف امرها وبانت توجهاتها عندما بدأت نشاطها  باصدار بيانات سياسية تؤيد فيها السلطة الحاكمة . وكان المؤتمر العمالي يصر في هذا الوقت على خوض معركة مطلبيه الاساسيين . وكانت معاركه الجانبية هذه موفقة بعد ان شهر سلاحه الدائم ، شعار الاضراب الذي كان يستمر احياناً اسابيع عديدة . وفي نظرة سريعة على المطالب التي حققها المؤتمر العمالي نرى بوضوح مدى نشاطه وقوته وفعاليته:

1 – الاجازة السنوية

نص القانون على اعطاء العامل اجازة سنوية لمدة 15 يوماً ، وقد حققت بعض النقابات ، كنقابة الزيت ، الحصول على عطلة سنوية لمدة ثلاثين يوماً .

2 – الاجازة المرضية

نص القانون على حد ادنى هو شهر واحد في السنة بنصف الاجر . وقد استطاعت النقابات الكبيرة رفع الاجازة المرضية الى ستة اشهر ، كما استطاعت النقابات المتوسطة الحجم جعل الاجازة المرضية ثلاثة اشهر باجر كامل في الشهر الاول ونصف اجر في الشهرين التاليين . اما في نقابة الزيت فقد تمر على على المريض سنتان وهو يتسلم اجرة كاملة ، بل ومكافآته السنوية .

3 – المواصلات

لم تكن هناك اي اشارة الى المواصلات . وقد استطاعت الحركة العمالية الزام صاحب العمل بتوفير المواصلات لعماله الذين تبعد منازلهم عن مكان العمل بميلين او أكثر .

4 – العلاج

يوجب القانون على اصحاب العمل توفير العلاج للعمال . وقد استطاعت الحركة العمالية ان تلزم اصحاب العمل بتوفير العلاج للعامل وزوجته واطفاله ، بل واستطاع عمال المصافي ، بعد اضراب دام سبعين يوماً ، ان يحققوا ، في ما حققوه ، تقديم العلاج المجاني للعامل وزوجته واولاده وامه ووالده .

5 – مكافأة نهاية الخدمة

لا وجود لها في القانون الاساسي . وقد حققت نقابات البترول وبعض النقابات الاخرى مكافأة نهاية الخدمة على النحو التالي :

من سنة خدمة الى خمس سنوات يدفع للعامل اجر ثلاثة اسابيع عن كل سنة عمل .

من سنة خدمة الى عشر سنوات يدفع للعامل اجر اربعة اسابيع عن كل سنة عمل .

من سنة خدمة الى 15 سنة يدفع للعامل اجر خمسة اسابيع عن كل سنة عمل .

من 15 سنة خدمة وما فوق يدفع للعامل اجر ستة اسابيع عن كل سنة عمل .

6 – الاتفاقيات الجماعية

لا تلزم الحكومة اصحاب العمل بعقد اتفاقيات جماعية مع النقابات . الا ان الحركة العمالية قد اضطرت اصحاب العمل الى عقد مثل هذه الاتفاقيات ، وقد عقد كثير منها . وحددت مدة الاتفاقية الجماعية بثلاث سنوات، وللطرفين الحق في التعديل والاضافة خلال مدة الاتفاقية . وتشمل هذه الاتفاقية طرق المفاوضات وحل النزاعات واعطاء الحق في الاضراب بعد احالة النزاع الى لجنة صلح وفشلها ، وليس الى لجنة تحكيم . كما تشمل الاتفاقية شروط الخدمة من اجور واجازات وعلاج .

للاتفاقيات الجماعية أهميتها في تأمين الاستقرار العمالي . الا ان صدور قانون التحكيم الاجباري وحرمان العمال من حق الاضراب قد رجح كفة اصحاب العمل وشجعهم على عدم عقد مثل هكذا اتفاقيات ، بل حاول بعضهم التنكر لاتفاقيات سابقة . اما النقابات التي لم تتوصل الى اتفاقيات جماعية ما زالت تعتمد على محاضر جلساتها الرسمية مع اصحاب العمل .

7 – ساعات العمل

حدد القانون ساعات العمل الاسبوعية ب 48 ساعة ، وما زاد عن هذه الساعات الاسبوعية يعتبر عملاً اضافياً يتفق على اجره . وتطالب الحركة العمالية بتخفيض ساعات العمل الى 42 ساعة اسبوعياً ، وقد توصلت بعض النقابات الى ذلك .

8 – الاجور

جعل القانون الجديد الحد الادنى للاجور 7 شلنات ، أي ما يوازي 40 قرشاً مصرياً او ثلاث ليرات ونصف الليرة اللبنانية . وقد تمكنت النقابات من رفع هذا الحد كثيراً ، فوصلت بعض النقابات الى جعله ضعف هذا المبلغ كحد ادنى ، على ان تضاف اليه علاوة سنوية او دورية ، وعلاوات اخرى في الاعمال الخطيرة والعالية.

لا توجد علاوة اسرة او زواج للعامل المحلي ، لكن العمال الاجانب يتمتعون بهذه العلاوة اضافة الى علاوة الاغتراب . وليست هناك لجان لتحديد الاجور بالمعنى المعروف . وقد شكلت الحكومة لجنة لتحديد اجور عمالها . ولم يحدث ان تساوى الحد الادنى للاجور الذي تضعه الحكومة مع الحد الادنى الذي تتفق عليه النقابات مع الشركات .

لم تكن طريق المؤتمر العمالي معبدة ، بل كانت طريقاً شاقة ووعرة . ولم يحصل المؤتمر على هذه المكاسب الا بعد سلسلة من الاضرابات العنيفة ، وهذه أهمها :

– اضراب عمال لوك توماس سنة 1958 الذي استمر اكثر من شهر .

– اضراب عمال المصافي في آذار / مارس 1956 واضراب نيسان / ابريل 1960 الذي استمر سبعين يوماً

– اضراب عمال شركة الزيت البريطانية في سنة 1960 والذي استمر 34 يوماً .

– اضراب عمال امانة الميناء في اواخر سنة 1959 الذي استمر 14 يوماً

– الاضراب العام يوم 25 نيسان / ابريل 1958 احتجاجاً على الهجرة الاجنبية ومحاربة الغلاء .

– اضراب 31 تشرين الاول / اكتوبر 1958 ، يوم الشهداء وعيد العمال الكبير .

– الاضرابات الرمزية والعامة في الساعة العاشرة من صباح ايام الاثنين والثلاثاء والاربعاء والخميس بين 8 و 12 آب / اغسطس سنة 1960 واستئنافها باضرابات عامة حتى الاربعاء 17 آب / اغسطس لتسجيل عدم الثقة بسياسة الحكومة البريطانية في البلاد واحتجاجاً ومعارضة لقانون التحكيم الاجباري ومنع الاضراب .

بقيت المطالب الشعبية الملحة التي ترتبط ارتباطاً حيوياً بالمطالب النقابية البحتة بحاجة لدعم العمال . وبما ان المؤتمر العمالي يؤمن انه مؤهل للعمل الشعبي والكفاح الوطني بالمستوى نفسه الذي يؤهله للعمل النقابي ،  فانه اعتبر ان تحرير عدن من الاستعمار البريطاني خطوة طبيعية واساسية لا تقل اهمية عن نضاله لاعادة الكرامة للعامل واتاحة الفرص امامه وامام بقية الشعب للعيش بشرف وكرامة . وفي ما يلي أهم الشعارات الوطنية التي رفعها المؤتمر العمالي :

– وقف الهجرة الاجنبية وابعاد الاجانب الذين دخلوا البلاد بطريقة غير مشروعة والذين يتحكمون اليوم باقتصاد البلاد ويهددون عروبته .

– الاعتراف بالحقوق السياسية لابناء شمالي اليمن المقيمين في عدن . فعدن مدينة يمنية وسكانها يمنيون .

– ايقاف خطة انشاء مجلس عدن الحكومي الرامي الى اقامة دولة مصطنعة يسمونها  ” الاتحاد الفدرالي لامارات الجنوب العربي ” .

– جلاء الجيوش البريطانية وتفكيك القاعدة العسكرية الرهيبة التي تعرض بلادنا لاخطار لا ناقة لنا فيها ولا جمل .

– قيام لجنة من الامم المتحدة والجامعة العربية باستقصاء رأي الشعب واجراء انتخابات حرة ونزيهة .

وقد خاض المؤتمر العمالي ، باخلاص ،  معارك ضارية وعديدة من اجل هذه المطالب النقابية . ورغم الضغوطات العديدة التي واجهها ، فقد انتصر المؤتمر العمالي في كل معاركه التي خاضها حتى الآن ، ونذكر منها ، قصة مقاطعة انتخابات المجلس التشريعي التي قاطعها الشعب بنسبة وصلت الى 76 بالمئة ، رغم وجود الاجانب وتدخل السلطة بقواها المسلحة . وبينما كان الضغط يزداد مؤخراً على المؤتمر العمالي ، فان نشاطه ازداد وارتفعت اصوات القوى الوطنية المتضامنة معه . واستطاع المؤتمر ، بفضل وعي قادته وادراكهم لمسؤولياتهم من ان يطرح قضيته على الصعيد الدولي ، فاتصل بالمنظمات العالمية التي يسهم في نشاطاتها ، وهي بدورها تثير جواً من التأييد العالمي لمطالبه . وللتدليل على نشاطه في هذا الميدان نذكران عودة جريدة  العمال للصدور من جديد ، كان بفضل ضغوطات المنظمات النقابية على السلطات البريطانية ، ومن بينها مكتب العمل الدولي والنقابات البريطانية والاتحاد الدولي الحر .