نسب مسلم بن الوليد وأخباره

نسب مسلم بن الوليد وأخباره

نسبه

وهو مسلم بن الوليد، أبوه الوليد مولى الأنصار ثم مولى أبي أمامة أسعد بن زرارة الخزرجي.

كان يلقب صريع الغواني

يلقب صريع الغواني، شاعر متقدم من شعراء الدولة العباسية، منشؤه ومولده الكوفة.

وهو -فيما زعموا- أول من قال الشعر المعروف بالبديع، هو لقب هذا الجنس البديع واللطيف . وتبعه فيه جماعة، وأشهرهم فيه أبو تمام الطائي فإنه جعل شعره كله مذهباً واحداً فيه. ومسلم كان متقنناً متصرفاً في شعره.

أخبرني علي بن سليمان الأخفش، قال: قال أبو العباس محمد بن يزيد: كان مسلم شاعراً حسن النمط، جيد القول في الشراب ، وكثير من الرواة يقرنه بأبي نواس في هذا المعنى. وهو أول من عقد هذه المعاني الظريفة واستخرجها.

اتهم بأنه أول من أفسد الشعر

حدثنا أحمد بن عبيد الله بن عمار، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: سمعت أبي، يقول: أول من أفسد الشعر مسلم بن الوليد، جاء بهذا الذي سماه الناس البديع، ثم جاء الطائي بعده فتفنن فيه .

كان منقطعاً إلى يزيد بن يزيد

أخبرني إبراهيم بن أيوب عن عبد الله بن مسلم الدينوري، قال: كان مسلم بن الوليد وأخوه سليمان منقطعين إلى يزيد بن مزيد ومحمد بن منصور بن زياد، ثم الفضل بن سهل بعد ذلك. وقلد الفضل مسلماً المظالم بجرجان فمات بها.
أخبرني علي بن سليمان، قال: حدثنا محمد بن يزيد قال: كان السبب في قول مسلم:

تدعي الشوق إن نأت

 

وتجنـى إذا دنـت

غازل جارية منزلها في مهب الشمال من منزله، ولم يكن يهواها

أنه علق جارية ذات ذكر وشرف ، وكان منزلها في مهب الشمال من منزله، وفي ذلك يقول: صوت

أحب الريح ما هبت شمـالاً

 

وأحسدها إذا هبت جنـوبـا

أهابك أن أبوح بذات نفسـي

 

وأفرق إن سألتك أن أخيبـا

وأهجر صاحبي حب التجني

 

عليه إذا تجنت الـذنـوبـا

كأني حين أغضي عن سواكم

 

أخاف لكم على عيني رقيبا

غنى عبد الله بن العباس الربيعي في هذه الأبيات هزجاً بالبنصر عن الهشامي.

كان يحب جاريته محبة شديدة

قال: وكانت له جارية يرسلها إليها ويبثها سره، وتعود إليه بأخبارها ورسائلها؛ فطال ذلك بينهما؛ حتى أحبتها الجارية التي علقها مسلم ومالت إليها، وكلتاهما في نهاية الحسن والكمال. وكان مسلم يحب جاريته هذه محبة شديدة، ولم يكن يهوى تلك، إنما كان يريد الغزل والمجون والمراسلة، وأن يشيع له حديث بهواها، وكان يرى ذلك من الملاحة والظرف والأدب، فلما رأى مودة تلك لجاريته هجر جاريته مظهراً لذلك، وقطعها عن الذهاب إلى تلك، وذلك قوله:

وأهجر صاحبي حب التجني

 

عليه إذا تجنيت الذنـوبـا

وراسلها مع غير جاريته الأولى، وذلك قوله:

تدعى الشـوق إن نـأت

 

وتـجـنـى إذا دنـت

واعدتنـا وأخـلـفـت

 

ثم ساءت فأحـسـنـت

سرني لو صبرت عـن

 

ها فتجزى بما جـنـت

إن سلمى لـو اتـقـت

 

ربها فـي أنـجـزت

زرعت في الحشا الهوى

 

وسقته حتـى نـبـت

أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن يزيد، قالا: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: لقي مسلم بن الوليد أبا نواس فقال له: ما أعرف لك بيتاً إلا فيه سقط، قال: فما تحفظ من ذلك؟ قال: قل أنت ما شئت حتى أريك سقطه فيه، فأنشده:

ذكر الصبوح سحيرة فارتاحا

 

وأمله ديك الصباح صياحـا

فقال له مسلم: فلم أمله وهو الذي أذكره وبه ارتاح؟ فقال أبو نواس: فأنشدني شيئاً من شعرك ليس فيه خلل، فأنشده مسلم:

عاصى الشباب فراح غير مفند

 

وأقام بين عزيمة وتـجـلـد

فقال له أبو نوس: قد جعلته رائحاً مقيماً في حال واحدة وبيت واحد. فتشاغبا وتسابا ساعة، وكلا البيتين صحيح المعنى.

ذكر أمام المأمون شعره فأعجبه

أخبرني جعفر بن قدامة قال: قال لي محمد بن عبد الله بن مسلم: حدثني أبي، قال: اجتمع أصحاب المأمون عنده يوماً، فأفاضوا في ذكر الشعر والشعراء، فقال له بعضهم: أين أنت يا أمير المؤمنين عن مسلم بن الوليد؟ قال: حيث يقول ماذا؟ قال: حيث يقول وقد رثى رجلاً:

أرادوا ليخفوا قبره عـن عـدوه

 

فطيب تراب القبر دل على القبر

وحيث مدح رجلاً بالشجاعة فقال:

يجود بالنفس إذ ضن الجواد بهـا

 

والجود بالنفس أقصى غاية الجود

وهجا رجلاً بقبح الوجه والأخلاق فقال:

قبحت مناظره فحين خبرته

 

حسنت مناظره لقبح المخبر

وتغازل فقال:

هوى يجد وحبيب يلعب

 

أنت لقى بينهما معذب

فقال المأمون: هذا أشعر من خضتم اليوم في ذكره.

الرشيد ينبه يزيد من مزيد إلى ما قاله فيه مسلم من مدح

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي والحسن بن علي الخفاف، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثني قعنب بن المحرز، وابن النطاح، عن القحذمي، قال: قال يزيد بن مزيد: أرسل إلي الرشيد يوماً في وقت لا يرسل فيه إلى مثلي فأتيته لابساً سلاحي، مستعداً لأمر إن إراده، فلما رآني ضحك إلي ثم قال: يا يزيد خبرني من الذي يقول فيك:

تراه في الأمن في درع مضاعـفة

 

لا يأمن الدهر أن يدعى على عجل

صافي العيان طموح العين همتـه

 

فك العناة وأسر الفاتك الخـطـل

لله من هاشم في أرضـه جـبـل

 

وأنت وابنك ركنا ذلك الـجـبـل

فقلت: لا أعرفه يا أمير المؤمنين. قال: سوءة لك من سيد قوم يمدح بمثل هذا الشعر ولا تعرف قائله، وقد بلغ أمير المؤمنين فرواه ووصل قائله، وهو مسلم بن الوليد. فانصرفت به ووصلته ووليته.

أخبرني محمد بن عمران الصيرفي، والحسن بن علي الخفاف، قالا: حدثنا الحسن بن عليل العنزي، قال: حدثني أبو عبد الله أحمد بن محمد بن سليمان الحنفي ذو الهدمين، قال: حدثني أبي، قال: دخل يزيد بن مزيد على الرشيد فقال له: يا يزيد، من الذي يقول فيك:

لا يعبق الطيب خديه ومفرقه

 

ولا يمسح عينيه من الكحـل

قد عود الطير عادات وثقن بها

 

فهن يتبعنه في كل مرتحـل

يزيد بن مزيد يسمع مدحه فيه ويأمر له بجائزة

فقال: لا أعرف قائله يا أمير المؤمنين. فقال له هارون: أيقال فيك مثل هذا الشعر ولا تعرف قائله! فخرج من عنده خجلاً، فلما صار إلى منزله دعا حاجبه فقال له: من بالباب من الشعراء؟ قال: مسلم بن الوليد، فقال: وكيف حجبته عني فلم تعلمني بمكانه؟ قال: أخبرته أنك مضيق ، وأنه ليس في يديك شيء تعطيه إياه، وسألته الإمساك والمقام أياماً إلى أن تتسع. قال: فأنكر ذلك عليه وقال: أدخله إلي. فأدخله إليه، فأنشده قوله:

أجـررت حـبـل خـلـيع فـي الـصـبــا غـــزل

 

وشـمـرت هـمـم الـعـذال فـــي عـــذلـــي

رد الـبـكـار عـلـى الـعـين الـطـمـوح هـــوى

 

مفـــرق بـــين تـــوديع ومـــرتـــحـــل

أمـا كـفـى الـبـين أن أرمـى بـأســهـــمـــه

 

حتـى رمـانـي بـلـحـظ الأعـين الـنـــجـــل!

مما جنت لي وإن كانت منى صدقتصبابة خلس التسليم بالمقل

 

 

فقال له: قد أمرنا لك بخمسين ألف درهم، فاقبضها واعذر. فخرج الحاجب فقال لمسلم: قد أمرني أن أرهن ضيعة من ضياعه على مائة ألف درهم، خمسون ألفاً لك وخمسون ألفاً لنفقته. وأعطاه إياها، وكتب صاحب الخبر بذلك إلى الرشيد، فأمر ليزيد بمائتي ألف درهم وقال: اقض الخمسين التي أخذها الشاعر وزده مثلها. وخذ مائة ألف لنفقتك. فافتك ضيعته، وأعطى مسلماً خمسين ألفاً أخرى.

يزوره صديق فيبيع خفيه ليقدم له طعاماً

أخبرني الحسن بن علي الخفاف، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني علي بن عبيد الكوفي، وعلي بن الحسن كلاهما، قال: أخبرني علي بن عمرو، قال: حدثني مسلم بن الوليد المعروف بصريع الغواني قال: كنت يوماً جالساً في دكان خياط بإزاء منزلي، إذ رأيت طارقاً ببابي، فقمت إليه فإذا هو صديق لي من أهل الكوفة قد قدم من قم، فسررت به، وكأن إنساناً لطم وجهي، لأنه لم يكن عندي درهم واحد أنفقه عليه، فقمت فسلمت عليه، وأدخلته منزلي، وأخذت خفين كانا لي أتجمل بهما، فدفعتهما إلى جاريتي، وكتبت معهما رقعة إلى بعض معارفي في السوق، أسأله أن يبيع الخفين ويشتري لي لحماً وخبزاً بشيء سميته. فمضت الجارية وعادت إلي وقد اشترى لها ما قد حددته له، وقد باع الخفين بتسعة دراهم، فكأنها إنما جاءت بخفين جديدين. فقعدت أنا وضيفي نطبخ، وسألت جاراً لي أن يسقينا قارورة نبيذ، فوجه بها إلي، وأمرت الجارية بأن تغلق باب الدار مخافة طارق يجيء فيشركنا فيما نحن فيه، ليبقى لي وله ما نأكله إلى أن ينصرف.

يصل إليه رسول يزيد بن مزيد ويدفع إليه عشرة آلاف درهم فإنا لجاسان نطبخ حتى طرق الباب طارق، فقلت لجاريتي: انظري من هذا. فنظرت من شق الباب فإذا رجل عليه سواد وشاشية ومنطقة وعه شاكري، فخبرتني بموضعه فأنكرت أمره ، ثم رجعت إلى نفسي فقلت: لست بصاحب دعارة، ولا للسلطان علي سبيل. ففتحت الباب وخرجت إليه، فنزل عن دابته وقال: أأنت مسلم بن الوليد؟ قلت: نعم. فقال: كيف لي بمعرفتك؟ قلت: الذي دلك على منزلي يصحح لك معرفتي. فقال لغلامه: امض إلى الخياط فسله عنه. فمضى فسأله عني فقال: نعم هو مسلم بن الوليد. فأخرج إلي كتاباً من خفه، وقال: هذا كتاب الأمير يزيد بن مزيد إلي، يأمرني ألا أفضه إلا عند لقائك، فإذا فيه: إذا لقيت مسلم بن الوليد فادفع إليه هذه العشرة آلاف درهم، التي أنفذتها تكون له في منزله، وادفع ثلاثة آلاف درهم نفقة ليتحمل بها إلينا. فأخذت الثلاثة والعشرة، ودخلت إلى منزلي والرجل معي، فأكلنا ذلك الطعام، وازددت فيه وفي الشراب، واشتريت فاكهة، واتسعت ووهبت لضيفي من الدراهم ما يهدي به هدية لعياله.

يذهب إلى يزيد وينشده قصيدة في مدحه وأخذت في الجهاز، ثم ما زلت معه حتى صرنا إلى الرقة إلى باب يزيد، فدخل الرجل وإذا هو أحد حجابه، فوجده في الحمام، فخرج إلي فجلس معي قليلاً، خبر الحاجب بأنه قد خرج من الحمام، فأدخلني إليه، وإذا هو على كرسي جالس، وعلى رأسه وصيفة بيدها غلاف مرآة، ومشط يسرح لحيته، فقال لي: يا مسلم، ما الذي بطأ بك عنا؟ فقلت: أيها الأمير، قلة ذات اليد. قال: فأنشدني. فأنشدته قصيدتي التي مدحته فيها:

أجررت حبل خليع في الصبا غزل

 

وشمرت همم العذال في عذلـي

فلما صرت إلى قولي:

لا يعبق الطيب خديه ومفرقه

 

ولا يمسح عينيه من الكحل

يقص عليه سبب دعوته لهوضع المرآة في غلافها، وقال للجارية: انصرفي، فقد حرم علينا مسلم الطيب. فلما فرغت من القصيدة قال لي: يا مسلم، أتدري ما الذي حداني إلى أن وجهت إليك؟ فقلت: لا والله ما أدري. قال: كنت عند الرشيد منذ ليال أغمز رجليه، إذ قال لي: يا يزيد، من القائل فيك:

سل الخليفة سيفاً من بني مطر

 

يمضي فيخرتم الأجساد والهاما

كالدهر لا ينثني عما يهـم بـه

 

قد أوسع الناس إنعاماً وإرغاما

فقلت: لا والله ما أدري. فقال الرشيد: يا سبحان الله! أنت مقيم على أعرابيتك، يقال فيك مثل هذا الشعر ولا تدري من قائله! فسألت عن قائله، فأخبرت أنك أنت هو، فقم حتى أدخلك على أمير المؤمنين.

يدخل على الرشيد ويمدحه فيأمر له بجائزة

ثم قام فدخل على الرشيد، فما علمت حتى خرج علي الإذن فأذن لي، فدخلت على الرشيد، فأنشدته ما لي فيه من الشعر، فأمر لي بمائتي ألف درهم، فلما انصرف إلى يزيد أمر لي بمائة وتسعين ألفاً، وقال: لا يجوز لي أن أعطيك مثل ما أعطاك أمير المؤمنين. وأقطعني إقطاعات تبلغ غلتها مائتي ألف درهم.

يهجو يزيد فيدعوه الرشيد ويحذره

قال مسلم: ثم أفضت بي الأمور بعد ذلك إلى أن أغضبني فهجوته، فشكاني إلى الرشيد، فدعاني وقال: أتبيعني عرض يزيد؟ فقلت: نعم يا أمير المؤمنين. فقال لي: فكم؟ فقلت: برغيف خبز. فغضب حتى خفته على نفسي، وقال: قد كنت على أن أشتريه منك بمال جسيم، ولست أفعل ولا كرامة، فقد علمت إحسانه إليك، وأنا نفي من أبي، ووالله ثم والله لئن بلغني أنك هجوته لأنزعن لسانك من بين فكيك، فأمسكت عنه بعد ذلك، وما ذكرته بخير ولا شر.

البيدق يصله بيزيد بن مزيد ويسمعه شعره فيأمر له بجائزة

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن معرويه، قال: حدثني محمد بن عبد الله اليعقوبي، قال: حدثني البيدق الراوية -وكان من أهل نصيبين- قال: دخلت دار يزيد بن مزيد يوماً وفيها الخلق، وإذا فتى شاب جالس في أفناء الناس، ولم يكن يزيد عرفه بعد، وإذا هو مسلم بن الوليد، فقال لي: ما في نفسي أن أقول شعراً أبداً، فقلت: ولم؟ قال: لأني قد مدحت هذا الرجل بشعر ما مدح بمثله قط، ولست أجد من يوصله، فقلت له: أنشدني بعضه، فأنشدني منه:

موف على مهج فـي يوم ذي رهـج

 

كأنـه أجـل يسـعـى إلـى أمـل

يقري السيوف نفوس الناكـثـين بـه

 

ويجعل الروس تيجان القنا الـذبـل

لا يعبق الطيب خـديه ومـقـرفـه

 

ولا يمسح عينـيه مـن الـكـحـل

إذا انتضى سيفه كانت مـسـالـكـه

 

مسالك الموت في الأجسام والقـلـل

وإن خلت بحديث النفس فـكـرتـه

 

عاش الرجاء ومات الخوف من وجل

كالليث إن هجته فالمـوت راحـتـه

 

لا يسـتـريح إلـى الأيام والـدول

لله من هاشم فـي أرضـه جـبـل

 

وأنت وابنك ركنا ذلـك الـجـبـل

صدقت ظني وصدقت الظنـون بـه

 

وحط جودك عقد الرحل عن جملـي

قال: فأخذت منها بيتين، ثم قلت له: أنشدني أيضاً ما لك فيه، فأنشدني قصدية أخرى ابتداؤها:

طيف الخيال حمدنا منك إلماما

 

داويت سقماً وقد هيجت أسقاما

يقول فيها:

كالدهر لا ينثني عما يهـم بـه

 

قد أوسع الناس إنعاماً وإرغاما

قال: فأنشدت هذه الأبيات يزيد بن مزيد، فأمر له بخمسمائة درهم. ثم ذكرته بالرقة فقلت له: هذا الشاعر الذي قد مدحك فأحسن، تقتصر به على خمسمائة درهم! فبعث إليه بخمسمائة درهم أخرى، قال: فقال لي مسلم: جاءتني وقد رهنت طيلساني على رؤوس الإخوان ، فوقعت مني أحسن موقع.

يزيد يغسل عنه الطيب لئلا يكذب قوله أخبرني محمد بن عمران، قال: حدثنا العنزي، عن محمد بن بدر العجلي، عن إبراهيم بن سالم، عن أبي فرعون مولى يزيد بن مزيد قال: ركب يزيد يوماً إلى الرشيد فتغلف بغالية ، ثم لم يلبث أن عاد فدعا بطست فغسل الغالية، وقال: كرهت أن أكذب قول مسلم بن الوليد:

لا يعبق الطيب خديه ومفرقه

 

ولا يمسح عينيه من الحكل

يشير على يزيد بإحراق كتاب وصله أخبرني جعفر بن قدامة، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أبو توبة، قال: كان مسلم بن الوليد جالساص بين يدي يزيد بن مزيد فأتاه كتاب فيه مهم له، فقرأه سراً ووضعه، ثم أعاد قراءته ووضعه، ثم أراد القيام، فقال له مسلم بن الوليد:

الحزم تحريقه إن كنت ذا حـذر

 

وإنما الحزم سوء الظن بالناس

لقد أتاك وقـد أدى أمـانـتـه

 

فاجعل صيانته في بطن أرماس

قال: فضحك يزيد وقال: صدقت لعمري. وخرق الكتاب، وأمر بإحراقه.

انقطع إلى محمد بعد موت أبيه ثم هجره حدثني عمي وجحظة، قالا: حدثنا علي بن الحسين بن عبد الأعلى، قال: حدثني أبو محلم، وحدثني عمي، قال: حدثني عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أبو توبة، قال: كان مسلم بن الوليد صديقاً ليزيد بن مزيد ومداحاً له، فلما مات انقطع إلى ابنه محمد بن يزيد، ومدحه كما مدح أباه، فلم يصنع إليه خيراً، ولم يرضه ما فعله به، فهجره وانقطع عنه، فكتب إليه يستحفيه ويومه على انقطاعه عنه، ويذكره حقوق أبيه عليه، فكتب إليه مسلم:

لبست عزاء عن لقاء محـمـد

 

وأعرضت عنه منصفاً وودودا

وقلت لنفس قادها الشوق نحوه

 

فعوضها حب اللقاء صـدودا

هبيه امرأً قد كان أصفاك وده

 

فمات وإلا فاحسـبـيه يزيدا

لعمري لقد ولى فلم الق بعـده

 

وفاء لذي عهد يعد حـمـيدا

مات يزيد ببرذعة فرثاه مسلم أخبرني محمد بن القاسم الأنباري، قال: حدثني أبي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن أبي سعد، قال: أهديت إلى يزيد بن مزيد جارية وهو يأكل، فلما رفع الطعام من بين يديه وطئها فلم ينزل عنها، إلا ميتاً، وهو ببرذعة ، فدفن في مقابر برذعة، وكان مسلم معه في صحابته فقال يرثيه:

قبر ببرذعة استسر ضـريحـه

 

خطراً تقاصر دونه الأخطـار

أبقى الزمان على ربعية بعـده

 

حزناً كعمر الدهر ليس يعـار

سلكت بك العبر السبيل إلى العلا

 

حتى إذا بلغوا المدى بك حاروا

ويروى:

حتى إذا سبق الردى بك حاروا

-هكذا أنشده الأخفش:

نفضت بك الأحلاس نفض إقامة

 

واسترجعت روادها الأمصـار

فاذهب كما ذهبت غوادي مزنة

 

أثنى عليها السهـل والأوعـار

قصة راويته الذي أرسله إلى المهلبي

نسخت من كتاب جدي يحيى بن محمد بن ثوابة: حدثني الحسن بن سعيد، عن أبيه، قال: كان داود بن يزيد بن حاتم المهلبي يجلس للشعراء في السنة مجلساً واحداً فيقصدونه لذلك اليوم وينشدونه، فوجه إليه مسلم بن الوليد راويته بشعره الذي يقول فيه:

جعلته حيث ترتاب الرياح به

 

وتحسد الطير فيه أضبع البيد

فقدم عليه يوم جلوسه للشعراء، ولحقه بعقب خروجهم عنه، فتقدم إلى الحاجب وحسر لثامه عن وجهه ثم قال له: استأذن لي على الأمير. قال: ومن أنت؟ قال: شاعر. قال: قد انصرف وقتك، وانصرف الشعراء، وهو على القيام. فقال له: ويحك، قد وفدت على الأمير بشعر ما قالت العرب مثله. قال: وكان مع الحاجب أدب يفهم به ما يسمع، فقال: هات حتى أسمع، فإن كان الأمر كما ذكرت أوصلتك إليه. فأنشده بعض القصيدة، فسمع شيئاً يقصر الوصف عنه، فدخل على داود فقال له: قد قدم على الأمير شاعر بشعر ما قيل فيه مثله، فقال: أدخل قائله. فأدخله، فلما مثل بين يديه سلم وقال: قدمت على الأمير -أعزه الله- بمدح يسمعه فيعلم به تقدمي على غيري ممن امتدحه. فقال: هات. فلما افتتح القصيدة وقال:

لا تدع بي الشوق إني غير معـمـود

 

نهى النهى عن هوى البيض الرعاديد

استوى جالساً وأطرق، حتى أتي الرجل على آخر الشعر، ثم رفع رأسه إليه ثم قال: أهذا شعرك؟ قال: نعم أعز الله الأمير، قال: في كم قلته يا فتى؟ قال: في أربعة أشهر، أبقاك الله، قال: لو قلته في ثمانية أشهر لكنت محسناً، وقد اتهمتك لجودة شعرك وخمول ذكرك، فإن كنت قائل هذا الشعر فقد أنظرتك أربعة أشهر في مثله، وأمرت بالإجراء عليك، فإن جئتنا بمثل هذا الشعر وهبت لك مائة ألف درهم وإلا حرمتك. فقال: أو الإقالة، أعز الله الأمير. قال: أقلتك، قال: الشعر لمسلم بن الوليد، وأنا راويته والوافد عليك بشعره. فقال: أنا ابن حاتم ، إنك لما افتتحت شعره فقلت:

لا تدع بي الشوق إني غير معمود

سمعت كلام مسلم يناديني فأجبت نداءه واستويت جالساً. ثم قال: يا غلام، أعطه عشرة آلاف درهم، واحمل الساعة إلى مسلم مائة ألف درهم.

أنشد الفضل شعراً فولاه بريد جرجان

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني مسعود بن عيسى العبدي، قال: أخبرني موسى بن عبد الله التميمي، قال: دخل مسلم بن الوليد الأنصاري على الفضل بن سهل لينشده شعراً، فقال له: أيها الكهل، إني أجلك عن الشعر فسل حاجتك، قال: بل تستتم اليد عندي بأن تسمع، فأنشده:

دموعها من حذار البين تنسكب

 

وقلبها مغرم من حرها يجب

جد الرحيل به عنها ففارقهـا

 

لبينه اللهو واللذات والطـرب

يهوى المسير إلى مرو ويحزنه

 

فراقها فهو ذو نفسين يرتقب

فقال له الفضل: إن لأجلك عن الشعر، قال: فأغنني بما أحببت من عملك؛ فولاه البريد بجرجان.

قال بيتاً من الشعر أخذ معناه من التوراة

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني الحسين بن أبي السري. وأخبرني بهذه الأخبار محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الوراق، عن الحسين بن أبي السري، قال: قيل لمسلم بن الوليد: أي شعرك أحب إليك؟ قال: إن في شعري لبيتاً أخذت معناه من التوراة، وهو قولي:

دلت علي عيبها الدنيا وصـدقـهـا

 

ما استرجع الدهر مما كان أعطاني

قذف في البحر بدفتر فيه شعره فقل شعره

قال الحسين: وحدثني جماعة من أهل جرجان أن راوية مسلم جاء إليه بعد أن تاب ليعرض عليه شعره، فتغافله مسلم، ثم أخذ منه الدفتر الذي في يده، فقذف به في البحر، فلهذا قل شعره، فليس في أيدي الناس منه إلا ما كان بالعراق، وما كان في أيدي الممدوحين من مدائحهم.

كان يكره لقب صريع الغواني

قال الحسين: وحدثني الحسين بن دعبل، قال: قال أبي لمسلم: ما معنى ذلك:

لا تدع بي الشوق إني غير معمود

قال: لا تدعني صريع الغواني فلست كذلك؛ وكان يلقب هذا اللقب وكان له كارهاً.

عتب عليه عيسى بن داود ثم رضي عنه أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، قال: عتب عيسى بن داود على مسلم بن الوليد فهجره، وكان غليه محسناً، فكتب إليه مسلم:

شكرتك للنعمى فلـمـا رمـيتـنـي

 

بصدك تأديباً شكرتك في الـهـجـر

فعندي للتـأديب شـكـر ولـلـنـدى

 

وإن شئت كان العفو أدعى إلى الشكر

إذا ما اتقاك المـسـتـلـيم بـعـذره

 

فعفوك خير من ملام عـلـى عـذر

قال: فرضي عنه وعاد له إلى حاله.
كان بخيلاً أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني ابن مهرويه، قال: حدثني محمد بن الأشعث، قال: حدثني دعبل بن علي، قال: كان مسلم بن الوليد من أبخل الناس، فرأيته يوماً وقد استقبل الرضا عن غلام له بعد موجدة، فقال له: قد رضيت عنك وأمرت لك بدرهم.

يذمه دعبل عند الفضل بن سهل فيهجوه أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني ابن مهرويه، قال: حدثني محمد بن عمرو بن سعيد قال: خرج دعبل إلى خراسان لما بلغه حظوة مسلم بن الوليد عند الفضل بن سهل. فصار إلى مرو، وكتب إلى الفصل بن سهل:

لا تعبأن بابن الوليد فإنـه

 

يرميك بعد ثلاثة بمـدل

إن الملول وإن تقادم عهده

 

كانت مودته كفيء ظلال

قال: فدفع الفضل إلى مسلم الرقعة وقال له: انظر يا أبا الوليد إلى رقعة دعبل فيك، فلما قرأها قال له: هل عرفت لقب دعبل وهو غلام أمرد وهو يفسق به؟ قال: لا، قال: كان يلقب بمياس، ثم كتب له:

مياس قل لي: أين أنت من الورى

 

لا أنت معلوم ولا مـجـهـول!

أما الهجاء فدق عرضـك دونـه

 

والمدح عنك كما علمت جلـيل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنـه

 

عرض عززت به وأنت ذلـيل

ما جرى بينه وبين دعبل بسبب جارية أخبرني محمد بن الحسين الكندي الكوفي مؤدبي، قال: حدثني أزهر بن محمد، قال: حدثني الحسين بن دعبل، قال سمعت أبي يقول: بينا أنا بباب الكرخ إذ مرت بي جارية لم ار أحسن منها وجهاً ولا قداً تتثنى في مشيها وتنظر في أعطافها، فقلت متعرضاً لها:

دموع عيني بها انبساط

 

ونوم عيني به انقباض

فأجابتني بسرعة فقالت:

فهل لمولاي عطف قلـب

 

وللذي في الحشا انقراض

فأجابتني غير متوقفة فقالت:

إن كنت تعوى الوداد منا

 

فالود في ديننا قراض

قال: فما دخل أذني كلام قط أحلى من كلامها، ولا رأيت أنضر وجهاً منها، فعدلت بها عن ذلك الشعر وقلت:

أترى الزمان يسرنا بتلاق

 

ويضم مشتاقاً إلى مشتاق

فأجابتني بسرعة فقالت:

ما للزمان وللتحكم بيننـا

 

أنت الزمان فسرنا بتلاق

قال: فمضيت أمامها أؤم بها دار مسلم بن الوليد وهي تتبعني، فصرت إلى منزله، فصادفته على عسرة، فدفع إلي منديلاً وقال: اذهب فبعه، وخذ لنا ما نحتاج إليه وعد؛ فمضيت مسرعاً. فلما رجعت وجدت مسلما قد خلا بها في سرداب. فلما أحس بي وثب إلي وقال: عرفك الله يا أبا علي جميل ما فعلت. ولقاك ثوابه، وجعله أحسن حسنة لك، فغاظني قوله وطنزه ، وجعلت أفكر أي شيء أعمل به، فقال: بحياتي يا أبا علي أخبرني من الذي يقول:

بت في درعها وبات رفيقي

 

جنب القلب طاهر الأطراف

فقلت:

من له في حر أمه ألف قرن

 

قد أنافت على علو منـاف!

وجعلت أشتمه وأثب عليه، فقال لي: يا أحمق، منزلي دخلت، ومنديلي بعت، ودراهمي أنفقت، على من تحرد أنت؟ واي شيء سبب حردك يا قواد؟ فقلت له: مهما كذبت علي فيه من شيء فما كذبت في الحمق والقيادة.

هجاؤه ثلاثة كانوا يصلونه

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني ابن مهرويه والعنزي، عن محمد بن عبد الله العبدي، قال: هجا مسلم بن الوليد سعيد بن سلم ويزيد بن مزيد وخزيمة بن خازم فقال:

ديونك لا يقضى الزمان غريمها

 

وبخلك بخل الباهلي سـعـيد

سعيد بن سلم أبخل الناس كلهـم

 

وما قومه من بخله بـبـعـيد

يزيد له فضل ولـكـن مـزيداً

 

تدارك فينا بـخـلـه بـيزيد

خزيمة لا عيب له غـير أنـه

 

لمطبخه قفـل وبـاب حـديد

هجاؤه سعيد بن سلم أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثنا عيسى بن إسماعيل تينة، قال: حدثنا الأصمعي، قال: قال لي سعيد بن سل: قدمت علي امرأة من باهلة من اليمامة، فمدحتني بأبيات، ما تم سروري بها حتى نغصنيها مسلم بن الوليد بهجاء بلغني أنه هجاني به، فقلت: ما الأبيات التي مدحت به؟ فأنشدني:

قتيبة قيس ساد قيساً وسلـمـهـا

 

فلما تولى ساد قيسا سعـيدهـا

وسيد قيس سيد الناس كـلـهـا

 

وإن مات من رغم وذل حسودها

هم رفعوا كفيك بالمجد والعـلا

 

ومن يرفع الأبناء إلا جدودهـا

إذا مد للعلـيا سـعـيد يمـينـه

 

ثنت كفه عنها أكفـاً تـريدهـا

قال الأصمعي: فقلت له: فبأي شيء نغصها عليك مسلم؟ فضحك وقال: كلفتني شططاً، ثم أنشد:

وأحببت من حبها الباخلـين

 

حتى ومقت ابن سلم سعيدا

إذا سيل عرفاً كسا وجهـه

 

ثياباً من النقع صفراً وسودا

يغار على المال فعل الجوا

 

د وتأبى خلائقه أن يجـودا

يهجو بعض الكتاب لأنه لم يعجبه شعره أخبرني عمي، قال: حدثنا الكراني، قال: حدثني النوشجاني الخليل بن أسد، قال: حدثني علي بن عمرو، قال: وقف بعض الكتاب على مسلم بن الوليد وهو ينشد شعراً له في محفل، فأطال ثم انصرف، وقال لرجل كان معه: ما أدري أي شيء أعجب الخليفة والخاصة من شعر هذا؟ فوالله ما سمعت منه طائلاً، فقال مسلم: ردوا علي الرجل، فرد إليه، فأقبل عليه ثم قال:

أما الهجاء فدق عرضك دونـه

 

والمدح عنك كما علمت جليل

فاذهب فأنت طليق عرضك إنه

 

عرض عززت به وأنت ذليل

كان أستاذاً لدعبل ثم تخاصما ولم يلتقيا أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان، قال: حدثني إبراهيم بن محمد الوراق، قال: حدثني الحسين بن أبي السري، قال: كان مسلم بن الوليد أستاذ دعبل وعنه أخذ، ومن بحره استقى. وحدثني دعبل أنه كان لا يزال يقول الشعر فيعرضه على مسلم، فيقول له: إياك أن يكون أول ما يظهر لك ساقطاً فتعرف به، ثم لو قلت كل شيء جيداً كان الأول أشهر عنك، وكنت أبداً لا تزال تعير به، حتى قلت:

أين الشباب وأية سلكا

فلما سمع هذه قال لي: أظهر الآن شعرك كيف شئت.

قال الحسن: وحدثني أبو تمام الطائي قال: ما زال دعبل متعصباً لمسلم، مائلاً إليه، معترفاً بأستاذيته حتى ورد عليه جرجان، فجفاه مسلم، وهجره دعبل، فكتب إليه:

أبا مخلد كـنـا عـقـيدي مـودة

 

هوانا وقلبانا جميعاً معـاً مـعـا

أحوطك بالغيب الذي أنت حائطي

 

وأجزع إشفاعاً بأن تـتـوجـعـا

فصيرتني بعد انتكاثك متـهـمـاً

 

لنفسي عليها أرهب الخلق أجمعا

غششت الهوى حتى تداعت أصوله

 

بنا وابتذلت الوصل حتى تقطعـا

وأنزلت من بين الجوانح والحشـا

 

ذخيرة ود طال ما قد تمـنـعـا

فلا تلحيني ليس لي فيك مطمـع

 

تخرقت حتى لم أجد لك مرقعـا

فهبك يميني استأكلت فقطعتـهـا

 

وجشمت قلبي صبره فتشجـعـا

قال: ثم تهاجرا بعد ذلك، فما التقيا حتى ماتا.

محمد بن أبي أمية يمزح معه أخبرني عمي، قال: حدثنا أحمد بن أبي طاهر، قال: أخبرني أحمد بن أبي أمية، قال: لقي أخي محمد بن أبي أمية مسلم بن الوليد وهو يتثنى ، ورواته مع بعض أصحابه ، فسلم عليه، ثم قال له: قد حضرني شيء. فقال: هاته، قال: على أنه مزاح ولا تغضب، قال: هاته ولو كان شتماً، فأنشدته:

من رأى فيما خلا رجلاً تيهه أربى على جدته

يتمشى راجلاً وله شاكري في قلنسيته

فسكت عنه مسلم ولم يجبه، وضحك ابن أبي أمية وافترقا لقي محمد بن أبي أمية بعد موت برذونه فرد عليه مزاحه قال: وكان لمحمد برذون يركبه فنفق، فلقيه مسلم وهو رجال، فقال: ما فعل برذونك؟ قال: نفق، قال: فنجازيك إذاً على ما أسلفتناه، ثم أنشده:

قل لابن مي لا تكن جازعاً

 

لن يرجع البرذون باللـيث

طامن أحشاءك فـقـدانـه

 

وكنت فيه عالي الصـوت

وكنت لا تنزل عن ظهـره

 

ولو من الحش إلى البـيت

ما مات من سقم ولـكـنـه

 

مات من الشوق إلى الموت

أبو تمام يحفظ شعره وشعر أبي نواس

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني ابن مهرويه، قال: حدثني أحمد بن سعيد الحريري أن أبا تمام حلف ألا يصلي حتى يحفظ شعر مسلم وأبي نواس، فمكث شهرين كذلك حتى حفظ شعرهما. قال: ودخلت عليه فرأيت شعرهما بين يديه، فقلت له: ما هذا؟ فقال: اللات والعزى وأنا أعبدهما من دون الله.

اجتمع مع أبي نواس فتناشدا شعرهما أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني سمعان بن عبد الصمد، قال: حدثني دعبل بن علي، قال: كان أبو نواس يسألني أن أجمع بينه وبين مسلم بن الوليد؛ وكان مسلم يسألني أن أجمع بينه وبين أبي نواس، وكان أبو نواس إذا حضر تخلف مسلم، وإذا حضر مسلم تخلف أبو نواس، إلى أن اجتمعا، فأنشده أبو نواس:

أجارة بيتـينـا أبـوك غـيرو

 

وميسور ما يرجى لديك عسير

وأنشده مسلم:

لله من هاشم في أرضه جبل

 

وأنت وابنك ركنا ذلك الجبل

فقالت لأبي نواس: كيف رأيت مسلما؟ فقال: هو أشعر الناس بعدي. وسألت مسلماً وقلت: كيف رأيت أبا نواس؟ فقال: هو أشعر الناس وأنا بعده.

أمر له ذو الرياستين بمال عظيم بعد أن أنشده شعراً شكا في حاله أخبرني الحسن، قال: حدثنا ابن مهرويه، قال: حدثني إبراهيم بن عبد الخالق الأنصاري من ولد النعمان بن بشير، قا: حدثني مسلم بن الوليد، قال: وجه إلي ذو الرياستين، فحملت إليه، فقال: أنشدني قولك:

بالغمر من زينب أطلال

 

مرت بها بعدك أحوال

فأنشدته إياها حتى انتهيت إلى قولي:

وقائل ليست لـه هـمة

 

كلاً ولكن ليس لي مال

وهيمة المقتـر أمـنـية

 

هم مع الدهر وأشغـال

لا جدة أنهض عزمي بها

 

والناس سؤال وبـخـال

فاقعد مع الدهر إلى دولة

 

ترفع فيها حالك الحـال

قال: فلما أنشدته هذا البيت قال: هذه والله الدولة التي ترفع حالك . وأمر لي بمال عظيم وقلدني -أو قال قبلني- جوز جرجان .

هجا معن بن زائدة ويزيد بن مزيد فهدده الرشيد حدثني جحظة، قال: حدثني ميمون بن هارون، قال: كان مسلم بن الوليد قد انحرف عن معن بن زائدة بعد مدحه إياه، لشيء أوحشه منه، فسأله يزيد بن مزيد أن يهبه له، فوعده ولم يفعل، فتركه يزيد خوفاً منه، فهجاه هجاء كثيراً، حتى حلف له الرشيد إن عاود هجاءه قطع لسانه، فمن ذلك قوله فيه:

يا معن إنك لم تزل في خزية

 

حتى لففت أباك في الأكفان

فاشكر بلاء الموت عندك إنه

 

أودى بلؤم الحي من شيبـان

قال: وهجا أيضاً يزيد بن مزيد بعد مدحه إياه فقال:

أيزيد يا مغرور ألأم من مشـى

 

ترجو الفلاح وأنت نطفة مزيد

إن كنت تنكر منطقي فاصرخ به

 

يوم العروبة عند باب المسجـد

في من يزيد فإن أصبت بمـزيد

 

فلسا فهاك على مخاطـرة يدي

هكذا روى جحظة في هذا الخبر، والشعران جميعاً في يزيد بن مزيد، فالأول منهما أوله:

أيزيد إنك لم تزل في خزية

وهكذا هو في شعر مسلم. ولم يلق مسلم معن بن زائدة، ولا له فيه مدح ولا هجاء.

رثاؤه يزيد بن مزيد

أخبرني عمي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثنا محمد بن عبد الله بن جشم، قال: كان يزيد بن مزيد قد سأل مسلم بن الوليد عما يكفيه ويكفي عياله، فأخبره فجعله جراية له، ثم قال: ليس هذا مما تحاسب به بدلاً من جائزة أو ثواب مديح. فكان يبعث به إليه في كل سنة، فلما مات رثاه مسلم فقال:

أحـقــاً أنـــه أودى يزيد

 

تبين أيها الناعي الـمـشـيد!

أتدري من نعيت وكيف دارت

 

به شفتاك دار بها الصـعـيد

أحامي المجد والإسـلام أودى

 

فما للأرض ويحك لا تمـيد!

تأمل هل ترى الإسلام مالـت

 

دعائمه وهل شـاب الـولـيد

وهل شيمت سيوف بني نـزار

 

وهل وضعت عن الخيل اللبود

وهل تسقي البلاد عشار مزن

 

بدرتها وهل يخضـر عـود

أما هدت لمصـرعـه نـزار

 

بلى وتقوض المجد المـشـيد

وحل ضريحـه إذ حـل فـيه

 

طريف المجد والحسب التلـيد

أما والله ما تنـفـك عـينـي

 

عليك بدمعهـا أبـداً تـجـود

وإن تجمد دمـوع لـئيم قـوم

 

فليس لدمع ذي حسب جمـود

أبعد يزيد تختزن الـبـواكـي

 

دموعاً أو تصان لهـا خـدود

لتبكـك قـبة الإسـلام لـمـا

 

وهت أطنابها ووهى العمـود

ويبكك شاعر لـم يبـق دهـر

 

له نشباً وقد كسد الـقـصـيد

فإن يهلك يزيد فـكـل حـي

 

فريس للـمـنـية أو طـريد

هكذا في الخبر، والقصيدة للتيمي.

مدح الفضل بن سهل

أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الهشامي، قال: حدثني عبد الله بن عمرو، قال: حدثني موسى بن عبد الله التميمي، قال: دخل مسلم بن الوليد على الفضل بن سهل، فأنشده قوله فيه:

لو نطق الناس أو أنبوا بعلمهـم

 

ونبهت عن معالي دهرك الكتب

لم يبلغوا منك أدنى ما تمت بـه

 

إذا تفاخرت الأملاك وانتسبـوا

فأمر له عن كبي بيت من هذه القصيدة بألف درهم.
رثاؤه الفضل بن سهل ثم قتل الفضل فقال يرثيه:

ذهلت فلم أنقع غلـيلاً بـعـبـرة

 

وأكبرت أن ألقى بيومك نـاعـيا

فلما بدا لـي أنـه لاعـج الأسـى

 

وأن ليس إلا الدمع للحزن شافـيا

أقمت لك الأ،واح ترتـد بـينـهـا

 

مآتم تندبن النـدى والـمـعـالـيا

وما كان منعى الفضل منعاة واحد

 

ولكن منعى الفضل كان منـاعـيا

أللبأس أو للـجـود أم لـمـقـاوم

 

من الملك يزحمن الجبال الرواسيا!

عفت بعدك الأيام لا بل تـبـدلـت

 

وكن كأعياد فـعـدن مـبـاكـيا

فلم أر إلا قبل يومك ضـاحـكـاً

 

ولم أر إلا بعـد يومـك بـاكـيا

عابه ابن الأحنف في مجلس فهجاه

أخبرني الحسين بن القاسم الكوكبي، قال: حدثنا محمد بن عجلان، قال: حدثان يعقوب بن السكيت، قال: أخبرني محمد بن المهنأ، قال: كان العباس بن الأحنف مع إخوان له على شراب، فذكروا مسلم بن الوليد، فقال بعضهم: صريع الغواني، فقال العباس: ذاك ينبغي أن يسمى صريع الغيلان لا صريع الغواني، وبلغ ذلك مسلماً فقال يهجوه:

بنو حنيفة لا يرضى الدعي بهـم

 

فاترك حنيفة واطلب غيرها نسبا

فاذهب فأنت طليق الحلم مرتهن

 

بسورة الجهل ما لم أملك الغضبا

اذهب إلى عرب ترضى بنسبتهم

 

إني أرى لك خلقاً يشبه العربـا

منيت وقد جد الـجـراء بـنـا

 

بغاية منعتك الفوت والطـلـبـا

ينصرف عن هجاء خزيمة بن خازم ويتمسك بهجاء سعيد بن سلم أخبرني محمد بن يزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق، عن أبيه، عن جده، قال: قلت لمسلم بن الوليد: ويحك! أما استحييت من الناس حين تهجو خزيمة بن خازم، ولا استحييت منا ونحن إخوانك، وقد علمت أنا نتولاه وهو من تعرف فضلاً وجوداً؟ فضحك، وقال لي: يا أبا إسحاق، لغيرك الجهل، أما تعلم أن الهجاء آخذ بضبع الشاعر وأجدى عليه من المديح المضرع؟ وما ظلمت مع ذلك منهم أحداً، ما مضى فلا سبيل إلى رده، ولكن قد وهبت لك عرض خزيمة بعد هذا. قال: ثم أنشدني قوله في سعيد بن سلم:

ديونك لا يقضى الزمان غريمها

 

وبخلك بخل الباهلي سـعـيد

سعيد بن سلم أبخل الناس كلهـم

 

وما قومه من بخله بـبـعـيد

فقلت له: وسعيد بن سلم صديقي أيضاً، فهبه لي، فقال: إن أقبلت على ما يعنيك، وإلا رجعت فيما وهبت لك من خزيمة، فأمسكت عنه راضياً بالكفاف.
مدح محمد بن يزيد بن مزيد ثم انصرف عنه أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني عبد الله بن محمد بن موسى بن عمر بن حمزة بن بزيع، قال: حدثني عبد الله بن الحسن اللهبي، قال: كان مسلم بن الوليد مداحاً ليزيد بن مزيد، وكان يؤثره ويقدمه ويجزل صلته، فلما مات وفد على ابنه محمد، فمدحه وعزاه عن أبيه، وأقام ببابه فلم ير منه ما يحب، فانصرف عنه وقال فيه:

لبست عزاء عن لقاء محـمـد

 

وأعرضت عنه منصفاً وودودا

وقلت لنفس قادها الشوق نحوه

 

فعوضها منه اللقاء صـدودا

هبيه امرأ قد كان أصفاك وده

 

ومات وإلا فاحسـبـيه يزيدا

لعمري لقد ولى فلم ألق بعـده

 

وفاء لذي عهد يعد حـمـيدا

مدح الفضل بن يحيى فأجزل له العطاء ووهبه جارية أعجبته بعد أن قال فيها شعراً أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل بن داود، قال: دخل مسلم بن الوليد يوماً على الفضل بن يحيى، وقد كان أتاه خبر مسيره، فجلس للشعراء فمدحوه وأثابهم، ونظر في حوائج الناس فقضاها وتفرق الناس عنه، وجلس للشرب، ومسلم غير حاضر لذلك، وإنما بلغه حين انقضى المجلس، فجاءه فأدخل إليه فاستأذن في الإنشاد، فأذن له، فأنشده قوله فيه:

أتتك المطايا تهتـدي بـمـطـية

 

عليها فتى كالنصل مؤنسه النصل

يقول فيها:

وردت رواق الـفـضـل آمـــل فـــضـــلـــه

 

فحـط الـثـنـاء الـجـزل نـائلـــه الـــجـــزل

فتـى تـرتــعـــي الآمـــال مـــزنة جـــوده

 

إذا كـان مـرعـاهـا الأمـانـي والـــمـــطـــل

تساقط يمناه الندى وشماله الردى وعيون القول منطقه الفصل

 

 

ألح على الأيام يفري خطوبها

 

علـى مـنـهـج ألـفـى أبــاه بـــه قـــبـــل

أنـاف بـه الـعـــلـــياء يحـــيى وخـــالـــد

 

فلـيس لـه مـثـل ولا لــهـــمـــا مـــثـــل

فروع أصـابـت مـغـرسـاً مـتــمـــكـــنـــاً

 

وأصـلاً فـطـابـت حـيث وجـهـهـــا الأصـــل

بكـف أبـي الـعـبـاس يسـتـمـطـر الـغــنـــى

 

وتسـتـنـزل الـنـعـمـى ويسـتـرعـف الـنـصـل

قال: فطرب الفضل طرباً شديداً، وأمر بأن تعد الأبيات، فعد فكانت ثمانين بيتاً فأمر له بثمانين ألف درهم، وقال: لولا أنها أكثر ما وصل به الشعراء لزدتك، ولكن شأو لا يمكنني أن أتجاوزه- يعني أن الرشيد رسمه لمروان بن أبي حفصة- وأمره بالجلوس معه والمقام عنده لمنادمته، فأقام عنده، وشرب معه، وكان على رأس الفضل وصيفة تسقيه كأنها لؤلؤة، فلمح الفضل مسلماً ينظر إليها، فقال: قد -وحياتي يا أبا الوليد- أعجبتك، فقل فيها أبياتاً حتى أهبها لك، فقال:

إن كنت تسقين غير الراح فاسقني

 

كأساً ألذ بها من فيك تشـفـينـي

عيناك راحي، وريحاني حديثك لي

 

ولون حديك لون الوريد يكفينـي

إذا نهاني عن شرب الطلا حـرج

 

فخمر عينيك يغنيني ويجـزينـي

لولا علامات شيب لو أتت وعظت

 

لقد صحوت ولكن سوف تأتينـي

أرضي الشباب فإن أهلك فعن قدر

 

وإن بقيت فإن الشيب يشقـينـي

فقال له: خذها بورك لك فهيا، وأمر بتوجيهها مع بعض خدمها إليه.

ماتت زوجته فجزع عليها وتنسك

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني أحمد ابن إبراهيم، قال: كانت لمسلم بن الوليد زوجة من أهله، كانت تكفيه أمره وتسره فيما تليه له منه، فماتت فجزع عليها جزعاً شديداً، وتنسك مدة طويلة، وعزم على ملازمة ذلك، فأقسم عليه بعض إخوانه ذات يوم أن يزوره ففعل، فأكلوا وقدموا الشراب، فامتنع منه مسلم وأباه، وأنشأ يقول:

بكاء وكأس، كـيف يتـفـقـان؟

 

سبيلاهما في القلب مختلـفـان

دعاني وإفراط البكاء فـإنـنـي

 

أرى اليوم فيه غير مـا تـريان

غدت والثرى أولى بها من وليهـا

 

إلى منزل نـاء لـعـينـك دان

فلا حزن حتى تذرف العين ماءها

 

وتعترف الأحشاء للخـفـقـان

وكيف يدفع اليأس للوجد بعدهـا

 

وسهماهما في القلب يعتلجـان!

هاجاه ابن قنبر فأمسك عنه بعد أن بسط لسانه فيه أخبرني حبيب بن نصر، قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني علي بن الصباح، قال: حدثني مالك بن إبراهيم، قال: كان مسلم بن الوليد يهاجي الحكم بن قنبر المازني، فغلب عليه ابن قنبر مدة وأخرسه، ثم اثاب مسلم بعد أن انخزل وأفحم، فهتك ابن قنبر حتى كف عن مناقضته، فكان يهرب منه، فإذا لقيه مسلم قبض عليه وهجاه وأنشده ما قال فيه فيمسك عن إجابته؛ ثم جاءه ابن قنبر إلى منزله واعتذر إليه مما سلف، وتحمل عليه بأهله وسأله الإمساك فوعده بذلك، فقال فيه:

حلم ابن قنبر حين أقصر جهـلـه

 

هل كان يحلم شاعر عن شاعر؟

ما أنت بالحكم الـذي سـمـيتـه

 

غالتك حلمك هفوة من قـاهـر

لولا اعتذارك لارتمى بك زاخـر

 

مرح العباب يفوت طرف الناظر

لا ترتعن لحمي لسانك بـعـدهـا

 

إني أخاف عليك شفـرة جـازر

واستغنم العفـو الـذي أوتـيتـه

 

لا تأمنن عـقـوبة مـن قـادر

مسلم وابن قنبر يتهاجيان في مسجد الرصافة أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني محمد بن عبد الله بن أبو بكر العبدي، قال: رأيت مسلم بن الوليد وابن قنبر في مسجد الرصافة في يوم جمعة، وكل واحد منهما بإزاء صاحبه، وكانا يتهاجيان، فبدأ مسلم فقال:

أنا النار في أحجارها مستـكـنة

 

فغن كنت ممن يقدح النار فاقدح

فأجابه ابن قنبر فقال:

قد كنت تهوي وما قوسي بموتـرة

 

فكيف ظنك بي والقوس في الوتر

قال: فوثب إليه مسلم وتواخزا وتواثبا، وحجز الناس بينهما فتفرقا.

لامه رجل من الأنصار على انخزاله أمام ابن قنبر فعاد إلى هجائه أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني محمد بن القاسم بن مهرويه، قال: حدثني علي بن عبيد الكوفي، قال: حدثني علي بن عمروس الأنصاري، قال: جاء رجل من الأنصار ثم من الخزرج إلى مسلم بن الوليد فقال له: ويلك ما لنا ولك، قد فضحتنا وأخزيتنا، تعرضت لابن قنبر فهاجيته، حتى إذا أمكنته من أعراضنا انخزلت عنه وأرعيته لحومنا، فلا أنت سكت ووسعك ما وسع غيرك، ولا أنت لما انتصرت أنصفت. فقال له مسلم: فما أصنع؟ فأنا أصبر عليه، فإن كف وإلا تحملت عليه بإخوانه، فإن كف وإلا وكلته إلى بغيه، ولنا شيخ يصوم الدهر ويقوم الليل، فإن أقام على ما هو عليه سألته أن يسهر له ليلة يدعو عليه فيها فإنها تهلكه، فقال له الأنصاري: سخنت عينك! أو بهذا تنتصف ممن هجاك؟ ثم قال له:

قد لاذ من خوف ابن قنبر مسلم

 

بدعاء والده مـع الأسـحـار

ورأيت شر وعيده أن يشتكـي

 

ما قد عراه إلى أخ أو جـار

ثكلتك أمك قد هتكت حريمنـا

 

وفضحت أسرتنا بني النجار

عممت خزرجنا ومعشر أوسنا

 

خزياً جنيت به على الأنصار

فعليك من مولى وناصر أسرة

 

وعشيرة غضب الإله الباري

قال: فكاد مسلم أن يموت غماً وبكاءً وقال له: أنت شر علي من ابن قنبر. ثم أثاب وحمي، فهتك ابن قنبر ومزقه حتى تركه، وتحمل عليه بابنه وأهله حتى أعفاه من المهاجاة.

رجع الحديث عما وقع بين وبين ابن قنبر ونسخت هذا الخبر من كتاب جدي يحيى بن محمد بن ثوابة بخطه، قال: حدثني الحسن بن سعيد، قال: حدثني منصور بن جمهور قال: لما هجا ابن قنبر مسلم بن الوليد أمسك بعد أن أشلى عليه لسانه قال: فجاءه عم له فقال له: يا هذا الرجل، إنك عند الناس فوق ابن قنبر في عمود الشعمر، وقد بعث عليك لسانه ثم أمسكت عنه، فإما أن قارعته أو سالمته. فقال له مسلم: إن لنا شيخاً وله مسجد يتهجد فيه، وله بين ذلك دعوات يدعو بهن، ونحن نسأله أن يجعله من بعض دعواته، فإنا نكفاه، فأطرق الرجل ساعة ثم قال:

غلب ابن قنبر واللئيم مغلب

 

لما اتقيت هجاءه بـدعـاء

ما زال يقذف بالهجاء ولذعه

 

حتى اتقوه بدعوة الآبـاء!

قال: فقال له مسلم: والله ما كان ابن قنبر يبلغ مني هذا كله، فأمسك لسانك عني، وتعرف خبره بعد هذا. قال: فبعث -والله- عليه من لسان مسلم ما أسكته، هكذا جاء في الأخبار.

وقد حدثني بخبر مناقضته ابن قنبر جماعة ذكروا قصائدهما جميعاً، فوجدت في الشعر الفضل لابن قنبر عليه، لأن له عدة قصائد لا نقائض لها، يذكر فيها تعريده عن الجواب، وقصائد يذكر فيها أن مسلماً فخر على قريش وعلى النبي صلى الله عليه وسلم ورماه بأشيء تبيح دمه، فكف مسلم عن مناقضته خوفاً منها، وجحد أشياء كان قالها فيه.

فمن أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعي، قال: حدثني عبد الله بن عمرو بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عبد الله بن الوليد مولى الأنصار، وكان عالماً بشعر مسلم بن الوليد وأخباره، قال: سبب المهاجاة بينه وبين ابن قنبر كان سبب المهاجاة بين مسلم بن الوليد والحكم بن قنبر أن الطرماح بن حكيم قد كان هجا بني تميم بقصيدته التي يقول فيها:

لا عز نصر امرئ أضحى له فرس

 

على تميم يريد النصر مـن أحـد

إذا دعا بشعـار الأزد نـفـرهـم

 

كما ينفر صوت الليث بالـنـقـد

لوحان ورد تميم ثـم قـيل لـهـم:

 

حوض الرسول عليه الأزد لم ترد

أو أنزل الله وحـياً أن يعـذبـهـا

 

إن لم تعد لقتال الأزد، لـم تـعـد

وهي قصيدة طويلة، وكان الفرزدق أجاب الطرماح عنها، ثم إن ابن قنبر المازني قال بعد خبر طويل يرد على الطرماح:

يا عاوياً هاج ليثـاً بـالـعـواء لـه

 

شثن البراثن ورد الـلـون ذا لـبـد

أي الموارد هابـت جـم غـمـرتـه

 

بنو تميم عـلـى حـال فـلـم تـرد

ألم ترد يوم قـنـدابـيل مـعـلـمة

 

بالخيل تضبر نحـو الأزد كـالأسـد

بفتية لم تنازعهـا فـتـطـبـعـهـا

 

بلؤمـهـا طـيء ثـدياً ولـم تـلـد

خاضت إلى الأزد بحراً ذا غوارب من

 

سمر طوال وبحراً من قنـاً قـصـد

فأوردتهـا مـنـاياهـا بـمـرهـفة

 

ملس المضارب لم تفلل ولـم تـكـد

وهي قصيدة طويلة. وقد كان الطرماح قال أيضاً:

تميم بطرق اللؤم أهدى من القطا

 

ولو سلكت طرق المكارم ضلت

أرى الليل يجلوه النهار ولا أرى

 

عظام المخازي عن تميم تجلت

وقد كان الفرزدق أيضاً أجابه عنها، وقال ابن قنبر ينقضها:

لعمرك ما ضلت تميم ولا جرت

 

على إثر أشياخ عن المجد ضلت

ولا جبنت بل أقدمت يوم كسرت

 

لها الأزد أغماد السيوف وسلت

بغائط قندابيل والمـوت خـائض

 

عليها بآجال لها قـد أظـلـت

فما رحت تسقى كؤوس حمامها

 

إذا نهلت كروا عليها فعـلـت

إلى أنا أبدتهم تمـيم وأكـذبـت

 

أماني للشيطان عنها اضمحلـت

وحان فراق منهـم كـل خـدلة

 

مفارقة بعلاً به قـد تـمـلـت

وهي أيضاً طويل قال: فبلغ مسلم بن الوليد هجاء ابن قنبر للأزد وطيء ورده على الطرماح بعد موته. فغضب من ذلك. وقال: ما المعنى في مناقضة رجل ميت وإثارة الشر بذكر القبائل، لا سيما وقد أجابه الفرزدق عن قوله؟ فأبى ابن قنبر إلا تمادياً في مناقضته، فقال مسلم قصيدته التي أولها:

آيات أطـلال بـــرامة درس

 

هجن الصبابة إذا ذكرت معرسي

أوحت إلى درر الدموع فأسبلـت

 

واستفهمتها غير أن لم تنـبـس

يقو فيها يصف الخمر:

صفراء من حلب الكروم كسوتها

 

بيضاء من حلب الغيوم البجـس

طارت ولاوذها الحباب فحاكهـا

 

فكأن حليتها جني الـنـرجـس

ويقول فيها يصف السيوف:

وتـفـارق الأغـــمـــاد تـــبـــدو تـــارة

 

حمـراً وتـخــفـــى تـــارة فـــي الأرؤس

حرب يكـون وقـــودهـــا أبـــنـــاءهـــا

 

لقـحـت عـلـى عـقـر ولـمـا تـنـــفـــس

من هـارب ركـب الـنـجـاء ومــقـــعـــص

 

جثـمـت مـنـيتـه عـلـى الـمـتـنـــفـــس

غصـبـتـه أطـراف الأســنة نـــفـــســـه

 

فثـــوى فـــريسة ولـــغ أو نـــهــــس

إن كـنـت نـازلة الـيفـاع فــنـــكـــبـــي

 

دار الـربـــاب وخـــزرجـــي أو أوســـي

وتـجـنـبـي الـجـعـراء إن ســـيوفـــهـــم

 

حدث وإن قـنـاتـهـــم لـــم تـــضـــرس

عل طـيء الأجـبــال شـــاكـــرة امـــرئ

 

ذاد الـقـوافـي عـن حـمـــاهـــا مـــدرس

أحمي أبا نفر عظام حفيرةدرست وباقي غرسها لم يدرس

 

 

كافأت نعمتها بضعف بلائها

 

ثم انـفـردت بـمـنــصـــب لـــم يدنـــس

وإذا افـتـخـرت عـددت سـعـــي مـــآثـــر

 

قصـرت عـلـى الإغـضـاء طـرف الأشـــوس

رفـعـت بـنـو الـنـجـار حـلـفـي فــيهـــم

 

ثم انـفـردت فـأفـسـحـوا عـن مـجـلـســـي

فاعـقـل لـسـانـك عـن شـتـائم قـومـــنـــا

 

لا يعـلـقـنـك خـــادر مـــن مـــأنـــس

أخـلـفـت فـخـرك مـن أبـيك وجـئتـــنـــي

 

بأب جـديد بـعــد طـــول تـــلـــمـــس

أخـذت عـلـيه الـمـحـكـمـات طـريقــهـــا

 

فغـدا يهـاجـي أعـظـمـاً فـي مـــرمـــس

قال: فلم يجبه ابن قنبر عن هذه بشيء، ثم التقيا فتعاتبا، واعتذر كل واحد منهما إلى صاحبه، فقال مسلم يهجوه:

حلم ابن قنبر حين قصر شعره

 

هل كان يحلم شاعر عن شاعر

يهجو قريشاً ويفخر بالأنصار

وقد مضت هذه الأبيات متقدماً. قال: ومكث ابن قنبر حيناً لا يجيبه عن هذا ولا عن غيره بشيء طلباً للكفاف، ثم هجا مسلماً قريشاً وفخر بالأنصار فقال:

قل لـمـن تـاه إذ بـنـا عـــز جـــهـــلاً

 

ليس بـالـتـــيه يفـــخـــر الأحـــرار

فتـنـاهـوا وأقـصـروا فـلـــقـــد جـــا

 

رت عـن الـقـصـد فـيكـم الأنـــصـــار

أيكـــم حـــاط ذا جـــوار بـــعــــز

 

قبـل أن تـحـتـــويه مـــنـــا الـــدار

أو رجـا أن يفـوت قـــومـــاً بـــوتـــر

 

لم تـزل تـمـتـــطـــيهـــم الأوتـــار

لم يكن ذاك فيكم فدعوا الفخر بما لا يسوغ فيه افتخار

 

 

ونزاراً ففاخروا تفضلوهم

 

ودعـوا مــن لـــه عـــبـــيداً نـــزار

فبـنـا عـز مـنـــكـــم الـــذل والـــد

 

هر عـــلـــيكـــم بـــريبة كــــرار

حاذروا دولة الــزمـــان عـــلـــيكـــم

 

إنـــه بـــين أهـــلـــه أطـــــوار

فتـردوا ونــحـــن لـــلـــحـــالة الأو

 

لى ولــلأوحـــد الأذل الـــصـــغـــار

فاخرتنا لما بسطنا لها الفخر قريش وفخرها مستعار

 

 

ذكرت عزها وما كان فيها

 

قبـل أن يسـتـجـيرنـا مـســتـــجـــار

إنـمـا كـان عـزهــا فـــي جـــبـــال

 

ترتـقـيهـا كـمـا تـرقـــى الـــوبـــار

أيها الفاخرون بالعز، والعز لقوم سواهم والفـخـار

 

 

أخبرونا من الأعز أألمن

 

صور حـتـى اعـتـلـى أم الأنـــصـــار؟

فلـنـا الـعـز قــبـــل عـــز قـــريش

 

وقـريش تـلـك الــدهـــور تـــجـــار

ابن قنبر يجيبه قال: فانبرى له ابن قنبر يجيبه فقال:

ألا أمثل أمير المؤمنين بمسـلـم

 

وأفلق به الأحشاء من كل مجرم

ولا ترجعن عن قتله باستـتـابة

 

فما هو عن شتم النبي بمحـرم

ولا عن مساواة له ولـقـومـه

 

قريش بأصداء لعاد وجـرهـم

ويفخر بالأنصار جهلاً على الذي

 

بنصرته فازوا بحظ ومـغـنـم

وسموا به الأنصار لا عز قـائل

 

أراد قريشاً بالمقال الـمـذمـم

ومنهم رسول الله أزكى من انتمـى

 

إلى نسـب زاك ومـجـد مـقـدم

وما كانت الأنصار قبل اعتصامـهـا

 

بنصر قريش في المحل المعـظـم

ولا بالألى يعلون أقـدار قـومـهـم

 

صداء وخولان ولخـم وسـلـهـم

ولكنهم باللـه عـاذوا ونـصـرهـم

 

قريشاً ومن يستعصم اللـه يعـصـم

فعزوا وقد كانوا وفطـيون فـيهـم

 

من الذل في باب من العز مبـهـم

يسومهم الفطـيون مـا لا يسـامـه

 

كريم ومن لا ينكر الظلـم يظـلـم

وإن قريشاً بالـمـآثـر فـضـلـت

 

على الخلق طراً من فصيح وأعجم

فما بال هذا العلج ضـل ضـلالـه

 

يمد إليهـم كـف أجـذم أعـسـم

يسامي قريشاً مـسـلـم وهـم هـم

 

بمولى بـمـانـي وبـيت مـهـدم

إذا قام فيه غيرهـم لـم يكـن لـه

 

مقام بن من لؤم مبـنـى ومـدعـم

جعاسيس أشبه القـرود لـو أنـهـم

 

يباعون ما ابتيعوا جميعـاً بـدرهـم

وما مسلـم مـن هـؤلاء ولا ألـى

 

ولكنه من نسل عـلـج مـلـكـم

تولى زماناص غيرهم ثمت ادعـى

 

إليهم فـلـم يكـرم ولـم يتـكـرم

فإن يك منهم بالنـضـير ولـفـهـم

 

مواليه لا من يدعي بـالـتـزعـم

وإنه تدعه الأنصار مولى أسمـهـم

 

بقافية تستكـره الـجـلـد بـالـدم

عقاباً لهم في إفكـهـم وادعـائهـم

 

لأقلف منقـوش الـذراع مـوشـم

فلا تدعوه وانتفوا منه تـسـلـمـوا

 

بنفيكمـوه مـن مـقـام ومـأثـم

وإلا فغضوا الطرف وانتظروا الردى

 

إذا اختلفت فيكم صوادر أسهـمـي

ولم تجدوا منها مجنـاً بـجـنـكـم

 

إذا ذلعت من كل فـج ومـعـلـم

وأنتم بنـو أذنـاب مـن أنـتـم لـه

 

ولستم بأبناء الـسـنـام الـمـقـدم

ولا ببني الرأس الرفـيع مـحـلـه

 

فيسمو بكم مولى مسام وينـتـمـي

فكيف رضيتم أن يسامـى نـبـيكـم

 

بيتكم الرث القـصـير الـمـهـدم

سأحطم من سامى النبـي تـطـاولاً

 

عليه وأكوي منتـمـاه بـمـيسـم

أيعـدل بـيت يثـربـي بـكـعـبة

 

ثوتها قريش في المكان المـحـرم

قريش خيار الله واللـه خـصـهـم

 

بذلك فاقعس أيها العـلـج وارغـم

ومن يدعي منـه الـولاء مـؤخـراً

 

إذا قيل للجاري إلى المجـد أقـوم          

قال: وكان مسلم قال هذه القصيدة في قريش وكتمها، فوقعت إلى ابن قنبر، وأجابه عنها، واستعلى عليه وهتكه، وأغرى به السلطان، فلم يكن عند مسلم في هذا جواب من الانتفاء منها، ونسبتها إلى ابن قنبر، والادعاء عليه أنه ألصقها به ونسبها إليه، ليعرضه للسلطان، وخافه فقال ينتفي من هذه القصيدة ويهجو تميماً:

قصيدته في هجاء تميم

دعـوت أمـير الـمـؤمـنـين ولـم تـــكـــن

 

هنـاك، ولـكـن مـن يخـف يتــجـــســـم

وإنـك إذ تـدعـو الـخـلـــيفة نـــاصـــراً

 

لكـالـمـتـرقـي فـي الـسـمـاء بـسـلـــم

كذاك الـصـدى تـدعـو مـن حــيث لا تـــرى

 

وإن تـتـوهـمـه تـمـت فـي الـتـــوهـــم

هجـوب قـريشـاً عـامـداً ونـحـلـتـــنـــي

 

رويدك يظـهـر مـا تـقـول فـــيعـــلـــم

إذا كـان مـثـلـي فـي قـبـيلـتـي فــإنـــه

 

علـى ابـنـي لـؤي قـصـرة غـير مـتـهـــم

سيكـشـفـك الـتـعـديل عـمـا قـرفـتـنـــي

 

به فـتـأخــر عـــارفـــاً أو تـــقـــدم

فإن قـــريشـــاً لا تـــغـــير ودهــــا

 

ولا يسـتـمـال عـهـدهـا بـالــتـــزعـــم

مضى سـلـف مـنـهـم وصـلـى بـعـقـبـهـم

 

لنـا سـلـف فـي الأول الــمـــتـــقـــدم

جروا فـجـرينـا سـابـقـين بـسـبـقــهـــم

 

كمـا اتـبـعـت كـف نـواشـر مـعــصـــم

وإن الـذي يسـعـى لـيقـطـع بـــينـــنـــا

 

كمـلـتـمـس الـيربـوع فـي جـحـر أرقـــم

أضـلـك قـدع الآبـــدات طـــريقـــهـــا

 

فأصـبـحـت مـن عـمـيائهـا فـي تــهـــيم

وخانتك عند الجري لما اتبعتهاتميم فحاولت العلا بالتقحم

 

 

فأصبحت ترميني بسهمي وتتقى

 

يدي بـيدي، أصـلـيت نـــارك فـــاضـــرم

ابن قنبر يهجوهقال: ثم هجاه ابن قنبر بقصيدة أولها:

قل لعبد النضير مسلم الوغد الدني اللئيم شيخ النصـاب

 

اخس يا كلب إذ نبحث فإني

 

لسـت مـمـت يجـيب نـبــح الـــكـــلاب

أفـأرضـى ومـنـصـبـي مـنـصـب الـعــز

 

وبـــيتـــي فـــي ذروة الأحـــســـاب

أن أحـط الـرفـيع مـن سـمــك بـــيتـــي

 

بمـــهـــاجـــاة أوشـــب الأوشــــاب

من إذا سيل: من أبوه؟ بدامنه حياء يحميه رجع الجواب

 

 

وإذا قيل حين يقبل: من أنت ومن تعتزيه في الأنساب

 

 

قلت: هاجي ابن قنبر، فتسربلت بذكري فخراً لدى النساب ابن قنبر يتابع هجاءه وهي قصيدة طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشيء، فقال فيه ابن قنبر أيضاً:

لست أنفيك إن سواي نفاكـا

 

عن أبيك الذي له منتماكـا

ولما أنفـيك يا بـن ولـيد

 

من أب إن ذكرته أخزاكـا

ولو أني طلبت ألأم مـنـه

 

لم أجده إن لم تكن أنت ذاكا

لو سواه أباك كان جعلـنـا

 

ه إن الناس طاوعونا أباكـا

حاك دهراً بغير حذق لبرد

 

وتحوك الأشعار أنت كذاكا

وهي طويلة، فلم يجبه مسلم عنها بشيء، فقال ابن قنبر أيضاً يهجوه:

فخر العبد عبـد قـن الـيهـود

 

بضعيف من فـخـره مـردود

فاخر الغر من قريش بـإخـوا

 

ن خنازير من يثرب والقـرود

يتولى بني الـنـضـير ويدعـو

 

بهم الفخر من مكـان بـعـيد

وبني الأوس والخزرج أل الـذ

 

ل في سالف الزمان الـتـلـيد

إذ رضوا بافتضاض فطيون منهم

 

كل بكـر ريا الـروادف رود

وبنو عمها شـهـود لـمـا يف

 

عل فطيون قبحوا من شـهـود

خلف باب الفطيون والبغل منهم

 

لا بـذي غـيره ولا بـنـجـيد

فإذا ما قضى اليهودي مـنـهـا

 

نحبه قنعـوا بـخـزي جـديد

قال: فلما أفحش في هذه القصيدة وفي عدة قصائد قالها، ومسلم لا يجيبيه، مشى إليه قوم من مشيخة الأنصار، واستعانوا بمشيخة من قراء تميم وذوي العلم والفضل منهم، فمشوا معهم إليه وقالوا له: ألا تستحي من أن تهجو من لا يجيبك؟ أنت بدأت الرجل فأجابك، ثم عدت فكف، وتجاوزت ذلك إلى ذكر أعراض الأنصار التي كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يحميها ويذب عنها ويصونها، لغير حال أحلت لك ذلك منهم، فما زالوا يعظونه ويقولون له كل قول حتى أمسك عن المناقضة لمسلم، فانقطعت.

صوت

ثلاثة تشرق الدنيا ببـهـجـتـهـم

 

شمس الضحى وأبو إسحاق والقمر

يحكي أفاعيلـه فـي كـل نـائبة

 

الغيث والليث والصمصامة الذكر

الشعر لمحمد بن وهيب، والغناء لعلويه ثقيل أولى بالوسطى، وفيه لإبراهيم بن المهدي ثقيل أول آخر عن الهشامي.