نسب عبد الله بن الحجاج وأخباره

نسب عبد الله بن الحجاج وأخباره

هو عبد الله بن الحجاج بن محصن بن جندب بن نصر بن عمرو بن عبد غنم بن جحاش بن بجالة بن مازن بن ثعلبة بن سعد بن ذبيان بن بغيض بن الريث بن غطفان بن سعد بن قيس بن عيلان بن مضر. ويكنى أبا الأقرع. شاعرٌ فاتكٌ شجاعٌ من معدودي فرسان مضر ذوي البأس والنجدة فيهم، وكان ممن خرج مع عمرو بن سعيدٍ على عبد الملك بن مروان، فلما قتل عبد الملك بن مروان عمراً خرج مع نجدة بن عامرٍ الحنفي ثم هرب، فلحق بعبد الله بن الزبير، فكان معه إلى أن قتل، ثم جاء إلى عبد الملك متنكراً، واحتال عليه حتى أمنه.

وأخباره تذكر في ذلك وغيره ها هنا أخبرني بخبره في تنقله من عسكرٍ إلى عسكر، ثم استئمانه، جماعةٌ من شيوخنا، فذكروه متفرقاً فابتدأت بأسانيدهم، وجمعت خبره من روايتهم. فأخبرنا الحرمي بن أبي العلاء، قال: حدثنا الزبير بن بكارٍ، قال: حدثني اليزيدي أبو عبد الله محمد بن العباس، ببعضه، قال: حدثني سليمان بن أبي شيخ، قال: حدثنا يحيى بن سعيدٍ الأموي، وأخبرنا محمد بن عمران الصيرفي قال: حدثنا الحسن بن عليلٍ العنزي، قال: حدثنا محمد بن معاوية الأسدي، قال: حدثنا محمد بن كناسة، وأخبرني عمي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد، قال: حدثني علي بن مسلم بن الهيثم الكوفي عن محمد بن أرتبيل، ونسخت بعض هذه الأخبار من نسخة أبي العباس ثعلبٍ، والألفاظ تختلف في بعضها والمعاني قريبةٌ، قالوا: كان عبد الله بن الحجاج الثعلبي شجاعاً فاتكاً صعلوكاً من صعاليك العرب، وكان متسرعاً إلى الفتن، فكان ممن خرج مع عمرو بن سعيد بن العاص، فلما ظفر به عبد الملك هرب إلى ابن الزبير، فكان معه حتى قتل، ثم اندس إلى عبد الملك فكلم فيه فأمنه.

هذه رواية ثعلب، وقال العنزي وابن سعد في روايتهما: لما قتل عبد الله بن الزبير، وكان عبد الله بن الحجاج من أصحابه وشيعته احتال حتى دخل على عبد الملك بن مروان وهو يطعم الناس، فدخل حجرةً، فقال له: مالك يا هذا لا تأكل؟ قال: لا أستحل أن آكل حتى تأذن لي. قال: إني قد أذنت للناس جميعاً. قال: لم أعلم فآكل بأمرك. قال: كل. فأكل، وعبد الملك ينظر إليه ويعجب من فعاله، فلما أكل الناس وجلس عبد الملك في مجلسه، وجلس خواصه بين يديه، وتفرق الناس، جاء عبد الله بن الحجاج فوقف بين يديه، ثم استأذنه في الإنشاد فأذن له، فأنشده:

أبلغ أمير المؤمنين فـإنـنـي

 

مما لقيت من الحوادث موجع

منع القرار فجئت نحوك هاربا

 

جيش يجر ومقنبٌ يتـلـمـع

فقال عبد الملك: وما خوفك لا أم لك، لولا أنك مريبٌ! فقال عبد الله:

إن البلاد علي وهي عريضةٌ

 

وعرت مذاهبها وسد المطلع

فقال له عبد الملك: ذلك بما كسبت يداك، وما الله بظلامٍ للعبيد، فقال عبد الله:

كنا تنحلنا الـبـصـائر مـرةً

 

وإليك إذ عمي البصائر نرجع

إن الذي يعصيك منا بعـدهـا

 

من دينه وحـياتـه مـتـودع

آتي رضاك ولا أعود لمثلـهـا

 

وأطيع أمرك ما أمرت وأسمع

أعطي نصيحتي الخليفة ناخعـا

 

وخزامة الأنف المقود فأتبـع

فقال له عبد الملك: هذا لا نقبله منك إلا بعد المعرفة بك وبذنبك؟ فإذا عرفت الحوبة قبلنا التوبة. فقال عبد الله:

ولقد وطئت بني سعـيد وطـأةً

 

وابن الزبير فعرشه متضعضع

فقال عبد الملك: لله الحمد والمنة على ذلك. فقال عبد الله:

ما زلت تضرب منكباً عن منكبٍ

 

تعلو ويسفل غيركم مـا يرفـع

ووطئتم في الحرب حتى أصبحوا

 

حدثاً يكوس وغابراً يتجعـجـع

فحوى خلافتهم ولم يظلم بـهـا

 

القرم قرم بني قصـي الأنـزع

لا يستوي خاوي نـجـوم أفـلٍ

 

والبدر منبلجاً إذا مـا يطـلـع

وضعت أمية واسطين لقومهـم

 

ووضعت وسطهم فنعم الموضع

بيتٌ أبو العاصي بنـاه بـربـوةٍ

 

عالي المشارف عزه ما يدفـع

فقال له عبد الملك: إن توريتك عن نفسك لتريبني، فأي الفسقة أنت؟ وماذا تريد؟ فقال:

حربت أصيبيتى يدٌ أرسلتهـا

 

وإليك بعد معادها ما ترجـع

وأرى الذي يرجو تراث محمدٍ

 

أفلت نجومهم ونجمك يسطع

فقال عبد الملك: ذلك جزاء أعداء الله. فقال عبد الله بن الحجاج:

فانعش أصيبيتى الألاء كأنهم

 

جحلٌ تدرج بالشربة جوع

فقال عبد الملك: لا أنعشهم الله، وأجاع أكبادهم، ولا أبقى وليداً من نسلهم، فإنهم نسل كافرٍ فاجرٍ لا يبالي ما صنع. فقال عبد الله:

مالٌ لهم مما يضن جمعتـه

 

يوم القليب فحيز عنهم أجمع

فقال له عبد الملك: لعلك أخذته من غير حله، وأنفقته في غير حقه، وأرصدت به لمشاقة أولياء الله، وأعددته لمعاونة أعدائه، فنزعه منك إذ استظهرت به على معصية الله. فقال عبد الله:

أدنو لترحمني وتجبر فاقتي

 

فأراك تدفعني فأين المدفع

فتبسم عبد الملك، وقال له: إلى النار، فمن أنت الآن؟ قال: أنا عبد الله بن الحجاج الثعلبي، وقد وطئت دارك وأكلت طعامك، وأنشدتك، فإن قتلتني بعد ذلك فأنت وما تراه، وأنت بما عليك في هذا عارف. ثم عاد إلى إنشاده فقال:

ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم

 

عني فألبسني فثوبك أوسـع

فنبذ عبد الملك إليه رداءً كان على كتفه، وقال: البسه، لا لبست! فالتحف به، ثم قال له عبد الملك: أولى لك والله، لقد طاولتك طمعاً في أن يقوم بعض هؤلاء فيقتلك، فأبى الله ذلك، فلا تجاورني في بلدٍ، وانصرف آمناً، قم حيث شئت.

قال اليزيدي في خبره: قال عبد الله بن الحجاج: ما زلت أتعرف منه كل ما أكره حتى أنشدته قولي:

ضاقت ثياب الملبسين وفضلهم

 

عني فألبسني فثوبك أوسـع

فرمى عبد الملك مطرفه، وقال: البسه. فلبسته.

ثم قال: آكل يا أمير المؤمنين؟ قال: كل. فأكل حتى شبع، ثم قال: أمنت ورب الكعبة؟ فقال: كن من شئت إلا عبد الله بن الحجاج. قال: فأنا والله هو، وقد أكلت طعامك، ولبست ثيابك، فأي خوفٍ علي بعد ذلك؟ فأمضى له الأمان.

ونسخت عن كتاب أحمد بن يحيى ثعلب بن ابن الأعرابي، قال: كان عبد الله بن الحجاج قد خرج مع نجدة بن عامرٍ الحنفي الشاري، فلما انقضى أمره هرب، وضاقت عليه الأرض من شدة الطلب، فقال في ذلك:

رأيت بلاد الله وهـي عـريضةٌ

 

على الخائف المطرود كفة حابل

تؤدي إلـيه أن كـل ثـنـــية

 

تيممها ترمي إلـيه بـقـاتـل

قال: ثم لجأ إلى أحيح بن خالد بن عقبة بن أبي معيطٍ، فسعى به إلى الوليد بن عبد الملك، فبعث إليه بالشرط، فأخذ من دار أحيح، فأتي به الوليد فحبسه، فقال وهو في الحبس:

أقول وذاك فرط الشوق مني

 

لعيني إذ نأت ظمياء فيضي

فما للقلب صبرٌ يوم بـانـت

 

وما للدمع يسفح من مغيض

كأن معتقـاً مـن أذرعـات

 

بماء سحابة خصرٍ فضيض

بفيها إذ تخافـتـنـي حـياءً

 

بسرٍ لا تبوح به خـفـيض

يقول فيها:

فإن يعرض أبو العبـاس عـنـي

 

ويركب بي عروضاً عن عروض

ويجعل عرفـه يومـاً لـغـيري

 

وبيغضني فإني مـن بـغـيض

فإنـي ذو غـنًـى وكـريم قـومٍ

 

وفي الأكفاء ذو وجـهٍ عـريض

غلبت بني أبي العاصي سمـاحـاً

 

وفي الحرب المذكرة العضوض

خرجت علـيهـم فـي كـل يومٍ

 

خروج القدح من كف المفـيض

فدًى لك من إذا مـا جـئت يومـاً

 

تلقانـي بـجـامـعة ربـوض

على جنب الـخـوان وذاك لـؤمٌ

 

وبئست تحفة الشيخ الـمـريض

كأني إذ فـزعـت إلـى أحـيحٍ

 

فزعت إلى مقـوقـيةٍ بـيوض

إوزة غيضةٍ لقحـت كـشـافـاً

 

لقحقحها إذا درجـت نـقـيض

قال: فدخل أحيحٌ على الوليد بن عبد الملك، فقال يا أمير المؤمنين: إن عبد الله بن الحجاج قد هجاك قال: بماذا؟ فأنشده قوله:

فإن يعرض أبو العبـاس عـنـي

 

ويركب بي عروضاً عن عروض

ويجعل عرفـه يومـاً لـغـيري

 

وبيغضني فإني مـن بـغـيض

فقال الوليد: وأي هجاءٍ هذا! هو من بغيض إن أعرضت عنه، أو أقبلت عليه، أو أبغضته، ثم ماذا؟ فأنشده:

كأني إذ فزعت إلى أحـيحٍ

 

فزعت إلى مقوقيةٍ بيوض

فضحك الوليد، ثم قال: ما أراه هجا غيرك. فلما خرج من عنده أحيح أمر بتخلية سبيل عبد الله بن الحجاج، فأطلق. وكان الوليد إذا رأى أحيحاً ذكر قول عبد الله فيه فيضحك منه.

حدثنا أحمد بن عبد العزيز الجوهري، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثنا خلاد بن يزيد الأرقط عن سالم بن قتيبة. وحدثني يعقوب بن القاسم الطلحي، قال: حدثني غير واحدٍ، منهم عبد الرحمن بن محمدٍ الطلحي، قال: حدثني أحمد بن معاوية، قال: سمعت أبا علقمة الثقفي يحدث. قال أبو زيدٍ: وفي حديث بعضهم ما ليس في حديث الآخر، وقد ألفت ذلك، قال: كان كثير بن شهاب بن الحصين بن ذي الغصة بن يزيد بن شداد بن قنان بن سلمة بن وهب بن عبد الله بن ربيعة بن الحارث بن كعب، على ثغر الري، ولاه إياه المغيرة بن شعبة إذ كان خليفة معاوية على الكوفة، وكان عبد الله بن الحجاج معه، فأغار الناس على الديلم، فأصاب عبد الله بن الحجاج رجلاً منهم، فأخذ سلبه، فانتزعه منه كثير، وأمر بضربه، فضرب مائة سوطٍ، وحبس، فقال عبد الله في ذلك، وهو محبوس:

تسأل سلمى عن أبيها صحابه

 

وقد علقته من كثيرٍ حبـائل

فلا تسألي عني الرفاق فإنه

 

بأبهر لا غازٍ ولا هو قافـل

ألست ضربت الديلمي أمامهم

 

فجدلته فيه سنانٌ وعـامـل

فمكث في الحبس مدةً، ثم أخلي سبيله، فقال:

سأترك ثغر الري ما كنت والياً

 

عليه لأمر غالني وشجـانـي

فإن أنا لم أدرك بثأري وأتـئر

 

فلا تدعني للصيد من غطفان

تمنيتني يا بن الحصين سفـاهةً

 

ومالك بي يا بن الحصين يدان

فإني زعيمٌ أن أجلل عـاجـلاً

 

بسيفي كفاحاً هامة ابن قنـان

قال: فلما عزل كثيرٌ وقدم الكوفة كمن له عبد الله بن الحجاج في سوق التمارين – وذلك في خلافة معاوية وإمارة المغيرة بن شعبة على الكوفة – وكان كثير يخرج من منزله إلى القصر يحدث المغيرة، فخرج يوماً من داره إلى المغيرة يحدثه فأطال، وخرج من عنده ممسياً يريد داره، فضربه عبد الله بعمود حديدٍ على وجهه فهتم مقاديم أسنانه كلها، وقال في ذلك:

من مبلغٌ قيساً وخـنـدف أنـنـي

 

ضربت كثيراً مضرب الظربـان

فأقسم لا تنفك ضـربة وجـهـه

 

تذل وتخزي الدهـر كـل يمـان

فإن تلقني تلق أمرأً قد لـقـيتـه

 

سريعاً إلى الهيجاء غير جـبـان

وتلق أمرأً لم تـلـق أمـك بـره

 

على سابح غوج اللبان حـصـان

وحولي من قيسٍ وخندف عصـبةٌ

 

كرامٌ على البأساء والـحـدثـان

وإن تك للسنخ الذي غص بالحصى

 

فإني لقرمٍ يا كـثـير هـجـان

أنا ابن بني قيس علي تعطـفـت

 

بغيض بن ريثٍ بعـد آل دجـان

من مبلغ قيساً وخـنـدف أنـنـي

 

أدركت مظلمتي من ابن شهـاب

أدركته أجرى على مـحـبـوكةٍ

 

سرح الجراء طـويلة الأقـراب

جرداء سرحوبٍ كـأن هـويهـا

 

تعلو بجؤجئهـا هـوي عـقـاب

خضت الظلام وقد بدت لي عورةٌ

 

منه فأضربـه عـلـى الأنـياب

فتركته يكـبـو لـفـيه وأنـفـه

 

ذهل الجنان مضـرج الأثـواب

هلا خشيت وأنـت عـادٍ ظـالـمٌ

 

بقصور أبهر نصرتي وعقـابـي

إذ تستحل، وكان ذاك مجـرمـاً،

 

جلدي وتنزع ظالـمـاً أثـوابـي

ما ضره والحر يطـلـب وتـره

 

بأشم لا رعـشٍ ولا قـبـقـاب

قال: فكتب ناس من اليمانية من أهل الكوفة إلى معاوية: إن سيدنا ضربه خسيسٌ من غطفان، فإن رأيت أن تقيدنا من أسماء بن خارجة. فلما قرأ معاوية الكتاب قال: ما رأيت كاليوم كتاب قوم أحمق من هؤلاء. وحبس عبد الله بن الحجاج، وكتب إليهم: “إن القود ممن لمن يجن محظورٌ ، والجاني محبوسٌ، حبسته فليقتص منه المجني عليه”. فقال كثير بن شهابٍ: لا أستقيدها إلا من سيد مضر. فبلغ قوله معاوية فغضب وقال: أنا سيد مضر فليستقدها مني، وأمن عبد الله بن الحجاج، وأطلقه، وأبطل ما فعله بابن شهاب، فلم يقتص ولا أخذ له عقلاً. عفو كثير عن عبد الله بن الحجاج.

إن عبد الله بن الحجاج لما ضربه بالعمود، قال له: أنا عبد الله بن الحجاج صاحبك بالري، وقد قابلتك بما فعلت بي، ولم أكن لأكتمك نفسي، وأقسم بالله لئن طالبت فيها بقودٍ لأقتلنك. فقال له: أنا أقتص من مثلك، والله لا أرضى بالقصاص إلا من أسماء بن خارجة! وتكلمت اليمانية وتحارب الناس بالكوفة، فكتب معاوية إلى المغيرة: أن أحضر كثيراً وعبد الله بن الحجاج فلا يبرحان من مجلسك حتى يقتص كثير أو يعفو. فأحضرهما المغيرة، فقال قد عفوت؟ وذلك لخوفه من عبد الله بن الحجاج أن يغتاله. قال: وقال لي: يا أبا الأقيرع، والله لا نلتقي أنت ونحن جميعاً أهتمان، وقد عفوت عنك. ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: كان لعبد الله بن الحجاج ابنان يقال لأحدهما: عوين، والثاني جندب، فمات جندب وعبد الله حيٌّ فدفنه بظهر الكوفة، فمر أخوه عوين بحراثٍ إلى جانب قبر جندب، فنهاه أن يقربه بفدانه، وحذره ذلك، فلما كان الغد وجده قد حرث جانبه، وقد نبشه وأضر به، فشد عليه فضربه بالسيف وعقر فدانه. وقال:

أقول لحراثي حريمي جنـبـا

 

فدانيكما لا تحرثا قبر جنـدب

فإنكما إن تحـرثـاه تـشـردا

 

ويذهب فدانٌ منكما كل مذهب

قال: فأخذ عوين، فاعتقله السجان، فضربه حتى شغله بنفسه، ثم هرب، فوفد أبوه إلى عبد الملك فاستوهب جرمه فوهبه، وأمر بألا يتعقب، فقال عبد الله بن الحجاج، يذكر ما كان من ابنه عوين:

لمثلك يا عوين فدتك نـفـسـي

 

نجا من كربةٍ إن كان نـاجـي

عرفتك من مصاصٍ السنخ لمـا

 

تركت ابن العكامس في العجاج

قال: ولما وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد الملك بسبب ما كان من ابنه عوين مثل بين يديه، فأنشده:

يا بن أبي العاصي ويا خير فـتـى

 

أنت النجيب والخيار المصطفـى

أنت الذي لم تـدع الأمـر سـدى

 

حين كشفت الظلمات بـالـهـدى

ما زلت إن نازٍ على الأمر انتـزى

 

قضيته إن القضاء قـد مـضـى

كما أذقت ابن سعـيدٍ إذ عـصـى

 

وابن الزبير إذ تسمـى وطـغـى

وأنـت إن عـد قـديم وبـنــى

 

من عبد شمس في الشماريخ العلى

جيبت قريشٌ عنكم جوب الرحـى

 

هل أنت عافٍ عن طريد قد غوى

أهوى على مهواة بثـرٍ فـهـوى

 

رمى به جولٌ إلى جول الـرجـا

فتجبـر الـيوم بـه شـيخـاً ذوى

 

يعوي مع الذئب إذا الذئب عـوى

وإن أراد النوم لم يقض الـكـرى

 

من هول ما لاقى وأهوال الردى

يشكر ذاك ما نفـت عـينٌ قـذى

 

نفسي وآبائي لـك الـيوم الـفـدا

فأمر عبد الملك بتحمل ما يلزم ابنه من غرم وعقل، وأمنه.

ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: وفد عبد الله بن الحجاج إلى عبد العزيز بن مروان ومدحه، فأجزل صلته، وأمره بأن يقيم عنده ففعل، فلما طال مقامه اشتاق إلى الكوفة وإلى أهله، فاستأذن عبد العزيز فلم يأذن له، فخرج من عنده غاضباً، فكتب عبد العزيز إلى أخيه بشرٍ، أن يمنعه عطاءه، فمنعه، ورجع عبد الله لما أضر به ذلك إلى عبد العزيز، وقال يمدحه:

تركت ابن ليلى ضلةً وحـريمـه

 

وعند ابن ليلى معقل ومـعـول

ألم يهدني أن المـراغـم واسـعٌ

 

وأن الديار بالمـقـيم تـنـقـل

سأحكم أمري إن بدا لـي رشـده

 

وأختار أهل الخير إن كنت أعقل

وأترك أوطاري وألحق بامـرىءٍ

 

تحلب كفاه الندى حـين يسـأل

أبت لك يا عبد العـزيز مـآثـرٌ

 

وجريٌ شأى جري الجـياد وأول

أبي لك إذ أكدوا وقل عطاؤهـم

 

مواهب فياض ومجـدٌ مـؤثـل

أبوك الذي ينميك مروان للعلـى

 

وسعد الفتى بالخال لا من يخول

فقال له عبد العزيز: أما إذ عرفت موضع خطئك، واعترفت به فقد صفحت عنك. وأمر بإطلاق عطائه، ووصله، وقال له: أقم ما شئت عندنا، أو انصرف مأذوناً لك إذا شئت.

ونسخت من كتابه أيضاً: كان عمر بن هبيرة بن معية بن سكينٍ قد ظلم عبد الله بن الحجاج حقاً له، واستعان عليه بقومه، فلقوه في بعلبك، فعاونوا عبد الله بن الحجاج عليه، وفرقوه بالسياط حتى انتزعوا حقه منه، فقال عبد الله في ذلك:

ألا أبلغ بني سـعـدٍ رسـولاً

 

ودونهم بسيطة فالـمـعـاط

أميطوا عنكم ضرط ابن ضرطٍ

 

فإن الخبث مثـلـهـم يمـاط

ولي حـقٌ فـراطة أولـينـا

 

قديماً والحقوق لها افـتـراط

فما زالت مباسطتي ومجـدي

 

وما زال التهايط والـمـياط

وجدي بالسياط عليك حـتـى

 

تركت وفي ذناباك انبـسـاط

متى ما تعترض يوماً لحقـي

 

تلاقك دونه سعـرٌ سـبـاط

من الحيين ثعلبة بـن سـعـدٍ

 

ومرة أخذ جمعهم اعتـبـاط

تراهم في البيوت وهم كسالى

 

وفي الهيجا إذا هيجوا نشاط

والقصيدة التي فيها الغناء بذكر أمر عبد الله بن الحجاج أولها:

نأتك ولم تخش الفراق جـنـوب

 

وشطت نوى بالظاعنين شعـوب

طربت إلى الحي الذين تحمـلـوا

 

ببرقة أحـوازٍ وأنـت طـروب

فظلت كأني ساورتـنـي مـدامةٌ

 

تمنى بها شكس الطـبـاع أريب

تمر وتستحلي على ذاك شربهـا

 

لوجه أخيها في الإناء قـطـوب

كميت إذا صبت وفي الكأس وردة

 

لها في عظام الشاربـين دبـيب

تذكرت ذكرى من جنوب مصيبة

 

وما لك من ذكرى جنوب نصيب

وأنى ترجي الوصل منها وقد نأت

 

وتبخل بالموجود وهـي قـريب

فما فوق وجدي إذ نأت وجد واجدٍ

 

من الناس لو كانت بذاك تـثـيب

برهرهةٌ خـود كـأن ثـيابـهـا

 

على الشمس تبدو تارةً وتغـيب

وهي قصيدةٌ طويلة.

ونسخت من كتاب ثعلبٍ عن ابن الأعرابي، قال: كتب الحجاج إلى عبد الملك بن مروان يعرفه آثار عبد الله بن الحجاج، وبلاءه من محاربته، وأنه بلغه أنه أمنه، ويحرضه ويسأله أن يوفده إليه ليتولى قتله وبلغ ذلك عبد الله بن الحجاج، فجاء حتى وقف بين يدي عبد الملك، ثم أنشده:

أعوذ بثوبيك اللذين ارتداهـمـا

 

كريم الثنا من جيبه المسك ينفح

فإن كنت مأكولاً فكن أنت آكلي

 

وإن كنت مذبوحاً فكن أنت تذبح

فقال عبد الملك: ما صنعت شيئاً. فقال عبد الله:

لأنت وخير الظافرين كـرامـهـم

 

عن المذنب الخاشي العقاب صفوح

ولو زلقت من قبل عفوك نـعـلـه

 

ترامى به دحض المـقـام بـريح

نمى بك إن خانت رجالاً عروقهـم

 

أرومٌ ودينٌ لم يخـنـك صـحـيح

وعرفٌ سرى لم يسر في الناس مثله

 

وشأوٌ على شأو الرجـال مـتـوح

تداركني عفو ابن مروان بـعـدمـا

 

جرى لي من بعد الحـياة سـنـيح

رفعت مريحاً ناظـري ولـم أكـد

 

من الهم والكـرب الـشـديد أريح

فكتب عبد الملك إلى الحجاج: إني قد عرفت من خبث عبدالله وفسقه ما لا يزيدني علماً به، إلا أنه اغتفلني متنكراً، فدخل داري، وتحرم بطعامي، واستكساني فكسوته ثوباً من ثيابي، وأعاذني فأعذته، وفي دون هذا ما حظر علي دمه، وعبد الله أقل وأذل من أن يوقع أمراً، أو ينكث عهداً في قتله خوفاً من شره، فإن شكر النعمة وأقام على الطاعة فلا سبيل عليه، وإن كفر ما أوتي وشاق الله ورسوله وأولياءه فالله بسيف البغي الذي قتل به نظراؤه ومن هو أشد بأساً وشكيمة منه، من الملحدين، فلا تعرض له ولا لأحدٍ من أهل بيته إلا بخيرٍ، والسلام.
أخبرني محمد بن يحيى الصولي، قال: حدثنا الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو الشيباني، قال: كانت في القريتين بركةٌ من ماء، وكان بها رجل من كلبٍ يقال له دعكنة لا يدخل البركة معه أحدٌ إلا غطه حتى يغلبه، فغط يومها فيها رجلاً من قيس بحضرة الوليد بن عبد الملك حتى خرج هارباً، فقال ابن هبيرة وهو جالس عليها يومئذٍ: اللهم اصبب علينا أبا الأقيرع عبد الله بن الحجاج. فكان أول رجل انحدرت به راحلته، فأناخها، ونزل، فقال ابن هبيرة للوليد: هذا أبو الأقيرع والله يا أمير المؤمنين، أيهما أخزى الله صاحبه به. فأمره الوليد أن ينحط عليه في البركة والكلبي فيها واقفٌ متعرضٌ للناس وقد صدوا عنه. فقال له: يا أمير المؤمنين إني أخاف أن يقتلني فلا يرضى قومي إلا بقتله، أو أقتله فلا ترضى قومه إلا بمثل ذلك، وأنا رجلٌ بدويٌّ ولست بصاحب مال. فقال دعنكة: يا أمير المؤمنين هو في حل وأنا في حل. فقال له الوليد: دونك. فتكأكأ ساعةً كالكاره حتى عزم عليه الوليد، فدخل البركة، فاعتنق الكلبي وهوى به إلى قعرها، ولزمه حتى وجد الموت، ثم خلى عنه، فلما علا غطه غطة ثانية، وقام عليه ثم أطلقه حتى تروح، ثم أعاده وأمسكه حتى مات، وخرج ابن الحجاج وبقي الكلبي، فغضب الوليد وهم به، فكلمه يزيد وقال: أنت أكرهته، أفكان يمكن الكلبي من نفسه حتى يقتله؟ فكف عنه. فقال عبد الله بن الحجاج في ذلك:

نجاني الله فرداً لا شـريك لـه

 

بالقريتين ونفسٌ صلبة الـعـود

وذمة من يزيدٍ حال جانـبـهـا

 

دوني فأنجيت عفواً غير مجهود

لولا الإله وصبري في مغاطستي

 

كان السليم وكنت الهالك المودي

يا حبذا عمل الشيطان من عمـل

 

إن كان من عمل الشيطان حبيها

لنظرةٌ من سليمى اليوم واحـدةٌ

 

أشهى إلي من الدنيا وما فيهـا

الشعر لناهض بن ثومه الكلابي، أنشدنيه هاشم بن محمدٍ الخزاعي، قال: أنشدنا الرياشي قال: أنشدنا ناهض بن ثومة أبو العطاف الكلابي هذين البيتين لنفسه. وأخبرني بمثل ذلك عمي من الكراني عن الرياشي، والغناء لأبي العبيس ابن حمدون ثقيلٌ أول ينشد بالوسطى.