نسب زهير وأخباره

نسب زهير وأخباره

نسبه: هو زهير بن أبي سلمى . واسم أبي سلمى ربيعة بن رياح بن قرة بن الحارث بن مازن بن ثعلبة بن ثور بن هرمة بن الأصم بن عثمان بن عمرو بن أد بن طابخة بن إلياس بن مضر بن نزار. ومزينة أم عمرو بن أد هي بنت كلب بن وبرة.

هو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء: وهو أحد الثلاثة المقدمين على سائر الشعراء، وإنما اختلف في تقديم أحد الثلاثة على صاحبيه. فأما الثلاثة فلا اختلاف فيهم، وهم امرؤ قيس وزهير والنابغة الذبياني.
قال جرير هو شاعر الجاهلية: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام عن أبي قيس عن عكرمة بن جرير عن أبيه قال: شاعر أهل الجاهلية زهير.

قال عمر لابن عباس إنه شاعر الشعراء: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا هارون بن عمر قال حدثنا أيوب بن سويد قال حدثنا يحيى بن يزيد عن عمر بن عبد الله الليثي ” عن ابن عباس ” قال: قال عمر بن الخطاب ليلة مسيره إلى الجابية : أين ابن عباس؟ فأتيته ؛ فشكا تخلف علي بن أبي طالب رضي الله عنه. فقلت : أو لم يعتذر إليك؟ قال بلى. قلت: فهو ما اعتذر به. ثم قال: أول من ريثكم عن هذا الأمر أبو بكر. إن قومكم كرهوا أن يجمعوا لكم الخلافة والنبوة – ثم ذكر قصةً طويلةً ليست من هذا الباب فتركتها أنا – ثم قال: هل تروي لشاعر الشعراء؟ قلت: ومن هو؟ قال: الذي يقول:

ولو أن حمداً يخلد الناس أخلدوا

 

ولكن حمد الناس ليس بمخلـد

قلت: ذاك زهير. قال: فذاك شاعر الشعراء. قلت: وبم كان شاعر الشعراء؟ قال: لأنه لا يعاظل في الكلام وكان يتجنب وحشي الشعر، ولم يمدح أحداً إلا بما فيه. قال الأصمعي: يعاظل بين الكلام: يداخل فيه . ويقال: يتبع حوشي الكلام، ووحشي الكلام، والمعنى واحد.

كان قدامة بن موسى يقدمه على سائر الشعراء: أخبرنا أبو خليفة قال قال ابن سلام وأخبرني عمر بن موسى الجمحي عن أخيه قدامة بن موسى – وكان من أهل العلم -: أنه كان يقدم زهيراً. قلت: فأي شيء كان أعجب إليه؟ قال: الذي يقول فيه:

قد جعل المبتغون الخير من هرمٍ

 

والسائلون إلى أبوابه طـرقـا

قال جرير هو أشعر أهل الجاهلية

قال ابن سلام وأخبرني أبو قيس العنبري – ولم أر بدوياً يفي به – عن عكرمة بن جرير قال: قلت لأبي: يا أبت من أشعر الناس؟ قال: أعن الجاهلية تسألني أم عن الإسلام؟ قلت: ما أردت إلا الإسلام. فإذا ذكرت الجاهلية فأخبرني عن أهلها. قال: زهيرٌ أشعر أهلها. قلت: فالإسلام؟ قال: الفرزدق نبعة الشعر. قلت: فالأخطل؟ فقال: يجيد مدح الملوك ويصيب وصف الخمر. قلت: فما تركت لنفسك؟ قال: نحرت الشعر نحراً.
قال عنه الأحنف بن قيس هو أشعر الشعراء: أخبرني الحسن بن علي قال أخبرنا الحارث بن محمد عن المدائني عن عيسى بن يزيد قال: سأل معاوية الأحنف بن قيسٍ عن أشعر الشعراء، فقال: زهير. قال: وكيف؟ قال: ألقى عن المادحين فضول الكلام. قال: مثل ماذا؟ قال: مثل قوله:

فما يك من خيرٍ أتوه فإنما

 

توارثه آباء آبائهم قبـل

مدح عمر بن الخطاب شعره وروى منه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا عبد الله بن عمرو القيسي قال حدثنا خارجة بن عبد الله بن سليمان عن زيد بن ثابت عن عبد الله بن أبي سفيان عن أبيه عن ابن عباس، قال: وحدثنيه غيره وهو أتم من حديثه، قال قال ابن عباس: خرجت مع عمر في أول غزاةٍ غزاها. فقال لي ذات ليلة: يا بن عباس أنشدني لشاعر الشعراء. قلت: ومن هو يا أمير المؤمنين؟ قال: ابن أبي سلمى. قلت: وبم صار كذلك؟ قال: لأنه لا يتبع حوشي الكلام. ، ولا يعاظل من المنطق، ولا يقول إلا ما يعرف، ولا يمتدح الرجل إلا بما يكون فيه. أليس الذي يقول:

إذا ابتدرت قيس بن عيلان غايةً

 

من المجد من يسبق إليها يسود

سبقت إليها كل طلـقٍ مـبـرز

 

سبوقٍ إلى الغايات غير مزنـد

كفعل جوادٍ يسبق الخيل عفوه ال

 

سراع وإن يجهد ويجهدن يبعـد

ولو كان حمدٌ يخلد الناس لم تمت

 

ولكن حمد الناس ليس بمخـلـد

أنشدني له، فأنشدته حتى برق الفجر. قال: حسبك الآن، إقرأ القرآن. قلت: وما أقرأ؟ قال: اقرأ الواقعة، فقرأتها ونزل فأذن وصلى.
أخبرني محمد بن القاسم الأنباري قال حدثني أبي قال حدثنا أحمد بن عبيد قال أخبرنا أبو عبيدة عن عيسى بن يزيد بن بكر قال قال ابن عباس: خرجت مع عمر، ثم ذكر الحديث نحو هذا.

استعاذ منه النبي ” صلى الله عليه وسلم ” فما قال شعراً حتى مات: وجدت في بعض الكتب عن عبد الله بن شبيب عن الزبير بن بكار عن حميد بن محمد بن عبد العزيز الزهري عن أخيه إبراهيم بن محمد يرفعه: أن رسول الله – صلى الله عليه وسلم – نظر إلى زهير بن أبي سلمى وله مائة سنة فقال: ” اللهم أعذني من شيطانه ” فما لاك بيتاً حتى مات.

خرج أبوه أبو سلمى مع خاله وابن خاله لغزو طيء فمنعاه حقه في المغنم، وشعره في ذلك: قال ابن الأعرابي وأبو عمرو الشيباني: كان من حديث زهير وأهل بيته أنهم كانوا من مزينة، وكان بنو عبد الله بن غطفان جيرانهم، وقدماً ولدتهم بنو مرة. وكان من أمر أبي سلمى أنه خرج وخاله أسعد بن العدير بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان بن بغيض وابنه كعب بن أسعد في ناسٍ من بني مرة يغيرون على طيء، فأصابوا نعماً كثيرةً وأموالاً فرجعوا حتى انتهوا إلى أرضهم. فقال أبو سلمى لخاله أسعد وابن خاله كعبٍ: أفردا لي سهمي، فأبيا عليه ومنعاه حقه، فكف عنهما؛ حتى إذا الليل أتى أمه فقال: والذي أحلف به لتقومن إلى بعيرٍ من هذه الإبل فلتقعدن عليه أو لأضربن بسيفي تحت قرطيك. فقامت أمه إلى بعير منها فاعتنقت سنامه، وساق بها أبو سلمى وهو يرتجز ويقول:

ويلٌ لأجمال العجوز مني

 

إذا دنوت ودنون منـي

كأنني سمعمعٌ من جن

 

 

– سمعمعٌ: لطيف الجسم قليل اللحم – وساق الإبل وأمه حتى انتهى إلى قومه مزينة.
فذلك حيث يقول:

ولتغدون إبلٌ مـجـنـبةٌ

 

من عند أسعد وابنه كعب

– مجنبة: مجنوبة –

الآكلين صريح قومهـمـا

 

أكل الحبارى برعم الرطب

البرعم: شجرة ولها نور – قال: فلبث فيهم حيناً، ثم أقبل بمزينة مغيراً على بني ذبيان. حتى إذا مزينة أسهلت وخلفت بلادها ونظروا إلى أرض غطفان، تطايروا عنه راجعين، وتركوه وحده. فذلك حيث يقول:

من يشتري فرساً لخيرٍ غزوها

 

وأبت عشيرة ربها أن تسهلا

يعني أن تنزل السهل. قال: وأقبل حين رأى ذلك من مزينة حتى دخل في أخواله بني مرة. قلم يزل هو وولده في بني عبد الله بن غطفان إلى اليوم.

قال معلقته في مدح هرم بن سنان والحارث بن عوف وقد حملا دية هرم بن ضمضم في مالهما: أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم قالها زهير في قتل ورد بن حابس العبسي هرم بن ضمضم المري الذي يقول فيه عنترة وفي أخيه:

ولقد خشيت بأن الموت ولم تـدر

 

للحرب دائرةٌ على ابني ضمضم

ويمدح بها هرم بن سنان والحارث بن عوف بن سعد بن ذبيان المريين لأنهما احتملا ديته في مالهما؛ وذلك قول زهير:

سعى ساعياً غيظ بن مرة بعدما

 

تبزل ما بين العشيرة بـالـدم

يعني بني غيظ بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان.

قال الأثرم أبو الحسن حدثني أبو عبيدة قال: كان ورد بن حابس العبسي قتل الهرم بن ضمضم المري، فتشاجر عبسٌ وذبيان قبل الصلح، وحلف حصين بن ضمضم ألا يغسل رأسه حتى يقتل ورد بن حابس أو رجلاً من بني عبس ثم من بني غالب، ولم يطلع على ذلك أحداً، وقد حمل الحمالة الحارث بن عوف بن أبي حارثة، وقيل بل أخوه حارثة بن سنان.
فأقبل رجلٌ من بني عبس ثم أحد بني مخزوم، حتى نزل بحصين بن ضمضم. فقال له الحصين: من أنت أيها الرجل؟ قال: عبسي. قال: من أي عبس؟ فلم يزل ينتسب حتى انتسب إلى بني غالب، فقتله حصين. وبلغ ذلك الحارث بن عوف وهرم بن سنان فاشتد عليهما، وبلغ بني عبسٍ فركبوا نحو الحارث. فلما بلغه ركوبهم إليه وما قد اشتد عليهم من قتل صاحبهم وأنهم يريدون قتل الحارث. بعث إليهم بمائة من الإبل معها ابنه. وقال للرسول: قل لهم: الإبل أحب إليكم أم أنفسكم؟ فأقبل الرسول حتى قال لهم ذلك. فقال لهم الربيع بن زياد: يا قوم إن أخاكم قد أرسل إليكم: ” الإبل أحب إليكم أم ابني تقتلونه مكان قتيلكم ” فقالوا نأخذ الإبل ونصالح قومنا، ونتم الصلح. فذلك حين يقول زهير يمدح الحارث وهرماً:

أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم

وهي أول قصيدة مدح بها هرماً. ثم تابع ذلك بعد.

قصة زواج الحارث بن عوف ببهيسة بنت أوس وتحمله الدية في ماله بين عبس وذبيان: وقد أخبرني الحسن بن علي بهذه القصة، وروايته أتم من هذه، قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن إسحاق المسيبي قال حدثني إبراهيم بن محمد بن عبد العزيز بن عمر بن عبد الرحمن بن عوف عن أبيه قال: قال الحارث بن عوف بن أبي حارثة: أتراني أخطب إلى أحد فيردني؟ قال نعم. قال: ومن ذاك. قال: أوس بن حارثة بن لأم الطائي. فقال الحارث لغلامه: ارحل بنا، ففعل. فركبا حتى أتيا أوس بن حارثة في بلاده فوجداه في منزله. فلما رأى الحارث بن عوفٍ قال: مرحباً بك يا حار. قال: وبك. قال: ما جاء بك يا حار؟ قال: جئتك خاطباً. قال: لست هناك. فانصرف ولم يكلمه. ودخل أوسٌ على امرأته مغضباً وكانت من عبس فقالت: من رجلٌ وقف عليك فلم يطل ولم تكلمه؟ قال: ذاك سيد العرب الحارث بن عوف بن أبي حارثة المري. قالت: فما لك لم تستنزله؟ قال: إنه استحمق. قالت: وكيف؟ قال: جاءني خاطباً. قالت: أفتريد أن تزوجك بناتك؟ قال: نعم. قالت: فإذا لم تزوج سيد العرب فمن؟ قال: قد كان ذلك. قالت: فتدارك ما كان منك. قال: بماذا؟ قالت: تلحقه فترده. قال: وكيف وقد فرط مني ما فرط إليه؟ قالت: تقول له: إنك لقيتني مغضباً بأمرٍ لم تقدم فيه قولاً، فلم يكن عندي فيه من الجواب إلا ما سمعت، فانصرف ولك عندي كل ما أحببت فإنه سيفعل. فركب في أثرهما. قال خارجة بن سنان: فو الله إني لأسير إذ حانت مني التفاتةٌ فرأيته، فأقبلت على الحارث وما يكلمني غماً فقلت له: هذا أوس بن حارثة في أثرنا. قال: وما نصنع به ! امض !. فلما رآنا لا نقف عليه صاح: يا حار اربع علي ساعةً. فوقفنا له فكلمه بذلك الكلام فرجع مسروراً. فبلغني أن أوساً لما دخل منزله قال لزوجته أدعي لي فلانة ” لأكبر بناته ” فأتته، فقال: يا بنية، هذا الحارث بن عوف سيدٌ من سادات العرب، قد جاءني طالباً خاطباً، وقد أردت أن أزوجك منه فما تقولين؟ قالت: لا تفعل. قال: ولم؟ قالت: لأني امرأة في وجهي ردة ، وفي خلقي بعض العهدة ، ولست بابنة عمه فيرعى رحمي، وليس بجارك في البلد فيستحي منك، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما فيه. قال: قومي بارك الله عليك. ادعي لي فلانة ” لابنته الوسطى “؛ فدعتها، ثم قال لها مثل قوله لأختها؛ فأجابته بمثل جوابها وقالت: إني خرقاء وليست بيدي صناعة، ولا آمن أن يرى مني ما يكره فيطلقني فيكون علي في ذلك ما تعلم، وليس بابن عمي فيرعى حقي، ولا جارك في بلدك فيستحييك. قال: قومي بارك الله عليك. أدعي لي بهيسة ” يعني الصغرى “، فأتي بها فقال لها كما قال لهما. فقالت: أنت وذاك. فقال لها: إني قد عرضت ذلك على أختيك فأبتاه. فقالت – ولم يذكر لها مقالتيهما – لكني والله الجميلة وجهاً، الصناع يداً، الرفيعة خلقاً، الحسيبة أباً، فإن طلقني فلا أخلف الله عليه بخير. فقال: بارك الله عليك. ثم خرج إلينا فقال: قد زوجتك يا حارث بهيسة بنت أوس. قال: قد قبلت. فأمر أمها أن تهيئها وتصلح من شأنها، ثم أمر ببيت فضرب له، وأنزله إياه. فلما هيئت بعث بها إليه. فلما أدخلت إليه لبث هنيهةً ثم خرج إلي. فقلت: أفرغت من شأنك؟ قال: لا والله. قلت: وكيف ذاك؟ قال: لما مددت يدي إليها قالت: مه ! أعند أبي وإخوتي !! هذا والله ما لا يكون. قال: فأمر بالرحلة فارتحلنا ورحلنا بها معنا، فسرنا ما شاء الله. ثم قال لي: تقدم فتقدمت، وعدل بها عن الطريق، فلما لبث أن لحق بي. فقلت: أفرغت؟ قال: لا والله. قلت: ولم؟ قال: قالت لي: أكما يفعل بالأمة الجليبة أو السبية الأخيذة ! لا والله حتى تنحر الجزر، وتذبح الغنم، وتدعو العرب، وتعمل ما يعمل لمثلي. قلت: والله إني لأرى همةً وعقلاً، وأرجو أن تكون المرأة منجبةً إن شاء الله. فرحلنا حتى جئنا بلادنا، فأحضر الإبل والغنم، ثم دخل عليها وخرج إلي. فقلت: أفرغت؟ قال: لا. قلت: ولم؟ قال: دخلت عليها أريدها، وقلت لها قد أحضرنا من المال ما قد ترين، فقالت: والله لقد ذكرت لي من الشرف ما لا أراه فيك. قلت: وكيف؟ قالت: أتفرغ لنكاح النساء والعرب تقتل بعضها ! ” وذلك في أيام حرب عبس وذبيان “. قلت: فيكون ماذا؟ قالت: اخرج إلى هؤلاء القوم فأصلح بينهم، ثم ارجع إلى أهلك فلن يفوتك. فقلت: والله إني لأرى همةً وعقلاً، ولقد قالت قولاً. قال: فاخرج بنا. فخرجنا حتى أتينا القوم فمشينا فيما بينهم بالصلح، فاصطلحوا على أن يحتسبوا القتلى؛ فيؤخذ الفضل ممن هو عليه، فحملنا عنهم الديات، فكانت ثلاثة الآف بعير في ثلاث سنين، فانصرفنا بأجمل الذكر. قال محمد بن عبد العزيز: فمدحوا بذلك، وقال فيه زهير بن أبي سلمى قصيدته:

أمن أم أوفى دمنةٌ لم تكلم

فذكرهما فيها فقال:

تداركتما عبساً وذبيان بعدمـا

 

تفانوا ودقوا بينهم عطر منشم

فأصبح يجري فيهم من تلادكم

 

مغانم شتىً من إفال المرنـم

ينجمها قومٌ لـقـومٍ غـرامةً

 

ولم يهريقوا بينهم ملء محجم

وذكر قيامهم في ذلك فقال:

” صحا القلب وقد كاد لا يسلو”

وهي قصيدة يقول فيها:

تداركتما الأحلاف قد ثل عرشها

 

وذبيان قد زلت بأقدامها النعـل

وهذه لهم شرفٌ إلى الآن، ورجع فدخل بها، فولدت له بنين وبنات.

مدح بقصيدته القافية هرماً وأباه وإخواته: ومما مدح به هرماً وأباه وإخواته وغني فيه قوله: صوت

إن الخليط أجد البين فانفـرقـا

 

وعلق القلب من أسماء ما علقا

وأخلفتك ابنة البكري وما وعدت

 

فأصبح الحبل منها واهناً خلقـا

قامت تبدى بذي ضال لتحزنني

 

ولا محالة أن يشتاق من عشقا

بجيد مـغـزلةٍ أدمـاء خـاذلةٍ

 

من الظباء تراعي شادناً خرقا

انفرق: انفعل، من الفرقة. وأجد وجد بمعنىً واحد، من الجد خلاف اللعب. والواهن والواهي واحد. والحبل: السبب في المودة . والضال: السدر الصغار، واحدتها ضالة. والجيد: العنق. والمغزلة: الظبية التي لها غزال. والأدماء: البيضاء. والخاذلة: المقيمة على ولدها ولا تتبع الظباء. والشادن: الذي قد شدن أي تحرك ولم يقو بعد. والخرق: الدهش.

غنى مالك في الأول والثاني من الأبيات خفيف رملٍ بالوسطى، وقيل إنه لابن جامع، وقيل بل لحن ابن جامع بالبنصر. وفي الثالث والرابع لابن المكي رملٌ صحيحٌ من رواية بذل والهشامي.
وفي هذه القصيدة يقول يمدح هرماً:

قد جعل المبتغون الخير من هـرمٍ

 

والسائلون إلى أبوابـه طـرقـا

من يلق يوماً على علاته هـرمـاً

 

يلق السماحة منه والندى خلـقـا

ليثٌ بعثر يصطـاد الـلـيوث إذا

 

ما الليث كذب عن أقرانه صدقـا

يطعنهم ما ارتموا حتى إذا اطعنوا

 

ضارب حتى إذا ما ضاربوا اعتنقا

خرف سنان بن أبي حارثة ثم مات فرثاه: ومن مدائحه إياهم قوله يمدح أبا هرم سنان بن أبي حارثة. وذكر ابن الكلبي أنه هوي امرأةً فاستهيم بها؛ وتفاقم به ذلك حتى فقد فلم يعرف له خبر. فتزعم بنو مرة أن الجن استطارته فأدخلته بلادها، واستعجلته لكرمه. وذكر أبو عبيدة أنه قد كان هرم حتى بلغ مائةً وخمسين سنة؛ فهام على وجهه خرقاً ففقد. قال: فزعم لي شيخٌ من علماء بني مرة أنه خرج لحاجته باليل فأبعد، فلما رجع ضل فهام طول ليلته حتى سقط فمات، وتبع قومه أثره فوجدوه ميتاً فرثاه زهير بقوله:

إن الرزية لا رزية مثـلـهـا

 

ما تبتغي غطفان يوم أضلـت

إن الركاب لتبتـغـي ذا مـرةٍ

 

بجنوب نجد إذا الشهور أحلت

ينعين خير الناس عنـد شـديدةٍ

 

عظمت مصيبته هناك وجلت

ومدفعٍ ذاق الهوان مـلـعـنٍ

 

راخيت عقدة حبله فانحـلـت

ولنعم حشو الدرع كان إذا سطا

 

نهلت من العلق الرماح وعلت

أشعار له غنى فيها: والذي فيه غناء من مدائح زهير قوله: صوت

أمن أم سلمى عرفت الطلولا

 

بذي حرض ما ثلاثٍ مثولا

بلين وتـحـسـب آياتـهـن

 

على فرط حولين رقاً محيلا

الماثل ها هنا: اللاطىء بالأرض، وفي موضع آخر: المتنصب القائم. وذو حرضٍ: موضعٌ. والحرض: الأشنان. وآياتهن: علاماتهن. وفرط حولين: تقدم حولين، والفارط: المتقدم.

غنى في هذين البيتين إسحاق، وله فيهما لحنان: أحدهما ثاني ثقيلٍ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر، من كتابه. والآخر ما خوريٌ من مجموع غنائه، وروايته عن الهشامي. وفيهما للزبير بن دحمان خفيف ثقيلٍ أول بالبنصر عن عمرو. يقول فيها:

إليك سنان الـغـداة الـرحـي

 

ل أعصي النهاة وأمضي الفؤولا

جمع فأل، أي لا أتطير.

فلا تأمنـي غـزو أفـراسـه

 

بنـي وائلٍ واحـذريه جـديلا

وكيف اتـقـاء امـرئٍ لا يؤو

 

ب بالقوم في الغزو حتى يطيلا

ومن الغناء في مدائح هرم قوله: صوت

قف بالديار التي لم يعفها القدم

 

بلى وغيرها الأرواح والـديم

كأن عيني وقد سال السليل بهم

 

وعبرة ما هم لو أنهـم أمـم

غربٌ على بكرة أو لؤلؤٌ قلقٌ

 

في السلك خان به رباته النظم

الديم: جمع ديمة وهو المطر الذي يدوم يوماً أو يومين مع سكون. سال السليل بهم: أي ساروا فيه سيراً سريعاً. والسليل: وادٍ. وقوله وعبرة ما هم أي هم عبرة ، وما ها هنا صلة. لو أنهم أمم أي قصدٌ كنت أزوهم. والأمم: بين القريب والبعيد. والقلق: الذي لم يستقر لما انقطع الخيط. والنظم: جمعٌ واحدها نظام، شبه دموعه بلؤلؤ انقطع سلكه، وبماء سال من الغرب.

الغناء في هذه الأبيات رملٌ لابن المكي بالوسطى عن عمرو. وذكر عمرو أن لإسحاق فيها لحناً أيضاً. وذكر يونس أن فيها لحناً لمالك.
صوت

لمن الديار بقنة الـحـجـر

 

أقوين مذحججٍ ومـذدهـر

لعب الرياح بها وغـيرهـا

 

بعدي سوافي الريح والقطر

دع ذا وعد القول في هـرمٍ

 

خير الكهول وسيد الحضر

لو كنت من شيءٍ سوى بشرٍ

 

كنت المنور ليلة الـبـدر

القنة: الجبل الذي ليس بمنتشر. أقوين: خلون. والسوافي: ما تسفي الرياح . قال: والقطر مخفوضةٌ بنسقه على الريح ، والقطر لا سوافي له. وهذا تفعله العرب في المجاورة، وهو في مثل قولهم: حجر ضبٍ خربٍ.

غنى في هذه الأبيات سائب خاثر من رواية حماد عن أبيه، ولم يجنسه. وفيه ثقيلٌ أول بالبنصر نسبه عمرو بن بانة إلى معبد، ونسبه غيره إلى سائب، وإلى الأوسية مما ذكر حبشٌ. قال: وهي من قيان الحجاز القدائم مولاةٌ للأوس.
ومنها قوله يمدح سنان بن أبي حارثة: صوت

صحا القلب عن سلمى وقد كاد لا يسلو

 

وأقفر من سلمى التعانيق فالـثـقـل

وقد كنت من سلمى سنـين ثـمـانـياً

 

على صير أمرٍ ما يمر وما يحـلـو

وكنت إذا ما جـئت يومـاً لـحـاجة

 

مضت وأجمت حاجة الغد ما تخلـو

وكل محبٍ أحـدث الـنـأي عـنـده

 

سلو فؤادٍ غير حـبـك مـا يسـلـو

تأوبـنـي ذكـر الأحـبة بـعـدمـا

 

هجعت ودوني قلة الحزن فالـرمـل

فأقسمت جهداً بالمنازل مـن مـنـىً

 

وما سحفت فيه المقاديم والـقـمـل

لأرتحلـن بـالـفـجـر ثـم لأدأبـن

 

إلى الليل إلا أن يعرجنـي طـفـل

وهل ينبت الخـطـي إلا وشـيجـه

 

وتغرس إلا منابـتـهـا الـنـخـل

التعانيق والثقل: موضعان. ويروى: فالنخل. وقوله على صير أمرٍ: أي على شرف أمر. وأجمت: دنت. وتأوبني: أتاني ليلاً. والتأويب: سير يوم إلى الليل. سحفت: حلقت، يقال سحف رأسه وسبته وجلطه: حلقه. وقوله ” يعرجني طفلٌ ” قال يقال الطفل: الليل، ويقال الطفل: مغيب الشمس، وقال أبو عبيدة: الطفل: الحزن، وإيقاده نار التحيير. والخطي: رماحٌ نسبها إلى الخط وهي من جزيرة بالبحرين ترفأ إليها سفن الرماح. والوشيج: القنا واحدها وشيجةٌ. والوشوج: دخول الشيء بعضه في بعض.

غنى إبراهيم الموصلي في الأول والثاني ثقيلاً أول بالبنصر من رواية الهشامي وعمرو. وغنى إبراهيم أيضاً في السادس والسابع والثامن خفيف ثقيلٍ. وفي الثالث لمعبد خفيف ثقيلٍ. ولعلويه في السابع والثامن خفيف رملٍ. وذكر حبشٌ أن لإبراهيم في الثامن لحناً ماخورياً.
ومن الغناء في مدائحه هرماً قوله: صوت

لمن طللٌ برامة لا يريم

 

عفا وأحاله عهدٌ قـديم

تطالعني خيالاتٌ لسلمى

 

كما يتطالع الدين الغريم

غناه دحمان ثاني ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو. وعفا: درس ها هنا، وفي موضع آخر: كثر، وهو من الأضداد. وخيالاتٌ: جمع خيال.

أنشد عمر رضي الله عنه شعراً له في هرم بن سنان فمدحه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة، وقال المهلبي في خبرٍ له عن الأصمعي قال: أنشد عمر بن الخطاب قول زهير في هرم بن سنان يمدحه:

دع ذا وعد القول في هرمٍ

 

خير الكهول وسيد الحضر

 

لو كنت من شيءٍ سوى بشرٍ

 

كنت المنور لـيلة الـبـدر

ولأنت أوصل منح سمعت به

 

لشوابك الأرحام والصهـر

ولنعم حشو الدرع أنـت إذا

 

دعيت نزال ولج في الذعر

وأراك تفري ما خلقت وبـع

 

ض القوم يخلق ثم لا يفري

أثني عليك بما علمـت ومـا

 

أسلفت في النجدات من ذكر

والستر دون الفاحشـات ولا

 

يلقاك دون الخير من ستـر            

فقال عمر: ذلك رسول الله – صلى الله عليه وسلم -.

قال عمر لبعض ولد هرم قد خلد ذكره لكم: قال وقال عمر لبعض ولد هرم: أنشدني بعض مدح زهيرٍ أباك، فأنشده. فقال عمر: إن كان ليحسن فيكم القول. قال: ونحن والله إن كنا لنحسن له العطاء. فقال: قد ذهب ما أعطيتموه وبقي ما أعطاكم.

حلف هرم أن يعطيه كلما لقيه: قال: وبلغني أن هرم كان قد حلف ألا يمدحه زهير إلا أعطاه، ولا يسأله إلا أعطاه، ولا يسلم عليه إلا أعطاه: عبداً أو وليدة أو فرساً. فآستحيا زهيرٌ مما كان يقبل منه، فكان إذا رأه في ملأ قال: عموا صباحاً غير هرمٍ، وخيركم استثنيت. وروى المهلبي: وخيركم تركت.

سأل عمر ابنه عن الحلل التي كساه إياها هرم فأجابه: أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبه قال: قال عمر لابن زهير: ما فعلت الحلل التي كساها هرمٌ أباك؟ قال: أبلاها الدهر. قال: لكن الحلل التي كساها أبوك هرماً لم يبلها الدهر. وقد ذكر الهيثم بن عدي أن عائشة خاطبت بهذه المقالة بعض بنات زهير.

شعر له مدح به هرماً ولم يسبقه إليه أحد: وقال أبو زيد عمر بن شبة: ومما سبق فيه زهير في مدح هرمٍ ولم يسبقه إليه أحد قوله:

قد جعل المبتغون الخير من هرمٍ

 

والسائلون إلى أبوابه طـرقـا

من يلق يوماً على علاته هرمـاً

 

يلق السماحة منه والندى خلقـا

يطلب شأو امرأين قدما حسـبـاً

 

بذا الملوك وبذا هذه السـوقـا

هو الجواد فإن يلحق بشأوهمـا

 

على تكاليفه فمثلـه لـحـقـا

أو يسبقاه على ما كان من مهلٍ

 

فمثل ما قدما من صالح سبقـا

مدح عبد الملك بن مروان شعره في مدح آل أبي حارثة: أخبرني الجوهري والمهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال قال المدائني: قال عبد الملك بن مروان: ما يضر من مدح بما مدح به زهيرٌ آل أبي حارثة من قوله:

على مكثريهم رزق من يعتريهم

 

وعند المقلين السماحة والبـذل

ألا يملك أمور الناس ” يعني الخلافة “. قال ثم قال: ما ترك منهم زهيرٌ غنياً ولا فقيراً إلا وصفه ومدحه.
مدح عثمان بن عفان شعراً له: وقال ابن الأعرابي قال أبو زياد الكلابي: أنشد عثمان بن عفان قول زهير:

ومنهما تكن عند امرئٍ من خليقةٍ

 

وإن خالها تخفى على الناس تعلم

فقال: أحسن زهيرٌ وصدق، لو أن رجلاً دخل بيتاً في جوف بيت لتحدث به الناس. قال وقال النبي – صلى الله عليه وسلم -: ” لا تعمل عملاً تكره أن يتحدث عنك به “.

تمثل عروة بن الزبير ببيت له وقد استخلف به عبد الملك بن مروان: قال وقال علي بن محمد المدائني حدثني ابن جعدويه: أن عروة بن الزبير لحق بعبد الملك بن مروان بعد قتل أخيه عبد الله بن الزبير. فكان إذا دخل إليه منفرداً أكرمه، وإذا دخل عليه وعنده أهل الشام استخف به. فقال له يوماً: يا أمير المؤمنين، بئس المزور أنت، تكرم ضيفك في الخلا، وتهينه في الملا، وقال : لله در زهير حيث يقول:

فقري في بلادك إن قوماً

 

متى يدعوا بلادهم يهونوا

ثم استأذنه في الرجوع إلى المدينة، فقضى حوائجه وأذن له. وهذا البيت من قصيدة لزهير قالها في بني تميم، وقد بلغه أنها حشدت لغزو غطفان؛ أولها:

ألا أبلغ لديك بني تمـيمٍ

 

وقد يأتيك بالخبر الظنون

الظنون: الذي لست منه على ثقة. والظنين: المتهم.
شعره في الحارث بن ورقاء وقد أخذ إبله وغلا: كان الحارث بن ورقاء الصيداوي من بني أسد أغار على بني عبد الله بن غطفان فغنم فاستاق إبل زهير وراعيه يساراً. فقال زهير:

بان الخليط ولم يأووا لمن تركوا

 

وزودوك اشتياقاً أيةً سلـكـوا

وهي طويلة يقول فيها:

لئن حللت بجوٍ في بـنـي أسـدٍ

 

في دين عمرو وحالت بيننا فدك

ليأتينك منـي مـنـطـقٌ قـذعٌ

 

باقٍ كما دنس القبطـية الـودك

فاردد يساراً ولا تعنف عليه ولا

 

تمعك بعرضك إن الغادر المعك

ولا تكونن كأقوامٍ علـمـتـهـم

 

يلوون ما عندهم حتى إذا نهكوا

طابت نفوسهم عن حق خصمهم

 

مخافة الشر وارتدوا لما تركوا

وفي هذه القصيدة مما يغنى فيه: صوت

أهوى لها أسفع الخدين مطـرقٌ

 

ريش القوادم لم ينصب له شرك

وقد أكون أمام الحي تحملـنـي

 

جرداء لا فحجٌ فيها ولا صكك

أهوى لها – يعني القطاة تقدم وصفه إياها – صقرٌ. ورواه الأصمعي: ” هوى لها ” وقال: هوى: انقض، وأهوى: أوفى. ومطرقٌ: ريشه بعضه على بعض ليس بمنتشر، وهو أعتق له. وقوله لم ينصب له شركٌ: أي لم يصطد ولم يذلل. والقوادم: العشر المتقدمات. والفحج: تباعد ما بين الفخذين. والصكك: اصطكاك العرقوبين في الدواب، وفي الناس الركبتين. قال: فلما أنشد الحارث هذا الشعر بعث بالغلام إلى زهير. وقيل: بل أنشد قول زهير:

تعلم أن شر الناس حـيٌ

 

ينادى في شعارهم يسار

ولولا عبسه لرددتمـوه

 

وشر منيحة أيرٌ معـار

إذا جمحت نساؤكم إلـيه

 

أشظ كأنه مسدٌ مغـار

يبربر حين يعدو من بعيدٍ

 

إليها وهو قبقابٌ قطار

فرده عليه. فلامه قومه وقالوا له: اقتله ولا ترسل به إليه، فأبى عليهم. فقال زهير عند ذلك:

أبلغ لديك بني الصيداء كلهـم

 

أن يساراً أتانا غير مغلـول

ولا مهانٍ ولكن عند ذي كرمٍ

 

وفي حبال وفي العهد مأمول

وهي قصيدة. فقال الحارث لقومه: أيما أصلح. ما فعلت أو ما أردتم ؟قالوا: بل ما فعلت.

كان يذكر في شعره بنو غطفان وأحوال بني مرة ويمدحهم: قال ابن الأعرابي وحدثني أبو زياد الكلابي: إن زهيراً وأباه وولده كانوا في بني عبد الله بن غطفان، ومنزلهم اليوم بالحاجر ، وكانوا فيه في الجاهلية. وكان أبو سلمى تزوج إلى رجل من بني فهر بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان يقال له الغدير -والغدير هو أبو بشامة الشاعر – فولدت له زهيراً وأوساً، وولد لزهير من امرأة من بني سحيم. وكان زهير يذكر في شعره بني مرة وغطفان ويمدحهم. وكان زهير في الجاهلية سيداً كثير المال حليماً معروفاً بالورع.

شكا إليه رجل من غطفان بني عليم بن جناب فهجاهم: قال وحدثني حماد الراوية عن سعيد الرواية عن سعيد بن عمرو بن سعيد: أنه بلغه أن زهيراً هجا آل بيتٍ من كلب من بني عليم بن جناب ، وكان بلغه عنهم شيءٌ من وراء وراء ،وكان رجل من بني عبد الله بن غطفان أتى بني عليم ، وأكرموه لما نزل بهم وأحسنوا جواره، وكان رجلاً مولعاً بالقمار فنهوه عنه، فأبى إلا المقامرة. قمر مرةً فردوا عليه، ثم قمر أخرى فردوا عليه، ثم قمر الثالثة فلم يردوا عليه، فترحل عنهم وشكا ما صنع به إلى زهير، والعرب حينئذٍ يتقون الشعراء اتقاءً شديداً. فقال: ما خرجت في ليلة ظلماء إلا خفت أن يصيبني الله بعقوبة لهجائي قوماً ظلمتهم. قال:والذي هجاهم به قوله:

عفا من آل فاطمة الجـواء

 

فيمنٌ فالقوام فالـحـسـاء

فذو هاشٍ فميث عريتنـاتٍ

 

عفتها الريح بعدك والسماء

جرت سنحاً فقلت لها أجيزي

 

نوىً مشمولةً فمتى اللقـاء

كأن أوابد الثـيران فـيهـا

 

هجائن في مغابنها الطـلاء

لقد طالبتها ولـكـل شـيءٍ

 

وإن طالت لجاجته انتهـاء

وقد أغدو على شربٍ كـرامٍ

 

نشاوى واجدين لما نـشـاء

لهم طاسٌ وراووقٌ ومسـكٌ

 

تعل به جلـودهـم ومـاء

الجواء: أرض. ويمنٌ والقوادم: في بلاد غطفان. والميث: جمع ميثاء. قال أبو عمرو: إذا كان مسيل الماء مثل نصف الوادي أو ثلثيه فهي ميثاء. والسماء ها هنا: المطر. والسانح: ما أقبل من شمالك يريد يمينك. والبارح: ضده. وقال أبو عبيدة: سمعت يونس بن حبيب يسأل رؤبة عن السانح والبارح فقال: السانح: ما ولاك ميامنه. والبارح: ما ولاك مشائمه. وأجيزي: انفذي. قال الأصمعي: يقال أجزت الوادي إذ قطعته وخلفته، وجزته: إذا سرت فيه فتجاوزته. والأوابد: الوحشية. والهجائن: إبلٌ بيضٌ. والمغابن: الأرفاغ، واحدها مغبنٌ. ومشمولةٌ: سريعة الانكشاف. أخذه من الريح الشمال إذا كانت مع السحاب لم يلبث أن يذهب . وجعل مشمولة ها هنا في النوى لأن نيتهم كانت سريعة، فأحرى ذلك مجرى الذم، فهذه السنح.

غنى في الأول والثاني والسابع معبدٌ ثقيلاً أول بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق. وذكر علي بن يحيى أن للغريض فيها خفيف ثقيل. وذكر حبشٌ أن فيه للهذلي ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وفي الثالث والرابع مع بيت ليس لزهير أضيف إلى الشعر وهو:

بنفسي من تذكره سقامٌ

 

أعالجه ومطلبه عناء

في هذه الأبيات الثلاثة خفيف ثقيل أول بالوسطى في مجراها، ذكر إسحاق أنه للغريض، وغيره ينسبه إلى ابن سريج وإلى ابن عائشة. وفي الرابع والخامس لعلويه رمل لا يشك فيه من غنائه.

طلب من خاله بشامة وهو يحتضر أن يقسم له من ماله فقال له أورثتك الشعر: وقال ابن الأعرابي حدثني أبو زياد، وذكر بعض هذا الخبر إسحاق الموصلي عن حماد الراوية وعن ابن الكلبي عن أبيه قال: وكان بشامة بن الغدير خال زهير بن أبي سلمى، وكان زهير منقطعاً إليه وكان معجباً بشعره. وكان بشامة رجلاً مقعداً ولم يكن له ولد، وكان مكثراً من المال، ومن أجل ذلك نزل إلى هذا البيت في غطفان لخئولتهم. وكان بشامة أحزم الناس رأياً، وكانت غطفان إذا أرادوا أن يغزوا أتوه فاستشاروه وصدروا عن رأيه، فإذا رجعوا قسموا له مثل ما يقسمون لأفضلهم، فمن أجل ذلك كثر ماله. وكان أسعد غطفان في زمانه. فلما حضره الموت جعل يقسم ماله في أهل بيته وبين بني إخوته. فأتاه زهيرٌ فقال: يا خالاه لو قسمت لي من مالك !! فقال: والله يابن أختي لقد قسمت لك أفضل ذلك وأجزله. قال: وما هو. قال: شعري ورثتنيه، وقد كان زهيرٌ قبل ذلك قال الشعر، وقد كان أول ما قال. فقال له زهير: الشعر شيءٌ ما قلته فكيف تعتد به علي؟ فقال له بشامة: ومن أين جئت بهذا الشعر ! لعلك ترى أنك جئت به من مزينة، وقد علمت العرب أن حصاتها وعين مائها في الشعر لهذا الحي من غطفان ثم لي منهم، وقد رويته عني. وأحذاه نصيباً من ماله ومات.

بشامة خاله شاعر مجيد وشيء من شعره: وبشامة شاعر مجيد وهو الذي يقول: صوت

ألا ترين وقد قطعتني قـطـعـاً

 

ماذا من الفوت بين البخل والجود

إلا يكـن ورقٌ يومـاً أراح بـه

 

للخابطين فإنـي لـين الـعـود

الغناء لإسحاق ثقيلٌ أول بالبنصر، وقيل: إنه لإبراهيم.
طلق زوجته أم أوفى ثم ندم فقال شعراً: قال ابن الأعرابي: أم أوفى التي ذكرها زهيرٌ في شعره كانت امرأته، فولدت منه أولاداً ماتوا، ثم تزوج بعد ذلك امرأةً أخرى، وهي أم ابنيه كعب وبجير؛ فغارت من ذلك وآذته، فطلقها ثم ندم فقال فيها:

لعمرك والخطوب مغيراتٌ

 

وفي طول المعاشرة التقالي

لقد باليت مظعـن أم أوفـى

 

ولكن أم أوفى ما تبـالـي

فأما إذ نأيت فلا تـقـولـي

 

لذي صهرٍ أذلت ولم تذالي

أصبت بني منك ونلت منـي

 

من اللذات والحلل الغوالي

عانت امرأة ابنه سالماً فمات فرثاه: وقال ابن الأعرابي: كان لزهير ابنٌ يقال له سالم، جميل الوجه حسن الشعر. فأهدى رجلٌ إلى زهير بردين ، فلبسهما الفتى وركب فرساً له، فمر بامرأةٍ من العرب بماء يقال له النتاءة ، فقالت: ما رأيت كاليوم قط رجلاً ولا بردين ولا فرساً. فعثر به الفرس فاندقت عنقه وعنق الفرس وأنشق البردان . فقال زهير يرثيه:

رأت رجلاً لاقى من العيش غبطةً

 

وأخطأه فيها الأمور العـظـائم

 

وشب له فيها بنون وتـوبـعـت

 

سلامة أعـوامٍ لـه وغـنــائم

 

فأصبح محبوراً ينظر حولـه

 

بغبطتـه لـو أن ذلـك دائم

وعندي من الأيام ما ليس عنده

 

فقلت تعلم إنما أنت حـالـم

لعلك يوماً أن تراعى بفاجـعٍ

 

كما راعني يوم النتاءة سالـم            

قال ابن الأعرابي: هو وقومه شعراء: كان لزهير في الشعر ما لم يكن لغيره، وكان أبوه شاعراً، وخاله شاعراً، وأخته سلمى شاعرةً، وابناه كعبٌ وبجير شاعرين، وأخته الخنساء شاعرةً، وهي القائلة ترثيه:

وما يغني توقي الموت شيئاً

 

ولا عقد التميم ولا الغضار

– والغضار: كان أحدهم إذا خشي على نفسه يعلق في عنقه خزفاً أخضر –

إذا لاقى منيته فأمـسـى

 

يساق به وقد حق الحذار

ولاقـاه مــن الأيام يومٌ

 

كما من قبل لم يخلد قدار

وابن ابنه المضرب بن كعب بن زهير شاعرٌ، وهو القائل:

إني لأحبس نفسي وهـي صـاديةٌ

 

عن مصعبٍ ولقد بانت لي الطرق

رعوى عليه كما أرعى على هرمٍ

 

جدي زهيرٌ وفينا ذلك الـخـلـق

مدح الملوك وسعيٌ في مسرتهـم

 

ثم الغنى ويد الممدوح تنطـلـق

ما امتاز به شعره وكان سبب تقديمه: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: من قدم زهيراً احتج بأنه كان أحسنهم شعراً، وأبعدهم من سخفٍ، وأجمعهم لكثير من المعاني في قليلٍ من الألفاظ، وأشدهم مبالغةً في المدح، وأكثرهم أمثالاً في شعره.

مرثية ابنه سالم: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن الأصمعي قال: كان لزهير ابنٌ يقال له سالم، وكان من أم كعب بن زهير؛ فمات أو قتل، فجزع عليه كعب جزعاً شديداً، فلامته امرأته وقالت: كأنه لم يصب غيرك من الناس ! فقال:

رأت رجلاً لاقى من العيش غبطةً

 

وأخطأه فيها الأمور العـظـائم

وشب له فيها بنون وتـوبـعـت

 

سلامة أعـوامٍ لـه وغـنــائم

فأصبح محبوراً ينظـر حـولـه

 

بغبـطـتـه لـو أن ذلـك دائم

وعندي من الأيام ما ليس عـنـده

 

فقلت له مهلاً فـإنـك حـالـم

لعلك يوماً أن تراعي بـفـاجـعٍ

 

كما راعني يوم النتـاءة سـالـم

صوت

عزفت ولم تصرم وأنت صـروم

 

وكيف تصابي من يقال حـلـيم

صددت فأطولت الصدود ولا أرى

 

وصالاً على طول الصدود يدوم

عروضه من الطويل. عزفت عن الشيء: إذا تركته وأبته نفسك. قال ابن الأعرابي: يقول لم تصرم صرم بتاتٍ. ولكن صرمت صرم دلالٍ.

وأطولت الصدود أي أطلته. وإنما قال هذا ضرورةً . الشعر للمرار بن سعيد الفقعسي. والغناء لإسحاق رمل.