نسب جميل وأخباره

نسب جميل وأخباره

هو جميل بن عبد الله بن معمر بن الحارث بن ظبيان وقيل ابن معمر بن حن بن ظبيان بن قيس بن جزء بن ربيعة بن حرام بن ضنة بن عبد بن كثير بن عذرة بن سعد وهو هذيم، وسمي بذلك إضافة لاسمه إلى عبدٍ لأبيه يقال له هذيم كان يحضنه فغلب عليه ابن زيد بن سود بن أسلم بن الحاف بن قضاعة. والنسابون مختلفون في قضاعة، فمنهم من يزعم أن قضاعة ابن معد وهو أخو نزار بن معد لأبيه وأمه، وهي معانة بنت جوسم بن جلهمة بن عامر بن عوف بن عدي بن دب بن جرهم، ومنهم من يزعم أنهم من حمير. وقد ذكر جميل ذلك في شعره فانتسب معدياً فقال:

أنا جميلٌ في السنـام مـن مـعـد

 

في الأسرة الحصداء والعيص الأشد

وقال راجز من قضاعة ينسبهم إلى حمير:

قضاعة الأثرون خير معشر

 

قضاعة بن مالك بن حمير

ولهم في هذا أراجيز كثيرةٌ. إلا أن قضاعة اليوم تنسب كلها في حمير، فتزعم أن قضاعة ابن مالك بن مرة بن زيد بن مالك بن حمير بن سبأ بن يشجب بن يعرب بن قحطان. وقال القحذمي: اسم سبأ عامر، وإنما قيل له سبأ لأنه أول من سبى النساء. وكان يقال له عب الشمس، أي عديل الشمس، سمي بذلك لحسنه. ومن زعم من هؤلاء أن قضاعة ليس ابن معد ذكر أن أمه عكبرة امرأة من سبأ كانت تحت مالك بن عمر فمات عنها وهي حامل، فخلفه عليها معد بن عدنان، فولدت قضاعة على فراشه. وقال: مؤرج بن عمرو: هذا قول أحدثوه بعد وصنعوا شعراً ألصقوه به ليصححوا هذا القول، وهو:

يأيها الداعي ادعنـا وأبـشـر

 

وكن قضاعـياً ولا تـنـزر

قضاعة الأثرون خير معشـر

 

قضاعة بن مالك بن حـمـير

النسب المعروف غير المنكر

 

 

قال مؤرج: وهذا شيء قيل في آخر أيام بني أمية. وشعراء قضاعة في الجاهلية والإسلام كلها تنتمي إلى معد. قال جميل:

وأي معدٍّ كان فيء رماحهـم

 

كما قد أفانا والمفاخر منصف

وقال زيادة بن زيد يهجو بني عمه بني عامر رهط هدبة بن خشرم:

وإذا معـدٌّ أوقـدت نـيرانـهـا

 

للمجد أغضت عامرٌ وتضعضعوا

كان راوية هدبة بن خشرم وكان كثير راويته: وجميل شاعر فصيح مقدم جامع للشعر والرواية، كان راوية هدبة بن خشرم، وكان هدبة شاعراً راويةً للحطيئة، وكان الحطيئة شاعراً راوية لزهير وابنه. وقال أبو محلم: آخر من اجتمع له الشعر والرواية كثير، وكان راوية جميل، وجميلٌ راوية هدبة، وهدبة راوية الحطيئة، والحطيئة راوية زهير.

نسب بثينة عشيقته: أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا عيسى بن إسماعيل عن القحذمي قال: كان جميلٌ يهوى بثينة بنت حبأ بن ثعلبة بن الهوذ بن عمرو بن الأحب بن حن بن ربيعة تلتقي هي وجميل في حن من ربيعة في النسب.

كان كثير راويته يقدمه على نفسه: حدثني أبو الحسن أحمد بن محمد الأسدي وهاشم بن محمد أبو دلف الخزاعي قالا حدثنا الرياشي قال حدثنا الأصمعي عن ابن أبي الزناد قال: كان كثير راوية جميل، وكان يقدمه على نفسه ويتخذه إماماً، وإذا سئل عنه قال: وهل علم الله عز وجل ما تسمعون إلا منه! أخبرني محمد بن مزيد عن حماد عن أبيه عن صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية الزبيري قال: كان كثير إذا ذكر له جميلٌ قال: وهل علم الله ما تسمعون إلا منه! مر على جماعة بشعب سلع فاستنشدوه من شعره فأنشدهم فمدحوه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن المسور بن عبد الملك عن نصيب مولى عبد العزيز بن مروان قال: قدمت المدينة فسألت عن أعلم أهلها بالشعر، فقيل لي: الوليد بن سعيد بن أبي سنان الأسلمي، فوجدته بشعب سلع مع عبد الرحمن بن حسان وعبد الرحمن بن أزهر. فإنا لجلوسٌ إذ طلع علينا رجلٌ طويل بين المنكبين طوالٌ يقود راحلةً عليها بزةٌ حسنة. فقال عبد الرحمن بن حسان لعبد الرحمن بن أزهر: يا أبا جبير، هذا جميلٌ، فادعه لعله أن ينشدنا. فصاح به عبد الرحمن: هيا جميل هيا جميل! فالتفت فقال: من هذا؟ فقال: أنا عبد الرحمن بن أزهر. فقال: قد علمت أنه لا يجترىء علي إلا مثلك. فأتاه فقال له أنشدنا، فأنشدهم:

نحن منعنا يوم أولٍ نساءنا

 

ويوم أفيٍّ والأسنة ترعف

ويوم ركابا ذي الجـذاة ووقـعةٍ

 

ببنيان كانت بعض ما قد تسلفـوا

يحب الغواني البيض طل لوائنـا

 

إذا ما أتانا الصارخ المتلـهـف

نسير أمام الناس والناس خلفـنـا

 

فإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

فأي معدٍّ كـان فـيء رمـاحـه

 

كما قد أفأنا والمفاخر ينـصـف

وكنا إذا ما معشرٌ نصبـوا لـنـا

 

ومرت جواري طيرهم وتعيفـوا

وضعنا لهم صاع القصاص رهينةً

 

بما سوف نوفيها إذا الناس طففوا

إذا استبق الأقوام مجداً وجدتـنـا

 

لنا مغرفا مجدٍ وللناس مغـرف

قال: ثم قال له: أنشدنا هزجا. قال: وما الهزج؟ لعله هذا القصير؟ قال نعم، فأنشده – قال الزبير: لم يذكر في هذا الخبر من هذه القصيدة الهزج سوى بيتين، وأنشدنا باقيها بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي – : صوت

رسم دارٍ وقفت في طللـه

 

كدت أقضي الغداة من جلله

موحشاً ما ترى به أحداً تـن

 

تسج الريح ترب معتـدلـه

وصريعاً من الثمـام تـرى

 

عارمات المدب في أسلـه

بين علياء وابـشٍ فـبـلـيٍّ

 

فالغميم الذي إلى جـبـلـه

واقفاً في ديار أم جـسـيرٍ

 

من ضحى يومه إلى أصله

يا خلـيلـي إن أمٍّ جـسـيرٍ

 

حين يدنو الضجيع من غلله

روضةٌ ذات حنوةٍ وخزامى

 

جاد فيها الربيع من سبـلة

بينما هن بـالأراك مـعـاً

 

إذ بدا راكبٌ على جمـلـه

فتأطرن ثـم قـلـن لـهـا

 

أكرميه حييت في نـزلـه

فظللنا بنعـمةٍ واتـكـأنـا

 

وشربنا الحلال من قلـلـه

قد أصون الحديث دون خليلٍ

 

لا أخاف الأذاة من قبـلـه

غير ما بغضةٍ ولا لآجتنـابٍ

 

غير أني ألحت من وجلـه

وخليلٍ صاقبت مرتـضـياً

 

وخليلٍ فارقت من ملـلـه

قال: فأنشده إياها حتى فرغ منها ثم اقتاد راحلته مولياً. فقال ابن الأزهر: هذا أشعر أهل الإسلام. فقال ابن حسان: نعم والله وأشعر أهل الجاهلية، والله ما لأحد منهم مثل هجائه ولا نسيبه. فقال عبد الرحمن بن الأزهر: صدقت.؟ قال نصيب: وأنشدت الوليد فقال لي: أنت أشعر أهل جلدتك، والله ما زاد عليها. فقلت: يا أبا محجن، أفرضيت منه بأن تكون أشعر السودان؟ قال: وددت والله يا بن أخي أنه أعطاني أكثر من هذا، ولكنه لم يفعل، ولست بكاذبك.

كان صادق الصبابة وكان كثير يتقول: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: كان لكثير في النسيب حظٌّ وافر وجميلٌ مقدم عليه وعلى أصحاب النسيب في النسيب، وكان كثير راوية جميل، وكان جميل صادق الصبابة والعشق، ولم يكن كثير بعاشق ولكنه كان يتقول. وكان الناس يستحسنون بيت كثير في النسب:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

 

تمثل لي ليلى بكل سبيل

قال: ورأيت من يفضل عليه بيت جميل:

خليلي فيما عشتما هل رأيتما

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي

قال ابن سلام: وهذا البيت الذي لكثير أخذه من جميل حيث يقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنـمـا

 

تمثل لي ليلى على كل مرقب

عرض الفرزدق لكثير بأنه سرق منه فرد عليه بمثله: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار عن محمد بن إسماعيل عن عبد العزيز بن عمران عن محمد بن عبد العزيز عن أبي شهاب عن طلحة بن عبد الله بن عوف قال: لقي الفرزدق كثيراً بقارعة البلاط وأنا وهو نمشي نزيد المسجد، فقال له الفرزدق: يا أبا صخر، أنت أنسب العرب حين تقول:

أريد لأنسى ذكرها فكأنما

 

تمثل لي ليلى بكل سبيل

يعرض له بسرقته من جميل. فقال له كثير: وأنت يا أبا فراس أفخر الناس حين تقول:

ترى الناس ما سرنا يسيرون خلفنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

قال عبد العزيز: وهذا البيت أيضاً لجميل سرقه الفرزدق فقال الفرزدق لكثير: هل كانت أمك مرت بالبصرة قال: لا! ولكن أبى، فكان نزيلاً لأمك. قال طلحة بن عبد الله. فو الذي نفسي بيده لعجبت من كثير وجوابه، وما رأيت أحداً قط أحمق منه، رأيتني دخلت عليه يوما في نفرٍ من قريش وكنا كثيراً ما نتهزأ به، فقلنا: كيف تجدك يا أبا صخر؟ قال: بخيرٍ، أما سمعتم الناس يقولون شيئاً؟ قلنا: نعم، يتحدثون أنك الدجال. فقال: والله لئن قلتم ذاك إني لأجد في عيني هذه ضعفاً منذ أيام.

كان كثير يفضله على نفسه ويبدأ بإنشاد شعره: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال كتب إلي أبو محمد إسحاق بن إبراهيم يقول حدثني أبو عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: كان أبو صخر كثير صديقاً لي، وكان يأتيني كثيراً، فقلما استنشدته إلا بدأ بجميل وأنشد له ثم أنشد لنفسه، وكان يفضله ويتخذه إماماً.

قال الزبير وكتب إلي إسحاق يقول حدثني صباح بن خاقان عن عبد الله بن معاوية بن عاصم بن المنذر بن الزبير ذكر جميل لكثير، فقالوا: ما تقول فيه؟. فقال: منه علم الله عز وجل.

أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو يحيى الزهري عن إسحاق بن قبيصة الكوفي عن رجل سماه قال: سألت نصيباً: أجميلٌ أنسب أم كثير؟ فقال: أنا سألت كثيراً عن ذاك فقال: وهل وطأ لنا النسيب إلا جميل! قال عمر بن شبة وقال إسحاق حدثني السعيدي عن أبي مالك النهدي قال: جلس إلينا نصيب فذكرنا جميلاً، فقال: ذاك إمام المحبين، وهل هدى الله عز وجل لما ترى إلا بجميل.
أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا دماذ عن أبي عبيدة عن جويرية بن أسماء قال: ما استنشدت كثيراً قط إلا بدأ بجميل وأنشدني له ثم أنشدني بعده لنفسه، وكان يفضله ويتخذه إماماً.

أول عشقه بثينة: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني بهلول بن سليمان بن قرضاب البلوي قال: كان جميل ينسب بأم الجسير، وكان أول ما علق بثينة أنه أقبل يوماً بإبله حتى أوردها وادياً يقال له بغيض، فاضطجع وأرسل إبله مصعدةً، وأهل بثينة بذنب الوادي، فأقبلت بثينة وجارةٌ لها واردتين الماء، فمرتا على فصالٍ له بروكٍ فعرمتهن بثينة – يقول: نفرتهن – وهي إذ ذاك جويريةٌ صغيرة، فسبها جميلٌ، فافترت عليه، فملح إليه سبابها فقال:

وأول ما قاد المودة بينـنـا

 

بوادي بغيضٍ يا بثين سباب

وقلنا لها قولاً فجاءت بمثله

 

لكل كلامٍ يا بثين جـواب

قال الزبير وحدثني محمد بن إسماعيل بن جعفر عن سعيد بن نبيه بن الأسود العذري وكانت بثينة عند أبيه نبيه بن الأسود، وإياه يعني جميلٌ بقوله:

لقد أنكحوا جهلاً نبيهـاً ظـعـينةً

 

لطيفة طي الكشح ذات شوًى خدل

قال الزبير وحدثني أيضاً الأسباط بن عيسى بن عبد الجبار العذري أن جميل بن معمر خرج في يوم عيدٍ والنساء إذ ذاك يتزين ويبدو بعضهن لبعض ويبدون للرجال، وأن جميلاً وقف على بثينة وأختها أم الجسير في نساء من بني الأحب وهن بنات عم عبيد الله بن قطبة أخي أبيه لحاً، فرأى منهن منظراً وأعجبنه وعشق بثينة وقعد معهن، ثم راح وقد كان معه فتيانٌ من بني الأحب، فعلم أن القوم قد عرفوا في نظره حب بثينة ووجدوا عليه، فراح وهو يقول:

عجل الفراق وليته لم يعـجـل

 

وجرت بوادر دمعك المتهلـل

طرباً وشاقك ما لقيت ولم تخف

 

بين الحبيب غداة برقة مجـول

وعرفت أنك حين رحت ولم يكن

 

بعد اليقين وليس ذاك بمشكـل

لن تستطيع إلى بثـينة رجـعةً

 

بعد التفرق دون عامٍ مـقـبـل

قال: وإن بثينة لما أخبرت أن جميلاً قد نسب بها حلفت بالله لا يأتيها على خلاءٍ إلا خرجت إليه وتتوارى منه، فكان يأتيها عند غفلات الرجال فيتحدث إليها ومع أخواتها، حتى نمي إلى رجالها أنه يتحدث إليها إذا خلا منهم، وكانوا أصلافاً غيراً – أو قال غيارى – فرصدوه بجماعةٍ نحوٍ من بضعة عشر رجلاً وجاء على الصهباء ناقته حتى وقف على بثينة وأم الجسير وهما يحدثانه وهو ينشدهما يومئذٍ:

حلفت برب الراقصات إلى منًى

 

هوي القطا يجتزن بطن دفـين

لقد ظن هذا القلب أن ليس لاقياً

 

سليمى ولا أم الجسير لحـين

فليت رجالاً فيك قد نذروا دمي

 

وهموا بقتلي يا بثين لقـونـي

فبينا هو على تلك الحال إذ وثب عليه القوم فرماهم بها فسبقت به وهو يقول

إذا جوع الإثنان جمعا رميتهم

 

بأركانها حتى تخلى سبيلهـا

فكان هذا أول سبب المهاجاة بينه وبين عبد الله بن قطبة.

واعدته بثينة فمنعها أهلها فقرعه نساء الحي، وشعره في ذلك: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن مشيخةٍ من عذرة: أن بثينة واعدت جميلاً أن يلتقيا في بعض المواضع فأتى لوعدها. وجاء أعرابيٌّ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفرٍ متفرقين متوارين في الشجر، وأنا خائف عليكم أن يسلبوا بعض إبلكم، فعرفوا أنه جميلٌ وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيباً سيىء الظن بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها. فقال في ذلك: صوت

أبثين إنك قد ملكت فأسجحـي

 

وخذي بحظك من كريمٍ واصل

فأجبتها في القول بعد تسـتـرٍ

 

حبي بثينة عن وصالك شاغلي

فلرب عارضةٍ علينا وصلـهـا

 

بالجد تخطله بقول الـهـازل

لو كان في صدري كقدر قلامةٍ

 

فضلاً وصلتك أو أتتك رسائلي

الغناء ليحيى المكي ثقيل أول بالوسطى من رواية ابنه أحمد عنه: صوت

ويقلن إنك قد رضيت ببـاطـلٍ

 

منها فهل لك في اجتناب الباطل

ولباطلٌ ممـا أحـب حـديثـه

 

أشهى إلي من البغيض البـاذل

ليزلن عنك هواي ثم يصلنـنـي

 

وإذا هويت فما هـواي بـزائل

الغناء لسليم رملٌ بالوسطى عن عمرو، وذكر في نسخته الثانية أنه ليزيد حوراء. وروى حماد عن أبيه في أخبار ابن سريج أن لابن سريج فيه لحناً ولم يجنسه:

صادت فؤادي يا بثين حبـالـكـم

 

يوم الحجون وأخطأتك حبائلـي

منيتني فلويت مـا مـنـيتـنـي

 

وجعلت عاجل ما وعدت كآجـل

وتثاقلت لما رأت كلفـي بـهـا

 

أحبب إلي بذاك من متـثـاقـل

وأطعت في عواذلاً فهجرتـنـي

 

وعصيت فيك وقد جهدن عواذلي

حاولنني لأبت حبل وصـالـكـم

 

مني ولست وإن جهدن بفاعـل

فرددتهن وقد سبعين بهجـركـم

 

لما سعين له بأفـوق نـاصـل

يعضضن من غيظٍ علي أنامـلاً

 

ووددت لو يعضضن صم جنادل

ويقلن إنـك يا بـثـين بـخـيلةٌ

 

نفسي فداؤك من ضنينٍ بـاخـل

قالوا: وقال جميل في وعد بثينة بالتلاقي وتأخرها قصيدةً أولها:

يا صاح عن بعض الملامة أقصر

 

إن المنى للقـاء أم الـمـسـور

فمما يغنى فيه منها قوله: صوت

وكأن طارقها على علل الكرى

 

والنجم وهناً قد دنا لتـغـور

يستاف ريح مدامةٍ معـجـونةٍ

 

بذكي مسكٍ أو سحيق العنبـر

الغناء لابن جامع ثقيلٌ أول بالبنصر من رواية الهشامي. وذكر عمرو بن بانة أنه لآبن المكي.
ومما يغنى فيه منها قوله: صوت

إني لأحفظ غيبكم ويسـرنـي

 

إذ تذكرين بصالح أن تذكري

ويكون يومٌ لا أرى لك مرسلاً

 

أو نلتقي فيه علي كأشـهـر

يا ليتني ألقى المنـية بـغـتةً

 

إن كان يوم لقائكم لـم يقـدر

أو أستطيع تجلداً عن ذكركـم

 

فيفيق بعض صبابتي وتفكري

الغناء لابن محرز خفيف رمل بالوسطى عن الهشامي. وفيه يقول:

لو قد تجن كما أجن من الهوى

 

لعذرت أو لظلمت إن لم تعذر

والله ما للقلب من علـم بـهـا

 

غير الظنون وغير قول المخبر

لا تحسبي أني هجرتك طائعـاً

 

حدثٌ لعمرك رائعٌ أن تهجري

فلتبكين الـبـاكـيات وإن أبـح

 

يوماً بسرك معلناً لـم أعـذر

يهواك ما عشت الفؤاد فإن أمت

 

يتبع صداي صداك بين الأقبـر

صوت

إني إليك بما وعدت لنـاظـرٌ

 

نظر الفقير إلى الغني المكثر

يعد الديون وليس ينجز موعداً

 

هذا الغريم لنا وليس بمعسر

ما أنت والوعد الذي تعديننـي

 

إلا كبرق سحابةٍ لم تمطـر

قلبي نصحت له فرد نصيحتي

 

فمتى هجرتيه فمنه تكثـري

الغناء في هذه الأبيات لسليم رملٌ عن الهشامي. وفيه قدحٌ طنبوري أظنه لجحظة أو لعلي بن مودة. قالوا: وقال في إخلافها إياها هذا الموعد: صوت

ألا ليت ريعان الشباب جديد

 

ودهراً تولى بها بثين يعود

فنغني كما كنا نكون وأنتـم

 

قريبٌ وإذ ما تبذلين زهيد

ويروى:

ومما لا يزيد بعيد

وهكذا يغنى فيه: الغناء لسليم خفيف ثقيلٍ أول بالوسطى. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة.
صوت

ألا ليت شعري هل أبيتن لـيلةً

 

بوادي القرى إني إذاً لسـعـيد

وهل ألقين فرداً بـثـينة مـرةً

 

تجود لنا من ودهـا ونـجـود

علقت الهوى منها وليداً فلم يزل

 

إلى اليوم ينمي حبـهـا ويزيد

وأفنيت عمري بانتظاري وعدها

 

وأبليت فيها الدهر وهو جـديد

فلا أنا مردودٌ بما جئت طالبـاً

 

ولا حبها فـيمـا يبـيد يبـيد

الغناء لمعبدٍ ثقيلٌ أول بالوسطى. ومما يغنى فيه منها: صوت

وما أنس م الأشياء لا أنس قولها

 

وقد قربت بصرى أمصر تريد

ولا قولها لولا العيون التي ترى

 

لزرتك فاعذرني فدتك جـدود

خليلي ما ألقى من الوجد قاتلي

 

ودمعي بما قلت الغداة شهـيد

يقولون جاهد يا جميل بغـزوةٍ

 

وأي جهـادٍ غـيرهـن أريد

لكل حديثٍ بينـهـن بـشـاشةٌ

 

وكل قتيلٍ عنـدهـن شـهـيد

الغناء للغريض خفيف ثقيلٍ من رواية حماد عن أبيه. وفي هذه القصيدة يقول:

إذا قلت ما بي يا بثـينة قـاتـلـي

 

من الحب قـالـت ثـابـتٌ ويزيد

يا جـمـــيل بـــغـــزوةٍ

 

وأي جـهـادٍ غـيرهـــن أريد

وإن قلت ردي بعض عقلي أعش به

 

مع الناس قالت ذاك منـك بـعـيد

ألا قد أرى واللـه أن رب عـبـرةٍ

 

إذا الدار شطت بينـنـا سـتـرود

إذا فكرت قالت قـد ادركـت وده

 

وما ضرني بخلي فكـيف أجـود

فلو تكشف الأحشاء صودف تحتهـا

 

لبـثـنة حـبٌّ طـارفٌ وتـلـيد

تذكـرينـهـا كـل ريحٍ مـريضةٍ

 

لها بـالـتـلاع الـقـاويات وئيد

وقد تلتقي الأشتات بـعـد تـفـرقٍ

 

وقد تدرك الحاجات وهي بـعـيد

عاتبته بثينة لشعر قاله فيها: أخبرني علي بن صالح قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق قال: لقي جميلٌ بثينة بعد تهاجرٍ كان بينهما طالت مدته، فتعاتبا طويلاً فقالت له: ويحك يا جميل! أتزعم أنك تهواني وأنت الذي تقول:

رمى الله في عيني بثينة بالقذى

 

وفي الغر من أنيابها بالقوادح!

فأطرق طويلاً يبكي ثم قال: بل أنا القائل:

ألا ليت أعمى أصم تقودني

 

بثينة لا يخفى علي كلامها

فقالت له: ويحك! ما حملك على هذه المنى! أو ليس في سعة العافية ما كفانا جميعاً!.

تجسس أبوهما وأخوها كلامه مع بثينة فلم يريا ريبة: قال إسحاق وحدثني أيوب بن عباية قال: سعت أمةٌ لبثينة بها إلى أبيها وأخيها وقالت لهما: إن جميلاً عندها الليلة، فأتياها مشتملين على سيفين، فرأياه جالساً حجرةً منها يحدثها ويشكو إليه بثة، ثم قال لها: يا بثينة، أرأيت ودي إياك وشغفي بك ألا تجزينيه؟ قالت: بماذا؟ قال: بما يكون بين المتحابين. فقالت له: يا جميل، أهذا تبغي! والله لقد كنت عندي بعيداً منه، ولئن عاودت تعريضاً بريبةٍ لا رأيت وجهي أبداً. فضحك وقال: والله ما قلت لك هذا إلا لأعلم ما عندك فيه، ولو علمت أنك تجيبينني إليه لعلمت أنك تجيبين غيري، ولو رأيت منك مساعدةً عليه لضربتك بسيفي هذا ما استمسك في يدي، ولو أطاعتني نفسي لهجرتك هجرة الأبد، أو ما سمعت قولي:

وإني لأرضى من بثينة بـالـذي

 

لو ابصره الواشي لقرت بلابلـه

بلا وبأن لا أستطيع وبالـمـنـى

 

وبالأمل المرجو قد خاب آملـه

وبالنظرة العجلى وبالحول تنقضي

 

أواخره لا نلـتـقـي وأوائلـه

قال فقال أبوها لأخيها: قم بنا، فما ينبغي لنا بعد اليوم أن نمنع هذا الرجل من لقائها، فانصرفا وتركاهما.

قابلها مرة بسعي صديق له: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عناية عن رجل من عذرة قال: كنت ترباً لجميل وكان يألفني، فقال لي ذات يوم: هل تساعدني على لقاء بثينة؟ فمضيت معه، فكمن لي في الوادي وبعث بي إلى راعي بثينة بخاتمه، فدفعته إليه، فمضى به إليها ثم عاد بموعد منها إليه. فلما كان الليل جاءته فتحدثا طويلاً حتى أصبحا ثم ودعها وركب ناقته. فلما استوى في غرزها وهي باركةٌ قالت له: ادن مني يا جميل: صوت

إن المنازل هيجت أطرابـي

 

واستعجمت آياتها بجـوابـي

قفراً تلوح بذي اللجين كأنهـا

 

أنضاء رسمٍ أو سطور كتاب

لما وقفت بها القلوص تبادرت

 

مني الدموع لفرقة الأحبـاب

وذكرت عصراً يا بثينة شاقني

 

وذكرت أيامي وشرخ شبابي

الغناء في هذه الأبيات للهذلي ثاني ثقيلٍ بإطلاق الوتر في مجرى البنصر عن إسحاق.

أرسل كثيراً إلى بثينة ليستجد منها موعداً: أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق الموصلي عن السعيدي، وأخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال حدثنا أبو مالكٍ النهدي قال: جلس إلينا كثير ذات يوم فتذاكرنا جميلاً، فقال: لقيني مرةً فقال لي: من أين أقبلت؟ قلت: من عند أبي الحبيبة أعني بثينة. فقال: وإلى أين تمضي؟ قلت: إلى الحبيبة أعني عزة. فقال: لا بد من أن ترجع عودك على بدئك فتستجد لي موعداً من بثينة. فقلت: عهدي بها الساعة وأنا أستحيي أن أرجع. فقال: لا بد من ذلك. فقلت له: فمتى عهدك ببثينة؟ فقال: في أول الصيد وقد وقعت سحابةٌ بأسفل وادي الدوم فخرجت ومعها جاريةٌ لها تغسل ثيابها، فلما أبصرتني أنكرتني، فضربت بيديها إلى ثوب في الماء فالتحفت به، وعرفتني الجارية، فأعادت الثوب في الماء، وتحدثنا حتى غاب الشمس. وسألتها الموعد فقالت: أهلي سائرون، وما وجدت أحداً آمنه فأرسله إليها. فقال له كثير: فهل لك في أن آتي الحي فأنزع بأبياتٍ من شعرٍ أذكر فيها هذه العلامة إن لم أقدر على الخلوة بها؟ قال: ذلك الصواب، فأرسله إليها، فقال له: انتظرني ثم خرج كثير حتى أناخ بهم. فقال له أبوها: ما ردك؟ قال: ثلاثة أبياتٍ عرضت لي فأحببت أن أعرضها عليك. قال: هاتها. قال كثير: فأنشدته وبثينة تسمع:

فقلت لها يا عز أرسل صاحبـي

 

إليك رسولاً والموكل مرسـل

بأن تجعلي بيني وبينك مـوعـداً

 

وأن تأمريني ما الذي فيه أفعل

وآخر عهدي منك يوم لقيتـنـي

 

بأسفل وادي الدوم والثوب يغسل

قال: فضربت بثينة جانب خدرها وقالت: إخسأ إخسأ! فقال أبوها: مهيم يا بثينة؟ قالت: كلبٌ يأتينا إذا نؤم الناس من وراء الرابية. ثم قالت للجارية:أ ابغينا من الدومات حطباً لنذبح لكثير شاةً ونشويها له. فقال كثير: أنا أعجل من ذلك. وراح إلى جميل فأخبره. فقال له جميل: الموعد الدومات. وقالت لأم الحسين وليلى ونجيا بنات خالتها وكانت قد أنست إليهن واطمأنت بهن: إني قد رأيت في نحو نشيد كثير أن جميلاً معه. وخرج كثير وجميلٌ حتى أتيا الدومات، وجاءت بثينة ومن معها، فما برحوا حتى برق الصبح. فكان كثير يقول: ما رأيت مجلساً قط أحسن من ذلك ولا مثل علم أحدهما بضمير الآخر! ما أدري أيهما كان أفهم! وصف صالح بن حسان بيتاً من شعره: أخبرني محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي، وأخبرني عمي عن الكراني عن العمري عن الهيثم بن عدي قال قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفه أعرابيٌّ في شملة وآخره مخنثٌ من أهل العقيق يتقصف تقصفاً؟ قلت: لا. قال: قد أجلتك حولاً. قلت: لا أدري ما هو! فقال قول جميل:

ألا أيها النوام ويحكم هبوا

كأنه أعرابي في شملة. ثم أدركه ما يدرك العاشق فقال:

أسائلكم هل يقتل الرجل الحب

كأنه من كلام مخنثي العقيق.

أهدر السلطان لأهل بثينة دمه إن لقيها وما كان منه بعد ذلك: أخبرني الحسبن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير بن حرب قال أخبرنا عبد الله بن أبي كريم عن أبي عمرو وإسحاق بن مروان قال: عشق جميلٌ بثينة وهو غلام، فلما بلغ خطبها فمنع منها، فكان يقول فيها الأشعار، حتى اشتهر وطرد، فكان يأتيها سراً ثم تزوجت فكان يزورها في بيت زوجها في الحين خفية إلى أن استعمل دجاجة بن ربعي على وادي القرى فشكوه إليه فتقدم إليه ألا يلم بأبياتها وأهدر دمه لهم إن عاود زيارتها، فاحتبس حينئذ.

أن حدثني أحمد بن عبيد الله بن عمار قال حدثني يعقوب بن إسرائيل مولى المنصور قال حدثنا أحمد بن أبي العلاء قال حدثني إبراهيم الرماح قال حدثنا جابر أبو العلاء التنوخي قال: لما نذر أهل بثينة دم جميل وأهدره لهم السلطان ضاقت الدنيا بجميل، فكان يصعد بالليل على قور رملٍ يتنسم الريح من نحو حي بثينة ويقول:

أيا ريح الشمال أما ترينـي

 

أهيم وأنني بادي النحـول

هبي لي نسمةً من ريح بثنٍ

 

ومني بالهبوب إلى جميل

وقولي يا بثينة حسب نفسي

 

قليلك أو أقل من القلـيل

فإذا بدا وضح الصبح انصرف. وكانت بثينة تقول لجوارٍ من الحي عندها: ويحكن! إني لأسمع أنين جميل من بعض القيران! فيقلن لها: اتقي لها! فهذا شيء يخيله لك الشيطان لا حقيقة له.

تذاكر هو وكثير شعريهما في العشق وبكيا: حدثني أحمد بن عمار قال حدثني يعقوب بن نعيم قال حدثني أحمد بن يعلى قال حدثني سويد بن عصام قال حدثني روح أبو نعيم قال: التقى جميلٌ وكثير فتذاكرا النسيب، فقال كثير: يا جميل، أترى بثينة لم تسمع بقولك:

يقيك جميل كل سوءٍ أمـا لـه

 

لديك حديثٌ أو إلـيك رسـول

وقد قلت في حبي لكم وصبابتي

 

محاسن شعرٍ ذكرهن يطـول

فإن لم يكن قولي رضاك فعلمي

 

هبوب الصبايا بثن كيف أقـول

فما غاب عن عيني خيالك لحظةً

 

ولا زال عنها، والخـيال يزول

فقال جميل: أترى عزة قد حال يا كثير لم تسمع بقولك:

يقول العدا يا عز قد حال دونـكـم

 

شجاعٌ على ظهر الطريق مصمم

فقلت لها والله لو كـان دونـكـم

 

جهنم ما راعت فؤادي جـهـنـم

وكيف يروع القلـب يا عـز رائعٌ

 

ووجهك في الظلماء للسفر معلـم

وما ظلمتك النفس يا عز في الهوى

 

فلا تنقمي حبي فما فيه مـنـقـم

قال: فبكيا قطعةً من الليل ثم انصرفا.

واعد بثينة وعرف ذلك أهلها فلم تذهب: وقال الهيثم بن عدي ومن ذكر روايته معه من أصحابه: زار جميلٌ بثينة ذات يومٍ، فنزل قريباً من الماء يترصد أمةً لها أو راعية، فلم يكن نزوله بعيداً من ورود أمة حبشية معها قربةٌ، وكانت به عارفةً وبما بينها وبينه. فسلمت عليه وجلست معه، وجعل يحدثها ويسألها عن أخبار بثينة ويحدثها بخبره بعدها ويحملها رسائله. ثم أعطاها خاتمه وسألها دفعه إلى بثينة وأخذ موعدٍ عليها، ففعلت وانصرفت إلى أهلها وقد أبطأت عليهم. فلقيها أبو بثينة وزوجها وأخوها فسألوها عما أبطأ بها، فالتوت عليهم ولم تخبرهم وتعللت، فضربوها ضرباً مبرحاً، فأعلمتهم حالها مع جميل ودفعت إليهم خاتمه. ومر بها في تلك الحال فتيان من بني عذرة فسمعا القصة كلها وعرفا الموضع الذي فيه جميل، فأحبا أن يثبطا عنه فقالا للقوم: إنكم إن لقيتم جميلاً وليست بثينة معه ثم قتلتموه لزمكم في ذلك كل مكروه، وأهل بثينة أعز عذرة، فدعوا الأمة توصل خاتمه إلى بثينة، فإذا زارها بيتموهما جميعاً، قالوا: صدقتما لعمري إن هذا الرأي. فدفعوا الخاتم إلى الأمة وأمروها بإيصاله وحذروها أن تخبر بثنية بأنهم علموا القصة، ففعلت. ولم تعلم بثينة بما جرى. ومضى الفتيان فأنذرا جميلاً، فقال: والله ما أرهبهم، وإن في كنانتي ثلاثين سهماً والله لا أخطأ كل واحد منها رجلاً منهم، وهذا سيفي والله ما أنا به رعش اليد ولا جبان الجنان. فناشداه الله وقالا: البقية أصلح، فتقيم عندنا في بيوتنا حتى يهدأ الطلب، ثم نبعث إليها فتزورك وتقضي من لقائها وطراً وتنصرف سليماً غير مؤبن. فقال أما الآن فابعثا إليها من ينذرها، فأتياه براعيةٍ لهما وقالا له: قل بحاجتك، فقال: ادخلي إليها وقولي لها: إني أردت اقتناص ظبي فحذره ذلك جماعةٌ اعتوروه من القناص ففاتني الليلة. فمضت فأعلمتها ما قال لها، فعرفت قصته وبحثت عنها فعرفتها، فلم تخرج لزيارته تلك الليلة ورصدوها فلم تبرح مكانها ومضوا يقتصون أثره فرأوا بعر ناقته فعرفوا أنه قد فاتهم، فقال جميل في ذلك:

خليلي عوجا اليوم حتى تسلـمـا

 

على عذبة الأنياب طيبة النشـر

ألما بها ثم اشفعا لي وسـلـمـا

 

عليها سقاها الله من سبل القطر

إذا ما دنت زدت اشتياقاً وإن نأت

 

جرعت لنأي الدار منها وللبعـد

أبى القلب إلا حب بثنة لـم يرد

 

سواها وحب القلب بثنة لا يجدي

قال: وقال أيضاً: ومن الناس من يضيف هذه الأبيات إلى هذه القصيدة، وفيها أبياتٌ معادة القوافي تدل على أنها مفردةٌ عنها، وهي:

ألم تسأل الدار القديمة هل لها

 

بأم جسيرٍ بعد عهدك من عهد

وفيها يقول: صوت

سلى الركب هل عجنا لمغنـاك مـرةً

 

صدور المطايا وهي موقرةٌ تـخـدي

وهل فاضت العين الشروق بـمـائهـا

 

من اجلك حتى اخضل من دمعها بردي

الغناء لأحمد بن المكي ثاني ثقيلٍ بالوسطى:

وإني لأستجري لك الطير جـاهـداً

 

لتجري بيمنٍ من لقائك من سـعـد

وإني لأستبكي إذا الركـب غـردوا

 

بذكراك أن يحيا بك الركب إذ يخدي

فهل تجزيني أم عـمـرٍو بـودهـا

 

فإن الذي أخفي بها فوق مـا أبـدي

وكل محبٍّ لـم يزد فـوق جـهـده

 

وقد زدتها في الحب مني على الجهد

قصته مع أم منظور وقد أبت عليه أن تريه إياها: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم وغيره وبهلول بن سليمان البلوي: أن رهط بثينة ائتمنوا عليها عجوزاً منهم يثقون بها يقال لها أم منظور. فجاءها جميل فقال لها: يا أم منظور، أريني بثينة. فقالت: لا! والله لا أفعل، قد ائتمنوني عليها. فقال: أما والله لأضرنك، فقالت: المضرة والله في أن أريكها. فخرج من عندها وهو يقول:

ما أنس لا أنس منها نظرةً سلفت

 

بالحجر يوم جلتها أم منـظـور

ولا انسلابتها خرساً جبـائرهـا

 

إلي من ساقط الأوراق مستور

قال: فما كان إلا قليلٌ حتى انتهى إليهم هذان البيتان. قال: فتعلقوا بأم منظور فحلفت لهم بكل يمينٍ فلم يقبلوا منها. هكذا ذكر الزبير بن بكار في خبر أم منظور، وقد ذكر فيه غير ذلك.
استدعى مصعب أم منظور وسألها عن قصتها مع جميل وبثينة: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثنا أحمد بن الهيثم بن فراس قال حدثني العمري عن الهيثم بن عدي، وأخبرني به ابن أبي الأزهر عن حماد عن أبيه عن الهيثم بن عدي: أن رجلاً أنشد مصعب بن الزبير قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرةً سلفت

 

بالحجر يوم جلتها أم منـظـور

فقال: لوددت أني عرفت كيف جلتها. فقيل له: إن أم منظور هذه حية. فكتب في حملها إليه مكرمة فحملت إليه. فقال لها: أخبريني عن قول جميل:

ما أنس لا أنس منها نظرةً سلفت

 

بالحجر يوم جلتها أم منـظـور

كيف كانت هذه الجلوة؟ قالت: ألبستها قلادة بلح ومخنقة بلح واسطتها تفاحةٌ، وضفرت شعرها وجعلت في فرقها شيئاً من الخلوق. ومر بنا جميلٌ راكباً ناقته فجعل ينظر إليها بمؤخر عينه ويلتفت إليها حتى غاب عنا. فقال لها مصعب: فإني أقسم عليك إلا جلوت عائشة بنت طلحة مثل ما جلوت بثينة، ففعلت: وركب مصعبٌ ناقته وأقبل عليهما وجعل ينظر إلى عائشة بمؤخر عينه ويسير حتى غاب عنهما ثم رجع.

زارها مرة متنكراً في زي سائل: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني بهلول عن بعض مشايخه: أن جميلاً جاء إلى بثنية ليلةً وقد أخذ ثياب راعٍ لبعض الحي، فوجد عندها ضيفاناً لها، فانتبذ ناحيةً، فسألته: من أنت، فقال: مسكينٌ مكاتب، فجلس وحده، فعشت ضيفانها وعشته وحده. ثم جلست هي وجاريةٌ لها على صلائهما واضطجع القوم منتحين. فقال جميلٌ: واعدته مرة وأحس أهلها فمنعوها فقال في ذلك شعراً:

هل البائس المقرور دانٍ فمصطلٍ

 

من النار أو معطًى لحافاً فلابس

فقالت لجاريتها: صوت جميلٍ والله! اذهبي فانظري! فرجعت إليها فقالت: هو والله جميل! فشهقت شهقةً سمعها القوم فأقبلوا يجرون وقالوا مالك؟ فطرحت برداً لها من حبرةٍ في النار وقالت: احترق بردي، فرجع القوم. وأرسلت جاريتها إلى جميل، فجاءتها به، فحبسته عندها ثلاث ليالٍ، ثم سلم عليها وخرج.

وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: كانت بثينة قد واعدت جميلاً للالتقاء في بعض المواضع، فأتى لوعدها. وجاء أعرابيٌ يستضيف القوم فأنزلوه وقروه، فقال لهم: إني قد رأيت في بطن هذا الوادي ثلاثة نفرٍ متفرقين متوارين في الشجر وأنا خائفٌ عليكم أن يسلوا بعض إبلكم. فعرفوا أنه جميلٌ وصاحباه، فحرسوا بثينة ومنعوها من الوفاء بوعده. فلما أسفر له الصبح انصرف كئيباً سيء الظن بها ورجع إلى أهله، فجعل نساء الحي يقرعنه بذلك ويقلن له: إنما حصلت منها على الباطل والكذب والغدر، وغيرها أولى بوصلك منها، كما أن غيرك يحظى بها، فقال في ذلك:

أبثين إنك قد ملك فأسجـحـي

 

وخذي بحظك من كريم واصل

صوت

فلرب عارضةٍ علينا وصلهـا

 

بالجد تخلطه بقول الـهـازل

فأجبتها بالقول بعـد تـسـتـرٍ

 

حبي بثينة عن وصالك شاغلي

لو كان في قلبي كقدر قـلامةٍ

 

فضلاً وصلتك أو أتتك رسائلي

الغناء ليحيى المكي ثقيلٌ أول بالوسطى من رواية أحمد:

ويقلن أنك قد رضيت ببـاطـلٍ

 

منها فهل لك في اجتناب الباطل

ولباطلٌ ممـن أحـب حـديثـه

 

أشهى إلي من البغيض البـاذل

الغناء لسليم رملٌ بالوسطى عن عمرو. وذكر عمر أنه ليزيد حوراء.

قصته مع بثينة وقد علم زوجها بمقامه معها وما قيل في ذلك من الشعر: وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه أن جماعةً من بني عذرة حدثوا أن جميلاً رصد بثينة ذات ليلةٍ في نجعةٍ لهم، حتى إذا صادف منها خلوةً سكر ودنا منها وذلك في ليلةٍ ظلماء ذات غيم وريح ورعد، فحذفها بحصاةٍ فأصابت بعض أترابها، ففزعت وقالت: والله ما حذفني في هذا الوقت بحصاةٍ إلا الجن! فقالت لها بثينة وقد فطنت: إن جميلاً فعل ذلك فانصرفي ناحيةً إلى منزلك حتى ننام، فانصرفت وبقيت مع بثينة أم الجسير وأم منظور، فقامت إلى جميل فأدخلته الخباء معها وتحدثا طويلاً، ثم اضطجع إلى جنبه فذهب النوم بهما حتى أصبحا وجاءها غلام زوجها بصبوح من اللبن بعث به إليها، فرآها نائمةً مع جميل، فمضى لوجهه حتى خبر سيده. ورأته ليلى والصبوح معه وقد عرفت خبر جميلٍ وبثينة فاستوقفته كأنها تسأله عن حاله وبعثت بجارية لها وقالت حذري بثينة وجميلاً، فجاءت الجارية فنبهتهما. فلما تبينت بثينة الصبح قد أضاء والناس منتشرين ارتاعت وقالت: يا جميل! نفسك نفسك! فقد جاءني غلام نبيهٍ بصبوحي من اللبن فرآنا نائمين! فقال لها جميل وهو غير مكترثٍ لما خوفته منه:

لعمرك ما خوفتني من مـخـافةٍ

 

بثين ولا حذرتني موضع الحـذر

فأقسم لا يلقى لـي الـيوم غـرةٌ

 

وفي الكف مني صارمٌ قاطعٌ ذكر

فأقسمت عليه أن يلقى نفسه تحت النضد وقالت: إنما أسألك ذلك خوفاً على نفسي من الفضيحة لا خوفاً عليك، ففعل ذلك ونامت كما كانت، واضطجعت أم الجسير إلى جانبها وذهبت خادم ليلى إليها فأخبرتها الخبر فتركت العبد يمضي إلى سيده فمضى والصبوح معه وقال له: إني رأيت بثينة مضطجعة وجميلٌ إلى جانبها. فجاء نبيه إلى أخيها وأبيها بأيديهما وعرفهما الخبر وجاءوا بأجمعهم إلى بثينة وهي نائمة فكشفوا عنها الثوب فإذا أم الجسير إلى جانبها نائمة. فخجل زوجها وسب عبده وقالت ليلى لأخيها وأبيها: قبحكما الله! أفي كل يوم تفضحان فتاتكما ويلقاكما هذا الأعور فيها بكل قبيح! قبحه الله وإياكما! وجعلا يسبان زوجها ويقولان له كل قول قبيح. وأقام جميلٌ عند بثينة حتى أجنه الليل ثم ودعها وانصرف. وحذرتهم بثينة لما جرى من لقائه إياها فتحامته مدةً، فقال في ذلك: صوت

أأن هتفت ورقاء ظلـت سـفـاهةً

 

تبكي على جملٍ لورقاء تهـتـف

فلو كان لي بالصرم يا صاح طـاقةٌ

 

صرمت ولكني عن الصرم أضعف

للهذلي في هذين البيتين لحنان أحدهما ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق، والآخر خفيف ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو، وذكر غيره لابن جامع. وفيه لبذل الكبرى خفيف ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر عن أحمد بن المكي. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة قوله: صوت

لها في سواد القلـب بـالـحـب مـيعةٌ

 

هي الموت أو كادت على الموت تشرف

وما ذكرتك الـنـفـس يا بـثـن مـرةً

 

من الدهر إلا كادت النفـس تـتـلـف

وإلا اعترتـنـي زفـرةٌ واسـتـكـانةٌ

 

وجاد لها سجـلٌ مـن الـدمـع يذرف

وما استطرفت نفسـي حـديثـاً لـخـلةٍ

 

أسـر بـه إلا حـديثـك أطـــرف

الغناء لإبراهيم ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي. وأول هذه القصيدة:

أمن منزلٍ قفرٍ تعـفـت رسـومـه

 

شمالٌ تغاديه ونكـبـاء حـرجـف

فأصبح قفراً بعـد مـا كـان آهـلاً

 

وجمل المنى تشتو بـه وتـصـيف

ظللت ومستنٌ من الدمـع هـامـلٌ

 

من العين لما عجت بالـدار ينـزف

أمنصفتي جملٌ فـتـعـدل بـينـنـا

 

إذا حكمت والحاكم العدل ينـصـف

تعلقتها والجسم مـنـي مـصـحـحٌ

 

فما زال ينمي حب جملٍ وأضعـف

إلى اليوم حتى سل جسمي وشفـنـي

 

وأنكرت من نفسي الذي كنت أعرف

قناةٌ من المران ما فوق حـقـوهـا

 

وما تحته منها نـقـاً يتـقـصـف

لها مـقـلـتـا ريم وجـيد جـدايةٍ

 

وكشحٌ كطي الـسـابـرية أهـيف

ولست بناسٍ أهلها حـين أقـبـلـوا

 

وجالوا علينا بالسـيوف وطـوفـوا

وقالوا جميلٌ بات في الحي عنـدهـا

 

وقد جردوا أسيافهـم ثـم وقـفـوا

وفي البيت ليث الغاب لولا مـخـافةٌ

 

على نفس جملٍ والإله لأرعـفـوا

هممت وقد كادت مراراً تطلـعـت

 

إلى حربهم نفسي وفي الكف مرهف

وما سرني غير الذي كان مـنـهـم

 

ومني وقد جاءوا إلـي وأوجـفـوا

فكم مرتجٍ أمـراً أتـيح لـه الـردى

 

ومن خائفٍ لم ينتقصه الـتـخـوف          

له بيتٍ كان نصفه أعرابي ونصفه مخنث: حدثني عمي قال حدثنا الكراني قال حدثنا العمري، وأخبرنا محمد بن العباس اليزيدي قال حدثنا الخليل بن أسد قال حدثنا العمري عن الهيثم بن عدي قال، قال لي صالح بن حسان: هل تعرف بيتاً نصفه أعرابيٌّ في شملة وآخره مخنث يتفكك من مخنثي العقيق؟ فقلت: لا أدري. قال: قد أجلتك فيه حولاً. فقلت: لو أجلتني حولين ما علمت. قال: قول جميل:

ألا أيها النوام ويحكم هبوا

هذا أعرابيٌّ في شملة. ثم قال:

نسائلكم هل يقتل الرجل الحب

كأنه والله من مخنثي العقيق. في هذا الشعر غناء، نسبته وشرحه: صوت

ألا أيها النوام ويحـكـم هـبـوا

 

نسائلكم هل يقتل الرجل الحـب

ألا رب ركبٍ قد دفعت وجيفهـم

 

إليك ولولا أنت لم يوجف الركب

الغناء لابن محرز خفيف رملٍ بالسبابة والوسطى عن يحيى المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد. وفيه لسليم ما خوريٌّ عن الهشامي. وفيه لمالك ثاني ثقيلٍ بالسبابة في مجرى الوسطى عن إسحاق، وقيل: إنه لمعبد. وفيه لعريب هزجٌ من رواية ابن المعتز. وذكر عبد الله بن موسى أن لحن مالك من الثقيل الأول وأن خفيف الرمل لابن سريج وأن الهزج لحمدونه بنت الرشيد.

جفا بثينة لما علقت حجنة الهلالي: أخبرنا الحسين بن يحيى المرداسي قال أخبرنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب ابن عباية المحرزي عن شيخ من رهط جميلٍ من عذرة: أن بثينة لما علقت حجنة الهلالي جفاها جميلٌ. قال: وأنشدني لجميلٍ في ذلك: صوت

بينا حبالٌ ذات عـقـدٍ لـبـثـنةٍ

 

أتيح لها بعض الغواة فحلـهـا

فعدنا كأنا لم يكن بينـنـا هـوًى

 

وصار الذي حل الحبال هوًى لها

وقالوا نراها يا جميل تـبـدلـت

 

وغيرها الواشي فقلت لعلـهـا

الغناء للهذلي خفيف ثقيلٍ مطلق في مجرى الوسطى. وذكره إسحاق في هذه الطريقة والإصبع ولم ينسبه إلى أحد.

تمثل إفريقي بشعر له يعرض فيه بفتى من آل عثمان: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثنا أبو عوف عن عبد الرحمن بن مقرن قال: بعثني المنصور لأبتاع له جاريةً من المدينة وقال لي: اعمل برأي ابن نفيس، فكنت أفعل ذلك، وأغشى ابنه، وكانت له جارية مغنية قد كلف بها فتًى من آل عثمان بن عفان، فكان يبيع عقدةً عقدة من ماله وينفق ثمنها عليها. وابتلي برجل من أهل إفريقية ومعه ابن له، فغشي ابن الإفريقي بيت ابن نفيس فجعل يكسو الجارية وأهلها ويبرهم حتى حظي عندهم وغلب عليهم وتثاقلوا العثماني. فقضي أن اجتمعنا عشيةً عندها وحضر ابن الإفريقي والعثماني، فنزع ابن الإفريقي خفه فتناثر المسك منه، وأراد العثماني أن يكيده بفعله. فجلسنا ساعةً، فقال لها ابن الإفريقي: غني:

بينا حبالٌ ذات عقدٍ لبـثـنةٍ

 

أتيح لها بعض الغواة فحلها

يعرض بالعثماني. فقال لها العثماني: لا حاجة لنا في هذا، ولكن غني:

ومن يرع نجداً يلفني قد رعيتـه

 

بجنيته الأولى ويورد على وردي

قال: فنكس ابن الإفريقي رأسه وخرج العثماني فذهب، وخمد أهل البيت فما انتفعوا بقية يومهم.

شعره حين زوجت بثينة نبيهاً: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي وبهلول بن سليمان البلوي: أن جميلاً قال لما زوجت بثينة نبيهاً: صوت

ألا ناد عيراً من بثينة ترتـعـي

 

نودع على شحط النوى ونـودع

وحثوا على جمع الركاب وقربوا

 

جمالاً ونوقاً جلةً لم تضعضـع

في هذين البيتين رملٌ لابن سريج عن الهشامي. ومما يغنى فيه من هذه القصيدة: صوت

أعيذك بالرحمن من عيشٍ شقـوةٍ

 

وأن تطمعي يوماً إلى غير مطمع

إذا ما ابن معلونٍ تحدر رشـحـه

 

عليك فموتي بعد ذلـك أودعـي

مللن ولم أملل وما كنت سـائمـاً

 

لأجمال سعدى ما أنخن بجعجـع

وحثوا على جمع الركاب وقربوا

 

جمالاً ونوقاً جلةً لم تضعضـع

ألا قد أرى إلا بثينة هـا هـنـا

 

لنا بعد ذا المصطاف والمتربع

لمعبد في الثالث والرابع من هذه الأبيات ثقيلٌ أول بالخنصر في مجرى الوسطى عن إسحاق. ولابن سريج في الأول والثاني والخامس خفيف رملٍ بالبنصر عن عمرو. وللأبجر في الأول والخامس والثالث والرابع رملٌ بالبنصر. وفي الأول والثاني خفيف ثقيلٍ ينسب إلى معبد وغيره، ولم تعرف صحته من جهةٍ يوثق بها.

شعره لما أبعده السلطان عن بثينة: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال أنشدنا بهلول بن سليمان لجميل لما بعد عن بثينة وخاف السلطان، وكان بهلولٌ يعجب به:

ألا قد أرى إلا بثينة لـلـقـلـب

 

بوادي بداً لا بحسمى ولا الشغب

ولا ببصاقٍ قد تيممت فاعتـرف

 

لما أنت لاقٍ أو تنكب عن الركب

أفي كل يومٍ أنت محدث صبـوةٍ

 

تموت لها بدلت غيرك من قلـب

حديث عبد الملك معها عن عشق جميل لها: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا أبي عن يعقوب بن محمد الزهري عن سليمان بن صخر الحرشي قال حدثنا سليمان بن زياد الثقفي: أن بثينة دخلت على عبد الملك بن مروان. فرأى امرأةً خلفاء مولية، فقال لها: ما الذي رأى فيك جميلٌ؟. قالت: الذي رأى فيك الناس حين استخلفوك: فضحك عبد الملك حتى بدت له سنٌّ سوداء كان يسترها.

شعره في جمله جديل: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم العويثي: أن جمل جميلٍ الذي كان يزور عليه بثينة يقال له جديل وفيه يقول:

أنخب جديلاً عند بثنة لـيلةً

 

ويوماً أطال الله رغم جديل

أليس مناخ النضو يوماً وليلةً

 

لبثنة فيما بيننا بـقـلـيل؟

مهاجاته قومها بنى الأحب وإهدار السلطان لهم دمه: أخبرني هاشم بن محمد الخزاعي قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني أبو غسان محمد بن يحيى المكي: أن جميلاً لما اشتهرت بثينة بحبه إياها اعترضه عبيد الله بن قطبة أحد بني الأحب وهو من رهطها الأدنين فهجاه، وبلغ ذلك جميلاً فأجابه، وتطاولا فغلبه جميل وكف عن ابن قطبة، واعترضه عمير بن رمل رجلٌ من بني الأحب فهجاه. وإياه عنى جميلٌ بقوله:

إذا الناس هابوا خزيةً ذهبت بهـا

 

أحب المخازي كهلها وولـيدهـا

لعمر عجوزٍ طرقت بك إنـنـي

 

عمير بن رملٍ لابن حربٍ أقودها

بنفسي فلا تقطع فـؤداك ضـلةً

 

كذلك حزني وعثها وصعودهـا

قال: فاستعدوا عليه عامر بن ربعي بن دجاجة، وكانت إليه بلاد عذرة، وقالوا: يهجونا ويغشى بيوتنا وينسب بنسائنا! فأباحهم دمه، وطلب فهرب منه. وغضبت بثينة لهجائه أهلها جميعاً. فقال جميل:

وما صائبٌ من نابلٍ قذفـت بـه

 

يدٌ وممر العـقـدتـين وثـيق

له من خوافي النسر حمٌّ نظـائرٌ

 

ونصلٌ كنصل الزاعبي فـتـيق

على نبعةٍ زوراء أما خطامـهـا

 

فمتنٌ وأما عودهـا فـعـتـيق

بأوشك قتلاً منك يوم رميتـنـي

 

نوافذ لم تظهر لـهـن خـروق

تفرق أهلانا بثـين فـمـنـهـم

 

فريقٌ أقاموا استـمـر فـريق

فلو كنت خواراً لقد باح مضمري

 

ولكنني صلب القـنـاة عـريق

كأن لم نحارب يا بثين لـو انـه

 

تكشف غماها وأنـت صـديق

قال ويدل على طلب عامر بن ربعي إياه قوله:

أضر بأخفاف البغلية أنهـا

 

حذار ابن ربعي بهن رجوم

لما أهدر دمه هرب إلى اليمن ثم رجع بعد عزل عامر إلى الشأم: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن عبد الله الحزنبل الأصبهاني قال حدثني عمرو بن أبي عمرو الشيباني عن أبيه قال حدثني بعض رواة عذرة: أن السلطان أهدر دم جميل لرهط بثينة إن وجدوه قد غشي دورهم. فحذرهم مدة، ثم وجدوه عندها، فأعذروا إليه وتوعدوه وكرهوا أن ينشب بينهم وبين قومه حربٌ في دمه، وكان قومه أعز من قومها، فأعادوا شكواه إلى السلطان، فطلبه طلباً شديداً، فهرب إلى اليمن فأقام بها مدة. وأنشدني له في ذلك:

ألم خيالٌ من بثـينة طـارق

 

على النأي مشتاقٌ إلي وشائق

سرت من تلاع الحجر حتى تخلصت

 

إلي ودوني الأشعـرون وغـافـق

كأن فتيت المسك خالط نـشـرهـا

 

تغل به أردانـهـا والـمـرافـق

تقوم إذا قامت به عن فـراشـهـا

 

ويغدو به من حضنها من تعـانـق

قال أبو عمرو وحدثني هذا العذري: أن جميلاً لم يزل باليمن حتى عزل ذلك الوالي عنهم، وانتجعوا ناحية الشام فرحل إليهم. قال: فلقيته فسألته عما أحدث بعدي، فأنشدني:

سقى منزلينا يا بثين بـحـاجـرٍ

 

على الهجر منا صيفٌ وربـيع

ودورك يا ليلى وإن كن بعـدنـا

 

بلين بلىً لم تبـلـهـن ربـوع

وخيماتك اللاتي بمنعرج اللـوى

 

لقمريها بالمشرقـين سـجـيع

تزعزع منها الريح كل عـشـيةٍ

 

هزيمٌ بسلاف الـرياح رجـيع

وإني أن يعلى بك اللوم أو تـري

 

بدار أذًى من شامتٍ لـجـزوع

وإني على الشيء الذي يلتوى به

 

وإن زجرتني زجـرةً لـو ريع

فقدتك من نفسٍ شعاعٍ فـإنـنـي

 

نهيتك عن هذا وأنـت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت

 

هناك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

يقولون صبٌّ بالغواني مـوكـلٌ

 

وهل ذاك من فعل الرجال بديع!

وقالوا رعيت اللهو والمال ضائعٌ

 

فكالناس فيهم صالحٌ ومـضـيع

الغناء لصالح بن الرشيد رمل بالوسطى عن الهشامي وابن خرداذبه وإبراهيم. وذكر حبشٌ أن في هذه الأبيات لإسحاق لحناً من الثقيل بالوسطى، ولم يذكر هذا أحد غيره ولا سمعناه ولا قرأناه إلا في كتابه. ومن الناس من يدخل هذه الأبيات في قصيدة المجنون التي على روي وقافية هذه القصيدة، وليست له.

أنشد كثير من شعره وقال هو أشعر الناس: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني عمر بن أبي بكر المؤملي عن أبي عبيدة عن أبيه قال: دخل علينا كثير يوماً وقد أخذ بطرف ريطته وألقى طرفها الآخر وهو يقول: هو والله أشعر الناس حيث يقول:

وخبرتمانـي أن تـيمـاء مـنـزلٌ

 

لليلى إذا ما الصيف ألقى المراسـيا

فهذي شهور الصيف عني قد انقضت

 

فما للنوى ترمي بليلى الـمـرامـيا

ويجر ربطته حتى يبلغ إلينا، ثم يولي عنا ويجرها ويقول: هو والله أشعر الناس حيث يقول:

وأنت التي إن شئت كدرت عيشتي

 

وإن شئت بعد الله أنعمت بـالـيا

وأنت التي ما من صديق ولا عداً

 

يرى نضو ما أبقيت إلا رثى لـيا

ثم يرجع إلينا ويقول: هو والله أشعر الناس. فقلنا: من تعني يا أبا صخر؟ فقال: ومن أعني سوى جميل! هو والله أشعر الناس حيث يقول هذا! وتيماء خاصةً. منزلٌ لبنى عذرة، وليس من منازل عامر، وإنما يرويه عن المجنون من لا يعلمه.
وفي هذه القصيدة يقول جميل:

وما زلتم يا بثن حتى لـو أنـنـي

 

من الشوق أستبكي الحمام بكى ليا

إذا خدرت رجلي وقيل شفاؤهـا

 

دعاء حبيبٍ كنـت أنـت دعـائيا

وما زادني النأي المفرق بعدكـم

 

ولا كثرة الناهـين إلا تـمـاديا

ألم تلعمي يا عذبة الريق أنـنـي

 

أظل إذا لم ألق وجهـك صـاديا

لقد خفت أن ألقى المنية بـغـتةً

 

وفي النفس حاجاتٌ إليك كما هيا

أخبرنا الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير قال حدثنا بعض أصحابنا عن محمد بن معن الغفاري عن الأصبغ بن عبد العزيز قال: كنت عند طلحة بن عبد الله بن عوف، فدخل عليه كثير، فلما دخل من الباب أخذ برجله فثناها ثم حجل حتى بلغ الفراش وهو يقول: جميلٌ والله أشعر العرب حيث يقول:

وخبرتماني أن تيماء منزل

ثم ذكر باقي الخبر الذي رواه محمد بن مزيد.
يوم ذي ضال: أخبرني الحرمي قال حدثني الزبير قال حدثني عمر بن إبراهيم السعدي. أن رهط بثينة قالوا إنما يتبع جميلٌ أمةً لنا. فواعد جميلٌ بثينة حين لقيها ببرقاء ذي ضال، فتحاثا ليلاً طويلاً حتى أسحرا. ثم قال لها: هل لك أن ترقدي؟ قالت: ما شئت، وأنا خائفةٌ أن نكون قد أصبحنا. فوسدها جانبه ثم اضطجعا ونامت، فانسل واستوى على راحلته فذهب، وأصبحت في مضجعها، فلم يرع الحي إلا بها راقدةً عند مناخ راحلة جميل. فقال جميل في ذلك:

فمن يك في حبي بثينة يمتري

 

فبرقاء ذي علـي شـهـيد

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن شبيب عن الحزامي عن فليح بن إسماعيل بمثل هذه القصة، وزاد فيها: فلما انتبهت بثينة علمت ما أراده جميل بها، فهجرته وآلت ألا تظهر له، فقال:

ألا هل إلى إلـمـامةٍ أن ألـمـهـا

 

بثينة يوماً فـي الـحـياة سـبـيل؟

فإن هي قالت لا سبيل فقـل لـهـا

 

عناءٌ على العذري مـنـك طـويل

على حينٍ يسلو الناس عن طلب الصبا

 

وينسى اتباع الوصل منـه خـلـيل

شكاه أهلها إلى قومه فلاموه، وشعره في ذلك: وقال الهيثم وأصحابه في أخبارهم: تشكى زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميل بها. فوجهوا إلى جميل وأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم فيه وتوعدوه، وأتاهم فلامه أهله وعنفوه وقالوا: إنا نستحلف إليهم ونتبرأ منك ومن جريرتك. فأقام مذة لا يلم بها، ثم لقي ابني عمه روقاً ومسعوداً، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله:

وإني على الشيء الذي يلتوى به

 

وإن زجرتني زجـرةً لـوريع

فقدتك من نفسٍ شعاعٍ فإنـنـي

 

نهيتك عن هذا وأنت جـمـيع

فقربت لي غير القريب وأشرفت

 

هناك ثنايا ما لـهـن طـلـوع

يقولون صبٌّ بالغواني مـوكـلٌ

 

وهل ذاك من فعل الرجال بديع

وقالوا رعيت اللهو والمال ضائعٌ

 

فكالناس فيهم صالحٌ ومـضـيع

تمثل محمد بن عبد الله بن حسن بشعره لزوجته: أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال حدثني مصعب بن عبد الله قال: كانت تحت محمد بن عبد الله بن حسن امرأة من ولد الزبير يقال لها فليحة، وكانت لها صبيةٌ يقال لها رخية، قد ربتها لغير رشدة، وكانت من أجمل النساء وجهاً. فرأت محمداً وقد نظر إليها ذات يوم نظراً شديداً، ثم تمثل قول جميل:

بثنية من صنفٍ يقلبن أيدي الرم

 

اة وما يحملن قوساً ولا نـبـلا

ولكنما يظفرن بالصيد كـلـمـا

 

جلون الثنايا الغر والأعين النجلا

يخالسن ميعاداً يرعن لقولـهـا

 

إذا نطقت كانت مقالتها فصـلا

يرين قريباً بيتها وهي لا تـرى

 

سوى بيتها بيتاً قريباً ولا سهـلا

فقالت له فليحة: كأنك تريد رخية! قال: إي والله! قالت: إني أخشى أن تجيء منك بولد وهي لغير رشدة. فقال لها: إن الدنس لا يلحق الأعقاب ولا يضر الأحساب. فقالت له: فما يضر إذاً! والله ما يضر إلا الأعقاب والأحساب، وقد وهبتها لك. فسر بذلك وقال: أما والله لقد أعطيتك خيراً منها. قالت: وما هو؟ قال: أبيات جميلٍ التي أنشدتها إياها، لقد مكثت أسعى في طلبها حولين. فضحكت وقالت: ما لي ولأبيات جميلٍ! والله ما ابتغيت إلا مسرتك. قال: فولدت منه غلاماً. وكانت فليحة تدعو الله ألا يبقيه. فبينا محمدٌ في بعض هربه من المنصور والجارية وابنها معه إذ رهقهما الطلب، فسقط الصبي من الجبل فتقطع. فكان محمد بعد ذلك يقول: أجيب في هذا الصبي دعاء فليحة.

نصح أبوه فرد عليه رداً أبكاه وأبكى الحاضرين، وشعره في ذلك: وقال الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم: لما نذر أهل بثينة دم جميل وأباحهم السلطان قتله، أعذروا إلى أهله. وكانت منازلهم متجاورة، إنما هم بيوتاتٌ يفترقون كما يفترق البطون والأفخاذ والقبائل غير متباعدين، ألم تر إلى قول جميل:

أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهـلـهـا

 

وأهلي قريبٌ موسعون أولو فضل

فمشت مشيخة الحي إلى أبيه – وكان يلقب صباحاً وكان ذا مالٍ وفضل وقدر في أهله – فشكوه إليه وناشدوه الله والرحم وسألوه كف ابنه عما يتعرض له ويفضحهم به في فتاتهم، فوعدهم كفه ومنعه ما استطاع، ثم انصرفوا. فدعا به فقال له: يا بني! حتى متى أنت عمهٌ في ظلالك، لا تأنف من أن تتعلق بذات بعل يخلو بها وينكحها وأنت عنها بمعزل ثم تقوم من تحته إليك فتغرك بخداعها وتريك الصفاء والمودة وهي مضمرةٌ لبعلها ما تضمره الحرة لمن ملكها، فيكون قولها لك تعليلاً وغروراً، فإذا انصرفت عنها عادت إلى بعلها على حالتها المبذولة، إن هذا لذلٌ وضيمٌ! ما أعرف أخيب سهماً ولا أضيع عمراً منك. فأنشدك الله إلا كففت وتأملت أمرك، فإنك تعلم أن ما قلته حقٌّ، ولو كان إليها سبيلٌ لبذلت ما أملكه فيها، ولكن هذا أمر قد فات واستبد به من قدر له، وفي النساء عوضٌ. فقال له جميل: الرأي ما رأيت، والقول كما قلت، فهل رأيت قبلي أحداً قدر أن يدفع عن قلبه هواه، أو ملك أن يسلي نفسه، أو استطاع أن يدفع ما قضي عليه! والله لو قدرت أن أمحو ذكرها من قلبي أو أزيل شخصها عن عيني لفعلت، ولكن لا سبيل إلى ذلك، وإنما هو بلاءٌ بليت به لحينٍ قد أتيح لي، وأنا أمتنع من طروق هذا الحي والإلمام بهم ولو مت كمداً، وهذا جهدي ومبلغ ما أقدر عليه. وقام وهو يبكي، فبكى أبوه ومن حضر جزعاً لما رأوا منه. فذلك حين يقول جميل: صوت

ألا من لقلبٍ لا يمـل فـيذهـل

 

أفق فالتعزي عن بثينة أجمـل

سلا كل ذي ودٍّ علمت مكـانـه

 

وأنت بها حتى الممات موكـل

فما هكذا أحببت من كان قبلهـا

 

ولا هكذا فيما مضى كنت تفعل

الغناء لمالك ثقيلٌ أول بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق

فيا قلب دع ذكري بـثـينة إنـهـا

 

وإن كنت تهواها تضن وتـبـخـل

وقد أيأست من نيلها وتجـهـمـت

 

ولليأس إن لم يقدر النـيل أمـثـل

وإلا فسلها نـائلاً قـبـل بـينـهـا

 

وأبخل بها مسؤولةً حيت تـسـأل

وكيف ترجي وصلها بعد بعـدهـا

 

وقد جد حبل الوصل ممن تـؤمـل

وإن التي أحببت قد حـيل دونـهـا

 

فكن حازماً والحازم المـتـحـول

ففي اليأس ما يسلي وفي الناس خلةٌ

 

وفي الأرض عمن لا يواتيك معزل

بدا كلفٌ مني بها فـتـثـاقـلـت

 

وما لا يرى من غائب الوجد أفضل

هبيني بـريئاً نـلـتـه بـظـلامةٍ

 

عفاها لكم أو مذنـبـاً يتـنـصـل

قناةٌ من المران ما فوق حقـوهـا

 

وما تحته منـهـا نـقـاً يتـهـيل

قال وقال أيضاً في هذه الحال.
صوت

أعن ظعن الحي الألى كنت تسأل

 

بليلٍ فردوا عيرهم وتحمـلـوا

فأمسوا وهم أهل الديار وأصبحوا

 

ومن أهلها الغربان بالدار تحجل

في هذين البيتين لسياطٍ خفيف رملٍ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق. وفيه لآبن جامع ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو

على حين ولى الأمر عنا وأسمحت

 

عصا البين وانبت الرجاء المؤمل

فما هو إلا أن أهـيم بـذكـرهـا

 

ويحظى بجدواها سـواي ويجـذل

وقد أبقت الأيام مني على الـعـدا

 

حساماً إذا مس الصريبة يفصـل

ولست كمن إن سيم ضيماً أطاعـه

 

ولا كامرىءٍ إن عضه الدهر ينكل

لعمري لقد أبدى لي البين صفحـه

 

وبين لي ما شئت لو كنت أعقـل

وآخر عهدي من بثـينة نـظـرةٌ

 

على موقف كادت من البين تقتـل

فلله عينا من رأى مـثـل حـاجةٍ

 

كتمتكها والنفس منها تمـلـمـل

وإني لأستبكي إذا ذكـر الـهـوى

 

إليك وإني مـن هـواك لأوجـل

نظرت ببشرٍ نظرةً ظلت أمتـري

 

بها عبرةً والعين بالدمع تكـحـل

إذا ما كررت الطرف نحـوك رده

 

من البعد فياضٌ من الدمع يهمـل

ودع بثينة حين خروجه من الشأم: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن أيوب بن عباية قال: لما أراد جميلٌ الخروج إلى الشأم، هجم ليلاً على بثينة وقد وجد غفلةً. فقالت له: أهلكتني والله وأهلكت نفسك! ويحك! أما تخاف! فقال لها: هذا وجهي إلى الشأم، إنما جئتك مودعاً. فحادثها طويلاً ثم ودعها، وقال: يا بثينة، ما أرانا نلتقي بعد هذا، وبكيا طويلاً. ثم قال لها وهو يبكي:

ألا لا أبالي جفوة الناس ما بدا

 

لنا منك رأيٌ يا بثين جمـيل

وما لم تطيعي كاشحاً أو تبدلي

 

بنا بدلاً أو كان منك ذهـول

وإني وتكراري الزيارة نحوكم

 

بثين بذي هجرٍ بثين يطـول

وإن صباباتي بكم لـكـثـيرةٌ

 

بثين ونسيانـيكـم لـقـلـيل

أمره مروان وأمر جواس بن قطبة بالحداء لمدحه فقالا شعراً في الفخر: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء قال حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني شيوخٌ من عذرة: أن مروان بن الحكم خرج مسافراً في نفرٍ من قريش ومعه جميل بن معمر وجواس بن قطبة أخو عبيد الله بن قطبة. فقال مروان لجواس: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جواس وقال:

يقول أميري هل تسوق ركابـنـا

 

فقلت له حـادٍ لـهـن سـوائيا

تكرمت عن سوق المطي ولم يكن

 

سياق المطي همتـي ورجـائيا

جعلت أبي رهناً وعرضي سادراً

 

إلى أهل بيت لم يكونوا كـفـائيا

إلى شر بيتٍ من قضاعة منصبـا

 

وفي شر قومٍ منهم قـد بـدالـيا

فقال مروان: اركب لا ركبت! ثم قال لجميل: انزل فارجز بنا، وهو يريد أن يمدحه. فنزل جميل فقال:

أنا جميلٌ في السنام الأعـظـم

 

الفارع الناس الأعـز الأكـرم

أحمي ذماري ووجدت أقرمـي

 

كانوا على غارب طودٍ خضرم

أعيا على الناس فلـم يهـدم

 

 

فقال: عد عن هذا. فقال جميل:

لهفا على البيت المعدي لهفا

 

من بعد ما كان قد استكفـا

ولو دعا الله ومد الـكـفـا

 

لرجفت منه الجبال رجفـا

فقال له اركب لا ركبت! أمره الوليد بالحداء ليمدحه فقال شعراً في الفخر، ولم يمدح أحداً قط: قال الزبير وحدثني عمر بن أبي بكر المؤملي قال: كان جميلٌ مع الوليد بن عبد الملك في سفر والوليد على نجيب، فرجز به مكين العذري فقال:

يا بكر هل تعلم من علاكا

 

خليفة الله علـى ذراكـا

فقال الوليد لجميل: انزل فارجز، وظن الوليد أنه يمدحه. فنزل فقال:

أنا جميلٌ في السنام من مـعـد

 

في الذروة العلياء والركن الأشد

والبيت من سعد بن زيد والعـدد

 

ما يبتغي الأعداء مني ولـقـد

أضري بالشتم لسـانـي ومـرد

 

أقود من شئت وصعبٌ لم أقـد

فقال له الوليد: اركب لا حملك الله! قال: وما مدح جميل أحداً قط.
هدده الحزين الديلي فهجاه: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا يونس بن عبد الله بن سالم قال: وقف جميلٌ على الحزين الديلي والحزين ينشد الناس. فقال له الحزين وهو لا يعرفه: كيف تسمع شعري؟ قال: صالحٌ وسط. فغضب الحزين وقال له: ممن أنت؟ فو الله لأهجونك وعشيرتك! فقال جميل: إذا تندم. فأقبل الحزين يهمهم يريد هجاءه. فقال جميل:

الديل أذناب بكرٍ حين تنسبهـم

 

وكل قومٍ لهم من قومهم ذنب

فقامت له بنو الديل وناشدوه الله إلا كف عنهم، ولم يزالوا به حتى أمسك وانصرف.
راجز جواس بن قطبة حين ذكر أخته فغلبه: أخبرني الحرمي ومحمد بن مزيد – واللفظ له – قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثني محمد بن الضحاك عن أبيه قال: لما هاجى عبيد الله بن قطبة جميلاً واستعلى عليه جميلٌ، أعرض عنه، واعترضه أخوه جواس بن قطبة فهجاه وذكر أختاً لجميل. وكان جميل قبل ذلك يحتقره ولا ينصب له، حتى هجا أخته فقال فيهما ذكرها به من شعره:

إلى فخذيها العبلتين وكانتا

 

بعهدي لفاوين أردفتا ثقلا

فغضب جميلٌ حينئذ فواعده للمراجزة. قال الزبير فحدثني بعض آل العباس بن سهل بن سعد عن عباس قال: قدمت من عند عبد الملك بن مروان وقد أجازني وكساني برداً، كان ذلك البرد أفضل جائزتي، فنزلت وادي القرى فوافقت الجمعة بها فاستخرجت بردي الذي من عند عبد الملك وقلت أصلي مع الناس، فلقيني جميلٌ، وكان صديقاً لي، فسلم بعضا على بعضٍ وتساءلنا ثم افترقنا. فلما أمسيت إذا هو قد أتاني في رحلي فقال: البرد الذي رأيته عليك تعيرنيه حتى أتجمل به، فإن بيني وبين جواس مراجزةً، وتحضر فتسمع. قال قلت: لا! بل هو لك كسوة، فكسوته إياه، وقلت لأصحابي: ما من شيء أحب إلي من أن أسمع مراجزتهما. فلما أصبحنا جعل الأعاريب يأتون أرسالاً حتى اجتمع منهم بشرٌ كثيرٌ، وحضرت وأصحابي، فإذا بجميل قد جاء وعليه حلتان ما رأيت مثلهما على أحد قط، وإذا بردي الذي كسوته إياه قد جعله جلاًّ لجمله، فتراجزا فرجز جميل، وكانت بثينة تكنى أم عبد الملك، فقال:

يا أم عبد الملك اصرمـينـي

 

فبيني صرمى أوصـلـينـي

أبكي وما يدريك ما يبكـينـي

 

أبكي حذار أن تفـارقـينـي

وتجعلي أبعد مـنـي دونـي

 

إن بني عمـك أوعـدونـي

إن يقطعوا رأسي إذا لقونـي

 

ويقتلـونـي ثـم لا يدونـي

كلا ورب البيت لو لقـونـي

 

شفعاً ووتراً لتـواكـلـونـي

قد علـم الأعـداء أن دونـي

 

ضرباً كإيزاغ المخاض الجون

ألا أسب القوم إذ سـبـونـي

 

بلى وما مر عـلـي دفـين

وسابحاتٍ بلوي الـحـجـون

 

قد جربوني ثم جـربـونـي

حتى إذا شابـوا وشـيبـونـي

 

أخزاهم اللـه ولا يخـزينـي

أشباه أعيارٍ عـلـى مـعـين

 

أحسن حـس أسـدٍ حـرون

فهن يضرطن مـن الـيقـين

 

أنا جميلٌ فـتـعـرفـونـي

وما تقنعت فـتـنـكـرونـي

 

وما أعينكم لـتـسـألـونـي

أنمى إلـى عـاديةٍ طـحـون

 

ينشق عنها السيل ذو الشؤون

غمرٌ يدق رجـح الـسـفـين

 

ذو حدبٍ إذا يرى حـجـون

تنحل أحقاد الرجـال دونـي

 

 

قال: ورجز جميل أيضاً:

أنا جميلٌ في السنام من معد

وقد تقدمت هذه الأرجوزة. ثم رجز بعده جواسٌ فلم يصنع شيئاً. قال: فما رأيت غلبةً مثلها قط.
هجا خواتا العذري وبني الأحب: أخبرنا الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا بهلول بن سليمان عن العلاء بن سعيد البلوي وجماعةٍ غيره من قومه: أن رجلاً من بني عذرة كان يقال له خواتٌ، أمه بلوية، وكان شاعراً، وكان جميل ابن جذامية. فخرج جميل إلى أخواله بجذام وهو يقول:

جذام سيوف الله في كل مـوطـنٍ

 

إذا أزمـت يوم الـلـقـاء أزام

هم منعوا ما بين مصر فذي القرى

 

إلى الشأم من حـلٍّ بـه وحـرام

بضربٍ يزيل الهام عن سكنـاتـه

 

وطعنٍ كإيزاغ المخـاض تـؤام

إذا قصرت يوماً أكـف قـبـيلةٍ

 

عن المجد نالـتـه أكـف جـذام

فأعطوه مائة بكرة. قال: وخرج خواتٌ إلى أخواله من بلي وهو يقول:

إن بلياً غـرةٌ يهـتـدى بـهـا

 

كما يهتدي الساري بمطلع النجم

هم ولدوا أمي وكنت ابن أختهم

 

ولم أتخول جذم قومٍ بلا عـلـم

قال: فأعطوه مائة غرة ما بين فرس إلى وليدة، ففخر على صاحبه، وذكر أن الغرة الواحدة مما أتى به مما معه تعدل كل شيء أتى به جميل. فقال عبيد الله بن قطبة:

ستقضي بيننا حكماء سعـدٍ

 

أقطبة كان خيراً أم صباح

قال: وكان عبد الله بن معمر أبو جميلٍ يلقب صباحاً. وكان عبيد الله بن قطبة يلقب حماظا. فقال النخار العذري أحد بني الحارث بن سعد: قطبة كان خيراً من صباح. فقال جميل يهجو بني الأحب رهط قطبة ويهجو النخار:

إن أحب سفـلٌ أشـرار

 

حثالةٌ عودهـم خـوار

أذل قومٍ حين يدعى الجار

 

كما أذل الحارث النخار

وقال الأبيرق العتبي: قطبة كان خيراً من صباحٌ. فقال جميل:

يا بن الأبيرق وطبٌ بت مسنـده

 

إلى وسادك من حم الذرى جون

وأكلتان إذا ما شئت مرتـفـقـاً

 

بالسير من نغل الدفين مدهـون

أذكر وأمك مني حين تنكبني

 

جني فيغلب جني كل مجنون

وقال جماعةٌ من شعراء سعد بن تفضيل قطبة على صباح أقوالاً أجابهم عنها جميل فأفحمهم، حتى قال له جعفر بن سراقة أحد بني قرة:

نحن منعنا ذا القرى من عدونـا

 

وعذرة إذ نلقى يهوداً ويعشـرا

منعناه من عليا مـعـدٍّ وأنـتـم

 

سفاسيف روحٍ بين قرح وخيبرا

فريقان رهبانٌ بأسفل ذي القرى

 

وبالشأم عرافون فيمن تنصـرا

فلما بلغت جميلاً اتقاه وعلم أنه سيعلو عليه، فقال جميل:

بني عامرٍ أنى انتجعتم وكـنـتـم

 

إذا حصل الأقوام كالخصية الفرد

فأنتم ولأيٌ موضع الذل حجـرةً

 

وقرة أولى بالعلاء وبالـمـجـد

فأعرض عنه جعفر قال الزبير: بنو عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد رهط هدبة بن خشرم بن كرز بن أبي حية بن الكاهن وهو سلمة بن أسحم بن عامر بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن سعد هذيم بن زيد. وزيادة ابن زيد بن مالك بن عامر بن قرة بن خنبس بن عمرو بن ثعلبة بن عبد الله بن ذبيان بن الحارث بن سعد هذيم. ولأي بن عبد مناة بن الحارث بن سعد هذيم قال: فدخل جميل على هدبة بن خشرم السجن وهو محبوسٌ بدم زيادة بن زيد، وأهدى له بردين من ثياب كساه إياهما سعيد بن العاصي، وجاءه بنفقةٍ، فلما دخل عليه عرض ذلك عليه، فقال هدبة: أنت يا بن قميئةٍ الذي تقول:

بني عامرٍ أنى انتجعتم وكنتـم

 

إذا عدد الأقوام كالخصية الفرد

أما والله لئن خلص الله لي ساقي لأمدن لك مضمارك، خذ برديك ونفقتك. فخرج جميل، فلما بلغ باب السجن خارجاً قال: اللهم أغن عني أجدع بني عامر! وكانت بنو عامر قد قلوا فحالفوا لأياً.

لقي عمر بن أبي ربيعة وتناشدا الشعر وفضله على نفسه: أخبرني الحرمي بن أبي العلاء ومحمد بن مزيد بن أبي الأزهر قالا حدثنا الزبير بن بكار قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم المخزومي قال حدثني شيخ من أهلي عن أبيه عن الحارث مولى هشام بن المغيرة الذي يقول له عمر بن أبي ربيعة:

يا أبا الحارث قلبي طائرٌ

قال: شهدت عمر بن أبي ربيعة وجميل بن عبد الله بن معمر وقد اجتمعا بالأبطح، فأنشد جميلٌ قصيدته:

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي

 

بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

يقولون مهلاً يا جـمـيل وإنـنـي

 

لأقسم ما بي من بثينة من مـهـل

أحلماً فقبـل الـيوم كـان أوانـه

 

أم اخشى فقبل اليوم أوعدت بالقتل

لقد أنكحوا حربي نبيهـاً ظـعـينةً

 

لطيفة طي البطن ذات شوًى خدل

وكم قد رأينا سـاعـياً بـنـمـيمةٍ

 

لآخر لم يعمد بـكـفٍّ ولا رجـل

إاذ ما تراجعنا الذي كان بـينـنـا

 

جرى الدمع من عيني بثينة بالكحل

صوت

كلانا بكى أو كاد يبـكـي صـبـابةً

 

إلى إلفه واستعجلت عبرةً قـبـلـي

فلو تركت عقلي معي ما طلبـتـهـا

 

ولكن طلابيها لما فات من عقـلـي

فيا ويح نفسي حسب نفسي الذي بهـا

 

ويا ويح أهلي ما أصيب به أهـلـي

وقالت لأترابٍ لـهـا لا زعـانـفٍ

 

قصارٍ ولا كس الثنـايا ولا ثـعـل

إذا حميت شمس النهار اتـقـينـهـا

 

بأكسية الديباج والخز ذي الخـمـل

تداعين فاستعجمن مشياً بذي الغضـا

 

دبيب القطا الكدري في الدمث السهل

إذا ارتعن أو فزعن قمن حـوالـهـا

 

قيام بنات الماء في جانب الضـحـل

أجـدي لا ألـقـى بـثـينة مــرةً

 

من الدهر إلا خائفاً أو علـى رجـل

خليلي فيما عشتمـا هـل رأيتـمـا

 

قتيلاً بكى من حب قاتلـه قـبـلـي

قال: وأنشده عمر قوله:

جرى ناصحٌ بالود بيني وبـينـهـا

 

فقربني يوم الحصاب إلى قتلـي

فما أنس م الأشياء أنس موقـفـي

 

وموقفها وهناً بقارعة الـنـخـل

فلما تواقفنا عرفت الـذي بـهـا

 

كمثل الذي بي حذوك النعل بالنعل

فقلن لها هذا عشـاءٌ وأهـلـنـا

 

قريبٌ ألما تسأمي مركب البغـل

فقالت فما شئتن قلن لهـا انـزلـي

 

فللأرض خيرٌ من وقوفٍ على رحل

فأقبلن أمثال الدمى فاكتـنـفـنـهـا

 

وكلٌّ يفـدي بـالـمـودة والأهـل

نجومٌ دراريٌّ تـكـنـفـن صـورةً

 

من البدر وافت غير هوجٍ ولا ثجل

فسلمت واستأنسـت خـيفة أن يرى

 

عدوٌّ مكاني أو يرى كاشحٌ فعـلـي

فقالت وألقت جانب السـتـر إنـمـا

 

معي فتحدث غير ذي رقبةٍ أهلـي

فقلت لها ما بي لهم مـن تـرقـبٍ

 

ولكن سري ليس يحملـه مـثـلـي

فلما اقتصرنا دونـهـن حـديثـنـا

 

وهن طبيباتٌ بحاجة ذي الـتـبـل

عرفن الذي نهوى فقلن ائذني لـنـا

 

نطف ساعةً في برد ليلٍ وفي سهل

فقالت فلا تلبثن قـلـن تـحـدثـي

 

أتيناك وانسبن انسياب مها الـرمـل

وقمن وقد أفهمن ذا الـلـب أنـمـا

 

أتين الذي يأتين من ذاك من أجلـي          

فقال جميلٌ: هيهات يا أبا الخطاب: لا أقول والله مثل هذا سجيس الليالي! وما خاطب النساء مخاطبتك أحد، وقام مشمراً.
نسبة ما في هذا الخبر من الأغاني صوت

خليلي فيما عشتما هـل رأيتـمـا

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قبـلـي

أبيت مع الهلاك ضيفاً لأهلـهـا

 

وأهلي قريبٌ موسعون ذوو فضل

فلو تركت عقلي معي ما طلبتهـا

 

ولكن طلابيها لما فات من عقلي

الغناء للغريض ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو. وذكر حماد والهشامي أن فيه لنافع الخير مولى عبد الله بن جعفر لحناً من الثقيل الأول.
ومنها: صوت

ألا أيها البيت الذي حـيل دونـه

 

بنا أنت من بيتٍ وأهلك من أهل

ثلاثة أبـياتٍ فـبـيتٌ أحـبـه

 

وبيتان ليسا من هواي ولا شكلي

كلانا بكى أو كاد يبكي صبـابةً

 

إلى إلفه واستعجلت عبرةً قبلي

الغناء لإسحاق خفيف ثقيل الثاني بالبنصر.
ومنها: صوت

لقد فرح الواشون أن صرمت حبلي

 

بثينة أو أبدت لنا جانب الـبـخـل

يقولون مهلاً يا جـمـيل وإنـنـي

 

لأقسم ما بي عن بثنية من مـهـل

الغناء لابن محرز من كتاب يونس ولم يجنسه، وذكر إسحاق أنه مما ينسب إلى ابن محرز وابن مسجح، ولم يصح عنده لأيهما هو ولا ذكر طريقته.

غنى نافع الخير يزيد بن معاوية من شعره: أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه قال حدثني غير واحد من الرواة عن صالح بن حسان قال أخبرني نافعٌ مولى عبد الله بن جعفر – وما رأيت أحداً قط كان أشكل ظرفاً ولا أزين في مجلسٍ ولا أحسن غناءً منه – قال: قدمنا مع عبد الله بن جعفر مرة على معاوية، فأرسل إلي يزيد يدعوني ليلاً، فقلت: أكره أن يعلم أمير المؤمنين مكاني عندك فيشكوني إلى ابن جعفر. قال فامهل حتى إذا سمر أمير المؤمنين فإن ابن جعفر يكون معه فلا يفتقدك ونخلو نحن بما نريد قبل قيامهما. فأتيته فغنيته، فو الله ما رأيت فتًى أشرف أريحيةً منه، والله لألقى علي من الكسا الخز والوشي وغيره ما لم أستطع حمله، ثم أمر لي بخمسمائة دينار. قال: وذهب بنا الحديث وما كنا فيه، حتى قام معاوية ونهض ابن جعفر معه، وكان باب يزيد في سقيفة معاوية، فسمع صوتي، فقال لابن جعفر: ما هذا يا بن جعفر؟ قال: هذا والله صوت نافع. فدخل علينا، فلما أحس بن يزيد تناوم. فقال له معاوية: ما لك يا بني؟ قال: صدعت فرجوت أن يسكن عني بصوت هذا. قال: فتبسم معاوية وقال: يا نافع، ما كان أغنانا عن قدومك! فقال له ابن جعفر: يا أمير المؤمنين، إن هذا في بعض الأحايين يذكي القلب. قال: فضحك معاويةٌ وانصرف. فقال لي ابن جعفر: ويلك! هل شرب شيئاً؟ قلت: لا والله. قال: والله إني لأرجو أن يكون من فتيان بني عبد مناف الذين ينتفع بهم. قال نافع: ثم قدمنا على يزيد مع عبد الله بن جعفر بعد ما استخلف، فأجلسه معه على سريره ودخلت حاشيته تسلم عليه ودخلت معهم. فلما نظر إلي تبسم. ثم نهض ابن جعفر وتبعناه. فقيل له: نظر إلى نافعٍ وتبسم. فقال ابن جعفر: هذا تأويل تلك الليلة. فقضى حوائج ابن جعفر وأضعف ما كان يصله به معاويةٌ. فلما أراد الانصراف أتاه يودعه ونحن معه، فأرسل إلي يزيد فدخلت عليه. قال: ويحك يا نافع! ما أخرتك إلا لأتفرغ لك. هات لحنك:

خليلي فما عشتما هل رأيتمـا

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي

فأسمعته، فقال: أعد ويلك! فأعدته، ثم قال: أعد فأعدته ثلاثاً. فقال: أحسنت، فسل حاجتك، فما سألته في ذلك اليوم شيئاً إلا أعطانيه. ثم قال: إن يصلح لنا هذا الأمر من قبل ابن الزبير فلعلنا أن نحج فتلقانا بالمدينة! فإن هذا الأمر لا يصلح إلا هناك. قال نافع: فمنعنا والله من ذلك شؤم ابن الزبير.
سأله عمر بن أبي ربيعة عن بثينة فذهب إليها وحدثها: أخبرني الحرمي قال حدثنا الزبير قال حدثنا محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الجعفري قال حدثنا القاسم بن أبي الزناد قال: خرج عمر بن أبي ربيعة يريد الشأم، فلما كان بالجناب لقيه جميلٌ، فقال له عمر: أنشدني، فأنشده:

خليلي فما عشتما هل رأيتمـا

 

قتيلاً بكى من حب قاتله قبلي

ثم قال جميل: أنشدني يا أبا الخطاب، فأنشده:

ألم تسأل الأطلال والمتربعا

 

ببطن حلياتٍ دوارس بلقعا

فلما بلغ إلى قوله:

فلما تواقفنا وسلمت أشرقـت

 

وجوهٌ زهاها الحسن أن تنقنعا

تبالهن بالعرفان لما عرفننـي

 

وقلن امرؤٌ باغٍ أكل وأوضعا

وقربن أسباب الهوى لمـتـيم

 

يقيس ذراعاً كلما قسن إصبعا

قال: فصاح جميلٌ واستخذى وقال: ألا إن النسيب أخذ من هذا، وما أنشده حرفاً، فقال له عمر: اذهب بنا إلى بثينة حتى نسلم عليها. فقال له جميل: قد أهدر لهم السلطان دمي إن وجدوني عندها، وهاتيك أبياتها. فأتاها عمر حتى وقف على أبياتها وتأنس حتى كلم، فقال: يا جارية، أنا عمر بن أبي ربيعة، فأعلمي بثينة مكاني. فخرجت إليه بثينة في مباذلها وقالت: والله يا عمر لا أكون من نسائك اللاتي يزعمن أن قد قتلهن الوجد بك، فانكسر عمر، قال وإذا امرأةٌ أدماء طوالةٌ.

وأخبرني بهذا الخبر علي بن صالح عن أبي هفان عن إسحاق عن المسيبي والزبير فذكر مثل ما ذكره الزبير وزاد فيه قال: فقال لها قول جميل:

وهما قالتا لو أن جمـيلاً

 

عرض اليوم نظرةً فرآنا

بينما ذاك منهما وإذا بـي

 

أعمل النص سيرةً زفيانا

نظرت نحو تربها ثم قالت

 

قد أتانا وما علمنا منانـا

فقالت: إنه استملى منك فما أفلح، وقد قيل: اربط الحمار مع الفرس، فإن لم يتعلم من جريه تعلم من خلقه.

لقي بثينة ورصده أهلها فهددهم ثم هجرته بثينة وشعره في ذلك: وذكر الهيثم بن عدي وأصحابه في أخبارهم: أن جميلاً طال مقامه بالشأم ثم قدم، وبلغ بثينة خبره فراسلته مع بعض نساء الحي تذكر شوقها إليه ووجدها به وطلبها للحيلة في لقائه، وواعدته لموضع يلتقيان فيه، فسار إليها وحدثها طويلاً وأخبرها خبره بعدها. وقد كان أهلها رصدوها، فلما فقدوها تبعها أبوها وأخوها حتى هجما عليهما، فوثب جميلٌ فانتضى سيفه وشد عليهما فاتقياه بالهرب، وناشدته بثينة الله إلا انصرف، وقالت له: إن أقمت فضحتني، ولعل الحي أن يلحقوك. فأبى وقال: أنا مقيمٌ وامضي أنت وليصنعوا ما أحبوا. فلم تزل تناشده حتى انصرف. وقال في ذلك وقد هجرته وانقطع التلاقي بينهما مدة:

ألم تسأل الربع الخلاء فـينـطـق

 

وهل تخبرنك اليوم بيداء سمـلـق

وقفت بها حتى تجلت عـمـايتـي

 

ومل الوقوف الأرحبي المـنـوق

تعز وإن كانـت عـلـيك كـريمةً

 

لعلك من رقٍّ لبـثـنة تـعـتـق

لعمركم إن الـبـعـاد لـشـائقـي

 

وبعض بعاد البين والنـأي أشـوق

لعلك محـزونٌ ومـبـدٍ صـبـابةً

 

ومظهر شكوى من أناسٍ تفرقـوا

وبيضٍ غريراتٍ تثني خصـورهـا

 

إذا قمن أعجازٌ ثـقـال وأسـؤق

غرائر لم يلقـين بـؤس مـعـيشةٍ

 

يجن بهن الناظـرٌ الـمـتـنـوق

وغلغلت من وجدٍ إليهن بـعـدمـا

 

سريت وأحشائي من الخوف تخفق

معي صارمٌ قد أخلص القين صقله

 

له حين أغشيه الضـريبة رونـق

فلولا احتيالي ضقن ذرعـاً بـزائرٍ

 

به من صبابـاتٍ إلـيهـن أولـق

تسوك بقضبان الأراك مـفـلـجـاً

 

يشعشع فيه الفارسـي الـمـروق

أبثنة للوصل الـذي كـان بـينـنـا

 

نضا مثل ما ينضوا الخضاب فيخلق

أبثـنة مـا تـنـأين إلا كـأنـنـي

 

بنجم الثريا مـا نـأيت مـعـلـق

أنشد إسحاق الرشيد أحسن شعره من العتاب: أخبرني محمد بن مزيد بن أبي الأزهر قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: دخلت على الرشيد يوماً فقال لي: يا إسحاق، أنشدني أحسن ما تعرف في عتاب محبٍّ وهو ظالم متعتب. فقلت: يا أمير المؤمنين قول جميل:

رد الماء ما جاءت بصفوٍ ذنائبـه

 

ودعه إذا خيضت بطرقٍ مشاربه

أعاتب من يحلو لدي عـتـابـه

 

وأترك من لا أشتهي وأجانـبـه

ومن لذة الدنيا وإن كنت ظالـمـاً

 

عناقك مظلوماً وأنت تعـاتـبـه

فقال: أحسن والله! أعدها علي، فأعدتها حتى حفظها، وأمر لي بثلاثين ألف درهم وتركني وقام فدخل إلى دار الحرم.
ذهب معه صديق له إلى بثينة فطارده أهلها فرجع: أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن السعيدي قال: حدثني رجلٌ كان يصحب جميلاً من أهل تيماء قال: كنت يوماً جالساً مع جميل وهو يحدثني وأحدثه، إذ ثار وتربد وجهه، فأنكرته ورأيت منه غير ما كنت أرى، ووثب نافراً مقشعر الشعر متغير اللون، حتى أتي بناقةٍ له قريبةٍ من الأرض مجتمعةٍ موثقة الخلق فشد عليها رحله، ثم أتي بمحلب فيه لبنٌ فشربه، ثم ثنى فشربت حتى رويت، ثم قال لي: اشدد أداة رحلك واشرب واسق جملك فإني ذاهبٌ بك إلى بعض مذاهبي، ففعلت. فجال في ظهر ناقته وركبت ناقتي، فسرنا بياض يومنا وسواد ليلتنا، ثم أصبحنا فسرنا يومنا كله، لا والله ما نزلنا إلا للصلاة، فلما كان اليوم الثالث دفعنا إلى نسوةٍ فمال إليهن، ووجدنا الرجال خلوفاً، وإذا قدر لبنٍ ثم وقد جهدت جوعاً وعطشاً. فلما رأيت القدر اقتحمت عن بعيري وتركته جانباً، ثم أدخلت رأسي في القدر ما يثنيني حرها حتى رويت، فذهبت أخرج رأسي من القدر فضاقت علي وإذا هي على رأسي قلنسية، فضحكن مني وغسلن ما أصابني. وأتي جميلٌ بقرًى فو الله ما التفت إليه. فبينا هو يحدثهن إذا رواعي الإبل، وقد كان السلطان أحل لهم دمه إن وجدوه في بلادهم، وجاء الناس فقالوا له: ويحك! انج وتقدم! فو الله ما أكبرهم كل الإكبار. وغشيه الرجال فجعلوا يرمونه ويطردونه، فإذا قربوا منه قاتلهم ورمى فيهم. وهام بي جملي، فقال له يسر: لنفسك مركباً خلفي، فأردفني خلفه. ولا والله ما انكسر ولا انحل عن فرصته حتى رجع إلى أهله، وقد سار ست ليال وستة أيام وما التفت إلى طعام.

لامه فيها روق ابن عمه ولما رأى ما به احتال في زيارته لها وشعره في ذلك: وشكا زوج بثينة إلى أبيها وأخيها إلمام جميلٍ بها، فوجهوا إلى جميلٍ فأعذروا إليه وشكوه إلى عشيرته وأعذروا إليهم وتوعدوه وإياهم. فلامه أهله وعنفوه وقالوا: استخلص إليهم ونبرأ منك ومن جريرتك. فأقام مدةً لا يلم بها. ثم لقي ابني عمه روقاً ومسعدة، فشكا إليهما ما به وأنشدهما قوله: صوت

زورا بثينة فالحبيب مزور

 

إن الزيارة للمحب يسير

إن الترحل إن تلبس أمرنا

 

واعتاقنا قدرٌ أحم بكـور

الغناء لعريب رملٌ بالوسطى صوت

إني عشية رحت وهي حزينةٌ

 

تشكو إلي صبابةً لصـبـور

وتقول بت عندي فديتك لـيلةً

 

أشكو إليك فإن ذاك يسـير

الغناء لسليم خفيف رملٍ بالوسطى عن عمرو. وفيه ثقيلٌ أول بالبنصر ذكر الهشامي أنه لمخارق، وذكر حبش أنه لإبراهيم. وذكر حبش أن لحن مخارق خفيف رملٍ

غراء مبسـامٌ كـأن حـديثـهـا

 

در تحدر نظـمـه مـنـثـور

محطوطة المتنين مضمرة الحشى

 

ريا الروادف خلقها ممـكـور

لا حسنها حسنٌ ولا كـدلالـهـا

 

دلٌّ ولا كـوقـارهـا تـوقـير

إن اللسان بذكرهـا لـمـوكـلٌ

 

والقلب صادٍ والخواطر صـور

ولئن جزيت الود مني مـثـلـه

 

إني بـذلـك يا بـثـين جـدير

فقال له روق: إنك لعاجزٌ ضعيف في استكانتك لهذه المرأة وتركك الاستبدال بها مع كثرة النساء ووجود من هو أجمل منها، وإنك منها بين فجورٍ أرفعك عنه، أو ذلٍّ لا أحبه لك، أو كمدٍ يؤديك إلى التلف، أو مخاطرةٍ بنفسك لقومها إن تعرضت لها بعد أعذارهم إليك. وإن صرفت نفسك عنها وغلبت هواك فيها وتجرعت مرارة الحزم حتى تألفها وتصبر نفسك عليها طائعةً أو كارهة ألفت ذلك وسلوت. فبكى جميل وقال: يا أخي، لو ملكت اختياري لكان ما قلت صواباً، ولكني لا أملك الاختيار ولا أنا كالأسير لا يملك للنفسه نفعاً، وقد جئتك لأمرٍ أسألك ألا تكدر ما رجوته عندك فيه بلوم، وأن تحمل على نفسك في مساعدتي. فقال له: فإن كنت لا بد مهلكاً نفسك فاعمل على زيارتها ليلاً، فإنها تخرج مع بنات عم لها إلى ملعب لهن، فأجيء معك حينئذٍ سراً، ولي أخٌ من رهط بثينة من بني الأحب، نأوي عنده نهاراً، وأسأله مساعدتك على هذا، فتقيم عنده أياماً نهارك وتجتمع معها بالليل إلى أن تقضي أربك، فشكره. ومضى روق إلى الرجل الذي من رهط بثينة، فأخبره الخبر واستعهده كتمانه وسأله مساعدته فيه. فقال له: لقد جئتني بإحدى العظائم، ويحك! إن في هذا معاداتي الحي جميعاً إن فطن به. فقال: أنا أتحرز في أمره من أن يظهر ، فواعده في ذلك، ومضى إلى جميلٍ فأخبره بالقصة، فأتيا الرجل ليلاً فأقاما عنده. وأرسل إلى بثينة بوليدةٍ له بخاتم جميل فدفعته إليها، فلما رأته عرفت، فتبعتها وجاءته فتحدثا ليلتهما. وأقام بموضعه ثلاثة أيام ثم ودعها، وقال لها: عن غير قلى والله ولا مللٍ يا بثينة كان وداعي لك، ولكني قد تذممت من هذا الرجل الكريم وتعريضه نفسه لقومه، وأقمت عنده ثلاثاً ولا مزيد على ذلك، ثم انصرف. وقال في عذل روقٍ ابن عمه إياه:

لقد لامني فـيهـا أخٌ ذو قـرابةٍ

 

حبيب إليه في ملامتـه رشـدي

وقال أفق حتى متى أنـت هـائمٌ

 

ببثنة فيها قد تعيد وقـد تـبـدي

فقلت له فيها قضى الله ما تـرى

 

علي وهل فيما قضى الله من رد

فإن بك رشداً حبهـا أو غـوايةً

 

فقد جئته ما كان مني على عمد

صوت

لقد لج ميثاقٌ من الله بـينـنـا

 

وليس لمن لم يوف لله من عهد

فلا وأبيها الخير ما خنت عهدها

 

ولا لي علمٌ بالذي فعلت بعدي

وما زادها الواشون إلا كـرامةً

 

علي وما زالت مودتها عنـدي

الغناء لمتيم ثقيلٌ أول عن الهشامي. وذكر ابن المعتز أنه لشارية، وذكر ابن خرداذبه أنه لقلم الصالحية

أفي الناس أمثالي أحب فحالهـم

 

كحالي أم أحببت من بينهم وحدي

وهل هكذا يلقى المحبون مثل ما

 

لقيت بها أم لم يجد أحدٌ وجـدي

وقال جميل فيها:

خليلي عوجا اليوم حتى تـسـلـمـا

 

على عذبة الأنياب طيبة الـنـشـر

ألما بها ثم اشفعـا لـي وسـلـمـا

 

عليها سقاها الله من سائغ القـطـر

وبوحا بذكرى عند بثـنة وانـظـرا

 

أترتاح يوماً أم تهش إلـى ذكـرى

فإن لم تكن تقطع قوى الود بينـنـا

 

ولم تنس ما أسلفت في سالف الدهر

فسوف يرى منها اشتـياقٌ ولـوعةٌ

 

ببينٍ وغربٌ من مدامعهـا يجـري

وإن تك قد حالت عن العهد بعـدنـا

 

وأصغت إلى قول المؤنب والمزري

فسوف يرى منها صدودٌ ولم تـكـن

 

بنفسي من أهل الخـيانة والـغـدر

أعوذ بك اللهم أن تشحـط الـنـوى

 

ببثنة في أدنى حياتي ولا حـشـري

وجاور إذا ما مت بينـي وبـينـهـا

 

فيا حبذا موتي إذا جاورت قـبـري

عدمتك من حبٍّ أمـا مـنـك راحةٌ

 

وما بك عني من تـوانٍ ولا فـتـر

ألا أيها الحب المبـرح هـل تـرى

 

أخا كلفٍ يغري بحبٍّ كما أغـري

أجدك لا تبلى وقد بـلـى الـهـوى

 

ولا ينتهي حبي بثـينة لـلـزجـر

أغري أجدك لا تبلى وقد بلي الهوى

 

ولا ينتهي حبي بثـينة لـلـزجـر

صوت

هي البدر حسناً والنساء كواكـبٌ

 

وشتان ما بين الكواكب والبـدر

لقد فضلت حسناً على الناس مثلما

 

على ألف شهر فضلت ليلة القدر

غنت شاريةٌ في هذين البيتين خفيف رملٍ من رواية ابن المعتز.

تهاجرا مدة ثم اصطلحا: أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال أخبرنا إسحاق بن محمد بن أبان قال حدثني الرحال بن سعد المازني قال: وقع بين جميل وبثينة هجرٌ في غيرةٍ كان غارها عليها من فتًى كان يتحدث إليها من بني عمها، فكان جميل يتحدث إلى غيرها، فيشق ذلك على بثينة وعلى جميل، وجعل كل واحدٍ منهما يكره أن يبدي لصاحبه شأنه. فدخل جميلٌ يوماً وقد غلبه الأمر إلى البيت الذي كان يجتمع فيه مع بثينة. فلما رأته بثينة جاءت إلى البيت ولم تبرز له، فجزع لذلك جميل، وجع كل واحد منهما يطالع صاحبه، وقد بلغ الأمر من جميل كل مبلغ، فأنشأ يقول:

لقد خفت أن يغتالني الموت عنوةً

 

وفي النفس حاجاتٌ إليك كما هيا

وإني لتثنيني الحفيظة كـلـمـا

 

لقيتك يوماً أن أبـثـك مـا بـيا

ألم تعملي يا عذبة الريق أنـنـي

 

أظل إذا لم أسق ريقك صـاديا

قال: فرقت له بثينة، وقالت لمولاةٍ لها كانت معها: ما أحسن الصدق بأهله! ثم اصطلحا. فقالت له بثينة: أنشدني قولك:

تظل وراء الستر ترنو بلحظها

 

إذا مر من أترابها من يروقها

فأنشدها إياها، فبكت وقالت: كلاًّ يا جميل! ومن ترى أنه يروقني غيرك! نعي جميل وحزن بثينة عليه: أخبرني أحمد بن عبد العزيز الجوهري وحبيب بن نصر المهلبي قالا حدثنا عمر بن شبة قال ذكر أيوب بن عباية قال: خرجت من تيماء في أغباش السحر، فرأيت عجوزاً على أتان، فتكلمت فإذا أعرابيةٌ فصيحة. فقلت: ممن أنت؟ فقالت: عذرية. فأجريت ذكر جميل وبثينة، فقالت: والله إنا لعلى ماءٍ لنا بالجناب وقد تنكبنا الجادة لجيوشٍ كانت تأتينا من قبل الشأم تريد الحجاز، وقد خرج رجالنا لسفرٍ وخلفوا معنا أحداثاً، فانحدروا ذات عشية إلى صرمٍ قريبٍ منا يتحدثون إلى جوارٍ منهم، فلم يبق غيري وغير بثينة، إذ انحدر علينا منحدرٌ من هضبةٍ تلقاءنا، فسلم ونحن مستوحشون وجلون. فتأملته ورددت السلام فإذا جميلٌ. فقلت: أجميل؟ قال: أي والله، وإذا به لا يتماسك جوعاً، فقمت إلى قعبٍ لنا فيه أقطٌّ مطحون وإلى عكةٍ فيها سمن وربٌّ، فعصرتها على الأقط ثم أدنيتها منه وقلت: أصب من هذا، فأصاب منه، وقمت إلى سقاءٍ فيه لبنٌ فصببت عليه ماءً بارداً فشرب منه وتراجعت نفسه. فقلت: له: لقد بلغت ولقيت شراً، فما أمرك؟ قال: أنا والله في هذه الهضبة التي ترين منذ ثلاثٍ ما أريمها أنتظر أن أرى فرجةً، فلما رأيت منحدر فتيانكم أتيتكم لأودعكم وأنا عامدٌ إلى مصر. فتحدثنا ساعةً ثم ودعنا وشخص، فلم تطل غيبته أن جاءنا نعيه. فزعموا أنه قال حين حضرته الوفاة:

صدع النعي وما كنى بجمـيل

 

وثوى بمصر ثواء غير قفـول

ولقد أجر الذيل في وادي القرى

 

نشوان بين مزارعٍ ونـخـيل

قومي بثينة فاندبـي بـعـويل

 

وابكي خليك دون كل خـلـيل

أخبرني أبو الحسن الأسدي قال حدثني محمد بن القاسم عن الأصمعي قال: حدثني رجلٌ شهد جميلاً لما حضرته الوفاة بمصر أنه دعاه فقال: هل لك في أن أعطيك كل ما أخلفه على أن تفعل شيئاً أعهده إليك؟ فقال قلت: اللهم نعم. قال: إذا أنا مت فخذ حلتي هذه التي في عيبتي فاعزلها جانباً ثم كل شيء سواها لك، وارحل إلى رهط بني الأحب من عذرة – وهو رهط بثينة – فإذا صرت إليهم فارتحل ناقتي هذه واركبها، ثم البس حلتي هذه واشققها ثم اعل على شرفٍ وصح بهذه الأبيات وخلاك ذمٌّ. ثم أنشدني هذه الأبيات:

صدع النعي وما كني بجميل

 

وثوى بمصر ثواء غير قفول

وذكر الأبيات المتقدمة فلما قضى وواريته أتيت رهط بثنية ففعلت ما أمرني به جميل، فما استتممت الأبيات حتى برزت إلي امرأةٌ يتبعها نسوةٌ قد فرعتهن طولاً وبرزت أمامهن كأنها بدرٌ قد برز في دجنةٍ وهي تتعثر في مرطها حتى أتتني، فقالت: يا هذا، والله لئن كنت صادقاً لقد قتلتني، ولئن كنت كاذباً لقد فضحتني. قلتك والله ما أنا إلا صادق، وأخرجت حلته. فلما رأتها صاحت بأعلى صوتها وصكت وجهها، واجتمع نساء الحي يبكين معها ويندبنه حتى صعقت فمكثت مغشياً عليها ساعةً، ثم قامت وهي تقول:

وإن سلوي عن جمـيلٍ لـسـاعةٌ

 

من الدهر ما حانت ولا حان حينها

سواءٌ علينا يا جميل بن معمرٍ

 

إذا مت بأساء الحياة ولينهـا

قال: فلم أر يوماً كان أكثر باكياً وباكيةً منه يومئذ.
صوت من المائة المختارة من رواية جحظة عن أصحابه

أمسى الشباب مودعاً محمودا

 

والشيب مؤتنف المحل جديدا

وتغير البيض الأوانس بعدما

 

حملتهن مواثقاً وعـهـودا

عروضه من الكامل. الشعر ليزيد بن الطثرية، والغناء لإسحاق، ولحنه المختار من الثقيل الأول بالبنصر. وفيه لبابويه خفيف ثقيلٍ بالوسطى، كلاهما من رواية عمرو بن بانة.