نسب المغيرة بن حبناء وأخباره

نسب المغيرة بن حبناء وأخباره

المغيرة بن حبناء بن عمرو بن ربيعة بن أسيد بن عوف بن ربيعة بن عامر بن ربيعة بن حنظلة بن مالك بن زيد مناة بن تميم. وحبناء لقب غلب على أبيه واسمه جبير بن عمرو، ولقب بذلك لحبن كان أصابه. وهو شاعر إسلامي من شعراء الدولة الأموية، وأبوه حبناء بن عمرو شاعر، وأخوه صخر بن حبناء شاعر، وكان يهاجيه، ولهما قصائد يتناقضانها كثيرة، سأذكر منها طرفاً. وكان قد هاجى زياداً الأعجم فاكثر كل واحد منهما على صاحبه وأفحش، ولم يغلب أحد منهما صاحبه، كانا متكافئين في مهاجاتهما ينتصف كل واحد منهما من صاحبه.

مديحه لطلحة الطلحات

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال: أخبرني عبيد الله بن محمد بن عبد الملك الزيات قال: حدثني الحسن بن جهور عن الحرمازي قال: قدم المغيرة بن حبناء عل طلحة الطلحات الخزاعي ثم المليحي، أحد بني مليح، فأنشده قوله فيه:

لقد كنت أسعى في هواك وأبتغي

 

رضاك وأرجو منك ما لست لاقيا

وأبذل نفسي في مواطن غيرهـا

 

أحب، وأعصي في هواك الأدانيا

حفاظاً وتمسيكاً لما كان بينـنـا

 

لتجزيني مالا إخالـك جـازيا

رأيتك ما تنفك مـنـك رغـيبة

 

تقصر دوني أو تـحـل ورائيا

أراني إذا استمطرت منك رعيبة

 

لتمطرني عادت عجاجاً وسافياً

وأدليت دلوي في دلاء كـثـيرة

 

فأبن ملاء غير دلوي كماهـيا

ولست بلاق ذا حفاظٍ ونـجـدة

 

من القوم حراً بالخسيسة راضياً

فإن تدن مني تدن منك مودتـي

 

وإن تنأ عني تلفني عنك نـائيا

قال: فلما أنشده هذا الشعر، قال له: أما كنا أعطيناك شيئاً؟ قال: لا. فأمر طلحة خازنه فاخرج درجاً فيه حجارة ياقوت، فقال له: اختر حجرين من هذه الأحجار أو أربعين آلف درهم. فقال: ما كنت لأختار حجارة على أربعين ألف درهم! فأمر له بالمال. فلما قبضه سأله حجراً منها، فوهب له فباعه بعشرين ألف درهم. ثم مدحه، فقال:

أرى الناس قد ملوا الفعال ولا أرى

 

بني خلـف إلا رواء الـمـوارد

إذا نفعوا عادوا لمن ينفـعـونـه

 

وكائن ترى من نافع غـير عـائد

إذا ما انجلت عنهم غمامة غمـرة

 

من الموت أجلت عن كرام مذاود

تسود غطاريف الملوك ملوكـهـم

 

وما جدهم يعلو على كل مـاجـد

مديحة للمهلب بن أبي صفرة

أخبرني هاشم بن محمد قال حدثنا محمد المهلبي عن رواة باهلة، أن المهلب بن أبي صفرة لما هزم قطري بن الفجاءة بابور جلس للناس، فدخل إليه وجوههم يهنئونه وقامت الخطباء فأثنت عليه ومدحته الشعراء، ثم قام بن حبناء في أخرياتهم فأنشده:

حال الشجا دون طعم العيش والسهر

 

واعتاد عينك من إدمانهـا الـدرر

واستحقبتك أمور كنت تكـرهـهـا

 

لو كان ينفع منها النأي والـحـذر

وفي الموارد للأقوام تـهـلـكـه

 

إذا الموارد لم يعلم لـهـا صـدر

ليس العزيز بمن تغشى محـارمـه

 

ولا الكريم بمن يجفى ويحـتـقـر

حتى انتهى إلى قوله:

أمسى العباد بشر لا عياث لـهـم

 

إلا المهلب بعد الله والـمـطـر

كلاهما طيب ترجى نـوافـلـه

 

مبارك سيبه يرجى وينـتـظـر

لا يجمدان عليهم عند جـهـدهـم

 

كلاهما نافع فيهم إذا افتـقـروا

هذا يذود ويحمي عن ذمـارهـم

 

وذا يعيش به الأنعام والشـجـر

واستسلم الناس إذ حل العدو بهـم

 

فلا ربيعتهم ترجى ولا مـضـر

وأنت رأس لأهل الدين منتـخـب

 

والرأس فيه يكون السمع والبصر

إن المهلب في الأيام فـضـلـه

 

على منـازل أقـوام إذا ذكـروا

حزم وجود و أيام له سـلـفـت

 

فيها يعد جسيم المر والخـطـر

ماضٍ على الهول ما ينفك مرتحلا

 

أسباب معضلة يعيا بها البـشـر

سهل الخلائق يعفو عند قـدرتـه

 

منه الحياء ومن أخلاقه الخفـر

شهاب حرب إذا حلت بساحـتـه

 

يخزي به الله أقواماً إذا غـدروا

تزيده الحرب والهوال إن حضرت

 

حزماً وعزماً ويجلو وجهه السفر

ما إن يزال على أرجاء مظلـمة

 

لولا يكفكفها عن مصرهم دمروا

سهل إليهم حليم عن مجاهلـهـم

 

كأنما بينهم عثمـان أو عـمـر

كهف يلوذون من ذل الحـياة بـه

 

إذا تكنفهم من هولـهـا ضـرر

أمن لخائفهم فيض لـسـائلـهـم

 

ينتاب نائله البادون والـحـضـر

فلما أتى على آخرها قال المهلب: هذا والله الشعر، لا ما نعلل به، وأمر له بعشرة آلاف درهم وفرس جواد، وزاده في عطائه خمسمائة درهم.

والقصيدة التي منها البيتان اللذان فيهما الغناء المذكور بذكره أخبار المغيرة، من قصيدة له مدح بها المهلب بن أبي صفرة أيضاً. وأولها:

أمن رسوم ديار هاجك الـقـدم

 

أقوت وأقفر منها الطف والعلم

وما يهيجك من أطلال منـزلة

 

عفى معالمها الأرواح والـديم

بئس الخليفة من جار تضن بـه

 

إذا اطربت أثافي القدر والحمم

دار التي كاد قلبي أن يحن بـهـا

 

إذا ألم به من ذكـرهـا لـمـم

إذا تذكرها قلـبـي تـضـيفـه

 

هم تضيق به الأحشاء والكـظـم

والبين حين يروع القلـب طـائفة

 

يبدي ويظهر منهم بعض ما كتموا

إني امرؤ كفني ربيي وأكرمنـي

 

عن الأمور التي غبـهـا وخـم

وإنما أنا إنسـان أعـيش كـمـا

 

عاش الرجال وعاشت قبلي الأمم

سبب قوله قصيدة الصوت وهي قصيدة طويلة، وكان سبب قوله إياها أن المهلب كان أنفذ بعض بنيه في جيش لقتال الأزارقة، وقد شدت منهم طائفة تغير على نواحي الأهواز، وهو مقيم يومئذٍ بسابور، وكان فيهم المغيرة بن حبناء، فلما طال مقامه واستقر الجيش لحق بأهله، فألم بهم وأقام عندهم شهراً، ثم عاود وقد قفل الجبش إلى المهلب فقيل له: إن الكتاب خطوا على اسمه، وكتب إلى المهلب أنه عصى وفارق مكتبه بغير إذن، فمضى إلى المهلب، فلما لقيه أنشده هذه القصيدة واعتذر إليه فعذره، وأمر بإطلاق عطائه وإزالة العتب عنه، وفيها يقول يذكر قدومه إلى أهله بغير إذن:

ما عاقني عن قفول الجند إذ قفلوا

 

عي بما صنعوا حولي ولا صمم

ولو أردت قفولاً ما تجهمـنـي

 

إذن الأمير ولا الكتاب إذ رقموا

إني ليعرفني راعي سـريرهـم

 

والمحدجون إذا ما ابتلت الحـزم

والطالبون إلى السلطان حاجتهـم

 

إذا جفا عنهم السلطان أو كزموا

فسوف تبلغك الأنباء إن سلمـت

 

لك الشواحج والأنـفـاس والأدم

إن المهلب إن أشتـق لـرؤيتـه

 

أو امتدحه فإن الناس قد علمـوا

إن الكريم من الأقوام قد علمـوا

 

أبو سعيد وإن عـدت الـنـعـم

والقائل الفاعل الميمون طـائره

 

أبو سعيد وإن أعداؤه رغـمـوا

كم قد شهدت كراماً من مواطنه

 

ليست بغيب ولا تقوالهم زعموا

أيام أيام إذ عض الزمان بـهـم

 

وإذ تمنى رجال أنهم هـزمـوا

وإذ يقولون: ليت الله يهلـكـهـم

 

والله يعلم لو زلت بـهـم قـدم

أيام سابور إذ ضاعت رباعتهـم

 

لولاه ما أوطنوا داراً ولا انتقموا

إذ ليس من الدنيا نـصـول بـه

 

إلا المغافر والأبدان والـلـجـم

وعاترات من الخطي محصـدة

 

نفضي بهن إليهـم ثـم نـدعـم

سبب التهاجي بينه و بين زياد الأعجم

هكذا ذكر عمرو بن أبي عمرو الشيباني في خبر هذه القصيدة، ونسخت من كتابه. وذكر أيضاً في هذا الكتاب أن سبب التهاجي بين زياد الأعجم والمغيرة بن حبناء، أن زياداً العجم والمغيرة بن حبناء وكعباً الأشقري، اجتمعوا عند المهلب وقد مدحوه، فأمر لهم بجوائز وفضل زياداً عليهم، ووهب له غلاماً فصيحاً ينشد شعره، لأن زياداً كان ألكن لا يفصح، فكان راويته ينشد عنه ما يقوله، فيتكلف له مؤونة ويجعل له سهماً في صلاته، فسأل المهلب يومئذٍ أن يهب له غلاماً كان له يعرفه زياد بالفصاحة والأدب، فوهبه له، فنفسوا عليه ما فضل به، فانتدب له المغيرة من بينهم، فقال للمهلب: أصلح الله الأمير، ما السبب في تفضيل الأمير زياداً علينا؟ فوالله ما يغني غناءنا في الحرب، ولا هو بأفضلنا شعباً، ولا أصدقنا وداً، ولا أشرفنا أباً، و أفصحنا لساناً! فقال له المهلب: أما إني والله ما جهلت شيئاً مما قلت، وإن الأمر فيكم عندي لمتساو، ولكن زياداً يكرم لسنه وشعره وموضعه من قومه، وكلكم كذلك عندي، وما فضلته بما ينفس به، وأنا أعوضكم بعد وهذا بما يزيد على ما فضلته به. فانصرف، وبلغ زياداً ما كان منه، فقال يهجوه:

أرى كل قوم ينسل اللؤم عنـدهـم

 

ولؤم بني حبناء لـيس بـنـاسـل

يشب مع المولود مثـل شـبـابـه

 

ويلقاه مولوداً بأبـدي الـقـوابـل

ويرضعـه مـن ثـدي أم لـئيمة

 

ويخلق من ماء امرىء غير طائل

تعالوا فعدوا في الزمان الذي مضى

 

وكل أناس مـجـدهـم بـالأوائل

لكم بفعال يعرف الناس فضلـه

 

إذا ذكر الأملاء عند الفضـائل

فغازيكم في الجيش الأم من غزا

 

وقافلكم في الناس ألأم قـافـل

وما أنتم من مالك غير أنـكـم

 

كمغرورة بالبو في ظل باطـل

بنو مالك زهر الوجوه وأنـتـم

 

تبين ضاحي لؤمكم في الجحافل

يعني برصاً كان بالمغيرة بن حبناء.
أخبرني عبيد الله بن محمد الرازي قال: حدثنا أحمد بن الحارث الخراز قال: حدثني المدائني قال: عير زياد الأعجم المغيرة بن حبناء في مجلس المهلب بالبرص، فقال له المغيرة إن عتاق الخيل لا تشينها الأوضاح ، ولا تعير بالغرر والحجول، وقد قال صاحبنا بلعاء بن قيس لرجل عيره بالبرص: “إنما أنا سيف الله جلاه واستله على أعدائه” فهل تغني يا ابن العجماء غنائي، أو تقوم مقامي؟ ثم نشب الهجاء بينهما.

نسخت من نسخة ابن الأعرابي، قال: كان المغيرة بن حبناء يوماً يأكل مع المفضل بن المهلب، فقال له المفضل:

فلم أر مثل الحنظلي ولونه

 

أكيل كرام أو جليس أمير

فرفع المغيرة وقام مغضباً، ثم قال له:

إني امرؤ حنظلي حين تنسبني

 

لام العتيك ولا أخوالي العوق

– العوق من يشكر، وكانوا أخوال المفضل –

لا تحسبن بياضاً في منقصة

 

إن اللهاميم في ألوانها بلق

وبلغ المهلب ما جرى، فتناول المفضل بلسانه وشتمه، وقال: أردت أن يتمضغ هذا أعراضنا، ما حملك على أن أسمعته ما كره بعد مواكلتك إياه؟ أما إن كنت تعافه فاجتنبه أو لا ئؤذه. ثم بعث إليه بعشرة آلاف درهم، واستصفحه عن المفضل، واعتذر إليه عنه، فقبل رفده وعذره، وانقطع بعد ذلك عن مواكلة أحد منهم. رجع الخبر إلى سياقته مع زياد والمغيرة فقال المغيرة يجيب زياداً:

مناقضات زياد الأعجم والمغيرة بن حبناء

أزياد إنك والـذي أنـا عـبـده

 

ما دون آدم من أب لك يعـلـم

فالحق بأرضك يا زياد ولا تـرم

 

مالا تطيق وأنت علج أعـجـم

أظننت لـؤمـك يا زياد يسـده

 

قوس سترت بها قفاك وأسهـم

علج تعصب ثم راق بقـوسـه

 

والعلج تعرفـه إذا يتـعـمـم

ألق العصابة يا زياد فـإنـمـا

 

أخزاك ربي إذ غدوت تـرنـم

واعلم بأنك لست منـي نـاجـياً

 

إلا وأنت ربي ببظر أمك ملجم

تهجو الكرام وأنت ألام من مشى

 

حسباً وأنت العلج حين تكـلـم

ولقد سألت بني نزار كـلـهـم

 

والعالمين من الكهول فأقسموا

بالله مالك في معـد كـلـهـا

 

حسـب وإنـك يا زياد مـوذم

فقال زياد يجيبه:

ألم تر أنني وترت قـوسـي

 

لأبقع من كلاب بني تمـيم

عوى فرميته بسهـام مـوت

 

كذلك يرد ذو الحمق اللـئيم

وكنت إذا عمزت قناة قـوم

 

كسرت كعوبها أو تستقـيم

هم الحشو القليل لكل حـي

 

وهم تبع كزائدة الـظـلـيم

فلست بساقي هرماً ولـمـا

 

يمر على نواجذك الـقـدوم

فحاول كيف تنجو من وقاعي

 

فإنك بعـد ثـالـثة رمـيم

سراتكم الكلاب البقع فيكـم

 

للؤمكم وليس لكـم كـريم

فقد قدمت عبودتكم ودمـتـم

 

على الفحشاء والطبع اللئيم

أخبرني إسماعيل بن يونس الشيعي قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثنا المدائني قال: قال زياد الأعجم يهجو المغيرة بن حبناء:

عجبت لأبيض الخصيين عبد

 

كأن عجانه الشعري العبور

فقيل له: يا أبا أمامة لقد شرفته إذ قلت فيه:

كأن عجانه الشعري العبور

ورفعت منه. فقال: سأزيده رفعة وشرفاً، ثم قال:

لا يبرح الدهر منهم خارىء أبداً

 

إلا حسبت على باب استه القمرا

قال، وتقاولا في مجلس المهلب يوماً، فقال المغيرة لزياد:

أقول له وأنكر بعض شأني

 

ألم تعرف رقاب بني تميم

فقال له زياد:

بلى فعرفتهن مقصرات

 

جباه مذلة وسبال لـوم

المغيرة يهجو زياداً بتحريض من ربيعة  نسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو الشيباني، قال: كانت ربيعة تقول لزياد الأعجم: يا زياد، أنت لساننا فاذبب عن أعراضنا بشعرك، فإن سيوفنا معك. فقال المغيرة بن حبناء فيه، وقد بلغه هذا القول من ربيعة له:

يقولـون ذبـب يا زياد ولـم يكـن

 

ليوقظ في الحرب الملمة نـائمـاً

ولو أنهم جـاءوا بـه ذا حـفـيظة

 

فيمنعهم أو ماجداً أو مـراعـمـا

ولكنهم جاءوا بأقلف قـد مـضـت

 

له حجج سبعون يصبـح رازمـا

لئيماً ذميماً أعـجـمـياً لـسـانـه

 

إذا نال دنا لم يبال الـمـكـارمـا

وما خلت عبد القـيس إلا نـفـاية

 

إذا ذكر الناس العلا والعظـائمـا

إذا كنت للعبدي جـاراً فـلا تـزل

 

على حذر منه إذا كان طاعـمـا

أناساً يعدون الفسـاء لـجـارهـم

 

إذا شبعوا عند الجباة الـدراهـمـا

من الفسو يقضون الحقوق عليهـم

 

ويعطون مولاهم إذا كان غارمـا

لهم زجل فيه إذا مـا تـجـاوبـوا

 

سمعت زفيراً فيهم وهمـاهـيمـا

لعمرك ما نجى ابن زروان إذ عوى

 

ربيعة مـن يوم ذلـك سـالـمـا

أظن الخبيث ابن الخبيثـين أنـنـي

 

أسلم عرضي أو أهاب المقـاومـا

لعمرك لا تهدي ربيعة للـحـجـا

 

إذا جعلوا يستنصرون الأعاجـمـا

عبد القيس تعتذر إلى المغيرة

قال: فجاءت عبد القيس إلى المغيرة، فقالوا: يا هذا، مالنا ولك، تعمنا بالهجاء لأن نبحك منا كلب، فقال وقلت، قد تبرأنا إليك منه، فإن هجاك فاهجه، وخل عنا ودعنا، وأنت وصاحبك أعلم، فليس منا له عليك ناصر. فقال:

لعمرك إني لابن زروان إذ عوى

 

لمحتقر في دعـوة الـود زاهـد

ومـالـك أصـل يا زياد تـعـده

 

ومالك في الأرض العريضة والد

ألم تر عبد القيس منـك تـبـرأت

 

فلاقيت ما لم يلق في الناس واحد

وما طاش سهمي عنك يوم تبرأت

 

لكيز بن أفصى منك والجند حاشد

ولا غاب قرن الشمس حتى تحدثت

 

بنفيك سكان القرى والمسـاجـد

– رفع” المساجد”، لأنه جعل الفعل لها، كأنه قال: وأهل المساجد، كما قال الله عز وجل: “واسأل القرية”. وتحدثت المساجد، وإنما يريد من يصلي فيها

فأصبحت علجاً من يزرك ومن يزر

 

بنـاتـك يعـلـم أنـهــن ولائد

وأصبحن قلفاً يغتـزلـن بـأجـرة

 

حواليك لم تجرح بهـن الـحـدائد

نفرن من الموسى وأقررن بالتـي

 

يقر عليها المقرفات الـكـواسـد

بإصطخر لم يلبسن من طول فـاقة

 

جديداً ولا تلقى لـهـن الـوسـائد

وما أنت بالمنسوب في آل عـامـر

 

ولا ولدتك المحصنات المـواجـد

ولا رببتك الحنـظـلـية إذ غـذت

 

بينها ولا جيبت علـيك الـقـلائد

ولكن غذاك المشركون وزاحمـت

 

قفاك وخديك البظـور الـعـوارد

ولم أر مثلـي يا زياد بـعـرضـه

 

وعرضك يستبان والسيف شـاهـد

ولو أنني غشيتك السيف لـم يقـل

 

إذ مت إلا مات علـج مـعـاهـد

 المغيرة وجوائز المهلب

ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضاً، قال: رجع المغيرة بن حبناء إلى أهله وقد ملأ كفيه بجوائز المهلب وصلاته والفوائد منه، وكان أخوه صخر بن حبناء أصغر منه، فكان يأخذ على يده وينهاه عن الأمر ينكر مثله، ولا يزال يتعتب عليه في الشيء بعد الشيء مما ينكره عليه، فقال فيه صخر بن حبناء:

صخر والمغيرة يتلاحيان لما تعتب المغيرة عليه

رأيتك لما نلت مالاً وعضـنـا

 

زمان نرى في حد أنيابه شغبا

تجنى علي الدهر أني مذنـب

 

فأمسك ولا تجعل غناك لنا ذنبا

فقال المغيرة يجيبه:

لحا الله أنآنا عن الضيف بالقرى

 

وأقصرنا عن عرض والده ذبا

وأجدرنا أن يدخل البيت باستـه

 

إذا القف دلي من مخارمه ركبا

أأنبأك الأفـاك عـنـي أنـنـي

 

أحرك عرضي إن لعبت به لعبا

أخت صخر تشكوه إلى المغيرة  ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو، قال: جاءت أخت المغيرة بن حبناء إليه تشكو أخاها صخراً، وتذكر أنه أسرع في مالها وأتلفه، وإنها منعته شيئاً يسيراً بقي لها، فمد يده إليها وضربها، فقال له المغيرة معنفاً:

ألا من مبلغ صخر بن لـيلـى

 

فإني قد أتاني مـن نـثـاكـا

رسالة ناصح لك مستـجـيب

 

إذا لم ترع حرمته رعـاكـا

وصول لو يراك وأنت رهـن

 

تباع، بمالـه يومـاً فـداكـا

يرى خيراً إذا ما نلـت خـيرا

 

ويشجي في الأمور بما شجاكا

فإنك لا ترى أسمـاء أخـتـا

 

ولا ترينـنـي أبـداً أخـاكـا

فإن تعنف بها أولا تصـلـهـا

 

فإن لأمهـا ولـداً سـواكـا

يبر ويستـجـيب إذا دعـتـه

 

وإن عاصيته فيها عصـاكـا

وكنت أرى بها شرفاً وفضـلاً

 

على بعض الرجال وفوق ذاكا

جزاني الله منك وقد جـزانـي

 

مني في معاتبـنـا جـزاكـا

وأعقب أصدق الخصمين قولاً

 

وولى اللـؤم أولانـا بـذاكـا

فلا والله لو لم تعـص أمـري

 

لكنت بمعزل عما هـنـاكـا

قال: فأجابه أخوه صخر بن حبناء فقال:

أتاني عن مغـيرة ذرو قـول

 

تعمده فقـلـت لـه كـذاكـا

يعم به بني ليلـى جـمـيعـاً

 

فول هجاءهم رجلاً سـواكـا

فإن تك قد قطعت الوصل مني

 

فهذا حين أخلفنـي مـنـاكـا

تمنيني إذا ما غـبـت عـنـي

 

وتخلفني مـنـاي إذا أراكـا

وتوليني ملامة أهـل بـيتـي

 

ولا تعطي الأقارب غير ذاكا

فإن تك أختنا عتبت عـلـينـا

 

فلا تصرم لظنتهـا أخـاكـا

فإن لها إذا عتبـت عـلـينـا

 

رضاها صابرين لها بـذاكـا

وإن تك قد عتبت علي جهـلاً

 

فلا والله لا أبغـي رضـاكـا

فقد أعلنت قولـك إذا أتـانـي

 

فاعلن من مقالي مـا أتـاكـا

سيغني عنك صخراً رب صخر

 

كما أغناك عن صخر غناكـا

ويغنيني الذي أغنـاك عـنـي

 

ويكفيني الإله كما كـفـاكـا

ألم ترني أجود لكم بـمـالـي

 

وأرمي بالنواقر من رمـاكـا

وإني لا أقـود إلـيك حـربـاً

 

ولا أعصيك إن رجل عصاكا

ولكـنـي وراءك شـمـري

 

أحامي قد علمت على حماكـا

وأدفع ألسن الأعداء عـنـكـم

 

ويعنيني العدو إذا عـنـاكـا

وقد كانـت قـريبة ذات حـق

 

عليك فلم تطالعـهـا بـذاكـا

رأيت الخير يقصر منك دوني

 

وتبلغني القوارص من أذاكـا

حبناء بن عمرو ينتقل إلى نجران

وامرأته تلومه لما ضرب ابنه ونسخت من كتاب عمرو بن أبي عمرو أيضاً قال: كان حبناء بن عمرو وقد غضب على قومه في بعض الأمر، فانتقل إلى نجران، وحمل معه أهله وولده، فنظرت امرأته سلمى إلى غلام من أهل نجران يضرب ابنه المغيرة – وهو يومئذ غلام – فقالت لحبناء: قد كنت غنياً عن هذا الذل، وكان مقامك بالعراق في قومك أو في حي قريب من قومك أعز لك! فقال حبناء في ذلك:

تقول سليمى الحنظلية لابنهـا

 

غلام بنجران الغداة غـريب

رأت غلمة ثاروا إليه بأرضهم

 

كما هر كلب الدار بين كليب

فقالت لقد أجرى أبوك لما ترى

 

وأنت عزيز بالعراق مهـيب

وقال أيضاً:

لعمرك ما تدري أشيء تريده

 

يليك أم الشيء الذي لا تحاوله

متى ما يشأ مستقبس الشر يلقه

 

سريعاً وتجمعه إليه أنامـلـه

زياد الأعجم يهجو أسرة المغيرة

أخبرني عيسى بن الحسن الوراق، قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهروية، قال: حدثني أبو الشبل النضري، قال: كان المغيرة بن حبناء أبرص، وأخوه صخر أعور، وأخوه الآخر مجذوماً، وكان بأبيهم حبن، فلقب حبناء – واسمه جبير بن عمرو – فقال زياد الأعجم يهجوهم:

إن حبناء كان يدعي جـبـيراً

 

فدعوه من لؤمه حـبـنـاء

ولد العور منه والبرص والجذ

 

مى، ذو الداء ينتـج الأدواء

زياد يمسك عن الهجاء

فيقال: إن هذه الأبيات كانت آخر ما تهاجيا به، لأن المغيرة قال – وقد بلغه هذا الشعر-: ما ذنبنا فيما ذكره، هذه أدواء ابتلانا الله عز وجل بها، وإني لأرجو أن يجمع الله هذه الأدواء كلها! فبلغ ذلك زياداً من قوله، وإنه لم يهجه بعقب هذه الأبيات، ولا أجابه بشيء، فأمسك عنه، وتكافأ.

إجادة المغيرة في تفضيل الأخ على أخيه

أخبرني محمد بن الحسن بن دريد، قال: حدثنا عبد الرحمن بن أخي الأصمعي عن عمه، وأخبرني به الحسن بن علي عن ابن مهروية عن أبيه عن الأصمعي، قال: لم يقل أحد في تفضيل أخ على أخيه وهما لأب وأم، مثل قول المغيرة بن حبناء لأخيه صخر:

أبوك أبي وأنت أخي ولكـن

 

تفاضلت الطبائع والظروف

وأمك حين تنسب أم صـدق

 

ولكن ابنها طبع سـخـيف

قال: وكان عبد الملك بن مروان إذا نظر إلى أخيه معاوية – وكان ضعيفاً – يتمثل بهذين البيتين.

قول الحجاج في يزيد بن المهلب

أخبرني الحسن بن علي، قال: حدثني أحمد بن محمد بن جدان، قال: حدثني أحمد بن محمد بن مخلد المهلبي، قال: نظر الحجاج إلى يزيد بن المهلب يخطر في مشيته، فقال: لعن الله المغيرة بن حبناء حيث يقول:

جميل المحيا بختري إذا مـشـى

 

وفي الدرع ضخم المنكبين شناق

فالتفت إليه يزيد، فقال إنه يقول فيها:

شديد القوى من أهل بيت إذا وهى

 

من الدين فتق حملوا فأطـاقـوا

مراجيح في اللأواء إن نزلت بهم

 

ميامين قد قادوا الجيوش وساقوا

مصرع ابن حبناء وكتابته اسمه على صدره

أخبرني محمد بن مزيد، قال: حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه، قال: حدثني من حضر ابن حبناء لما قتل – وهو يجود بنفسه – فأخذ بيده من دمه – وكتب بيده على صدره:” قال المغيرة بن حبناء”. ثم مات.

صوت

بسطت رابعة الحبـل لـنـا

 

فوصلنا الحبل منها ما اتسـع

كيف ترجون سقاطي بعد مـا

 

جلل الرأس بياض وصـلـع

رب من أنضجت غيظاً صدره

 

قد تمنى لي موتاً لـم يطـع

ويراني كالشجا في حـلـقـه

 

عسراً مخرجه ما ينـتـزع

ويحـيينـي إذا لاقـيتـــه

 

وإذا أمكن من لحمـي رتـع

وأبيت الليل مـا أهـجـعـه

 

وبعيني إذا النـجـم طـلـع

الحبل ها هنا: الوصل، والحبل أيضاً: السبب يتعلق به الرجل من صاحبه، يقال: علقت من فلان بحبل، والحبل: العهد، والميثاق، والعقد يكون بين القوم، وهذه المعاني كلها تتعاقب ويقوم بعضها مقام بعض. والشجا: كل ما اغتص به من لقمة أو عظم أو غيرهما.
الشعر لسويد بن أبى كاهل اليشكري، والغناء لعلويه، ثاني ثقيل بالبنصر، عن عمرو بن بانة في الأول والثاني من الأبيات، وليونس الكاتب في الثالث والرابع والثاني ما خوري بالوسطى، عن علي بن يحيى، والهشامي. ولمالك فيها ثقيل بالبنصر، عن الهشامي أيضاً، ولابن سريج فيها خفيف ثقيل، عن علي بن يحيى.