نسب الفرزدق وأخباره وذكر مناقضاته

نسب الفرزدق وأخباره وذكر مناقضاته

نسبه

الفرزدق لقب غلب عليه، وتفسيره الرغيف الضخم الذي يجففه النساء للفتوت، وقيل: بل هو القطعة من العجين التي تبسط، فيخبز منها الرغيف، شبه وجهه بذلك؛ لأنه كان غليظاً جهماً. واسمه همام بن غالب بن صعصعة بن ناجية بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع بن دارم بن مالك بن حنظلة بن زيد مناة بن تميم.

قال أبو عبيدة: اسم دارم بحر، واسم أبيه مالك عوف ويقال عرف. وسمى دارم دارماً لأن قوماً أتوا أباه مالكاً في حمالة فقال له: قم يا بحر فأتني بالخريطة – يعني خريطة كان له فيها مال – فحملها يدرم عنها ثقلاً، والدرمان: تقارب الخطو، فقال لهم: جاءكم يدرم بها، فسمى دارماً، وسمي أبوه مالك عرفاً لجوده.

وأم غالب ليلى بنت حابس بن عقال بن محمد بن سفيان بن مجاشع.

وكان للفرزدق أخ يقال له هميم، ويلقب الأخطل، ليست له نباهة، فأعقب ابنا يقال له محمد، فمات والفرزدق حي فرثاه، وخبره يأتي بعد. وكان للفرزدق من الولد خبطة ولبطة وسبطة، وهؤلاء المعروفون، وكان له غيرهم فماتوا، ولم يعرفوا. وكان له بنات خمس أو ست. وأم الفرزدق – فيما ذكر أبو عبيدة – لينة بنت قرظة الضبية.

جده محيي الموءودات: وكان يقال لصعصعة محي الموءودات؛ وذلك أنه كان مر برجل من قومه، وهوي حفر بئراً، وامرأته تبكي، فقال لها صعصعة: ما يبكيك؟ قالت: يريد أن يئد ابنتي هذه، فقال له: ما حملتك على هذا؟ قال: الفقر. قال: إني اشتريها منك بناقتين يتبعهما أولادهما، تعيشون بألبانهما، ولا تئد الصبية، قال: قد فعلت، فأعطاه الناقتين وجملاً كان تحته فحلاً، وقال في نفسه: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فجعل على نفسه ألا يسمع بموءودة إلا فداها، فجاء الإسلام وقد فدى ثلثمائة موءودة، وقيل: أربعمائة.

أخبرني بذلك هاشم بن محمد الخزاعي، عن دماذ، عن أبي عبيدة.

وأخبرني بهذا الخبر محمد بن العباس اليزيدي وعلي بن سليمان الأخفش قالا: حدثنا أبو سعيد السكري، عن محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة عن عقال بن شبة قال: قال صعصعة: خرجت باغياً ناقتين لي فارقتين – والفارق: التي تفرق إذا ضربها المخاض فتندّ على وجهها، حتى تنتج – فرفعت لي نار فسرت نحوها، وهممت بالنزول، فجعلت النار تضئ مرة، وتخبو أخرى، فلم تزل تفعل ذلك حتى قلت: اللهم لك علي إن بلغتني هذه النار ألا أجد أهلها يوقدون لكربة يقدر أحد من الناس أن يفرجها إلا فرجتها عنهم، قال: فلم أسر إلا قليلاً حتى أيتها، فإذا حي من بني أنمار بن الهجيم بن عمرو بن تميم، وإذا أنا بشيخ حادر أشعر يوقدها في مقدم بيته، والنساء قد اجتمعن إلى امرأة ماخض، قد حبستهن ثلاث ليال. فسلمت فقال الشيخ: من أنت؟ فقلت أنا صعصعة بن ناجية بن عقال، قال: مرحباً بسيدنا، ففيم أنت يا بن أخي؟ فقلت: في بغاء ناقتين لي فارقتين عمي علي أثرهما، فقال: قد وجدتهما بعد أن أحيا الله بهما أهل بيت من قومك، وقد نتجناهما، وعطفت إحداهما على الأخرى، وهما تانك في أدنى الإبل. قال: قلت: ففيم توقد نارك منذ الليلة؟ قال: أوقدها لامرأة ماخض قد حبستنا منذ ثلاث ليال، وتكلمت النساء فقلن: قد جاء الولد، فقال الشيخ: إن كان غلاماً فوالله ما أدري ما أصنع به، وإن كانت جارية فلا أسمعن صوتها – أي اقتلها – فقلت: يا هذا ذرها فإنها ابنتك، ورزقها على الله، فقال: اقتلنها، فقلت: أنشدك الله، فقال: إني أراك بها حفياً، فاشترها مني، فقلت: إني أستريها منك، فقال: ما تعطيني؟ قلت: أعطيك إحدى ناقتي قال: لا، قلت: فأزيدك الأخرى، فنظر إلى جملي الذي تحتي، فقال: لا، إلا أن تزيدني جملك هذا، فإني أراه حسن اللون شاب السن، فقلت: هو لك والناقتان على أن تبلغني أهلي عليه، قال: قد فعلت، فابتعتها منه بلقوحين وجمل، وأخذت عليه عهد الله وميثاقه ليحسنن برها وصلتها ما عاشت، حتى تبين منه، أو يدركها الموت، فلما برزت من عنده حدثتني نفسي وقلت: إن هذه لمكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فآليت ألا يئد أحد بنتاً له إلا اشتريتها منه بلقوحين وجمل، فبعث الله عز وجل محمداً عليه السلام، وقد أحييت مائة موءودة إلا أربعاً، ولم يشاركني في ذلك أحد، حتى أنزل اله تحريمه في القرآن، وقد فخر بذلك الفرزدق في عدة قصائد من شعره، ومنها قصيدته التي أولها:

أبي أحد الغيثين صعصعة الـذي

 

متى تخلف الجوزاء والدلو يمطر

أجار بنات الوائدين ومـن يجـر

 

على الفقر يعلم أنه غير مخفـر

على حين لا تحيا البنات وإذ هـم

 

عكوف على الأصنام حو المدور

المدور: يعني الدوار الذي حول الصنم، وهو طوافهم .

أنا ابن الذي رد المنية فـضـلـه

 

فما حسب دافعت عنه بمـعـور

وفارق ليل من نسـاء أتـت أبـي

 

تمارس ريحاً ليلها غير مقـمـر

فقالت: أجر لي ما ولدت فإنـنـي

 

أتيتك من هزلي الحمولة مقـتـر

هجف من العثو الرؤوس إذا بـدت

 

له ابنة عام يحطم العظم منـكـر

رأس الأرض منها راحة فرمى بها

 

إلى خدد منها إلى شر مـخـفـر

فقال لها: فيئي فإنـي بـذمـتـي

 

لبنتك جار من أبيهـا الـقـنـور

إسلام أبيه على يد الرسول: ووفد غالب بن صعصعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأسلم وقد كان وفده أبوه صعصعة إلى النبي صلى الله عليه وسلم فأخبره بفعله في الموءودات، فاستحسنه وسأله: هل له في ذلك من أجر؟ قال: نعم فأسلم وعمر غالب، حتى لحق أمير المؤمنين علياً صلوات الله عليه بالبصرة، وأدخل إليه الفرزدق، وأظنه مات في إمارة زياد وملك معاوية.

أخبرني محمد بن الحسين الكندي وهاشم بن محمد الخزاعي، وعبد العزيز بن أحمد عم أبي قالوا: حدثنا الرياشي قال: حدثنا العلاء بن الفضل بن عبد الملك بن أبي سوية، قال: حدثني عقال بن كسيب أبو الخنساء العنبري، قال: حدثني الطفيل بن عمرو الربعي، عن ربيعة بن مالك بن حنظلة، عن صعصعة بن ناجية المجاشعي جد الفرزدق قال: قدمت على النبي صلى الله عليه وسلم، فعرض علي الإسلام، فأسلمت، وعلمني آيات من القرآن، فقلت: يا رسول الله إني عملت أعمالاً في الجاهلية هل لي فيها من أجر؟ فقال: وما عملت؟ فقلت: إني أضللت ناقتين لي عشراوين، فخرجت أبغيهما على جمل، فرفع لي بيتان في فضاء من الأرض، فقصدت قصدهما، فوجدت في أحدهما شيخاً كبيراً، فقلت له: هل أحسست من ناقتين عشراوين؟ قال: وما نارهما؟ – يعني السمة – فقلت: ميسم بني دارم، فقال: قد أصبت ناقتيك ونتجناهما، وظأرتا على أولادهما ونعش الله بهما أهل بيت من قومك من العرب من مضر، فبينا هو يخاطبني إذ نادته امرأة من البيت الآخر: قد ولدت، فقال: وما ولدت؟ إن كان غلاماً فقد شركنا في قوتنا، وإن كانت جارية فادفنوها، فقالت: هي جارية: أفأئدها؟ فقلت: وما هذا المولود؟ قالت: بنت لي، فقلت: إني أشتريها منك، فقال: يا أخا بني تميم، أتقول لي: أتبيعني ابنتك وقد أخبرتك أني من العرب من مضر؟ فقلت: إني لا أشتري منك رقبتها، إنما أشتري دمها لئلا تقتلها، فقال: وبم تشتريها؟ فقلت: بناقتي هاتين وولديهما. قال: لا حتى تزيدني هذا البعير الذي تركبه: قلت: نعم، على أن ترسل معي رسولاً فإذا بلغت أهلي رددت إليك البعير ففعل، فلما بلغت أهلي رددت إليه البعير، فلما كان في بعض الليل فكرت في نفسي فقلت: إن هذه مكرمة ما سبقني إليها أحد من العرب، فظهر الإسلام وقد أحييت ثلثمائة وستين موءودة، أشتري كل واحدة منهن بناقتين عشراوين وجمل، فهل لي في ذلك من أجر يا رسول الله؟ فقال عليه السلام: هذا باب من البر، ولك أجره إذ من الله عليك بالإسلام، قال عباد: ومصداق ذلك قول الفرزدق:

وجدي الذي منع الوائدات

 

وأحيا الوئيد فـلـم يوأد

أخبرني محمد بن يحيى، عن الغلابي، عن العباس بن بكار، عن أبي بكر الهذلي قال: وفد صعصعة بن ناجية جد الفرزدق على رسول الله صلى الله عليه وسلم في وفد من تميم، وكان صعصعة قد منع الوئيد في الجاهلية، فلم يدع تميماً تئد، وهو يقدر على ذلك، فجاء الإسلام وقد فدى أربعمائة جارية، فقال للنبي صلى الله عليه وسلم: أوصني، فقال: أوصيك بأمك وأبيك وأخيك وأختك وإمائك، قال: زدني، قال: احفظ ما بين لحييك، وما بين رجليك.

ثم قال له عليه السلام: ما شيء بلغني عنك فعلته؟ قال: يا رسول الله رأيت الناس يموجون على غير وجه، ولم أدر أين الوجه، غير أني علمت أنهم ليسوا عليه، ورأيتهم يئدون بناتهم، فعلمت أن ربهم لم يأمرهم بذلك، فلم أتركهم يئدون، وفديت من قدرت عليه.

وروى أبو عبيدة أنه قال للنبي صلى الله عليه وسلم: إني حملت حمالات في الجاهلية والإسلام، وعلي منها ألف بعير، فأديت من ذلك سبعمائة، فقال له: إن الإسلام أمر بالوفاء، ونهى عن الغدر، فقال: حسبي حسبي، ووفى بها.

وروي أنه إنما قال هذا القول لعمر بن الخطاب، وقد وفد إليه في خلافته.

وكان صعصعة شاعراً وهو الذي يقول: أنشدنيه محمد بن يحيى له:

إذا المرء عادى من يودك صدره

 

وكان لمن عاداك خدنا مصافـيا

فلا تسألن عمـا لـديه فـإنـه

 

هو الداء لا يخفي بذلك خافـيا

أبوه يعطي دون أن يسأل: أخبرني محمد بن يحيى، عن محمد بن زكريا؛ عن عبد الله بن الضحاك، عن الهيثم بن عدي، عن عوانة قال:  تراهن نفر من كلب ثلاثة على أن يختاروا من تميم وبكر نفراً ليسائلوهم، فأيهم أعطى، ولم يسألهم عن نسبهم من هم؟ فهو أفضلهم، فاختار كل رجل منهم رجلاً؛ والذين اختيروا عمير بن السليك، بن قيس بن مسعود الشيباني، وطلبة بن قيس بن عاصم المنقري، وغالب بن صعصعة المجاشعي أبو الفرزدق، فأتوا ابن السليك فسألوه مائة ناقة، فقال: من أنتم؟ فانصرفوا عنه.

ثم أتوا طلبة بن قيس، فقال لهم مثل قول الشيباني، فأتوا غالباً، فسألوه، فأعطاهم مائة ناقة وراعيها، ولم يسألهم من هم فساروا بها ليلة، ثم ردوها، وأخذ صاحب غالب الرهن، وفي ذلك يقول الفرزدق:

وإذا ناحبت كلب على الناس أيهم

 

أحق بتاج الماجد المـتـكـرم

على نفرهم من نزار ذوي العلا

 

وأهل الجراثيم التي لم تـهـدم

فلم يجز عن أحسابهم غير غالب

 

جرى بعنان كل أبيض خضرم

سحيم يعجز عن مباراة أبيه في كرمه: أخبرني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة، عن جهم السليطي، عن إياس بن شبة، عن عقال بن صعصعة، قال: أجدبت بلاد تميم، وأصابت بن يحنظلة سنة في خلافة عثمان، فبلغهم خصب عن بلاد كلب بن وبرة، فانتجعتها بنو حنظلة، فنزلوا أقصى الوادي، وتسرع غالب بن صعصعة فيهم وحده دون بني مالك بن حنظلة، ولم يكن مع بني يربوع من بني مالك غير غالب، فنحر ناقته فأطعمهم إياها، فلما وردت إبل سحيم بن وثيل الرياحي حبس منها ناقة، فنحرها من غد، فقيل لغالب: إنما نحر سحيم مواءمة لك – أي مساواة لك – فضحك غالب، وقال: كلا، ولكنه امرؤ كريم، وسوف أنظر في ذلك، فلما وردت إبل غالب حبس منها ناقتين، فنحرهما، فأطعمهما بني يربوع، فعقر سحيم ناقتين، فقال غالب: الآن علمت أنه يوائمني، فقعر غالب عشراً، فأطعمها بني يربوع فعقر سحيم عشراً، فلما بلغ غالباً فعله ضحك، وكانت إبله ترد لخمس، فلما وردت عقرها كلها عن آخرها، فالمكثر يقول: كانت أربعمائة، والمقل يقول: كانت مائة، فأمسك سحيم حينئذ؛ ثم إنه عقر في خلافة علي بن أبي طالب صلوات الله عليه بكناسة الكوفة مائتي ناقة وبعير، فخرج الناس بالزنابيل والأطباق والحبال لأخذ اللحم، ورآهم علي رضي الله عنه، فقال: أيها الناس لا يحل لكم ، إنما أهل بها لغير الله عز وجل. قال: فحدثني من حضر ذلك قال: كان الفرزدق يومئذ مع أبيه وهو غلام، فجعل غالب يقول: يا بني، اردد علي، والفرزدق يردها عليه، ويقول له: يا أبت اعقر، قال جهم: فلم يغن عن سحيم فعله، ولم يجعل كغالب إذا لم يطق فعله.

يقيد نفسه حتى يحفظ القرآن: حدثني محمد بن يحيى عن محمد بن القاسم – يعني أبا العيناء – عن أبي زيد النحوي، عن أبي عمرو قال: جاء غالب أبو الفرزدق إلى علي بن إبي طالب صلوات الله عليه بالفرزدق بعد الجمل بالبصرة، فقال: إن ابني هذا من شعراء مضر فاسمع منه، قال: علمه القرآن، فكان ذلك في نفس الفرزدق، فقيد نفسه في وقت، وآلى: لا يحل قيده حتى يحفظ القرآن.

عريق في قرض الشعر: قال محمد بن يحيى: فقد صح لنا أن الفرزدق كان شاعراً موصوفاً أربعاً وسبعين سنة، وندع ما قبل ذلك، لأن مجيئه به بعد الجمل – على الاستظهار – كان في سنة ست وثلاثين، وتوفي الفرزدق في سنة عشر ومائة في أول خلافة هشام هو وجرير والحسن البصري وابن سيرين في ستة أشهر، وحكي ذلك عن جماعة، منهم الغلابي عن ابن عائشة عن أبيه.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي عن الغلابي، عن ابن عائشة أيضاً، عن أبيه قال: قال الفرزدق أيضاً: كنت أجيد الهجاء في أيام عثمان، قال: ومات غالب أبو الفرزدق في أول أيام معاوية ودفن بكاظمة فقال الفرزدق يرثيه:

لقد ضمت الأكـفـان مـن آل دارم

 

فتى فائض الكفين محض الضرائب

أيهما أشعر، هو أو جرير؟: أخبرني حبيب المهلبي قال: حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال: حدثني محمد بن عمران الضبي، قال: حدثني جعفر بن محمد العنبري، عن خالد بن أم كلثوم، قال: قيل للمفضل الضبي: الفرزدق أشعر أم جرير؟ قال الفرزدق: قال: قلت: ولم؟ قال: لأنه قال بيتاً هجا فيه قبيلتين ومدح فيه قبيلتين وأحسن في ذلك فقال:

عجبت لعجل إذ تهاجي عبيدها

 

كما آل يربوع هجوا آل دارم

فقيل له: قد قال جرير:

إن الفرزدق والبعيث وأمه

 

وأبا البعيث لشر ما إستار

فقال: واي شيء أهون من أن يقول إنسان: فلان وفلان وفلان والناس كلهم بنو الفاعلة!.

أخبرني عبد الله بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني موسى بن طلحة، قال: قال أبو عبيدة معمر بن المثنى: كان الشعراء في الجاهلية من قيس، وليس في الإسلام مثل حظ تميم في الشعر، وأشعر تميم جرير والفرزدق، ومن بني تغلب الأخطل.

قال يونس بن حبيب: ما ذكر جرير والفرزدق في مجلس شهدته قط فاتفق المجلس على أحدهما، قال: وكان يونس فردقياً.

يغتصب بيتين لابن ميادة: أخبرني عمي، عن محمد بن رستم الطبري، عن أبي عثمان المازني قال: مر الفرزدق بابن ميادة الرماح والناس حوله وهو ينشد:

لو أن جميع الناس كانوا بربوة

 

وجئت بجدي ظالم وابن ظالم

لظلت رقاب الناس خاضعة لنا

 

سجوداً على أقدامنا بالجماجم

فسمعه الفرزدق، فقال: أما والله يا بن الفارسية لتدعنه لي أو لنبشن أمك من قبرها، فقال له ابن ميادة: خذه لا بارك الله لك فيه، فقال الفرزدق:

لو أن جميع الناس كانوا بربوة

 

وجئت بجدي دارم وابن دارم

لظلت رقاب الناس خاضعة لنا

 

سجوداً على أقدامنا بالجماجم

عود إليه هو وجرير: أخبرني عمي، عن الكراني، عن أبي فراس الهيثم بن فراس، قال: حدثني ورقة بن معروف، عن حماد الرواية قال: دخل جرير والفرزدق على يزيد بن عبد الملك وعنده بنية له يشمها فقال جرير: ما هذه يا أمير المؤمنين عندك؟ قال: بنية لي، قال: بارك الله لأمير المؤمنين فيها. فقال الفرزدق: إن يكن دارم يضرب فيها فهي أكرم العرب، ثم أقبل يزيد على جرير فقال: مالك والفرزدق؟ قال: إنه يظلمني ويبغي علي، فقال الفرزدق: وجدت آبائي يظلمون آباءه فسرت فيه بسيرتهم، قال جرير: وأما والله لتردن الكبائر على أسافلها سائر اليوم، فقال الفرزدق: أما بك يا حمار بني كليب فلا، ولكن إن شاء صاحب السرير، فلا والله ما لي كفء غيره، فجعل يزيد يضحك.

أخبرنا عبد الله بن مالك، عن محمد بن حبيب، عن ابن الأعرابي، عن حماد الراوية قال: أنشدني الفرزدق يوماً شعراً له ثم قال لي: أتيت الكلب – يعني جريراً – قلت: نعم، قال: أفأنا أشعر أم هو؟ قلت: أنت في بعض وهو في بعض، قال: لم تناصحني، قال: قلت: هو أشعر منك إذا أرخي من خناقة، وأنت أشعر منه إذا خفت أو رجوت، قال: قضيت لي والله عليه وهل الشعر إلا في الخبر والشر.

قال: رورى عن أبي الزناد عن أبيه قال: قال لي جرير: يا أبا عبد الرحمن: أنا شعر أم هذا الخبيث – يعني الفرزدق – وناشدني لأخبرنه، فقلت: لا والله ما يشاركك ولا يتعلق بك في النسيب قال: أوه قضيت والله له علي، أنا والله أخبرك: ما دهاني، إلا أني هاجيت كذا وكذا شاعراً، فسمى عدداً كثيراً، وأنه تفرد لي وحدي.

خبره مع النوار: أخبرني عبد الله قال: قال المازني: قال أبو علي الحرمازي: كان من خبر الفرزدق والنوار ابنة أعين بن صعصعة بن ناجية بن عقال المجاشعي – وكانت ابنة عمه – أنه خطبها رجل من بني عبد الله بن دارم فرضيته، وكان الفرزدق وليها، فأرسلت إليه أن زوجني من هذا الرجل، فقال لا أفعل أو تشهديني أنك قد رضيت بمن زجتك، ففعلت، فلما توثق منها، قال: أرسلي إلى القوم فليأتوا، فجاءت بنو عبد الله بن دارم فشحنوا مسجد بني مجاشع وجاء الفرزدق، فحمد الله، وأثنى عليه ثم قال: قد علمتم أن النوار قد ولتني أمرها، وأشهدكم أني قد زوجتها نفسي على مائة نقاة حمراء سوداء الحدقة. فنفرت من ذلك وأرادت الشخوص إلى ابن الزبير حين أعياها أهل البصرة ألا يطلقوها من الفرزدق حتى يشهد لها الشهود، وأعياها الشهود أن يشهدوا لها اتقاء الفرزدق، وابن الزبير يومئذ أمير الحجاز والعراق يدعي له بالخلافة – فلم تجد من يحملها، وأتت فتية من بني عدي بن عبد مناة بن أد، يقال لهم بنو أم السير، فسألتهم برحم تجمعهم وإياها – وكانت بينها وبينهم قرابة – فأقسمت عليهم أمها: ليحملنها، فحملوها، فبلغ ذلك الفرزدق، فاستنهض عدة من أهل البصرة فأنهضوه، وأوقروا له عدة من الإبل، وأعين بنفقة، فتبع النوار، وقال:

أطاعت بني أم السير فأصبحـت

 

على شارف ورقاء صعب ذلولها

وإن الذي أمسى يخبب زوجتي

 

كماش إلى أسد الشرى يستبيلها

فأدركها وقد قدمت مكة، فاستجارت بخولة بنت منظور بن زيان بن سيار الفزاري، وكانت عند عبد الله بن الزبير، فلما قدم الفرزدق مكة اشرأب الناس إليه، ونزل على بني عبد الله بن الزبير، فاستنشدوه، واستحدثوه ثم شفعوا له إلى أبيهم، فجعل يشفعهم في الظاهر، حتى إذا صار إلى خولة قلبته عن رأيه، فمال إلى النوار، فقال الفرزدق في ذلك: صوت

أما بنوه فلم تقبل شفاعتـهـم

 

وشفعت بنت منظور بن زبانا

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزراً

 

مثل الشفيع الذي يأتيك عرياناً

لعريب في هذا البيت خفيف رمل.

قال: وسفر بينهما رجال من بني تميم كانوا بمكة، فاصطلحا على أن يرجعا إلى البصرة، ولا يجمعهما ظل ولاكن حتى يجمعا في أمرهما ذلك بني تميم، ويصيرا على حكمهم. ففعلا، فلما صارا إلى البصرة رجعت إليه النوار بحكم عشيرتها.
قال: وقال غير الحرمازي: إن ابن الزبير قال للفرزدق: جئني بصداقها وإلا فرقت بينكما، فقال الفرزدق: أنا في بلاد غربة فكيف أصنع؟ قالوا له: عليك بسلم بن زياد، فإنه محبوس في السجن يطالبه ابن الزبير بمال، فأتاه فقص عليه قصته قال: كم صداقها؟ قال: أربعة آلاف درهم، فأمر له بها وبألفين للنفقة، فقال الفرزدق:

دعي مغلقي الأبواب دون فعالهمولكن تمشي بي هبلت إلى سلم

 

إلى من يرى المعروف سهلاً سبيله

 

ويفـعـل أفـعـال الـرجـال الـتـي تـــنـــمـــي

قال: فدفعها غليه ابن الزبير، فقال الفرزدق:

هلمي لابن عمك لا تكونـي

 

كمختار على الفرس الحمارا

قال: فجاء بها إلى البصرة – وقد أحبلها – فقال جرير في ذلك:

ألا تلكم عرس الفرزدق جامحـاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

فأجابه الفرزدق، وقال:

وأمك لو لاقيتـهـا بـطـمـرة

 

وجاءت بها جوف استها لاستقرت

وقال الفرزدق وهو يخاسم النوار:

تخاصمني وقد أولجت فـيهـا

 

كرأس الضب يلتمس الجراداا

قال الحرمازي: ومكثت النوار عنده زماناً، ترضى عنه أحياناً، وتخاصمه أحياناً، وكانت النوار إمرأة صالحة، فلم تزل تشمشئز منه، وتقول له: ويحك! أنت تعلم أنك إنما تزوجت بي ضغطة وعلى خدعة، ثم لا تزال في كل ذلك، حتى حلفت بيمين مؤثة، ثم حنثت. وتجنبت فراشه، فتزوج عليها امرأة يقال لها جهيمة من بني النمر بن قاسط حلفاء لبني الحارث بن عباد بن ضبيعة وأمها الخميصة من بني الحارث بن عباد، فنافرته الخميصة، واستعدت عليه فأنكرها الفرزدق، وقال: إنها مني بريء طالق وطلق ابنتها، وقال:

إن الخميصة كانت لي ولابنتها

 

مثل الهراسة بين النعل والقدم

إذا أتت أهلها مني مطـلـقة

 

فلن أرد عليها زفرة الـنـدم

جعل يأتي النوار وبه ردع الخلوق وعليه الأثر فقالت له النوار: هل تزوجتها إلا هدادية – تعني حياً من أزد عمان – فقال الفرزدق في ذلك:

تريك نجوم الليل والشمس حـية

 

كرام بنات الحارث بن عـبـاد

أبوها الذي قاد النعامة بعـدمـا

 

أبت وائل في الحرب غير تماد

نساء أبوهن الأعز ولـم تـكـن

 

من الأزد في جاراتهـا وهـداد

ولم يك في الحي الغموض محلها

 

ولا في العمانـيين رهـط زياد

عدلت بها ميل النوار فأصبحـت

 

وقد رضيت بالنصف بعد بعـاد

قال: فلم تزل النوار ترققه، وتستعطفه، حتى أجابها إلى طلاقها، وأخذ عليها ألا تفارقه ولا تبرح من منزله، ولا تتزوج رجلاً بعده، ولا تمنعه من مالها ما كانت تبذله له، وأخذت عليه أن يشهد الحسن البصري على طلاقها، ففعل ذلك.

قال المازني: وحدثني محمد بن روح العدوي عن أبي شفقل راوية الفرزدق قال: ما استصحب الفرزدق أحداً غيري وغير راوية آخر، وقد صحب النوار رجال كثيرة، إلا أنهم كانوا يلوذون بالسواري خوفاً من أن يراهم الفرزدق، فأتيا الحسن فقال له الفرزدق: يا أبا سعيد، قال له الحسن: ما تشاء؟ قال: أشهد أن النوار طالق ثلاثاً، فقال الحسن: قد شهدنا، فلما انصرفنا قال: يا أبا شفقل، قد ندمت، فقلت له: والله إني لأظن أن دمك يترقرق، أتدري من أشهدت؟ والله لئن رجعت لترجمن بأحجارك، فمضى وهو يقول:

ندمت ندامة الكسعي لـمـا

 

غدت مني مطلـقة نـوار

ولو أني ملكت يدي وقلبـي

 

لكان علي للقدر الـخـيار

وكانت جنتي فخرجت منها

 

كآدم حين أخرجه الضرار

وكنت كفاقئ عينيه عمـداً

 

فأصبح ما يضيء له النهار

يخاصم كل من يمد يده لمساعدة النوار: وأخبرني بخبره مع النوار أحمد بن عبد العزيز، قال: حدثنا عمر بن شبة، قال: حدثني محمد بن يحيى، عن أبيه يحيى بن علي بن حميد: أن النار لما كرهت الفرزدق حين زوجها نفسه لجأت إلى بني قيس بن عاصم المنقري ليمنعوها فقال الفرزدق فيهم:

بني عاصم لا تجبوها فإنكـم

 

ملاجئ للسوآت دسم العمائم

بَني عاصمٍ لو كان حَيّا أبوكـم

 

للام بنيه اليوم قيس بن عاصم

فبلغهم ذلك الشعر، فقالوا: والله لئن زدت على هذين البيتين لنقتلنك غيلة، وخلوه والنوار وأرادت منافرته إلى ابن الزبير، فلم يقدر أحدٌ على أن يكريها خوفاً منه. ثم إن قوماً من بني عدي يقال لهم بنو أم النسير أكروها، فقال الفرزدق:

ولولا أن يقول بنو عدي

 

ألم تك أم حنظلة النوار

أتتكم يا بني ملكان عني

 

قواف لا تقسمها التجار

وقال فيهم أيضاً:

لعمري لقد أردى النوار وسـاقـهـا

 

إلى البور أحلام خفاف عقـولـهـا

أطاعت بني أم السير فأصـبـحـت

 

على قتب يعلو الـفـلاة دلـيلـهـا

وقد سخطت مني النوار الذي ارتضى

 

به قبلها الأزواج خاب رحـيلـهـا

وإن امرأ أمسى يخبـت زوجـتـي

 

كساع إلى أسد الشرى يستبـيلـهـا

ومن دون أبـواب الأسـود بـسـالة

 

وبسطة أيد يمنع الضيم طـولـهـا

وإن أمير الـمـؤمـنـين لـعـالـم

 

بتأويل ما وصى العباد رسـولـهـا

فدونكها يا بـن الـزبـير فـإنـهـا

 

مولعة يوهي الحجـارة قـيلـهـا

وما جادل الأقوام من ذي خصـومة

 

كورهاء مشنوء إليها حـلـيلـهـا

فلما قدمت مكة نزلت على تماضر بنت منظور بن زيان زوجة عبد الله بن الزبير، ونزل الفرزدق بحمزة بن عبد الله بن الزبير، ومدحه بقوله:

أمسيت قد نزلت بحمزة حاجـتـي

 

إن المنوه باسـمـه الـمـوثـوق

بأبي عمارة خير من وطئ الححصا

 

وجرت له في الصالحين عـروق

بين الحـواري الأعـز وهـاشـم

 

ثم الخلـيفة بـعـد والـصـديق

غنى في هذه الأبيات ابن سريج رملاً بالبنصر.
قال: فجعل أمر النوار يقوى، وأمر الفرزدق يضعف، فقال:

أما بنوه فلم تقبل شفاعتـهـم

 

وشفعت بنت منظور بن زبانا

ملاحاة بينه وبين ابن الزبير: وقال ابن الزبير للنّوار: إن شئت فرقت بينكما، وقتلته، فلا يهجونا أبداً، وإن شئت سيرته إلى بلاد العدو، فقالت: ما أريد واحدة منهما، فقال لها: فإنه ابن عمك وهو فيك راغب، فأزوجك إياه، قالت نعم، فزوجها منه، فكان الفرزدق يقول: خرجنا ونحن متباغضان، فعدنا متحابين.

قال: وكان الفرزدق قال لعبد الله بن الزبير – وقد توجه الحكم عليه – إنما تريد أن أفارقها فتثب عليها، وكان ابن الزبير حديداً، فقال له: هل أنت وقومك إلا جالية العرب؟.

ثم أمر به فأقيم، وأقبل على من حضر، فقال: إن بني تميم كانوا وثبوا على البيت قبل الإسلام بمائة وخمسين سنة، فاستلبوه، فاجتمعت العرب عليها لما انتهكت منه ما لم ينتهكه أحد قط، فأجلتها من أرض تهامة، قال: فلقي الرزدق بعض الناس، فقال: إيه يعيرنا ابن الزبير بالجلاء! اسمع، ثم قال:

فإن تغضب قريش أو تغضب

 

فإن الأرض توعبها تـمـيم

هم عدد النجوم وكـل حـي

 

سواهم لا تعد لـه نـجـوم

ولولا بيت مكة ما ثـويتـم

 

بها صح المنابـت والأروم

بها كثر العديد وطاب منكـم

 

وغيركم أخيذ الريش هـيم

فمهلاً عن تعلل من غدرتـم

 

بخونته وعذبه الـحـمـيم

أعبد الله مهلاً عـن أذاتـي

 

فإني لا الضعيف ولا السئوم

ولكني صفاة لـم تـدنـس

 

تزل الطير عنها والعصوم

أنا ابن العاقر الخور الصفايا

 

بضوي حين فتحت العكـوم

قال: فبلغ هذا الشعر ابن الزبير، وخرج للصلاة فرأى الفرزدق في طريقه، فغمز عنقه، فكاد يدقها، ثم قال:

لقد أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

وقال: هذا الشعر لجعفر بن الزبير.

وقيل: إن الذي كان تقرر عليه عشرة آلاف درهم، وإن سلم بن زياد أمر له بعشرين ألف درهم مهراً ونفقة، فقبضها، فقالت له زوجته أم عثمان بنت عبد الله بن عمرو بن أبي العاص الثقفية: أتعطي عشرين ألف درهم وأنت محبوس؟ فقال:

ألا بـكـرت عـرســـي تـــلـــوم ســـفـــاهة

 

علـى مـا مـضـى مـنـي وتـأمـر بـالـبـــخـــل

فقلت لها والجود مني سجية :وعل يمنع المعروف سواله مثلي؟

 

 

ذريني فإني غير تارك شيمتي

 

ولا مـقـصـر طـول الـحــياة عـــن الـــبـــذل

ولا طــارد ضـــيفـــي إذا جـــاء طـــارقـــاً

 

وقـد طـرق الأضـياف شـيخـي مـن قــبـــلـــي

أأبـخـل؟ إن الـبـخـل لـيس بـــمـــخـــلـــدي

 

ولا الـجـود يدنـينـي إلـى الـمـوت والــقـــتـــل

أبــيع بـــنـــي حـــرب بـــآل خـــويلـــد!

 

ومـا ذاك عـنـد الـلـه فـي الـبـيع بــالـــعـــدل؟

ولـيس ابـن مـروان الـخـلـيفة مــشـــبـــهـــاً

 

لفـحـل بـنـي الـعـوام، قـبـح مـــن فـــحـــل

فإن تـظـهـروا لـي الـبـــخـــل آل خـــويلـــد

 

فمـا دأبـكـم دأبـي ولا شـكـلـكـم شـــكـــلـــي

وإن تـقـهـرونـي حـين غـابـت عـــشـــيرتـــي

 

فمـن عـجـب الأيام أن تـقـهــروا مـــثـــلـــي

فلما اصطلحا، ورضيت به، ساق إليها مهرها، ودخل بها، وأحبلها قبل أن يخرج من مكة.

ثم خرجا وهما عديلان في محمل.

يستصرخ حمزة بن عبد الله بن الزبير: وأخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام، عن إبراهيم بن حبيب بن الشهيد بنحو من هذه القصة.
قال عمر بن شبة: قال الفرزدق في خبره:

يا حمز هل لك في ذي حاجة عرضت

 

أنضاؤه بمكـان غـير مـمـطـور

فأنت أحرى قريش أن تكـون لـهـا

 

وأنت بين أبي بـكـر ومـنـظـور

بين الحواري والصديق في شـعـب

 

ثبتن في طنـب الإسـلام والـخـير

يتقون لسانه: أخبرنا أبو خليفة قال: حدثنا محمد بن سلام قال: حدثنا عبد القاهر بن السري السلمي، قال: كان فتى من بني حرام شويعر هجا الفرزدق، قال: فأخذناه، فأتينا به الفرزدق وقلنا: هذا بين يديك فإن شئت فاضرب، وإن شئت فاحلق، فلا عدوى عليك ولا قصاص، قد برئنا إليك منه، فخلى سبيله وقال:

فمن يك خائفاً لأذاة شعري

 

فقد أمن الهجاء بنو حرام

هم قادوا سفيههم وخافـوا

 

قلائد مثل أطواق الحمام

ليس طريقه إلى جهنم: قال ابن سلام: وحدثني عبد القاهر قال: مر الفرزدق بمجلسنا مجلس بني حرام ومعنا عنبسة مولى عثمان بن عفان، فقال: يا أبا فراس، متى تذهب إلى الآخرة؟ قال: وما حاجتك إلى ذاك يا أخي؟ قال: أكتب معك إلى أبي، قال: أنا لا أذهب إلى حيث أبوك، أبوك في النار، أكتب إليه مع ريالويه واصطقانوس.

يغضب على ابن الكلبي لعدم روايته شعره: أخبرني الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه قال: أخبرني مخبر، عن خالد بن كلثوم الكلبيّ، قال: مررت بالفرزدق، وقد كنت دوّنت شيئاً من شعره وشعر جرير، وبلغه ذلك، فاستجلسني، فجلست إليه وعذت بالله من شره، وجعلت أحدثه حديث أبيه وأذكر له ما يعجبه، ثم قلت له: إني لأذكر يوم لقبك بالفرزدق، قال: وأي يوم؟ قلت: مررت به وأنت صبي، فقال له بعض من كان يجالسه: كأن ابنك هذا الفرزدق دهقان الحيرة في تيهه وأبهته، فسماك بذلك، فأعجبه هذا القول، وجعل يستعيد، ثم قال: أنشدني بعض أشعار ابن المراغة في، فجعلت أنشده، حتى انتهيت، ثم قال: فأنشد نقائضها التي أجبته بها، فقلت: ما أحفظها، فقال: يا خالد، أتحفظ ما قاله في ولا تحفظ نقائضه؟ والله لأهجون كلباً هجاء يتصل عاره بأعقابها إلى يوم القيامة، إن لم تقم حتى تكتب نقائضها أو تحفظها وتنشدنيها، فقلت: أفعل فلزمته شهراً، حتى حفظت نقائضها، وأنشدته إياها خوفاً من شره.

يكابد النوار بحدراء فتستعدي عليه جريراً: أخبرني عبد الله بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني الأصمعي قال: تزوج الفرزدق حدراء بنت زيق بن بسطام بن قيس الشيباني، وخاصمته النوار وأخذت بلحيته، فجاذبها وخرج عنها مغضباً وهو يقول:

قامت نوار إلي تنتف لحيتـي

 

تنتاف جعدة لحية الخشخاش

كلتاهما أسد إذا ما أغضبـت

 

وإذا رضين فهن خير معاش

قال: والخشخاش رجل من عنزة، وجعدة امرأته، فجاءت جعدة إلى النوار، فقالت: ما يريد مني الفرزدق؟ أما وجد لامرأته أسوة غيري.
وقال الفرزدق للنوار يفضّل عليها حدراء.

لعـمــري لأعـــرابـــية فـــي مـــظـــلة

 

تظـل بـروقـي بـيتـهـا الـريح تـــخـــفـــق

أحـب إلـينـا مـــن ضـــنـــاك ضـــفـــنة

 

إذا وضـعـت عـنـهـا الـمـــراويح تـــعـــرق

كريم غزال أو كدرة غائصتكاد إذا مرت لها الأرض تشرق

 

 

فلما سمعت النوار ذلك أرسلت إلى جرير، وقالت للفرزدق: والله لأخزينك يا فاسق فجاء جرير، فقالت له: أما ترى ما قال الفاسق، وشكته إليه، وأنشدته شعره، فقال جرير: أنا أكفيك، وأنشأ يقول:

ولست بمعطي الحكم عن شف منصب

 

ولا عن بنات الحنظـلـيّين راغـب

وهن كماء المزن يشفى به الصـدى

 

وكانت ملاحاً غيرهن الـمـشـارب

لقد كنت أهـلاً أن يسـوق دياتـكـم

 

إلى آل زيق أن بـعـيبـك عـائب

وما عدلت ذات الصلـيب ظـعـينة

 

عتيبة والردفان منـهـا وحـاجـب

أأهديت يا زيق بن بسطـام طـبـية

 

إلى شر من تهدى إلـيه الـقـرائب

ألا ربما لم نعط زيقـا بـحـكـمـه

 

وأدى إلينا الحـكـم والـغـل لازب

حوينـا أبـا زيق وزيقـاً وعـمــه

 

وجده زيق قد حوتها الـمـقـانـب

فأجابه الفرزدق فقال:

تقـول كـلـيب حـين مـثـت ســبـــالـــهـــا

 

وأعـشـب مـن مـروتـهــا كـــل جـــانـــب

لسـواق أغـــنـــام رعـــتـــهـــن أمـــه

 

إلـى أن عـلاهـا الــشـــيب فـــوق الـــذوائب

ألـسـت إذا الـقـعـســاء مـــرت بـــراكـــب

 

إلـى آل بـسـطـام بـن قـيس بـــخـــاطـــب

وقـالـوا: سـمـعــنـــا أن حـــدراء زوجـــت

 

علـى مــائة شـــم الـــذرى والـــغـــوارب

فلـو كـنـت مـن أكـفـاء حـدراء لــم تـــلـــم

 

علـى دارمـي بــين لـــيلـــى وغـــالـــب

فنـل مـثـلـهـا مـن مـثـلـهـم ثــم أمـــهـــم

 

بمـلـكــك مـــن مـــال مـــراح وعـــازب

وإني لأخشى إن خطبت إليهم عليك الذي لاقى يسار الكواعب

 

 

ولو تنكح الشمس النجوم بناتها

 

نكـحـنـا بـنـات الـشـمـس قـبـل الـكـواكـــب

وفي المناقضات التي دارت بين الفرزدق وجرير حول زواج بنت زيق، قال جرير أبياته التي أولها:

يا زيق أنحكت قيناً في استـه حـمـم

 

يا زيق ويحك من أنـكـحـت يا زيق

أين الألى أنزلوا النعـمـان ضـاحـية

 

أم أين أبناء شـيبـان الـغـرانـيق؟

يا رب قائلة بـعـد الـبـنـاء بـهـا:

 

لا الصهر راض ولا ابن القين معشوق

غاب المثنى فلم يشهـد نـجـيكـمـا

 

والحوفزان ولم يشـهـدك مـفـروق

والفرزدق يقول لجرير:

إن كان أنفك قد أعياك محمـلـه

 

فاركب أتانك ثم اخطب إلى زيق

خبران عن ولديه: أخبرني الحسن بن يحيى، عن حماد، عن أبيه، عن الهيثم بن عدي، عن زكريا بن ثباة الثقفي قال: أنشدني الفرزدق قصيدته التي فيها ابنه، فلما انتهى إلى قوله:

بفي الشامتين الصخر إن كان مسني

 

رزية شبل مخدر في الضراغـم

فلما فرغ قال: يا أبا يحيى، أرأيت ابني؟ قلت: لا، قال: والله ما كان يساوي عباءته.

بنو تغلب أعطوا ابنه مائة ناقة: قال إسحاق: حدثني أبو محمد العبدي، عن اليربوعي، عن أبي نصر قال: قدم لبطة بن الفرزدق الحيرة، فمر بقوم من بني تغلب فاستقراهم فقروه، ثم قالوا له: من أنت؟ قال: ابن شاعركم ومادحكم، وأنا والله ابن الذي يقول فيكم:

أضحى لتغلب من تميم شاعـر

 

يرمي الأعادي بالقريض الأثقل

إن غاب كعب بني جعيل عنهم

 

وتنمر الشعراء بعد الأخطـل

يتباشرون بمـوتـه ووراءهـم

 

مني لهم قطع العذاب المرسل

فقالوا له: فأنت ابن الفرزدق إذاً، قال: أنا هو، فتنادوا: يا آل تغلب، اقضوا حق شاعركم والذائد عنكم في ابنه، فجعلوا له مائة ناقة، وساقوها إليه، فانصرف بها.

عمرو بن عفراء يتحداه: أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: أتى الفرزدق عبد الله بن مسلم الباهلي فسأله فثقل عليه الكثير، وخشية في القليل، وعنده عمرو بن عفراء الضبي راوية الفرزدق وقد كان هجاه جرير لروايته للفرزدق في قوله:

ونبئت جوابـاً وسـلـمـاً يسـبـنـي

 

وعمرو بن عفري. لا سلام على عمرو

فقال ابن عفراء للباهلي: لا يهولنك أمره، أنا أرضيه عنك فأرضاه بدون ما كان هم له به، فأعطاه ثلثمائة درهم، فقبلها الفرزدق ورضي عنه، فبلغه بعد ذلك صنيع عمرو فقال:

ستعلم يا عمرو بن عفري من الذي

 

يلام إذا ما الأمر غبت عواقـبـه

نهيت ابن عفرى أن يعفـر أمـه

 

كعفر السلا إذا جررته ثعالـبـه

فلو كنت ضبياً صفحت ولو سرت

 

على قدمي حياته وعـقـاربـه

ولـكـن ديافـي أبـوه وأمــه

 

بحوران يعصرن السليط أقاربـه

ولما رأى الدهنا رمته جبـالـهـا

 

وقالت ديافي مع الشام جانـبـه

فإن تغضب الدهنا عليك فما بهـا

 

طريق لمرتاد تـقـاد ركـائبـه

تضن بمال الباهـلـي كـأنـمـا

 

تضن على المال الذي أنت كاسبه

وإن امرأ يغتابني لـمـا أطـألـه

 

حريماً ولا ينهاه عنـي أقـاربـه

كمحتطب يوما أسـاود هـضـبة

 

أتاه بها في ظلمة الليل حاطـبـه

أحين التقى ناباي وابيض مسحلـي

 

وأطرق إطراق الكرى من يجانبه

فقال ابن عفراء، وأتاه في نادي قومه: أجهد جهدك، هل هو إلا أن تسبني، والله لا أدع لك مساءة إلا أتيتها، ولا تأمرني بشيء إلا اجتنبتُه ولا تنهاني عن شيء إلا ركبته، قال: فاشهدوا أني أنهاه أن ينيك أمه، فضحك القوم وخجل ابن عفري.
يتطفل فيجاز: أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا شعيب بن صخر قال: تزوج ذبيان بن أبي ذبيان العدوي من بلعدوية، فدعا الناس في وليمته، فدعا ابن أبي شيخ الفقيمي، فألقى الفرزدق عنده، فقال له: يا أبا فراس، انهض، قال: إنه لم يدعني، قال: إن ابن ذبيان يؤتى وإن لم يدعُ، ثم لا تخرج من عنده إلا بجائزة فأتياه، فقال الفرزدق حين دخل:

كم قال لي ابن أبي شيخ وقلت له:

 

كيف السبيل إلى معروف ذبـيان

إن القلوص إذا ألقت جـآجـئهـا

 

قدام بابك لم نرحل بـحـرمـان

قال: أجل يا أبا فراس فدخل فتغدى عنده، وأعطاه ثلثمائة درهم.

يريد أن يتحدى الناس الموت: أخبرني أبو خليفة عن محمد بن سلام قال: حدثني أبو بكر المدنيّ قال: دخل الفرزدق الميدنة فوافق فيها موت طلحة بن عبد الرحمن بن عوف الزهري – وكان سيداً سخياً شريفاً – فقال: يا أهل المدينة، أنتم أذل قوم لله، قالوا: وما ذاك يا أبا فراس؟ قال: غلبكم الموت على طلحة حتى أخذه منكم.

يعطي عروضاً بدل النقد: وأتى مكة، فأتى عمرو بن عبد الله بن صفوان بن أمية بن خلف الجمحي – وهو سيد أهل مكة يومئذ – وليس عنده نقد حاضر، وهو يتوقع أعطيته وأعطية ولده وأهله، فقال: والله يا أبا فراس، ما وافقت عندنا نقداً، ولكن عروضاً إن شئت، فعندنا رقيق فرهة، فإن شئت أخذتهم، قال: نعم، فأرسل له بوصفاء من بنيه وبني أخيه، فقال: هم لك عندنا حتى تشخص، وجاءه العطاء، فأخبره الخبر وفداهم، فقال الفرزدق ونظر إلى عبد العزيز بن عبد الله بن خالد بن أسيد وكان يطوف بالبيت الحرام يتبختر:

تمشي تبختر حول البيت منتخبـاً

 

لو كنت عمرو بن عبد الله لم تزد

يحتج بشعره: أخبرنا أبو خليفة، عن محمد بن سلام، قال: حدثنا عامر بن أبي عامر – وهو صالح بن رستم الخراز – قال: أخبرني أبو بكر الهذلي قال: إنا لجلوس عند الحسن إذ جاء الفرزدق يتخطى حتى جلس إلى جنبه، فجاء رجل، فقال: يا أبا سعيد: الرجل يقول: لا والله، بلى والله في كلامه، قال: لا يريد اليمين، فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلت في ذلك؟ قال الحسن: ما كل ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:

ولست بمأخوذ بلغو تقولـه

 

إذا لم تعمد عاقدات العزائم

قال: فلم ينشب أن جاء رجل آخر، فقال: يا أبا سعيد. نكون في هذه المغازي فنصب المرأة لها زوج، أفيحل غشيانها وإن لم يطلقها زوجها؟ فقال الفرزدق: أو ما سمعت ما قلتُ في ذلك؟ قال الحسن: ما كل ما قلت سمعوا فما قلت؟ قال: قلت:

وذات حليل أنكحتنا رماحنـا

 

حلالاً لمن يبني بها لم تطلق

يهجو إبليس: قال أبو خليفة: أخبرني محمد بن سلام، وأخبرني محمد بن جعفر قالا: أتى الفرزدق الحسن، فقال: إني هجوت إبليس فاسمع؟ قال لا حاجة لنا بما تقول، قال: لتسمعن أو لأخرجن، فأقول للناس: إن الحسن ينهى عن هجاء إبليس، قال: اسكت فإنك بلسانه تنطق.

الحسن يتمثل بالشعر: قال محمد بن سلام: أخبرني سلام أبو المنذر، عن علي بن زيد قال: ما سمعت الحسن متمثلاً شعراً قط إلا بيتاً واحداً وهو قوله:

الموت باب وكل الناس داخـلـه

 

فليت شعري بعد الباب ما الدار؟

قال: وقال لي يوماً: ما تقول في قول الشاعر:

لولا جرير هلكت بجيلة

 

نعم الفتى وبئست القبيلة

أهجاه أم مدحه؟ قلت: مدحه وهجا قومه، قال: ما مدح من هجي قومه.
وقال جرير بن حازم: ولم أسمعه ذكر شعراً قط إلا:

ليس من مات فاستراح بميت

 

إنما الميت مـيت الأحـياء

هل ينقض الشعر الوضوء: وقال رجل لابن سيرين وهو قائم يستقبل القبلة يريد أن يكبر: أيتوضأ من الشعر؟ فانصرف بوجهه إليه فقال:

ألا أصبحت عرس الفرزدق ناشزاً

 

ولو رضيت رمح استه لاستقرت

ثم كبر.
من أبياته السيارة: قال ابن سلام: وكان الفرزدق أكثرهم بيتاً مقلداً – والمقلد: المغني المشهور الذي يضرب به المثل – من ذلك قوله:

فيا عجباً حتـى كـلـيب تـسـبـنـي

 

كأن أباها نـهـشـل أو مـجـاشـع

وقوله: ليس الكرام بناحلـيك أبـاهـم

 

حتى يرد إلـى عـطـية نـهـشـل

وقوله: وكنا إذا الجبار صـعـر خـده

 

ضربناه حتى تـسـتـقـيم الأخـادع

وقوله: وكنت كذئب السوء لما رأى دما

 

بصاحبه يومـاً أحـال عـلـى الـدم

وقوله: ترجي ربيع أن تجيء صغارها

 

بخير وقد أعيا ربيعـاص كـبـارهـا

وقوله: أكلت دوابرها الإكام فمشـيهـا

 

ممـا وجـئن كـمـشـية الإعــياء

وقوله: قوارص تأتيني وتحتقرونـهـا

 

وقد يملأ القطـر الإنـاء فـيفـعـم

وقوله: أحلامنا تزن الـجـبـال رزانة

 

وتخالـنـا جـنـا إذا مـا نـجـهـل

وقوله: وإنك إذ تسعى لتـدرك دارمـا

 

لأنت المعنى يا جرير الـمـكـلـف

وقوله: فإن تنج مني تنج من ذي عظيمة

 

وإلا فـإنـي لا إخـالـك نـاجــيا

وقوله: ترى كل مظلوم ألينـا فـراره

 

ويهرب منـا جـهـده كـل ظـالـم

وقوله:

ترى الناس ما سرنا يسيرون حولنا

 

وإن نحن أومأنا إلى الناس وقفوا

 

وقوله: فسيف بني عبس وقد ضربوا به

 

نبا بيدي ورقـاء عـن رأس خـالـد

كذاك سيوف الهند تنبـو ظـبـاتـهـا

 

ويقطعن أحيانـاً مـنـاط الـقـلائد          

وكان يداخل الكلام، وكان ذلك يعجب أصحاب النحو، من ذلك قوله يمدح هشام بن إسماعيل المخزومي خال هشام بن عبد الملك:

وأصـبـح مـا فـي الـنــاس إلا مـــمـــلـــكـــاً

 

أبـــو أمـــه حـــي أبـــوه يقـــاربـــــــه

وقـولـه: تـالـلـه قـد سـفــهـــت أمـــية رأيهـــا

 

فاسـتـجـهـلـت سـفـهـاؤهـا حــلـــمـــاءهـــا

وقـولـه: ألـسـتـم عـائجـين بــنـــا لـــعـــنـــا

 

نرى الـــعـــرصـــات أو أثـــر الـــخـــــيام

فقـالـوا: إن فـعـــلـــت فـــأغـــن عـــنـــا

 

دمـــوعـــاً غـــير راقـــئة الـــســـجــــام

وقـولـه: فـهـل أنـت إن مـاتـت أتــانـــك راحـــل

 

إلـى آل بـسـطـام بــن قـــيس فـــخـــاطـــب

وقـولـه: فـنـل مـثـلـهـا مـن مـثـلـهـم ثـم دلـهــم

 

علــى دارمـــي بـــين لـــيلـــى وغـــالـــب

وقوله: تعال فإن عاهدتني لا تخوننينكن مثل من يا ذئب يصطحبان

 

 

وقوله: إنا وإياك إن بلغن أرحلنا

 

كمـن بـواديه بـعـد الـمــحـــل مـــمـــطـــور

وقـولـه: بـنــى الـــفـــارق أمـــك وابـــن أروى

 

به عـثــمـــان مـــروان الـــمـــصـــابـــا

وقـولـه: إلـى مـلـك مـا أمـه مـــن مـــحـــارب

 

أبـوه ولا كـانــت كـــلـــيب تـــصـــاهـــره

وقـولـه: إلـيك أمـير الـمـؤمـنـين رمـــت بـــنـــا

 

همـوم الـمـنـا والـهـوجـل الـمــتـــعـــســـف

وعـــض زمـــان يا بـــن مـــروان لــــــم يدع

 

من الـمـال إلا مـسـحـــتـــاً أو مـــجـــلـــف

وقـولـه: ولـقـد دنـت لـك بـالـتـخـلـــف إذ دنـــت

 

منـــهـــا بـــلا بـــخـــل ولا مـــبــــذول

وكـــأن لـــون رضـــاب فـــيهـــا إذ بـــــدا

 

برد بـــفـــرع بـــشـــامة مـــصـــقـــول

وقوله فيها لمالك بن المنذر:

إن ابن ضبـاري ربـيعة مـالـكـاً

 

للـه سـيف صـنـيعة مـسـلـول

ما نال من آل المـعـلـى قـبـلـه

 

سيف لـكـل خـلـيفة ورســول

ما من يدي رجل أحـق بـمـا أتـى

 

من مكرمات عـطـاية الأخـطـار

من راحـتـين يزيد يقـدح زنـــده

 

كفـاهـمـا ويشـد عـقـد جـوار

وقوله: إذا جئته أعطاك عفواً ولم يكن

 

على ماله حال الندى منـك سـائلـه

لدى ملك لا تنصف النـعـل سـاقـه

 

أجل لا، وإن كانت طوالا حمـائلـه

وقوله: والشيب ينهض في الشباب كأنه

 

ليل يسـير بـجـانـبـيه نـهــار

لا يكذب في مدحه: قال أبو خليفة: أخبرنا محمد بن سلام قال: حدثني شعيب بن صخر، عن محمد بن زياد، وأخبرني به الجوهري وجحظة عن ابن شبة، عن محمد بن سلام، وكان محمد في زمام الحجاج زماناً قال: انتهيت إلى الفرزدق بعد موت الحجاج بالردم وهو قائم والناس حوله ينشد مديح سليمان بن عبد الملك:

وكم أطلقت كفاك من غل بـائس

 

ومن عقدة ما كان يرجى انحلالها

كثيراً من الأيدي التي قد تكتفـت

 

فككت وأعناقاً عليها غـلالـهـا

قال: قلت: أنا والله أحدهم، فأخذ بيدي وقال: أيها الناس سلوه عما أقول والله ما كذبت قط.
يأبى حين يريد: أخبرني جحظة قال: حدثني ابن شبة، عن محمد بن سلام فذكر مثله وقال فيه: والله ما كذبت قط ولا أكذب أبداً.

قال أبو خليفة: قال ابن سلام: وسمعت الحارث بن محمد بن زياد يقول: كتب يزيد بن المهلب لما فتح جرجان إلى أخيه مدركة أو مروان: أحمل إليّ الفرزدق، فإذا شخص فأعط أهلَه كذا وكذا؛ ذكر عشرة آلاف درهم، فقال له الفرزدق: ادفعها إليّ، قال: اشخص وأدفعها إلى أهلك، فأبى، وخرج وهو يقول:

دعاني إلى جرجان والري دونه

 

لآتـيه إنـي إذاً لـــزءور

لآتي من آل المهـلـب ثـائراً

 

بأعراضهم والداثرات تـدور

سآبى وتأبى لي تميم وربـمـا

 

أبيت فلم يقدر عـلـي أمـير

لم يستطع أهله منعه: قال أبو خليفة: قال ابن سلام: وسمعت سلمة بن عياش قال: حبست في السجن، فإذا فيه الفرزدق قد حبسه مالك بن المنذر بن الجارود، فكان يريد أن يقول البيت فيقول صدره وأسبقه إلى القافية، ويجيء إلى القافية فأسبقه إلى الصدر، فقال لي: ممن أنت؟ قلت: من قريش قال: كل أير حمار من قريش، من أيهم أنت؟ قلت: من بني عامر بن لؤي، قال: لئام والله أذلة، جاورتهم فكانوا شر جيران، قلت: ألا أخبرك بأذل منهم وألأم؟ قال: من؟ قلت: بنو مجاشع، قال: ولم ويلك! قلت: أنت سيدهم وشاعرهم وابن سيدهم، جاءك شرطي مالك، حتى أدخلك السجن، لم يمنعوك. قال: قاتلك الله.

قال أبو خليفة: قال ابن سلام: يهجو عمر بن هبيرة: وكان مسلمة بن عبد الملك على العراق بعد قتل يزيد بن المهلب فلبث بها غير كثير، ثم عزله يزيد بن عبد الملك، واستعمل عمر بن هبيرة على العراق فأساء عزل مسلمة، فقال الفرزدق وأنشدنيه يونس:

ولت بمسلمة الركـاب مـودعـاً

 

فارعي فزارة لا هناك المـرتـع

فسد الزمان وبـدلـت أعـلامـه

 

حتى أمية عـن فـزارة تـنـزع

ولقد علمـت إذا فـزارة أمـرت

 

أن سوف تطمع في الإمارة أشجع

وبحق ربك ما لهم ولمـثـلـهـم

 

في مثل ما نالت فزارة مطـمـع

عزل ابن بشر وابن عمرو قبـلـه

 

وأخو هراة لمثـلـهـا يتـوقـع

ابن بشر: عبد الملك بن بشر بن مروان، كان على البصرة، أمره عليها سملمة. وابن عمرو: سعيد بن حذيفة بن عمرو بن الوليد بن عقبة بن أبي معيط، وأخو هراة: عبد العزيز بن الحكم بن أبي العاص.
ويروى للفرزدق في ابن هبيرة:

أمير المؤمنين وأنت عـف

 

كريم لست بالطبع الحريص

أوليت الـعـراق ورافـديه

 

فزاريا أحذ يد القـمـيص

ولم يك قبلها راعي مخاص

 

لتأمنه على وركي قلـوص

تفنن بالعراق أبو المثـنـى

 

وعلم أهله أكل الخـبـيص

وأنشدني له يونس:

جهـز فـإنـك مـمـتـار ومــبـــتـــعـــث

 

إلـى فـزارة عـيراً تـحـمـل الــكـــمـــرا

إن الـفـزاري لـو يعـمـى فـأطـــعـــمـــه

 

أير الـحـمـار طـبـيب أبـرا الــبـــصـــرا

إن الـفــزاري لا يشـــفـــيه مـــن قـــرم

 

أطـايب الـعـير حـتـى ينـهــش الـــذكـــرا

يقول لما رأى ما في إنائهم: لله ضيف الفزاريين ما انتظرا

 

 

فلما قدم خالد بن عبد الله القسري والياً على ابن هبيرة حبسه في السجن، فنقب له سرب، فخرج منه، فهرب إلى الشام، فقال فيه الفرزدق يذكر خروجه:

ولما رأيت الأرض قد سد ظهـرهـا

 

ولم تر إلا بطنهـا لـك مـخـرجـا

دعوت الذي ناداه يونـس بـعـد مـا

 

ثوى في ثلاث مظلمات فـفـرّجـا

فأصبحت تحت الأرض قد سرت ليلة

 

وما سار سار مثلهـا حـين أدلـجـا

خرجت ولم تمنن عـلـيك شـفـاعة

 

سوى ربذ التقريب من آل أعـوجـا

أغر من الحو اللـهـامـيم إذ جـرى

 

جرى بك محبوك القرى غير أفحجـا

جرى بك عريان الحمـاتـين لـيلـه

 

به عنك أرخى الله ما كان أشـرجـا

وما احتال محتال كحـيلـتـه الـتـي

 

بها نفسه تحت الـصـريمة أولـجـا

وظلماء تحت الأرض قد خضت هولها

 

وليل كلون الطيلـسـانـي أدعـجـا

هما ظلمتـا لـيل وأرض تـلاقـتـا

 

على جامع من همه مـا تـعـوجـا

يهجو خالد بن عبد الله القسري أيضاً: فحدثني جابر بن جندل قال: فقيل لابن هبيرة: من سيد العراق؟ قال: الفرزدق هجاني أميراً ومدحني سوقة. وقال الفرزدق لخالد القسري حين قدم العراق أميراً لهشام:

ألا قطع الرحمن ظهر مطيةٍ

 

أتتنا تمطى من دمشق بخالد

وكيف يؤم المسلمين وأمـه

 

تدين بأن الله ليس بـواحـد

بنى بيعة فيها الصلـيب لأمة

 

وهدم من كفر منار المساجد

وقال أيضاً:

نزلت بجيلة واسطاً فتمكـنـت

 

ونفت فزارة عن قرار المنزل

وقال أيضاً:

لعمري لئن كانت بجيلة زانها

 

جرير لقد أخزى بجيلة خالد

فلما قدم العراق خالد أميراً أمر على شرطة البصرة مالك بن المنذر بن الجارود، وكان عبد الأعلى بن عبد الله بن عامر يدعي على مالك قرية، فأبلطها خالد، وحفر النهر الذي سماه المبارك، فاعترض عليه الفرزدق، فقال:

أهلكت مال الله في غير حـقـه

 

على النهر المشؤوم غير المبارك

وتضرب أقواما صحاحاً ظهورهم

 

وتترك حق الله في ظهر مالـك

أإنفاق مال الله في غير كنـهـه

 

ومنعاً لحق المرملات الضرائك؟

مهر حدراء ومصرعها: أخبرني عبد الله بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن الأصمعي قال: قال أعين بن لبطة: دخل الفرزدق على الحجاج لما تزوج حدراء يستميحه مهرها، فقال له: تزوجت أعرابية على مائة بعير، فقال له عنبسة بن سعيد: إنما هي فرائض قيمتها ألفا درهم، – الفريضة عشرون درهماً – فقال له الحجاج: ليس غيرها، يا كعب، أعط الفرزدق ألفي درهم.

قال: وقدم الفضيل العنزي بصدقات بكر بن وائل، فاشترى الفرزدق مائة بعير بألفين وخمسمائة درهم على أن يثبتها له في الديوان، قال الفرزدق: فصليت مع الحجاج الظهر حتى إذا سلم، خرجت فوقفت في الدار فرآني، فقال مهيم، فقلت: إن الفضيل العنزي قدم بصدقات بكر بن وائل، وقد اشتريت منه مائة بعير بألفين وخمسمائة درهم على أن تحتسب له في الديوان، فإن رأى الأمير أن يأمر لي بإثباتها له فعل، فأمر أبا كعب أن يثبت للفضيل ألفين وخمسمائة درهم، ونسي ما كان أمر له به، قال: فلما جاء الفرزدق بالإبل قالت له النوار: خسرت صفقتك، أتتزوج أعرابية نصرانية سوداء مهزولة خمشاء الساقين على مائة من الإبل؟ فقال يعرض بالنوار وكانت أمها وليدة:

لجارية بين السليل عروقـهـا

 

وبين أبي الصهباء من آل خالد

أحق بإغلاء المهور من التـي

 

ربت تتردى في حجور الولائد

فأبت النوار عليه أن يسوقها كلها، فحبس بعضها، وامتار عليه ما يحتاج إليه أهل البادية، ومضى ومعه دليل يقال له أوفى بن خنزير، قال أعين: فلما كان في أدنى الحي رأوا كبشاً مذبوحاً، فقال الفرزدق: يا أوفى، هلكت والله حدراء، قال: وما علمك بذلك؟ قال: ويقال: إن أوفى قال للفرزدق: يا أبا فراس لن ترى حدراء، فمضوا حتى وقفوا على نادي زيق، وهو جالس، فرحب به، وقال له: انزل فإن حدراء قد ماتت، وكان زيق نصرانياً فقال: قد عرفنا أن نصيبك من ميراثها في دينكم النصف، وهو لك عندنا، فقال له الفرزدق: والله لا أرزؤك منه قطميراً، فقال زيق: يا بني دارم، ما صاهرنا أكرم منكم في الحياة ولا أكرم منكم شركة في الممات، فقال الفرزدق:

عجـبـت لـحـادينـا الــمـــقـــحـــم ســـيره

 

بنـا مـوجـعـات مــن كـــلال وظـــلـــعـــا

ليدنـينـــا مـــمـــن إلـــينـــا لـــقـــاؤه

 

حبـيب ومـن دار أردنـا لـــتـــجـــمـــعـــا

ولـو تـعـلـم الـغـيب الـذي مـن أمـــامـــنـــا

 

لكـرربـنـا الـحـادي الـمـطـي فــأســـرعـــا

يقـولـون: زر حــدراء والـــتـــرب دونـــهـــا

 

وكـيف بـشـيء وصـلـه قـد تــقـــطـــعـــا

يقـول ابـن خـنـزير: بـكـــيت ولـــم تـــكـــن

 

علـى امـرأة عـينـي إخـال لـــتـــدمـــعـــا

وأهـــون رزء لامـــرئ غــــير جـــــــازع

 

رزيئة مـــرتـــج الـــروادف أفـــرعــــــا

ولست وإن عزّت علي بزائرترابا على مرموسة قد تضعضعا

 

 

وقيل إن النوار كانت اتسعانت بأم هاشم لا بتماضر، وأم هاشم أخت تماضر؛ لأن تماضر ماتت عند عبد الله بعد أن ولدت له خبيباً وثابتاً ابني عبد الله بن الزبير، وتزوج بعدها أختها أم هاشم، فولدت له هاشماً وحمزة وعبادا، وفي أم هاشم يقول الفرزدق:

تروحت الركبان يا أم هاشم

 

وهن مناخات لهن حـنـين

وحبسن حتى ليس فيهن نافق

 

لبيع ولا مركوبهن سمـين

زوجة أخرى تنشز منه: أخبرنا عبد الله قال: حدثنا محمد بن حبيب قال: حدثني الأصمعيّ قال: نشزت رُهَيمة بنت غنيّ بن درهم النمرية بالفرزدق فطلقها، وقال يهجوها بقوله:

لا ينـكـحـن بـعـدي فـــتـــى نـــمـــرية

 

مرمـلة مـن بـعـلــهـــا لـــبـــعـــاد

وبـيضـاء زعـراء الـمـفـــارق شـــخـــتة

 

مولـــعة فـــي خـــضـــرة وســـــواد

لهـا بـشـر شـثـن كـــأن مـــضـــمـــه

 

إذا عـانـقـت بـعـلاً مـــضـــم قـــتـــاد

قرنـت بـنـفـس الـشـؤم فـي ورد حـوضـهـــا

 

فجـرعـتـه مـلـحـــا بـــمـــاء رمـــاد

ومازلت حتى فرق الله بينناله الحمد منها في أذى وجهاد

 

 

تجدد لي ذكرى عذاب جهنم

 

ثلاثـا تـمـسـينـي بـــهـــا وتـــغـــادي

يبكي ولداً له من سفاح: أخبرني الحسن بن علي قال: حدثني الحسين بن موسى قال: قال المدائني: لقي الفرزدق جارية لبني نهشل، فجعل ينظر إليها نظراً شديداً، فقالت له: مالك تنظر؟ فوالله لو كان لي ألف حر ما طمعت في واحد منها، قال: ولم يا لخناء؟ قالت: لأنك قبيح المنظر سيء المخبر فيما أرى، فقال: أما والله لو جربتني لعفى خبري على منظري، قال: ثم كشف لها عن مثل ذراع البكر، فتضبعت له عن مثل سنام البكر فعالجها، فقالت: أنكاح بنسيئة؟ هذا شر القضية، قال: ويحك، ما معي إلا جبتي، أفتسلبينني إياها ثم تسنمها، فقال:

أولجت فيها كذراع البكـر

 

مدملك الرأس شديد الأسر

زاد على شبر ونصف شبر

 

كأنني أولجته في جـمـر

يطير عنه نفيان الـشـعـر

 

نفى شعور الناس يوم النحر

قال: فحملت منه، ثم ماتت، فبكاها وبكى ولده منها.

وغمد سلاح قد رزئت فلم أنح

 

عليه ولم أبعث عليه البواكـيا

وفي جوفه من دارم ذو حفيظة

 

لو أن المنايا أنسأتـه لـيالـيا

ولكن ريب الدهر يعثر بالفتى

 

فلم يستطع رداً لما كان جاثيا

وكم مثله في مثلها قد وضعته

 

ومازلت وثاباً أجر المخـازيا

فقال جرير يعيره:

وكم لك يا بن القين إن جاء سائل

 

من ابن قصير الباع مثلك حامله

وآخر لم تشعر به قد أضعـتـه

 

وأوردته رحما كثيراً غـوائلـه

يتزوج ظبية فيعجز عن إتيانها: أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثني محمد بن سليمان الكوفي عن أبيه قال: تزوج الفرزدق ظبية ابنة حالم من بني مجاشع بعد أن أسنّ، فضعف، وتركها عند أمها بالبادية سنة، ولم يكن صداقها عنده، فكتب إلى أبان بن الوليد البجلي – وهو على فارس عامل لخالد بن عبد الله القسري – فأعطاه ما سأل وأرضاه، فقال يمدحه:

فلو جمعوا من الخلان ألفـا

 

فقالوا: أعطنا بهـم أبـانـا

لقلت لهم: إذاً لغبنتـمـونـي

 

وكيف أبيع من شرط الزمانا

خليل لا يرى المائة الصفـايا

 

ولا الخيل الجياد ولا القيانـا

عطاء دون أضعاف عليهـا

 

ويطعم ضيفه العبط السمانا

العبط: الإبل التي لا وجع بها.

فما أرجو لظبية غير ربي

 

وغير أبي الوليد بما أعانا

أعان بهجمة أرضت أباها

 

وكانت عنده غلقاً رهانـا

وقال أيضاً في ذلك:

لقد طال ما استودعت ظبية أمها

 

وهذا زمان رد فـيه الـودائع

وقال حين أراد أن يبني بها:

أبـــادر ســـؤالا بـــظـــبـــية أنـــنــــي

 

أتـتـنـي بـهـا الأهـوال مــن كـــل جـــانـــب

بمـالـئة الـحـــجـــلـــين لـــو أن مـــيتـــاً

 

ولـو كـان فـي الأمـوات تـحـت الـــنـــصـــائب

دعته لألقى الترب عند انتفاضهولو كان تحت الراسيات الرواسب

 

 

فلما ابتنى منها عجز عنها فقال:

يا لهف نفسي على نعظ فجعت بـه

 

حين التقى الركب المحلوق والركب

وقال جرير:

وتقول ظبية إذ رأتك محوقلاًحوق الحمار من الخبال الخابل

 

إن البلية وهي كل بلية

 

شيخ يعـلـل عـرســـه بـــالـــبـــاطـــل

لو قـد عـلـقـت مـن الـمـهـاجـر سـلـــمـــا

 

لنـجـوت مـنـه بـالـقـضـاء الــفـــاصـــل

قال: فنشزت فيه، ونافرته إلى المهاجر، وبلغه قول جرير فقال المهاجر: لو أتتني بالملائكة معها لقضيت للفرزدق عليها.
يشيد بابنته مكية وأمها الزنجية: قال: وكان للفرزدق ابنة يقال لها مكية، وكانت زنجية، وكان إذا حمي الوطيس، وبلغ منه الهجاء يكتنى بها، ويقول:

ذاكم إذاً ما كنت محمـيهْ

 

بدارمي أمـه ضـبـيهْ

صمحمح يكنى أبا مكية

 

 

وقال في أمها:

يا رب خود من بنات الزنج

 

تحمل تنوراً شديد الـوهـج

أقعب مثل القدح الخلـنـج

 

يزداد طيباً عند طول الهرج

مخجتها بالأير أي مخـج

 

 

فقالت له النوار: ريحها مثل ريحك.
وقال في أم مكية يخاطب النوار:

فإن يك خالها من آل كسرى

 

فكسرى كان خيراً من عقال

وأكثر جزية تـهـدى إلـيه

 

وأصبر عند مختلف العوالي

قال: وكانت أم النوار خراسانية، فقال لها في أم مكية:

أغزك منهـا أدمة عـربـية

 

علت لونها إن البجادي أحمر

يمدح سعيداً فيغضب مروان: حدثني محمد بن الحسن بن دريد قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي قال: دخل الفرزدق على سعيد بن العاص وهو والي المدينة لمعاوية فأنشده:

نرى الغرّ الجحاجح من قريش

 

إذا ما الخطب في الحدثان غالا

وقوفاً ينظرون إلـى سـعـيد

 

كأنـهـم يرون بـه هــلالا

وعنده كعب بن جعيل، فلما فرغ من إنشاده قال كعب: هذه والله رؤياي البارحة، رأيت كأن ابن مرة في نواحي المدينة وأنا أضم ذلاذلي خوفاً منه، فلما خرج الفرزدق خرج مروان في أثره فقال: لم ترض أن نكون قعوداً حتى جعلتنا قياماً في قولك:

قياماً ينظرون إلى سعيد

 

كأنهم يرون به هلالا

فقال له: يا أبا عبد الملك إنك من بينهم صافن، فحقد عليه مروان ذلك، ولم تطل الأيام حتى عزل سعيد، وولي مروان فلم يجد على الفرزدق متقدماً حتى قال قصيدته التي قال فيها:

هما دلتاني مـن ثـمـانـين قـامة

 

كما انقض باز أقتم الريش كاسـره

فلما استوت رجلاي في الأرض قالتا

 

أحي يرجى أم قـتـيل نـحـاذره

فقلت: ارفعا الأمراس لا يشعروا بنا

 

وأقبلت في أعقـاب لـيل أبـادره

أبادر بوابين لـم يشـعـروا بـنـا

 

وأحمر من ساج تلوح مسـامـره

فقال له مروان: أتقول هذا بين أزواج رسول الله صلى الله عليه وسلم، أخرج عن المدينة فذلك قول جرير:

تدليت تزني من ثمـانـين قـامة

 

وقصرت عن باع الندى والمكارم

أخبرنا ابن دريد، قال: أخبرنا الرياشي، عن محمد بن سلام، قال: رواية أخرى للخبر السابق: دخل الفرزدق المدينة هارباً من زياد، وعليها سعيد بن العاص بن أمية بن عبد شمس أميراً من قبل معاوية، فدخل على سعيد، ومثل بين يديه، وهو معتم، وفي مجلس سعيد الحطيئة وكعب بن جعيل التغلبي، وصاح الفرزدق: أصلح الله الأمير، أنا عائذ بالله وبك، أنا رجل من تميم، ثم أحد بني دارم، أنا الفرزدق بن غالب، قال: فأطرق سعيد ملياً، فلم يجبه، فقال الفرزدق: رجل لم يصب دماً حراماً، ولا مالاً حراماً، فقال سعيد: إن كنت كذلك فقد أمنت، فأنشده:

إليك فررت منك ومـن زياد

 

ولم أحسب دمي لكما حـلالا

ولكني هجوت وقد هجـانـي

 

معاشر قد رضخت لهم سجالا

فإن يكن الهجاء أحل قتـلـي

 

فقد قلنا لشاعـرهـم وقـالا

أرقت فلم أنـم لـيلاً طـويلا

 

أراقب هل أرى النسرين زالا

فإن بني أمـية فـي قـريش

 

بنوا لبيوتهم عـمـداً طـوالا

ترى الغر الجحاجح من قريش

 

إذا ما الأمر في الحدثان غالا

قياما ينظرون إلـى سـعـيد

 

كأنـهـم يرون بـه هـلالا

قال: فلما قال هذا البيت، قال الحطيئة لسعيد: هذا والله الشعر، لا ما كنت تعلل به منذ اليوم، فقال كعب بن جعيل: فضلته على نفسك، فلا تفضله على غيرك، قال: بلى والله إنه ليفضلني وغيري، يا غلام، أدركت من قبلك، وسبقت من بعدك، ولئن طال عمرك لتبرزن.

ثم عبث الحطيئة بالفرزدق، فقال: يا غلام، أنجدت أمك؟ قال: لا بل أبي، أراد الحطيئة: إن كانت أمك أنجدت فقد أصبتها فولدتك إذ شابهتني في الشعر، فقال الفرزدق: لا بل أبي، فوجده لقنا.

بينه وبين مخنث: أخبرني ابن دريد عن الرياشي، عن النضر بن شميل قال: قال جرير: ما قال لي ابن القين بيتاً إلا وقد اكتفأته، أي قلبته إلا قوله:

ليس الكرام بناحليك أباهم

 

حتى يرد إلى عطية تعتل

فإني لا أدري كيف أقول فيها.

جرير يلقبه بالعزيز: وأخبرني ابن دريد قال: حدثنا السكن بن سعيد، عن محمد بن عباد، عن ابن الكلبي، عن عوانة بن الحكم، قال: بينما جرير واقف في المربد وقد ركبه الناس وعمر بن لجأ مواقفه فأنشده عمر جواب قوله:

يا تيم تـيم عـدي لا أبـا لـكـم

 

لا يقذفنكم فـي سـوأة عـمـر

أحين صرتُ سماماً يا بني لـجـأ

 

وخاطرت بي عن أحسابها مضر

فقال عمر جواب هذا:

لقد كذبت وشر الـقـول أكـذبـه

 

ما خاطرت بك عن أحسابها مضر

ألست نزوة خوار علـى أمة؟

 

لا يسبق الحلبات اللؤم والخور

وقد كان الفرزدق رفده بهذين البيتين في هذه القصيدة، فقال جرير لما سمعها: قبحاً لك يا بن لجأ، أهذا شعرك، كذبت والله ولو مت، هذا شعر حنظلي، هذا شعر العزيز يعني الفرزدق فأبلس عمر فما رد جواباً.

 

يلقب جريراً بالقرم: وخرج غنيم بن أبي الرقراق حتى أتى الفرزدق، فضحك، وقال: إيه يا بن أبي الرقراق، وإن عندك لخبراً، قلت: خزي أخوك ابن قتيب، فحدثته، فضحك، حتى فحص برجليه، ثم قال في ساعته:

وما أنت إن قرما تميم تسـامـيا

 

أخا التيم إلا كالوشيظة في العظم

فلو كنت مولى الظلم أو في ثيابه

 

ظلمت ولكن لا يدي لك بالظلـم

فلما بلغ هذان البيتان جريراً قال: ما أنصفني في شعر قط قبل هذا يعني قوله:

…إن قرما تميم تساميا

يغتصب شعر الشعراء: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا الرياشي قال: كان الفرزدق مهيباً تخافه الشعراء، فمر يوماً بالشمردل، وهو ينشد قصيدته حتى بلغ إلى قوله:

وما بين من لم يعط سمعاً وطاعة

 

وبين تميم غير حز الغـلاصـم

قال: والله لتتركن هذا البيت أو لتتركن عرضك، قال: خذه على كره مني، فهو في قصيدة الفرزدق التي أولها قوله:

نحن بزوراء المدينة ناقتي

قال: وكان الفرزدق يقول: خير السرقة ما لا يجب فيه القطع يعني سرقة الشعر.
أخبرنا ابن دريد عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، عن الضحاك بن بهلول الفقيمي قال: بينما أنا بكاظمة وذو الرمة ينشد قصيدته التي يقول فيها:

أحين أعاذت بي تميم نسـاءهـا

 

وجردت تجريد اليماني من الغمد

إذا راكبان قد تدليا من نعف كاظمة متقنعان، فوقفا، فلما وفرغ ذو الرمة حسر الفرزدق عن وجهه، وقال: يا عبيد، اضممها إليك – يعني راويته – وهو عبيد أخو بني ربيعة ابن حنظلة، فقال ذو الرمة: نشدتك الله يا أبا فراس إن فعلت، قال: دع ذا عنك، فانتحلها في قصيدته وهي أربعة أبيات:

أحين أعاذت بي تمـيم نـسـاءهـا

 

وجردت تجريد اليماني من الغمـد

ومدت بضبعي الـربـاب ومـالـك

 

وعمرو، وشالت من ورائي بنو سعد

ومـن آل يربـوع زهـاء كـأنـه

 

دجى الليل محمود النكاية والـورد

وكنا إذا الجـبـار صـعـر خـده

 

ضربناه فوق الأنثيين على الـكـرد

يحوز السبق في الفخر: أخبرنا ابن دريد قال: أخبرنا أبو حاتم، عن أبي عبيدة قال: اجتمع الفرزدق، وجرير وكثير وابن الرقاع عن سليمان بن عبد الملك، فقال: أنشدونا من فخركم شيئاً حسناً، فبدرهم الفرزدق، فقال:

وما قوم إذا العلمـاء عـدت

 

عروق الأكرمين إلى التراب

بمختلفين إن فضلـتـمـونـا

 

عليهم في القديم ولا غضاب

ولو رفع الحساب إليه قومـاً

 

علونا في السماء إلى السحاب

فقال سليمان: لا تنطقوا، فوالله ما ترك لكم مقالاً.

يتعصب لابنته مكية: أخبرنا عبد الله بن مالك قال: حدثنا محمد بن عمران الضبي، عن سليمان بن أبي سليمان الجوزجاني قال: غاب الفرزدق فكتبت النوار تشكو إليه مكية وكتب إليه أهله يشكون سوء خلقها وتبذيها عليهم فكتب إليهم:

كتبتم عليها أنها ظلمـتـكـم

 

كذبتم وبيت الله بل تظلمونها

فإلا تعدوا أنها من نسـائكـم

 

فإن ابن ليلى والد لا يشينها

وإن لها أعمام صدق وأخوة

 

وشيخاً إذا شاءت تنمر دونها

يعقه ابنه: قال: وكان للفرزدق ثلاثة أولاد يقال لواحد منه لبَطة، والآخر حَبَطَة، والثالث، سبطة، وكان لبطة من العققة فقال له الفرزدق:

أإن أرعشت كفا أبيك وأصـبـحـت

 

يداك يدي لـيث فـإنـك جـادبــه

إذا غالب ابن بالـشـبـاب أبـاً لـه

 

كبيراً فإن الـلـه لا بـد غـالـبـه

رأيت تباشير العقـوق هـي الـتـي

 

من ابن امرئ ما إن يزال يعاتـبـه

ولما رآنـي قـد كـبـرت وأنـنـي

 

أخو الحي واستغنى عن المسح شاربه

أصاخ لغـربـان الـنـجـي وإنـه

 

لأزور عن بعض المقالة جـانـبـه

قال أبو عبيدة في “كتاب النقائض”: قال رؤبة بن العجاج: حج سليمان بن عبد الملك، وحجت معه الشعراء، فمر بالمدينة منصرفاً، فأتي بأسرى من الروم نحو أربعمائة، فقعد سليمان، وعنده عبد الله بن حسن بن حسن – عليهم السلام – وعليه ثوبان ممصران، وهو أقربهم منه مجلساً، فأدنوا إليه بطريقهم، وهو في جامعة، فقال لعبد الله بن حسن: قم، فاضرب عنقه فقام، فما أعطاه أحد سيفاً، حتى دفع إليه حرسي سيفاً كليلاً، فضربه، فأبان عنقه وذراعه، وأطن ساعده وبعض الغل، فقال له سليمان: والله ما ضربته بسيفك ولكن بحسبك، وجعل يدفع الأسرى إلى الوجوه، فيقتلونهم، حتى دفع إلى جرير رجلاً منهم، فدست إليه بنو عبس سيفاً قاطعاً في قراب أبيض، فضربه، فأبان رأسه، ودفع إلى الفرزدق أسير، فدست إليه القيسيّة سيفاً كليلاً، فضرب به الأسير ضربات، فلم يصنع شيئاً، فضحك سليمان وضحك الناس معه. وقيل: إن سليمان لما دفع إليه الأسير دفع إليه سيفاً، وقال اقتله به، فقال: لا، بل أقتله بسيف مجاشع، واخترط سيفه، فضربه، فلم يغن شيئاً، فقال سليمان: أما والله لقد بقى عليك عارها وشنارها، فقال جرير قصنيدته التي يهجوه فيها، وأولها:

ألا حي ربع المنزل المتقادم

 

وما حل مذ حلت به أم سالم

منها:

ألم تشهد الجونين والشعب ذا الغضى

 

وكرات قيس يوم دير الجمـاجـم؟

تحرض يا بن القين قيساً ليجعـلـوا

 

لقومك يومـاً مـثـل يوم الأراقـم

بسيف أبي رغوان سيف مجـاشـع

 

ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم

ضربت به عند الإمام فأرعـشـت

 

يداك وقالوا: محدث غـير صـارم

فقال الفرزدق يجيب جريراً عن قوله:

وهل ضربة الرومي جاعلة لكم

 

أباً عن كليب أو أباً مثـل دارم

كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهـا

 

وتقطع أحياناً مناط التـمـائم

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهـم

 

إذا أثقل الأعناق حمل المغارم

وقال يعرض بسليمان، ويعيره نبو سيف ورفاء بن زهير العبسي عن خالد بن جعفر، وبنو عبس هم أخوال سليمان:

فإن يك سيف خان أو قدر أبى

 

بتعجيل نفس حتفها غير شاهد

فسيف بني عبس وقد ضربوا به

 

نبا بيدي ورقاء عن رأس خالد

كذاك سيوف الهند تنبو ظباتهـا

 

وتقطع أحياناً مناط الـقـلائد

وأولها:

تباشر يربوع بنـبـوة ضـربة

 

ضربت بها بين الطلا والمحارد

ولو شئت قد السيف ما بين عنقه

 

إلى علق بين الحجابين جامـد

وقيل: إن الفرزدق قال لسليمان: يا أمير المؤمنين، هب لي هذا الأسير، فوهبه له، فأعتقه، وقال الأبيات التي منها:

ولا نقتل الأسرى ولكن نفكهم

 

إذا أثقل الأعناق حمل المغارم

ثم أقبل على راويته، فقال: كأني بابن المراغة، وقد بلغه خبري، فقال:

بسيف أبي رغوان سيف مجـاشـع

 

ضربت ولم تضرب بسيف ابن ظالم

ضربت به عند الإمام فأرعـشـت

 

يداك وقالوا محدث غـير صـارم

فما لبثنا إلا أياماً يسيرة، حتى جاءتنا القصيدة، وفيها البيتان، فعجبنا من فطنة الفرزدق: وقال أيضاً في ذلك:

أيعجب الناس أن أضحكت خيرهم

 

خليفة الله يستسقى به المـطـر

فما نبا السيف عن جبن وعن دهش

 

عند الإمام ولكن أخـر الـقـدر

ولو ضربت به عمـداً مـقـلـده

 

لخر جثمانه ما فـوقـه شـعـر

وما يقدم نفساً قبـل مـيتـتـهـا

 

جمع اليدين ولا الصمصامة الذكر

من شعره في سجنه: وأخبرني عبد الله بن مالك قال: حدثنا محمد بن حبيب، عن أبي عبيدة، قال: هجا الفرزدق خالداً القسري وذكر المبارك: النهر الذي حفره بواسط، فبلغه ذلك، وكتب خالد إلى مالك بن المنذر أن احبس الفرزدق فإنه هجا نهر أمير المؤمنين بقوله:

وأهلكت مال الله في غير حـقـه

 

على نهرك المشؤوم غير المبارك

الأبيات، فأرسل مالك إلى أيوب بن عيسى الضبي، فقال: ائتني بالفرزدق، فلم يزل يعمل فيه حتى أخذه، فطلب إليهم أن يمروا به على بني حنيفة، فقال الفرزدق: مازلت أرجو أن أنجو حتى جاوزت بني حنيفة، فلما قيل لمالك: هذا الفرزدق انتفخ وريد مالك غضباً، فلما أدخل عليه قال:

أقول لنفسي حين غصت بريقـهـا

 

ألا ليت شعري مالها عند مالـك؟

لها عنده أن يرجع اللـه روحـهـا

 

إليها وتنجو من جميع المـهـالـك

وأنت ابن حباري ربـيعة أدركـت

 

بك الشمس والخضراء ذات الحبائك

فسكن مالك، وأمر به إلى السجن، فقال يهجو أيوب بن عيسى الضبي:

فلو كنت قيسياً إذا ما حبسـتـنـي

 

ولكن زنجياً غليظاً مـشـافـره

متت له بالرحم بـينـي وبـينـه

 

فألفيته منـي بـعـيداً أواصـره

وقلت: امرؤ من آل ضبة فاعتزى

 

لغيرهم لون استه ومـحـاجـره

فسوف يرى النوبيّ ما اجترحت له

 

يداه إذا ما الشعر عينت نوافـره

ستلقي عليك الخنفساء إذا فـسـت

 

عليك من الشعر الذي أنت حاذره

وتأتي ابن زب الخنفساء قـصـيدة

 

تكون له مني عـذابـاً يبـاشـره

تعذرت يا بن الخنفساء ولم تـكـن

 

لتقبل لابن الخنفسـاء مـعـاذره

فإنكما يا بني يسـار نـزوتـمـا

 

على ثفرها ما حن للزيت عاصره

لزنجية بظراء شقق بـظـرهـا

 

زحـير بـأيوب شـديد زوافـره

ثم مدح خالد بن عبد الله ومالك بن المنذر وهو محبوس مديحاً كثيراً، فأنشدني يونسي في كلمة له طويلة.

يا مـال هـل هـو مـهـلـكـي مـا لـم أقـل

 

ولـيعـلـمـن مـن الـقـصـائد قــيلـــي

يا مـال هـل لـك فـي كـبـير قــد أتـــت

 

تسـعـون فــوق يديه غـــير قـــلـــيل

فتـجـير نـاصـيتـي وتـفـرج كـربـتـــي

 

عنـي وتـطـلـق لـي يداك كـبـــولـــي

ولـقـد بـنـى لـكـم الـمـعــلـــى ذروة

 

رفـعـت بـنـاءك فــي أشـــم طـــويل

والخيل تعلم في جذيمة أنها تردى بكل سميدع بهلول

 

 

فاسقوا فقد ملأ المعلى حوضكم

 

بذنـوب مـلـتـهـم الـربـاب ســـجـــيل

وقال يمدح مالكاً وكانت أم مالك هذا بنت مالك بن مسمع:

وقرم بين أولاد الـمـعـلـى

 

وأولاد المسامـعة الـكـرام

تخمط في ربيعة بين بـكـر

 

وعبد القيس في الحسب اللهام

فلما لم تنفعه مديحة مالك، قال يمدح هشام بن عبد الملك، ويعتذر إليه:

ألكني إلى راعي البرية والذي له العدل في الأرض العريضة نورا

 

فإن تنكروا شعري إذاً خرجت له

 

بوادر لـو يرمــى بـــهـــا لـــتـــفـــقـــرا

ثبـير ولـو مـــســـت حـــراء لـــحـــركـــت

 

به الـراسـيات الــصـــم حـــتـــى تـــكـــورا

إذا قـــال غـــاو مـــن مـــعـــد قـــصـــيدة

 

بهــا حـــرب كـــانـــت وبـــالاً مـــدمـــرا

أينـطـقـهـا غـيري وأرمــى بـــجـــرمـــهـــا

 

فكـــيف ألـــوم الـــدهـــر أن يتـــغـــــيرا

لئن صـبـرت نـفـســـي لـــقـــد أمـــرت بـــه

 

وخـير عـبـاد الـلـــه مـــن كـــان أصـــبـــرا

وكـنـت ابـن أحـذار ولــو كـــنـــت خـــائفـــاً

 

لكـنـت مـن الـعـصـمـاء فـي الــطـــود أحـــذرا

ولـكـن أتـونـــي آمـــنـــاً لا أخـــافـــهـــم

 

نهــاراً وكـــان الـــلـــه مـــا شـــاء قـــدراً

أخبرني أبو خليفة، عن محمد بن سلام قال: حدثني أبو يحيى قال: قال الفرزدق لابنه لبطة وهو محبوس اشخص إلى هشام، وأمدحه بقصيدة، وقال: استعن بالقيسية، ولا يمنعك قولي فيهم فإنهم سيغضبون لك وقال:

بكـت عـين مـحـزون فـفـاض سـجـامـهـا

 

وطـالـت لـيالـي سـاهـر لا ينـامـــهـــا

فإن تـبـك لا تـبـك الـمـصـيبـات إذ أتـــى

 

بهـا الـدهـر والأيام جـم خـصـامـــهـــا

ولـكـنـمـا تـبـكـي تـهـتـك خـــالـــد

 

محـارم مـنـا لا يحــل حـــرامـــهـــا

فقـل لـبـنـي مـــروان: مـــا بـــال ذمة

 

وحـرمة حـق لـيس يرعـى ذمـامـــهـــا

أنـقـتـل فـيكـم أن قـتـلـنـا عـــدوكـــم

 

علـى دينـكـم والـحـرب بـاق قـتـامـهـــا

أتـاك بـقـتـل ابـن الـمـهــل خـــالـــد

 

وفـينـا بـقـيات الـهـدى وإمــامـــهـــا

فغير أمير المؤمنين فإنهايمانية حمقاء وأنت هشامها

 

 

أرى مضر المضرين قد ذلك نصرها

 

ولكن عسـى أن لا يذل شـآمـهـا

فمن مبلغ بالشام قيسـاً وخـنـدفـاً

 

أحاديث ما يشفى ببرء سقـامـهـا

أحاديث منا نشـتـكـيهـا إلـيهـم

 

ومظلمة يغشى الوجوه قتـامـهـا

فإن من بها لم ينكر الضيم مـنـهـم

 

فيغضب منها كهلهـا وغـلافـهـا

نمت مثلها من مثلهم وتـنـكـلـوا

 

فيعلم أهل الجور كيف انتقـامـهـا

بغلباء من جمهـورنـا مـضـرية

 

يزايل فيها أذرع القـوم هـامـهـا

وبيض على هام الرجال كـأنـهـا

 

كواكب يحولها لسـار ظـلامـهـا

غضبنا لكم يا آل مروان فاغضـبـوا

 

عسى أن أرواحا يسوغ طعامـهـا

ولا تقطعوا الأرحام منـا فـإنـهـا

 

ذنوب من الأعمال يخشى آثامـهـا

ألم تك في الأرحام منـا ومـنـكـم

 

حواجـز أيام عـزيز مـرامـهـا

فترعى قريش مـن تـمـيم قـرابة

 

ونجزي بأيام كـريم مـقـامـهـا

لقد علمت أبـنـاء خـنـدف أنـنـا

 

ذراها وأنا عزهـا وسـنـامـهـا

وقد علم الأحياء من كـل مـوطـن

 

إذا عدت الأحياء أنـا كـرامـهـا

وأنا إذا الحرب العوان تضـرمـت

 

نليها إذا ما الحرب شب ضرامهـا

قوام قوى الإسـلام والأمـر كـلـه

 

وهل طاعة إلا تمـيم قـوامـهـا

تميم التي تخشى مـعـد وغـيرهـا

 

إذا ما أبى أن يستقيم هـمـامـهـا

إلى الله تشكو عزنا الأرض فوقهـا

 

وتعلم أنا ثقـلـهـا وغـرامـهـا

شكتنا إلى الله العزيز فأسـمـعـت

 

قريباً، وأعيا من سواه كـلامـهـا

نصول بحول الله في الأمـر كـلـه

 

إذا خيف من مصدوعة ما التآمهـا            

فأعانته القيسية وقالوا: كلما كان ناب من مضر أو شاعر أو سيد وثب عليه خالد.
وقال الفرزدق أبياتاً كتب بها إلى سيد بن الوليد الأبرش وكلم له هشاماً:

إلى الأبرش الكلبي أسندت حاجة

 

تواكلهـا حـيا تـمـيم ووائل

على حين أن زلت بي النعل زلة

 

فأخلف ظني كل حاف وناعـل

فدونكها يا بن الولـيد فـإنـهـا

 

مفضلة أصحابها في المحافـل

وذونكها يا بن الوليد فقم بـهـا

 

فقام امرئ في قومه غير خامل

فكلم هشاماً وأمر بتخليته فقال يمدح الأبرش:

لقد وثب الكلبـي وثـبة حـازم

 

إلى خير خلق الله نفسا وعنصرا

إلى خير أبناء الخليفة لـم يجـد

 

لحاجته من دونها مـتـأخـرا

أبى حلف كلب في تميم وعقدها

 

كما سنت الآبـاء أن يتـغـيرا

وكان هذا الحلف حلفاً قديماً بين تميم وكلب في الجاهلية، وذلك قول جرير بن الخطفى في الحلف:

تميم إلى كلب وكلب إلـيهـم

 

أحق وأدنى من صداء وحميرا

وقال الفرزدق:

أشـد حـبـال بـين حـيين مــرة

 

حبال أمرت من تميم ومـن كـلـب

وليس قضـاعـي لـدينـا بـخـائف

 

ولو أصبحت تغلي القدور من الحرب

وقال أيضاً:

ألم تر قيساً قيس عيلان شمـرت

 

لنصري وحاطتني هناك قرومها

فقد حالفت قيس على النأي كلهم

 

تميما فهم منها ومنها تميمـهـا

وعادت عدوي إن قيساً لأسرتـي

 

وقومي إذا ما الناس عد صميمها

شرطيان يعبثان به: أخبرني ابن دريد: قال حدثني أبو حاتم، عن أبي عبيدة، قال: بينما الفرزدق جالس بالبصرة أيام زياد في سكة ليس لها منفذ إذ مر به رجلان من قومه كانا في الشرطة وهما راكبان، فقال أحدهما لصاحبه: هل لك أن أفزعه – وكان جباناً – فحركا دابتيهما نحوه فأدبر موليا فعثر من طرف برده فشقه، وانقطع شسع نعله، وانصرفا عنه، وعرف أنهما هزئا منه فقال:

لقـد خـار إذ يجـري عـلـــي حـــمـــاره

 

ضرار الـخـنـا والـعـنـبـري بـن أخـوقـــا

ومـا كـنـت لـو خـوفـتـمـانـي كـلاكـمــا

 

بأمـيكـمـا عـريانـــتـــين لأفـــرقـــا

ولكنما خوفتماني بخادر شتيم إذا ما صادف القرن مزقا

 

 

حديثه مع توبة وليلى الأخيلية: أخبرني عبد الله بن مالك، قال: حدثنا محمد بن موسى، قال: حدثنا القحذمي عن بعض ولد قتيبة بن مسلم عن ابن زالان المازني، قال: حدثني الفرزدق، قال: لما طردني زياد أتيت المدينة وعليها مروان بن الحكم، فبلغه أني خرجت من دار ابن صياد، وهو رجل يزعم أهل المدينة أنه الدجال، فليس يكلمه أحد، ولا يجالسه أحد، ولم أكن عرفت خبره، فأرسل إلي مروان فقال: أتدري ما مثلك؟ حديث تحدث به العرب: أن ضبعاً مرت بحي قوم، وقد رحلوا، فوجدت مرآة، فنظرت وجهها فيها، فلما نظرت قبح وجهها ألقتها، وقالت: من شر ما أطرحك أهلك، ولكن من شر ما اطرحك أميرك، فلا تقيمن بالمدينة بعد ثلاثة أيام، قال: فخرجت أريد اليمن، حتى إذا صرت بأعلى ذي قسي – وهو طريق اليمن من البصرة – فإذا رجل مقبل، فقلت: من أين أوضع الراكب؟ قال: من البصرة، قلت: فما الخبر وراءك؟ قال: أتانا أن زياداً مات بالكوفة، قال: فنزلت عن راحلتي، فسجدت، وقلت: لو رجعت، فمدحت عبيد الله بن زياد، وهجوت مروان بن الحكم، فقلت:

وقفت بأعلى ذي قسي مطيتي

 

أمثل في مروان وابـن زياد

فقلت: عبيد الله خيرهما لنـا

 

وأدناهما مـن رأفة وسـداد

ومضيت لوجهي، حتى وطئت بلاد بني عقيل فوردت ما بين مياههم فإذا بيت عظيم وإذا فيه امرأة سافرة لم أر كحسنها وهيئتها قط، فدنوت، فقلت: أتأذنين في الظل؟ قالت: أنزل فلك الظل والقرى، فأنخت، وجلست إليها، قال: فدعت جارية لها سوداء كالراعية، فقالت: ألطفيه شيئاً واسعى إلى الراعي، فردي علي شاة، فاذبيحها له، وأخرجت إلي تمراً وزبداً، قال: وحادثتها فوالله ما رأيت مثلها قط، ما أنشدتها شعراً إلا أنشدتني أحسن منه، قال: فأعجبني المجلس والحديث إذ أقبل رجل بين بردين، فلما رأته رمت ببرقعها على وجهها، وجلس وأقبلت عليه بوجهها وحديثها، فدخلني من ذلك غيظ، فقلت للحين: هل لك في الصراع؟ فقال: سوأةلك، إن الرجل لا يصارع ضيفه، قال: فألححت عليه، فقالت له: ما عليك لو لاعبت ابن عمك؟ فقام، وقمت، فلما رمى ببرده، إذا خلق عجيب، فقلت: هلكت ورب الكعبة، فقبض على يدي، ثم اختلجني إليه، فصرت في صدره، ثم حملني، قال: فوالله ما اتقيت الأرض إلا بظهر كبدي وجلس على صدري، فما ملكت نفسي أن ضرطت ضرطة منكرة، قال: وثرت إلى جملي فقال: أنشدك الله، فقالت المرأة: عافاك الله الظل والقرى، فقلت: أخزى الله ظلكم وقراكم، ومضيت، فبينا أسير إذ لحقني الفتى على نجيب يجنب بختياً برحله وزمامه، وكان رحله من أحسن الرحال، فقال: يا هذا، والله ما سرني ما كان، وقد أراك أبدعت أي كلّت ركابُك، فخذ هذا النجيب، وإيّاك أن تُخدَع عنه، فقد والله أعطِيْتُ به مائتي دينار قلت: نعم آخذه، ولكن أخبرني من أنت؟ ومن هذه المرأة؟ قال: أنا توبة بن الحمير، وتلك ليلى الأخيلية، وقد أخبرني بهذا الخبر عمي.

رواية أخرى في الخبر السابق: قال: حدثني القاسم بن محمد الأنباري، قال: حدثني أحمد بن عبيد، عن الأصمعي، قال: كانت امرأة من عقيل يقال لها ليلى، يتحدث إليها الشباب، فدخل الفرزدق إليها، فجعل يحادثها، وأقبل فتى من قومها، كانت تألفه، ودخل إليها فأقبلت عليه بحديثها، وتركت الفرزدق، فغاظه ذلك، فقال للرجل: أتصارعني؟ قال: ذلك إليك، فقام إليه الرجل فلم يلبث أن أخذ الفرزدق مثل الكرة فصرعه، وجلس على صدره، فضرط الفرزدق، فوثب عنه الرجل خجلاً، وقال له الرجل: يا أبا فراس، هذا مقام العائذ بك، والله ما أردت بك ما جرى، فقال: ويحك، ما بي أن صرعتني، ولكن كأني بابن الأتان جرير، وقد بلغه خبري هذا، فقال يهجوني:

جلست إلى ليلى لتحظى بقربها

 

فخانـك دبـر لايزال يخـون

فلو كنت ذا حزم شددت وكاءها

 

كما شد خرتاً للدلاص قـيون

قالوا: فوالله ما مضت أيام حتى بلغ جريراً الخبر، فقال فيه هذين البيتين.

يقضي يوماً كيوم دارة جلجل: أخبرنا عبد الله بن مالك، قال: حدثني محمد بن موسى، قال: حدثني القحذمي، قال: حدثني بعض أصحابنا، عن عبد الله بن زالان التميمي راوية الفرزدق، أن الفرزدق قال: أصابنا بالبصرة مطر جود ليلاً، فإذا أنا بأثر دواب قد خرجت ناحية البرية، فظننت قوماً قد خرجوا لنزهة، فقلت: خليق أن تكون معهم سفرة وشراب. فقصصت أثرهم، حتى وقفت إلى بغال عليها رحائل موقوفة على غدير، فأغذذت السير نحو الغدير، فإذا نسوة مستنقعات في الماء، فقلت: لم أر كاليوم قط، ولا يوم دارة جلجل، وانصرفت مستحيياً منهن، فنادينني: بالله يا صاحب البغلة، ارجع نسألك عن شيء، فانصرفت إليهن، وهن في الماء إلى حلوقهن، فقلن: بالله إلا ما خبرتنا بحديث دارة جلجل، فقلت: إن امرأ القيس كان عاشقاً لابنة عم له يقال لها عنيزة، فطلبها زماناً، فلم يصل إليها، وكان في طلب غرة من أهلها؛ ليزورها، فلم يقض له، حتى كان يوم الغدير، وهو يوم دارة جلجل، وذلك أن الحي احتملوا، فتقدم الرجال، وتخلف النساء والخدم والثقل، فلما رأى ذلك امرؤ القيس تخلف بعد ما سار مع قومه غلوة، فكمن في غيابة من الأرض، حتى مر به النساء فإذا فتيات، وفيهن عنيزة، فلما وردن الغدير قلن: لو نزلنا فذهب عنا بعض الكلال، فنزلن إليه، ونحين العبيد عنهن، ثم تجردن فاغتمسن في الغدير، كهيئتكن الساعة، فأتاهن امرؤ القيس محتالاً كنحو ما أتيتكن، وهن غوافل، فأخذ ثيابهن، فجمعها – ورمى الفرزدق بنفسه عن بغلته فأخذ بعض أثوابهن، فجمعها، ووضعها على صدره – وقال لهن كما أقول لكن: والله لا أعطي جارية منكن ثوبها، ولو أقامت في الغدير يومها، حتى تخرج مجردة، قال الفرزدق: فقالت إحداهن، وكانت أمجنهن: ذلك كان عاشقاً لابنة عمه، أفعاشق أنت لبعضنا؟ قال: لا والله، ما أعشق منكن واحدة، ولكن أشتهيكن، قال: فنعرن، وصفقن بأيديهن، وقلن: خذ في حديثك، فلست منصرفاً إلا بما تحب، قال الفرزدق في حديث امرئ القيس: فتأبين ذلك عليه حتى تعالى النهار، ثم خشين أن يقصرن دون المنزل الذي أردنه، فخرجت إحداهن، فوضع لها ثوبها ناحيه! فأخذته فلبسته، ثم تتابعن على ذلك حتى بقيت عنيزة، فناشدته الله أن يطرح إليها ثوبها، فقال: دعينا منك؛ فأنا حرام إن أخذت ثوبك إلا بيدك، فخرجت فنظر إليها مقبلة ومدبرة، فوضع لها ثوبها فأخذته، وأقبلن عليه يلمُنه، ويعذُلنه، ويقلن: عريتنا، وحبستنا، وجوعتنا، قال: فإن نحرت لكن مطيتي أتأكلن منها؟ قلن: نعم، فاخترط سيفه، فعقرها، ونحرها، وكشطها، وصاح بالخدم، فجمعوا له حطباً، فأجج ناراً عظيمة، ثم جعل يقطع لهن من سنامها وأطايبها وكبدها، فيلقيها على الجمر، فيأكلن، ويأكل معهن، ويشرب من ركوة كانت معه ويغنيهن، وينبذ إلى العبيد والخدم من الكباب، حتى شبعن، وطربن، فلما أراد الرحيل قالت إحداهن: أنا أحمل طنفسته، وقالت الأخرى: أنا أحمل رحله، وقالت الأخرى: أنا أحمل حشيته وأنساعه، فتقسمن متاع راحلته بينهن، وبقيت عنيزة لم يحملها شيئاً، فقال لها امرؤ القيس: يا بنة الكرام، لا بد لك أن تحمليني معك؛ فإني لا أطيق المشي، وليس من عادتي، فحملته على غارب بعيرها، فكان يدخل رأسه في خدرها، فيقبلها، فإذا امتنعت مال حدجها، فتقول: يا مرأ القيس، عقرت بعيري، فانزل، فذلك قوله:

تقول وقد مال الغبيط بنـا مـعـاً:

 

عقرت بعيري يا مرأ القيس فانزل

فلما فرغ الفرزدق من الحديث قالت تلك الماجنة: قاتلك الله، ما أحسن حديثك يا فتى وأظرفك، فمن أنت؟ قال: قلت: من مضر، قالت: ومن أيها؟ فقلت: من تميم، قالت: ومن أيها؟ قلت: إلى ههنا انتهى الكلام، قالت: إخالك والله الفرزدق قلت: الفرزدق شاعر وأنا راوية، قالت: دعنا من توريتك على نسبك، أسألك بالله، أنت هو؟ قال: أنا هو والله، قالت: فإن كنت أنت هو فلا أحسبك مفارقاً ثيابنا إلا عن رضاً، قلت: أجل، قالت: فاصرف وجهك عنا ساعة وهمست إلى صويحباتها بشيء لم أفهمه، فغططن في الماء، فتوارين، وأبدين رؤوسهن، وخرجن، ومع كل واحدة منهن ملء كفيها طيناً، وجعلن يتعادين نحوي، فضربن بذلك الطين والحمأة وجهي، وملأن عيني وثيابي، فوقعت على وجهي، فصرت مشغولاً بعيني وما فيها، وشددن على ثيابهن، فأخذنها، وركبت الماجنة بغلتي، وتركتني منبطحاً بأسوأ حال وأخواها وهي تقول: زعم الفتى أنه لا بد أن ينيكنا، فمازلت من ذلك المكان حتى غلست وجهي وثيابي، وجففتها، وانصرفت عند مجيء الظلام إلى منزلي على قدمي، وبغلتي قد وجهن بها إلى منزلي مع رسول لهن، وقلن: قل له تقول لك أخواتك: طلبت منا ما لم يمكننا، وقد وجهنا إليك بزوجتك، فنكها سائر ليلتك وهذا كسر درهم لحمام إذا أصبحت، فكان إذا حدث بهذا الحديث يقول: ما منيت بمثلهن.

يهجو من يرثي زياداً: أخبرني عبد الله بن مالك، قال: حدثنا أبو مسلم الحراني، قال: حدثني الأصمعي، قال: حدثنا العلاء بن أسلم، قال: لما مات زياد رثاه مسكين الدرامي، فقال الفرزدق:

أمسكين أبكى الله عينـيك إنـمـا

 

جرى في ضلال دمعها إذ تحدرا

بكيت امرأ من آل ميسان كافـراً

 

ككسرى على عدانه أو كقيصرا

أقول له لمـا أتـانـي نـعـيه

 

به لا بطبي بالصريمة أعـفـرا

يهجو ويمدح آل المهلب: أخبرنا عبد الله بن مالك، عن أبي مسلم الحراني، قال: حدثنا الأصمعي، قال: حدثنا العلاء بن أسلم، قال: لما أراد المهلب الخروج إلى الأزارقة لقي الفرزدق جريراً، فقال له: يا أبا فراس، هل لك أن تكلم المهلب، حتى يضع عني البحث، وأعطيك ألف درهم، فكلم المهلب، فأجابه فلامه جذيع، رجل من عشيرته، وشكا ذلك إلى يخرة امرأة المهلب وقال لها: لايزال الآن الرجل يجيء فيسأل في عشيرته وصديقه، فلامته خيرة بنت ضمرة القشيرية، فقال المهلب: إنما اشتريت عرضي منه، فبلغ ذلك الفرزدق، فقال يهجو جذيعاً.

إن تبن دارك يا جذيع فما بنى

 

لك يا جذيع أبوك من بنـيان

وأبوك ملتزم السفينة عـاقـد

 

خصييه فوق بنائق التـبـان

ويظل يدفع باسته متقاعـسـاً

 

في البحر معتمداً على السكان

لا تحسبن دراهماً جمعتـهـا

 

تمحو مخازيك التي بعـمـان

وقال يهجو خيرة:

ألا قشر الإله بنـي قـشـير

 

كقشر عصا المنقح من معال

أرى رهطا لخيرة لم يؤوبـوا

 

بسهم في اليمين ولا الشمال

إذا رهزت رأيت بني قشـير

 

من الخيلاء منتفشي السبـال

فغضب بنو المهلب لما هجا جذيعا وخيرة، فنالوا منه، فهجاهم، فقال:

وكائن للمهلب من نسـيب

 

يرى بلبانة أثـر الـزيار

بخارك لم يقد فرساً ولكـن

 

يقود الساج بالمسد المغار

عمي بالتنائف حين يصحي

 

دليل الليل في الجج الغمار

وما لله يسجد إذ يصـلـي

 

ولكن يسجدون لكل نـار

فلما ولي يزيد بن المهلب خراسان والعراقبعد أبيه – ولاه سليمان بن عبد الملك – خاف الفرزدق من بني المهلب، فقال يمدحهم:

فلأمدحن بني المهلب مدحة غراء قاهرة على الأشعار

 

مثل النجوم أمامها قمراؤها

 

تجـلـو الـعـمـى وتـضـيء لـيل الـســاري

ورثـوا الـطـعـان عـن الـمـهـلـب والـقـرى

 

وخـلائقـا كــتـــدفـــق الأنـــهـــار

كان الـمـهـلـب لــلـــعـــراق وقـــاية

 

وحـيا الـربـيع ومـعـقـــل الـــفـــرار

وإذا الـــرجـــال رأوا يزيد رأيتـــهــــم

 

خضـع الـرقـاب نـواكــس الأبـــصـــار

مازال مـــذ شـــد الإزار بـــكـــفـــه

 

ودنـا فـأدرك خـــمـــسة الأشـــبـــار

أيزيد إنـك لـلـمـــهـــلـــب أدركـــت

 

كفـــاك خـــير خـــلائق الأخــــــيار

يخشى بأس يزيد بن المهلب: أخبرنا عبد الله بن مالك، قال: حدثنا محمد بن حبيب، قال: حدثني الأصمعي، قال: لما قدم يزيد بن المهلب واسطاً قال لأمية بن الجعد – وكان صديق الفرزدق : إني لأحب أن تأتيني بالفرزدق، فقال للفرزدق: ماذا فاتك من يزيد أعظم الناس عفواً، وأسخى الناس كفاً، قال: صدقت، ولكن أخشى أن آتيه فأجد العمانية ببابه فيقوم إلي رجل منهم فيقول: هذا الفرزدق الذي هجانا، فيضرب عنقي، فيبعث إليه يزيد، فيضرب عنقه، ويبعث إلى أهلي ديتي، فإذا يزيد قد صار أوفى العرب، وإذا الفرزدق فيما بين ذلك قد ذهب، قال: لا والله لا أفعل، فأخبر يزيد بما قال، فقال: أما إذ قد وقع هذا بنفسه فدعه لعنه الله.

ماجن يريد أن ينزو عليه: قال ابن حبيب: وحدثنا يعقوب بن محمد الزهري عن أبيه عن جده قال: دخل الفرزدق مع فتيان من آل المهلب في بركة يتبردون فيها، ومعهم ابن أبي علقمة الماجن، فجعل يتفلت إلى الفرزدق، فيقول: دعوني أنكحه، حتى لا يهجونا أبداً، وكان الفرزدق من أجبن الناس، فجعل يستغيث، ويقول: ويلكم! لا يمس جلده جلدي، فيبلغ ذلك جريراً، فيوجب علي أنه قد كان منه الذي يقول، فلم يزل يناشدهم حتى كفوه عنه.

يفخر بالمضربة أمام حاكم يماني: أخبرني عبيد الله قال: حدثني محمد بن حبيب قال: حدثني موسى بن طلحة قال: لما ولي خالد بن عبد الله العراق، فقدمها وكان من أشد خلق الله عصبية على نزال فقال لبطة بن الفرزدق: فلبس أبي من صالح ثيابه؛ وخرج يريد السلام عليه، فقلت له: يا أبت، إن هذا الرجل يماني، وفيه من العصبية ما قد علمت، فلو دخلت إليه فأنشدته مدائحك أهل اليمن لعل اللله أن يأتيك منه بخير، فإنك قد كبرت على الرخلة، فجعل لا يرد علي شيئاً؛ حتى دفعنا إلى البواب؛ فأذن له؛ فدخل؛ وسلم؛ فاستجلسه؛ ثم قال: إيه يا أبا فراس، أنشدنا مما أحدثت، فأنشدته:

يختلف الناس ما لم نجتمـع لـهـم

 

ولا خلاف إذا ما أجمعت مضـر

فينا الكوااهل والأعناق تقـدمـهـا

 

فيها الرؤوس وفيها السمع والبصر

ولا نحالف غير الـلـه مـن أحـد

 

إلا السيوف إذا ما اغرورق النظر

ومن يمل يمل المأثـور قـلـتـه

 

بحيث يلقى حافي رأسه الشـعـر

أما الملوك فإنـا لا نـلـين لـهـم

 

حتى يلين لضرس الماضغ الحجر

ثم قام، فخرجنا، قلت: أهكذا أوصيتك؟ قال: اسكت، لا أم لك فما كنت قط أملأ لقلبه مني الساعة.
يفحم المنذر بن الجارود: أخبرني عبد الله: قال حدثني محمد بن حبيب، عن موسى بن طلحة قال: كان الفرزدق في حلقة في المسجد الجامع، وفيها المنذر بن الجارود العبدي، فقال المنذر: من الذي يقول:

وجدنا في كتاب بني تـمـيم

 

أحق الخيل بالركض المعار

فقال الفرزدق: يا أبا الحكم هو الذي يقول:

أشارب قهوة وخـدين زير

 

وعبدي لفسوتـه بـخـار

وجدنا الخيل في أبناء بكر

 

وأفضل خيلهم خشب وقار

قال: فخجل المنذر، حتى ما قدر على الكلام.

خليفة أموي يفضله ويصله: أخبرني عبد الله بن مالك: قال: حدثني محمد بن موسى قال: حدثنا الأصمعي قال: دخل الفرزدق على بعض خلفاء بني مروان ففاخره قوم من الشعراء فأنشأ يقول:

ما حملت ناقة من معشر رجـلاً

 

مثلى إذا الربح لفتنني على الكور

أعز قوماً وأوفى عند مـكـرمة

 

لمعظم من دماء القوم مهجـور

فقال له: إيه، فقال:

إلا قريشاً فإن الله فضـلـهـا

 

على البرية بالإسلام والخـير

تلقى وجوه بني مروان تحسبها

 

عند اللقاء مشوفات الدنانـير

ففضله عليهم، ووصله.

عيسى بن حصيلة يعينه على الفرار من زياد:  قال ابن حبيب: وكان الفرزدق يهاجي الأشهب بن رميلة النهشلي وبني فقيم، فأرفث بهم، فاستعدوا عليه زياداً، فحدثني جابر بن جندل: قال: فأتى عيسى بن حصيلة بن مغيث بن نصر بن خالد السلمي ثم من بني بهز، فقال: يا أبا حصيلة، إن هذا الرجل قد أخافني؛ وقد لفظني جميع من كنت أرجو، قال: فمرحباً بك يا أبا فراس، فكان عنده ليالي، ثم قال: إني أريد أن ألحق بالشام، قال: إن أقمت ففي الرحب والسعة، وإن شخصت فهذه ناقة أرحبية أمتعك بها، وألف درهم، فركب الناقة، وخرج من عنده ليلاً، فأرسل عيسى معه من أجازه من البيوت؛ فأصبح وقد جاوز مسيرة ثلاث، فقال يمدحه:

كفاني بها البهزي حملان من أبـى

 

من الناس، والجاني تخاف جرائمـه

فتى الجود عيسى والمكارم والعـلا

 

إذا المال لم ينفع بخـيلاً كـرائمـه

ومن كان يا عيسى يؤنـب ضـيفـه

 

فضيفك يا عيسى هنيء مطاعمـه

وقال: تـعـلـم أنـهـا أرحـبـية

 

وأن لك الليل الذي أنت جاشـمـه

فأصبحت والملقى ورائي وحنـبـل

 

وما صدرت حتى علا النجم عاتمه

تزاور في آل الحـقـيق كـأنـهـا

 

ظليم تبارى جنح لـيل نـعـائمـه

رأت دون عينيها ثوية فـانـجـلـى

 

لها الصبح عن صعل أسيل مخاطمه

وقال:

تداركني أسباب عيسى من الـردى

 

ومن يك مولاه فلـيس بـواحـد

نمته النواصي من سليم إلى العـلا

 

وأعراق صدق بين نصر وخالـد

سأثني بمـا أولـيتـنـي وأربـه

 

إذا القوم عدوا فضلهم في المشاهد

فلما بلغ زياداً شخوصه أتبعه علي بن زهدم الفقيمي: أحد بني مؤلة فلم يلحقه فقال الفرزدق:

فإنك لو لاقيتني يا بن زهـدم

 

لأبت شعاعيا على غير تمثال

يلجأ إلى بكر بن وائل: فأتى بكر بن وائل، فجاورهم، فأمن، فقال:

وقد مثلت أين المسير فلـم تـجـد

 

لعوذتها كالحـي بـكـر بـن وائل

وسارت إلى الأجفان خمسا فأصبحت

 

مكان الثريا من يد الـمـتـنـاول

وماضرها إذ جاورت في بـلادهـا

 

بني الحصن ما كان اختلاف القبائل

الحصن بن ثعلبة بن عكابة بن صعب بن علي بن بكر بن وائل.

يأمن زياداً في حمى سعيد بن العاص: وهرب الفرزدق من زياد، فأتى سعيد بن العاص بن سعيد بن العاص بن أمية، وهو على المدينة لمعاوية بن أبي سفيان، فأمنه سعيد، فبلغ الفرزدق أن زياداً قال: لو أتاني أمنته، وأعطيته، فقال في كلمة له:

دعاني زياد للـعـطـاء ولـم أكـن

 

لآتيه ما سـاق ذو حـسـب وقـرا

وعنـد زياد لـو أراد عـطـاءهـم

 

رجال كثير قد يرى بهـم فـقـرا

قعود لدى الأبـواب طـلاب حـاجة

 

عوان من الحاجات أو حاجة بكـرا

فلما خشـيت أن يكـون عـطـاؤه

 

أداهم سوداً أو محـدرجة سـمـرا

نميت إلى حـرف أضـربـنـيهـا

 

سرى الليل واستعراضها البلد الفقيرا

فلما اطمأن عند سعيد بن العاص بالمدينة قال:

ألا من مبلغ عني زياداً مغلغلة يخب بها البريد

 

بأني قد فررت إلى سعيد

 

ولا يسـطـاع مـا يحـمـي ســعـــيد

فررت إلـيه مـن لــيث هـــزبـــر

 

تفـادى عـن فـريســتـــه الأســـود

فإن شـئت انـتـمـيت إلـى الـنـصـارى

 

ونـاسـبـنـي ونـاسـبـت الــيهـــود

وإن شـئت انـتـسـبـت إلـى فــقـــيم

 

ونـاسـبـنـي ونـاسـبـت الـقـــرود

وأبـغـضـهـم إلـي بـنـو فـــقـــيم

 

ولـكـن سـوف آتــي مـــا تـــريد

فأقام الفرزدق بالمدينة؛ فكان يدخل بها على القيان. فقال:

إذا شئت غناني من العاج قاصـف

 

على معصـم ريان لـم يتـخـدد

لبيضاء من أهل المدينة لم تـعـش

 

ببؤس ولم تتبع حمولة مـجـحـد

وقامت تخشيني زياداً وأجـفـلـت

 

حوالي في بردي يمان ومجـسـد

فقلت: دعيني مـن زياد فـإنـنـي

 

أرى الموت وقاعاً على كل مرصد

بينه وبين مسكين الدارمي: فلما هلك زياد رثاه مسكين بن عامر بن شريح بن عمرو بن عدي بن عدس بن عبد الله بن دارم، فقال:

رأيت زيادة الإسلام ولت جهاراً حين فارقها زياد

فبلغ ذلك الفرزدق، فقال:

أمسكين أبكى الله عينيك إنـمـا

 

جرى في ضلال دمعها فتحدرا

أتبكي أمراً من آل ميسان كافراً

 

ككسرى على عداته أو كقيصرا

أقول له لما أتـانـي نـعـيه:

 

به لا بظبي بالصريمة أعفـرا

فقال مسكين:

ألا أيها المرء الذي لست قـائمـاً

 

ولا قاعداً في القوم إلا انبرى لـيا

فجئني بعم مثـل عـمـي أو أب

 

كمثل أبي أو خال صدق كخالـيا

بعم