نسب الخنساء وخبرها

نسب الخنساء وخبرها

وخبر مقتل أخويها صخر ومعاوية هي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن الشريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم بن منصور بن عكرمة بن خصفة بن قيس بن عيلان بن مضر. واسمها تماضر.
والخنساء لقب غلب عليها ، وفيها يقول دريد بن الصمة، وكان خطبها فردته، وكان رآها تهنأ بعيرا:

حيوا تماضر وأربعوا صحبي

 

وقفوا فإن وقوفكم حسبـي

أخناس قد هام الفؤاد بـكـم

 

وأصابه تبل مـن الـحـب

ما إن رأيت ولا سمعت بـه

 

كاليوم طالي أينـق جـرب

متبذلا تبـدو مـحـاسـنـه

 

يضع الهناء مواضع النقب

قال أبو عبيدة ومحمد بن سلام: لما خطبها دريد بعثت خادما لها وقالت: انظري إليه إذا بال، فإن كان بوله يخرق الأرض ويخد فيها ففيه بقية، وإن كان بوله يسبح على وجهها فلا بقية فيه. فرجعت إليها وأخبرتها، فقالت: لابقية في هذا. فأرسلت إليه: ما كنت لأدع بني عمي وهم مثل عوالي الرماح، وأتزوج شيخا! فقال:

وقاك الله يا ابنة آل عمرو

 

من الفتيان أشباهي ونفسي

وقالت إنني شيخ كـبـير

 

وما نبأتها أني ابن أمـس

فلا تلدي ولا ينكحك مثلي

 

إذا ما ليلة طرقتبنـحـس

تريد شرنبث القدمين ششنا

 

يباشر بالعشية كل كـرس

فقالت الخنساء تجيبه:

معاذ الله ينكحني حبركـى

 

يقال أبوه من جشم بن بكر

ولو أصبحت في جشم هديا

 

إذا أصبحت في دنس وفقر

وهذا الشعر ترثي به أخاها صخرا وقتله زيد بن ثور الأسدي يوم ذي الأثل.

أخبرنا بالسبب في ذلك محمد بن الحسن بن دريد، عن أبي حاتم، عن أبي عبيدة، وأضفت إليه رواية الأثرم عن أبي عبيدة قال: غزا صخر بن عمرو، وأنس بن عباس الرعلي في بني سليم، بني أسد بن خزيمة ،-قال أبو عبيدة: وزعم السلمي أن هذا اليوم يقال له يوم الكلاب ويم ذي الأثل-في بني عوف وبني خفاف، وكانا متساندين، وعلى بني خفاف صخر بن عمرو الشريدي، وعلى بني عوف أنس بن عباس. قال: فأصابوا في بني أسد بن خزيمة غنائم وسبيا، وأخذ صخر يومئذ بديلة امرأة . قال: وأصابت صخرا يومئذ طعنة، طعنه رجل يقال له ربيعة بن ثور، ويكنى أبا ثور، فأدخل جوفه حلقا من الدرع فاندمل عليه حتى شق عنه بعد سنين، وكان سبب موته.

قال أبو عبيدة: وقال غيره: بل ورد هو وبلعاء بن قيس الكناني. قال: وكانا أجمل رجلين في العرب. قال: فشربا عند يهودي خمار كان بالمدينة. قال:فحسدهما لما رأى من جمالهما وهيأتهما، وقال: إني لآحسد العرب أن يكون فيهم مثل هذين! فسقاهما شربة جويا منها . قال: فمر بصخر طبيب بعد ما طال مرضه، فأراهما به،فقال: أشق عنك فتفيق. قال: فعمد إلى شفار فجعل يحميها قم يشق بها عنه، فلم ينشب أن مات. قال أبو عبيدة: واما أبو بلال بن سهم فإنه قال: اكتسح صخر أموال بني أسد وسبى نساءهم، فأتاهم الصريح فتبعوه فتلاحقوا بذات الأثل، فاقتتلوا قتالا شديدا، فطعن ربيعة بن ثور السدي صخرا في جنبه، وفات القوم فلم يقعص وجوي منها، ومرض قريبا من حول، حتى مله اهله. قال: فسمع صخر امرأة وهي تسأل سلمى امرأة صخر: كيف بعلك؟ فقالت سلمى:لاحي فيرجى، ولاميت فينعى، لقينا منه الأمرين! قال: وزعم آخر أن التي قالت هذه المقالة بديلة الأسدية التي كان سباها من بني أسد فاتخذها لنفسه. فأنشد هذا البيت:

ألا تلكم عرسي بديلة أوجسـت

 

فراقي وملت مضجعي ومكاني

وأما أبو بلال بن سهم فزعم أن صخرا حين سمع مقالة سلمى امرأته قال:

أرى أم صخر لاتمل عـيادتـي

 

وملت سليمى مضجعي ومكاني

وما كنت أخشى أن أكون جنازة

 

عليك ومن يغتر بالـحـدثـان

أهم بأمر الحزم لو أستطـيعـه

 

وقد حيل بين العير والنـزوان

لعمري لقد نبهت من كان نائمـا

 

وأسمعت من كانت لـه أذنـان

وللموت خير من حياة كأنـهـا

 

محلة يعسوب برأس سـنـان

وأي امرىء ساوى بأم حـلـيلة

 

فلا عاش إلا في شقا وهـوان

فلما طال عليه البلاء وقد نتأت قطعة مثل اللبد في جنبه في موضع الطعنة، قالوا له: لو قطعتها لرجونا ان تبرأ. فقال: شأنكم. فأشفق عليه بعضهم فنهاهم، فأبى وقال: الموت أهون علي مما أنا فيه! فأحموا له شفرة ثم قطعوها فيئس من نفسه.
قال: وسمع صخر أخته الخنساء تقول: كيف كان صبره؟ فقال صخر في ذلك:

أجارتناإن الـخـطـوب تـنـوب

 

على الناس، كل المخطئين تصيب

فإن تسأليني هل صبرت فإنـنـي

 

صبور على ريب الزمان صلـيب

كأني وقد أدنوا إلـي شـفـارهـم

 

من الصبر دامي الصفحتين ركوب

أجارتنا لست الغـداة بـظـاعـن

 

ولكن مقـيم مـا اقـام عـسـيب

عن أبي عبيدة: عسيب: جبل بأرض بني سليم إلى جنب المدينة، فقبره هناك معلم.
وقال أبو عبيدة: فمات فدفن هناك، فقبره قريب من عسيب.
فقالت الخنساء ترثيه:

ألاما لعينـك أم مـا لـهـا

 

لقد أخضل الدمع سربالهـا

ابعد ابن عمرو من آل الشري

 

د حلت به الأرض أثقالهـا

فإن تـك مـرة أودت بــه

 

فقد كان يكثرتـقـتـالـهـا

سأحمل نفسي علـى خـطة

 

فإما علـيهـا وإمـا لـهـا

فإن تصبر النفس تلق السرور

 

وإن تجزع النفس أشقى لها

غنى فيه ابن سريج خفيف رمل بالبنصر.
قال السلمي: ليست هذه في صخر، هذه إنما رثت بها معاوية اخاها، وبنو مرة قتلته. ولكنها قالت في صخر:

قذى بعينـك أم بـالـعـين عـوار

 

أم أقفرت إذ خلت من أهلها الـدار

تبكي لصخر، هي العبرى وقد ثكلت

 

ودونه من جديد التـرب أسـتـار

لابد من ميتة في صرفـهـا غـير

 

والدهر في صرفه حول وأطـوار

يا صخر وراد مـاء قـد تـنـاذره

 

أهل الموارد ما فـي ورده عـار

مشى السبنتى إلى هيجاء معضـلة

 

له سـلاحـان أنـياب وأظـفـار

فما عجول على بو تـطـيف بـه

 

لها حنينـان إصـغـار وإكـبـار

ترتع ما رتعت حتـى إذا ادكـرت

 

فإنـمـا هـي إقـبـال وإدبـار

لاتسمن الدهر في أرض وإن رتعت

 

فإنما هي تحـنـان وتـسـجـار

يوما بأوجد منـي يوم فـارقـنـي

 

صخر وللدهـر إحـلاء وإمـرار

فإن صخـرا لـوالـينـا وسـيدنـا

 

وإن صخرا إذا نشتـو لـنـحـار

وإن صخرا لتـأتـم الـهـداة بـه

 

كأنـه عـلـم فـي راسـه نـار

-غنى في هذين البيتين الأولين ابن سريج، من رواية يونس-:

لم ترأه جارة يمشي بساحتها

 

لربية حين يخلي بيته الجار

ولا تراه وما في البيت يأكله

 

لكنه بارز بالصحن مهمار

مثل الرديني لم تنفد شبيبتـه

 

كأنه تحت طي البرد أسوار

في جوف رمس مقيم قد تضمنه

 

في رمسه مقمطرات وأحجار

طلق البدين بفعل الخير ذو فجر

 

ضخم الدسيعة بالخيرات أمـار

ورفقة حار هاديهم بمهـلـكة

 

كأن ظلمتها في الطخية القـار

عروضه ثان من البسيط.
العوار والعائر: وجع، وهو مثل الرمد. وذرفت: قطرت قطرا متتبعا لايبلغ أن يكون سيلا. والعبرى، يقال امرأة عبرى وعابر. والعبرة : سخنة العين . والوله : ما يصيب الرجل والمرأة من شدة الجزع على الولد. حول وأطور، أي تحول وتقلب وتصرف. قد تناذره، أي أنذر بعضهم بعضا هوله وصعوبته. ويروى: تبادره وقولها مافي ورده عار أرادت ما في ترك ورده عار، أي لايعير أحد إن عجز عنه من صعوبة ورده .

العجول: الثكول. والبو: أن ينحر ولد الناقةويؤخذ جلده فيحشى ويدنى من أمه فترأمه. إحلاء وإمرار، يقال: ماأحلى ولاأمر. أي ما أتى بحلوة ولامرة . والمعنى أن الدهر يأتي بالمشقة والمحبة . كأنه علم في رأسه نار أي إنه مشهور. والعلم: الجبل، وجمعه أعلام. كأنه تحت طي البردأسوار، أي من لطافة بطنه وهيفه شبيه أسوار من ذهب.والرديني: الرمح منسوب إلى ردينة: امرأة كانت تقوم الرماح. أي هو معصوب البدن ليسبمهيج منحل. وهذا كله من انفاخ الجلد والسمن والاسترخاء. وقال أبو عمرو: مقمطرات: صخور عظام.والأحجار صغار .ذو فجر: يتفجر بالمعروف. والدسيعة: العطاء. الطخية، من الطخاء، وهو الغيم الرقيق الذي يواري النجوم فيتحير الهادي .

وقالت الخنساء أيضا ترثي صخرا:

بكت عيني وعاودها قذاهـا

 

بعوار فما تقضي كـراهـا

على صخر وأي فتى كصخر

 

إذا ما الناب لم ترأم طلاهـا

-الطلا:الولد،أي لم تعطف عليه من الجدب-

فتى الفتيان ما بلغوا مداها

 

ولايكدي إذا بلغت كداهـا

لئن جزعت بنو عمرو عليه

 

لقد رزئت بنو عمرو فتاها

-غنى في هذه الأبيات ابن جامع ثاني ثقيل بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. وذكر حبش أن لهأيضافيه خفيف رمل بالبنصر-

ترى الشم الجحاجح من سليم

 

وقد بلت مدامعها لحـاهـا

-إذا وصف السيد بالشمم فإنه لايدنو لدناءة، ولايضع لها أنفه-

وخيل قد كففت بجول حيل

 

فدارت بين كبشيها رحاها

-وجول خيل: جولان. ويقال: قطعة خيل تجول، أي تذهب وتجيء-

ترفع فضـل سـابـغة دلاص

 

على خيفانة خفق حـشـاهـا

وتسعى حين تشتجر العـوالـي

 

بكأس الموت ساعة مصطلاها

محافظة ومـحـمـية إذا مـا

 

نبا بالقوم من جزع لـظـاهـا

فتتركها قد اشتجرت بطـعـن

 

تضمنه، إذا اختلفت، كـلاهـا

هنالك لو نزلت بـال صـخـر

 

قرى الأضياف سخنا من ذراها

فمن للضيف إن هبت شـمـال

 

مزعزعة يجاوبهـا صـداهـا

وألجأ بردها الأشـوال حـدبـا

 

إلى الحجرات بارزة كـلاهـا

أمطعمكم وحاملكم تركـتـهـم

 

لدى غبراء منهـدم رجـاهـا

ليبك عليك قومك للمـعـالـي

 

وللهيجاء إنك مـا فـتـاهـا

وقد فوزت طلعة فاستراحـت

 

فليت الخيل فارسهـا يراهـا

وقال خفاف بن عمير يرثي صخرا ومعاوية ابني عمرو، ورجالا منهم أصيبوا:

تطاول همه ببـراق سـعـر

لذكراهـم وأي أوان ذكـر

كأن النار تخرجهـا ثـيابـي

وتدخل بعد نوم الناس صدري

لباتت تضرب الأمثال عنـدي

على ناب شريت بها وبكـر

وتنسى من أفارق غير قـال

وأصبر عنهم من آل عمـرو

وهل تدرين أن مارب خـرق

رزئتمبرأ بقصـاص وتـر

أخى ثقة إذا الضراء نـابـت

وأهل حباء أضياف ونحـر

كصخر للـسـرية غـادروه

بذرة أو معاوية بن عمـرو

وميت بالجناب أثل عـرشـي

كصخر أو كعمرو أو كبشر

وآخر بالنواصف مـن هـدام

فقد أودى ورب أبيك صبري

فلم أرمثلهم حـيا لـقـاحـا

أقاموا بين قاصية وحـجـر

أشد على صروف الدهـر إذا

وآمرمنهم فيهـا بـصـبـر

وأكـرم، حـين ضـن الـنـاس، خـيمــا

وأحـمـد شـيمة ونـشـــيل قـــدر

إذا الـحـسـنـاء لـم تـرحـض يديهــا

ولم يقـصـر لـهـا بـصـر بـسـتـر

قروا أضـيافـهـم ربـحـا بـــبـــح

تجـيء يعـبـقـري الـودق سـمـــر

رمـاح مـثـقـف حـمـلـت نـصــالا

يلـحـن كـأنـهـن نـجـوم فـجـــر

جلاها الـصـيقـلـون فـأخـلـصـوهـا

مواضـي كـلـهـا يفـري بـبـتـــر

هم الأيسـار إن قـحـطـت جـمـــادى

بكـل صـبـير سـارية وقـــطـــر

يصـدون الـمـغـيرة عـن هـواهـــا

بطـعـن يفـلـق الـهـامـات شــزر

تعلم أن خير الناس طرالولدانغداة الريح غبر

 

وأرملة ومعتر مسيف

عديم الـمـال، عـجـزة أم صـخـــر            

ومما رثت به الخنساء صخرا وغني فيه:

أعيني جودا ولا تـجـمـدا

 

ألا تبكيان لصخر الـنـدى

ألا تبكيان الجريء الجمـيل

 

ألا تبكيان الفتـى الـسـيدا

طويل النجاد رفيع العـمـا

 

د ساد عشـيرتـه أمـردا

إذا القـوم مـدوا بـأيديهـم

 

إلى المجـد مـد إلـيه يدا

فنال الـذي فـوق لأيديهـم

 

من المجد ثم مضى مصعدا

يحمله القوم ما عـالـهـم

 

وإن كان أصغرهم مولـدا

ترى المجد يهوي إلى بيتـه

 

يرى أفضل المجد أن يحمدا

وإن ذكر المجد ألـفـيتـه

 

تأزر بالمجـد ثـم ارتـدى

ونذكر الآن ها هنا خبر مقتل معاوية بن عمرو أخيهما، إذكانت أخبارهما وأخبارها يدعوبعضها إلى بعض.

قال أبو عبيدة: حدثني أبو بلال بن سهم بن عباس بن مرداس بن أبي عامر بن حارثة بن عبد بن عبس بن رفاعة بن الحارث بن بهثة بن سليم بن منصور قال: غزامعاوية بن عمرو أخو خنساء، بني سعد بن ذبيان وبني فزارة، ومع خفاف بن عمير بن الحارث، وأمه ندبة سوداء، وإليها ينسب، فاعتوره هاشم ودريد ابنا حرملة المريان. قال ابن الكلبي: وحرملة هو حرملة بن الأسعر بن إياس بن مريطة بن ضمرة بن مرة بن عوف بن سعد بن ذبيان. قال أبو عبيدة فاستطرد له أحدهما ثم وقف، وشد عليه الآخر فقتله، فما تنادوا: قتل معاوية! قال خفاف: قتلني الله إن رمت حتى أثاربه! فشد على مالك بن حمار الشمخي، وكان سيد بني شمخ بن فزارة، فقتله-أقال: وهو مالك بن حمارين حزن بن عمرو بن جابر بن عقيل بن هلال بن مازن بن فزارة -فقال خفاف في ذلك:

فإن تك خيلي قد أصيب صممها

 

فعمدا على عين تيممت مالكـا

يعني مالك بن حمار الشمخي.

قال أبو عبيدة: فأجمل أبو بلال الحديث.

قال: وأما غيره فذكر أن معاوية وافى عكاظ في موسم من مواسم العرب، فبينا هو يمشي بسوق عكاظ، إذ لقي أسماء المرية، وكانت جميلة، رغم انها كانت بغيا، فدعاها إلى نفسه فامتنعت عليه وقالت: أما علمت أني عند سيد العرب هاشم بن حرملة؟! فقال: أما والله لأقار عنه عنك. قالت: شأنك وشأنه. فرجعت إلى هاشم فأخبرته بما قال معاوية وما قالت له، فقال هاشم: فلعمري لا يريم أبياتنا حتى ننظر ما يكون من جهده. قال: فلما خرج الشهر الحرام وتراجع الناس عن عكاظ، خرج معاوية بن عمرو غازيا يريد بني مرة وبني فزارة، في فرسان أصحابه من بني سليم، حتى إذا كان بمكان يدعى الجوزة- والشك من أبي عبيدة-دومت عليه طير وسنح له ظبي، فتطير منهما ورجع في أصحابه، وبلغ ذلك هاشم بن حرملة فقال: ما منعه من الإقدام إلا الجبن! قال: فلما كانت السنة المقبلة غزاهم، حتى إذا كان في ذلك المكان سنح له ظبي وغراب فتطير فرجع، ومضى أصحابه وتخلف في تسعة عشر فارسا منهم لايريدون قتالا،إنما تخلف عن عظم الجيش راجعا إلى بلاده ، فوردوا ماء وإذا عليه بيت شعر، فصاحوابأهله فخرجت إليهم امرأة فقالوا ما أنت ممن أنت؟قالت: امرأة من جهينة، أحلاف لبني سهم بن مرة بن غطفان. فوردوا الماء يسقون، فانسلت فأتت هاشم بن حرملة، فأخبرته أنهم غير بعيد، وعرفته عدتهم وقالت: لاأرى إلا معاوية في القوم. فقال: بالكاع، أمعاوية في تسعة عشر رجلا، شبهت أو أبطلت. قالت: بل قلت الحق، ولئن شئت لأصفنهم لك رجلا رجلا. قال: هاتي.

قالت: رأيت فيهم شابا عظيم الجمة، جبهته قد خرجت من تحت مغفره، صبيح الوجه، عظيم البطن، على فرس غراء. قال: نعم هذه صفته. يعني معاوية وفرسه الشماء. قالت: ورأيت رجلا شديد الأدمة شاعرا ينشدهم. قال: ذلك خفاف بن عمير.
قالت: ورأيت رجلا ليس يبرح وسطهم، إذا نادوه رفعوا أصواتهم. قال: ذلك عباس الأصم.

قالت:ورأيت رجلا طويلا يكنونه أبا حبيب، ورأيتهم أشد شيء له توفيرا. قال: ذاك نبيشة بن حبيب.

قالت: ورأيت شابا جميلا له وفرة حسنة. قال: ذاك العباس بن مرداس السلمي.

قالت: ورأيت شيخا له ضفيرتان، فسمعته يقول لمعاوية:بأبي أنت أطلت الوقوف! قال: ذاك عبد العزى زوج الخنساء أخت معاوية.
قال: فنادى هاشم في قومه وخرج، وزعم المري أنه لم يخرج إليهم إلا في مثل عدتهم من بني مرة.قال: فلم يشعر السلميون حتى طلعوا عليهم، فثاروا إليهم فلقوهم فقال لهم خفاف: لاتنازلوهم رجلا رجلا؛ فإن خيلهم تثبت للطراد وتحمل ثقل السلاح، وخيلكم قد أمنها الغزو وأصابها الحفا .

قال: فاقتلوا ساعة وانفرد هاشم ودريد ابنا حرملة المريان لمعاوية، فاستطرد له أحدهما فشد عليه معاوية وشغله، واغتره الآخر فطعنه فقتله. واختلفوا أيهما استطرد له وأيهما قتله، وكانت بالذي استطردله طعنة طعنه إياها معاوية. ويقال: هو هاشم. وقال آخرون: بل دريد أخو هاشم.

شعر خفاف في ذلك

قال: وشد خفاف بن عمير بن الحارث بن الشريد على مالك بن حمار سيد بني شمخ بن فزارة فقتله. وقال خفاف في ذلك وهو ابن ندبة، وهي أمة سوداء كانت سباها الحارث، بن الشريد حين أغار على بني الحارث بن كعب فوهبها لابنه عمير فولدت له خفافا . ويقال في ندبة إنها ابنة الشيطان بن بنان، من بني الحارث بن كعب فقال:

أقول له والرمح يأطر مـتـنـه

 

تأمل خفافا إنـنـي أنـا ذلـكـا

وقفت له جلوى وقد خام صحبتي

 

لأبني مجـدا ولأثـأرهـالـكـا

لدن ذر قرن الشمس حين رأيتهم

 

سرعا على خيل تؤم المسالـكـا

فلما رأيت القـوم لاود بـينـهـم

 

شريجين شتى طالبا ومواشـكـا

تيممت كبش القوم حتى عرفتـه

 

وجانبت شبان الرجال الصعالكـا

فجادت له يمنى يدي بـطـعـنة

 

كست متنه من أسود اللون حالكا

أنا الفارس الحامي الحقيقة والذي

 

به أدرك الأبطال قدما كذلـكـا

فغن ينج منها هاشم فبـطـعـنة

 

كسته نجيعا من دم الجوف صائكا

فحقق خفاف في شعره أن الذي طعن معاوية هو هاشم بن حرملة.
وقالت الخنساء ترثي أخاها معاوية:

ألا لا رأى في الناس مثل معاوية

 

إذا طرقت إحدى الليالي بداهـية

بداهية يصغي الكلاب حسيسهـا

 

وتخرج من سر النجي علانـية

ألا لا رأى كفارس الورد فارسـا

 

إذا ما علته جـرأة وغـلابـيه

وكان لزاز الحرب عند شبوبهـا

 

إذا شمرت عن ساقها وهي ذاكية

وقواد خيل نحو اخرى كـانـهـا

 

سعال وعقبان عليهـا زبـانـيه

بلينا وما تبلى تعـار ومـا تـرى

 

على حدث الأيام إلا كمـا هـيه

فأقسمت لاينفك دمعي وعولتـي

 

عليك بحز ما دعا اللـه داعـيه

وقالت الخنساء في كلمة اخرى ترثيه أيضا:

إلا ما لعينـيك أم مـالـهـا

 

لقد أخضل الدمع سربالهـا

أبعد ابن عمرو من آل الشري

 

د حلت به الأرض أثقالهـا

وأقسمت آسى على هـالـك

 

وأسـأل نـائحة مـالـهـا

سأحمل نفسـي عـلـى آلة

 

فإنا علـيهـا وإمـا لـهـا

نهين النفوس وهون النـفـو

 

س يوم الكريهة أبقى لـهـا

ورجراجة فوقها بـيضـهـا

 

عليها المضاعف زفنا لهـا

ككر فئة الغيث ذات الصبـي

 

ر ترمي السحاب ويرمي لها

وقافية مثـل حـد الـسـنـا

 

ن تبقى ويهلك من قالـهـا

نطقت ابن عمرو فسهلتـهـا

 

ولم ينطق الناس أمثـالـهـا

فإن تـك مـرة أودت بــه

 

فقد كان يكثر تقـتـالـهـا

فزال الكواكب مـن فـقـده

 

وجللت الشمس أجـلالـهـا

وداهـية جـرهـا جــارم

 

تبيل الحواصن أحبـالـهـا

كفاها ابن عمرو ولم يستعن

 

ولو كان غيرك ادنى لهـا

وليس بأولـى ولـكـنـه

 

سيكفي العشيرة ما عالهـا

بمعتـرك ضـيق بـينـه

 

تجر المـنـية اذيالـهـا

وبيض منعت غداة الصبـا

 

ح تكشف للروع اذيالهـا

ومعملة سقتهـا قـاعـدا

 

فأعلمت بالسيف أغفالهـا

وناجية كأتـان الـثـمـي

 

ل غادرت بالخل أوصالها

إلى ملك لا إلـى سـوقة

 

وذلك ما كان إعمالـهـا

وتمنح خيلك أرض العـدو

 

وتنبذ بالغزو اطفـالـهـا

ونوح بعثت كمـثـلالإرا

 

خ آنست العين أسبالـهـا

التفسير عن أبي عبيدة: قوله حلت به الأر، قال بعضهم: حلت من الحلية أي زينت به الأرض موتاها، حين دفن بها. وقال بعضهم: حلت من حللت الشيء. والمعنى القت مراسيها، كانه ثقلا عليها. قال: اللفظ لفظ الاستفهام والمعنى خبر، كما قال جرير:

أستم خير من ركب المطايا

 

واندى العالمين بطون راح

قال: جواب أبعد في آسى أي أبعد ابن عمرو آسى وأسأل نائحة مالها.

وقال أبو عبيدة: هذا البيت لمية بنت ضرار بن عمرو الضبية ترثي أخاها . قال أبو الحسن الأثرم: سمعتأبا عمرو الشيباني يقول: أمور الناس جارية على أذلالها، أي على مسالكها، واحدها ذل . آلة: حالة. تقول: فإما أن اموت وإما أن انجو. ولو قالت علىألة لم تنج؛ لأن الألة هي الحربة.

هممت بنفسن قال أبو عبيدة: هذا توعد. قال الأصمعي:”كل الهموم”. قال الأثرم: كأنها أرادت أن تقتل نفسها .

أبو عبيدة؛ التكدس: التتابع، يتبع بعضها بعضا، أي يغزو ويجاهد في الغزو، كما تتوقل الوعول في الجبال، عن ابي عبدة. قال الأصمعي: التكدس: أن تحرك مناكبها إذا مشت وكانها تنصب إلى بين يديها، وإنما وصفتهابهذا. تقول: لاتسرع إلى الحرب، ولكن تمشي إليها رويدا. وهذا أثبت له من أن يلقاها وهو يركضز ويقالك جاء فلان يتكدس، وهي مشية من مشي الغلاظ القصارز وقال أبو زياد الكلابي: الكداس :عطاس الضأن. قالالسلمي: التكدس: تكدس الأوعال، وهو القحم. والتكدس هو أن يومي بنفسه رميا شديدا في جريه.

نهين النفوس، تريد غداة الكريهة. وقولها:”أبقى لها”لأنها إذا تذامرت وغشيت القتال كان أسلم لهاغ من الانهزام. كقول بشر بن أبي خازم:

ولا ينجى من الغمراتإلا

 

براكاء القتال أو الفرار

قال بعضهم: أبقى لها في الذكر وحسن القول. والرجراجة: التي تتمخض من كثرتها. وقال الأصمعي: الكرفئة، وجمعها كرفيء: قطع من السحاب بعضها فوق بعضز وقوله: ترمي السحاب أي تنضم إليه وتتصل به.ويرمي لها، أي ينضم إليها السحاب حتى يستوي. مثل حد السنان، لآنها ماضية. سهلتها: جئت بها سهلة. وجللت الشمس، أي كسفت الشمس وصار عليها مثل الجل. تبيل الحواصن، وهي الحوامل من النساء، اولادها من شدة الفزع. أي ما كان وليها ولادنا إليها، ولكنه يكفي القريب والبعيد. ما عالها ، قالأبو عمرو:عالها: غلبها. وقال أبو عبيدة: يقال إنه ليعولني ما عالك، أي يغمني ما مك. ويقال: افعل كذا وكذا ولا يعللك أن تاتي غيره، أي لا يعجزك. ويقال: قد يعولك ان تفعل كذا، أي قد دنا لك أن تفعل ذاك. وانشد:

ضربا كما تكدس الوعول

 

يعول أن أنبطها يعـول

أي قد دنا ذلك. ويقال: عال كذا وكذا منك، أي دنا منك. ويروى: “وليس بأدنى ولكنه”. وقولها معملة : إبل. وقولها: قاعدا، اي على فرسك. قال النابغة:

قعودا على آل الوجيه ولا حق

والأغفال: مالاسمة عليها، واحدها غفل. والأتان: الصخرة. والثميل:بقية الماء في الصخرة. والخل: الطريق في الرمل. يقول: أعيت فتركتها هنالك. ويروى:

غادرت بالنخل أوصالها

قال الأصمعي: ناجية: سريهة. ويروى: إلى ملك وإلى شأنيء. تقول: تقود خيلك إلى ملكأو عدو. ويروى: ما كان إكلالها. ماصلة . الإراخ: بقر الوحش. تقول: خرجت من بيوتهن كما خرجت هذه البقر من كنسها فرحا بالمطر. ومثله في الفرح بالمطر لابن الأحمر قوله:

مارية لؤلؤان اللون أوردهـا

 

طل وبنس عنها فرقد خصر

أي قوى أنفسها المطر، لما رأته. ومثله:

ألاهلك امرؤ قامت علـيه

 

بجنب عنيزة البقي الهجود

أي لم يقرن في البيوت فتسترهن البيوت، بل هن ظواهر. وإنما شبه اجتماع هؤلاء النساءباجتماع العين وخروجهن للمطر. قال: وبقر الوحش تفرح بالمطر.
وقال دريد يرثي أخا الخنساء، لما قتلته بنو مرة:

ألا بكرت تلوم بـغـير قـدر

 

فقد أحفيتني ودخلت سـتـري

فإن لم تتركي عذلي سفـاهـا

 

تلمك علي نفسك أي عصـر

أسرك أن يكون الدهـر هـذا

 

علي بشـره يغـدوويسـري

وألا ترزئي نـفـسـا ومـالا

 

يضرك هلكه في طول عمري

فقد كذبتك نفسك فاكـذبـيهـا

 

فإن جزع وإن إجمال صبـر

وإن الرزء يوم وقفـت أدعـو

 

فلم أسمع معاوية بن عمـرو

رأيت مكانه فعرضـت بـذءا

 

وأي مقيل رزء يا ابن بـكـر

إلـى ارم وأحـجـار وصـير

 

وأغصان من السلمات سمـر

-صير، الواحدة صيرة، وهي حظيرة الغنم. وقوله: وأغصان من السلمات، أي ألقيت على قبره-

وبنيان القبور اتى عـلـيهـا

 

طوال الدهر من سنة وشهر

ولو اسمعته لسرى حـثـيثـا

 

سريع السعي أو لأناك يجري

بشكة حـازم لاعـيب فـيه

 

إذا لبس الكماة جلود نـمـر

-أي كان الوانهم الوان النمور، سواد وبياض من السلاح. عن أبي عبيدة-

فإما تمس في جدث مقـيمـا

 

بمسهكة من الأرواح قفـر

فعز علي هلكك يا ابن عمرو

 

ومالي عنك من عزم وصبر

قال أبو الحسن الأثرم: فلما دخل الشهر الحرام-فيما ذكر أبو عبيدة عن أبي بلال بن سهم-من السنة المقبلة، خرج صخر بن عمرو حتى أتى بني مرة بن عوف بن ذبيان، فوقف على ابني حرملة، فإذا أحدهما به طعنة في عضده- قال: لم يسمه أبو بلال بن سهم. فأما خفاف بن عمير فزعم في كلمته تلك أن المطعون هاشم-فقال: أيكما قتل أخي معاوية؟ فسكتا فلم يحيرا إليه شيئا ، فقال الصحيح للجريح: مالك لاتجبه؟ فقال: وقفت لهفطعنني هذه الطعنة في عضدي، وشد أخي عليه فقتله، فأينا قتلت أدركت ثأرك، إلا أنا لم نسلب أخاك. قال: فما فعلت فرسه الشماء؟ قال: هاهي تلك خذها. فردها عليه فأخذها ورجع، فلما أتى صخر قومه قالوا له: اهجهم. قال: إن ما بيننا أجل من القذع، ولو لم أكفف نفسي إلا رغبة عن الخنا لفعلت.

شعره في ذلك

وقال صخر في ذلك:

وعاذلة هبت بليل تلومنـي

 

الألاتلوميني كفى اللوم مابيا

-قال: اراد تباكره باللوم، ولم يرد الليل نفسه، إنما أراد عجلتها عليه باللوم، كما قال النمر بن تولب العكلي:

بكرت باللوم تلحانا

وقال غيره: تلومه بالليل لشغله بالنهار عنها بفعل المكارم، والأضياف، والنظر في الحمالات وامور قومه، لأنه قوامهم –

تقول ألا تهجو فوارس هـاشـم

 

ومالي إذ أهجوهم ثـم مـالـيا

أبى الشتم أني قد أصابوا كريمتي

 

وأن ليس إهداء الخنا من شماليا

أي شمائلي. ويروى: منفعاليا –

إذا ذكر الإخوان رقرقـت عـبـرة

 

وحييت رمـسـا عـنـدلـية ثـاويا

إذا ما امرؤ أهدى لـمـيت تـحـية

 

فحياك رب الناس عنـي مـعـاويا

وهون وجدي أنـنـي لـم أقـل لـه

 

كذبت ولم أبخل عـلـيه بـمـا لـيا

فنعم الفتى ادى ابـن صـرمة بـزه

 

إذا الفحل اضحى أحدب الظهر عاريا

قال أبو عبيدةك ثم زاد فيها بيتا بعد ان اوقع بهم، فقال:

وذي إخوة قطعت أقران بينهم

 

كما تركوني واحدا لاأخالـيا

قال أبو عبيدة: فلما كان في العام المقبل غزاهم وهو على فرسه الشماء، فقال: إني أخاف أن يعرفوني ويعرفوا غرة الشماء، فيتاهبوا. قال: فحمم غرتها . قال: فلما أشرفت على أدنى الحي رأوها. فقالت فتاة منهم: هذه والله الشماء! فنظروا فقالوا: الشماء غراء وهذه بهيم! فلم يشعروا إلا والخيل دوائس ، فاقتتلوا فقتل صخر دريدا، وأصحاب بني مرة فقال:

ولقد قتلتكم ثـنـاء مـوحـدا

 

وتركت مرة مثل أمس المدبر

قال الأثرم: مثنى وثناء لاينونان. قال ابن عنمة الضبي:

يباعون بالنغران مثنى وموحدا

لاينونان لأنهما مما صرف عن جهته، والوجه أن يقول: اثنتيت اثنتين. وكذلك ثلاث ورباع. قال صخرالغي :

منت لك أن تلاقيني المنـايا

 

احاد أحاد في الشهر الحلال

قال: ولا تجاوز العرب الرياع، غير أن الكميت قال

فلم يستريثوك حتى رميت فوق الرجال خصالا عشارا

 

ولقد دفعت إلى دريد بطعنة

 

نجـلاي تـزغـل مـثـل عـط الـمـنـحـــر

تزغل: تخرج الدم قطعا قطعا. قال: والزغلة: الدفعة الواحدة من الدم والبول. قال:

فأزغلت في الحلق إزغالة

وقال صخر أيضا فيمن قتل من بني مرة:

قتلت الخالدين به وبـشـرا

 

وعمرا يوم حوزة وابن بشر

ومن شمخ قتلت رجال صدق

 

ومن بدر فقد أوفيت نـذري

ومرة قد صبحناها المـنـايا

 

فرؤينا الأسنة، غير فخـر

ومن أفناء ثعلبة بن سـعـد

 

قتلت وما أبيئهـم بـوتـر

ولكنـا نـريد هـلاك قـوم

 

فنقتلهم ونشربهم بـكـسـر

وقال صخر أيضا:

ألا لاأرى مستعتب الدر معـتـبـا

 

ولا آخذ منه الرضا إن تغـضـبـا

وذي إخوة قطعت أقران بـينـهـم

 

إذا ما النفوس صرن حسى ولغبـا

أقول لرمـس بـين أجـراع بـيشة

 

سقاك الغوادي الوابل المتحـلـبـا

لنعم الفتى ادى ابـن صـرمة بـزه

 

إذا الفحل أمسى عاري الظهر أحدبا

قال أبو عبيدة: ثم إن هاشم بن حرملة خرج غازيا، فلما كان ببلاد جشم بن بكر بن هوازن نزل منزلا وأخذ صفنا وخلا لحاجته بين شجر، ورأى غفلته قيس بن الأصور الجشمي فتبعه وقال: هذا قاتل معاوية! لا وألت نفس إن وأل !فلما قعد على حاجته تقتر له بين الشجر ، حتى إذا كان خلفه أرسل إليه معبلة فتله.

فقالت الخنساء في ذلك-قال ابن الكلبي: وهي الخنساء بنت عمرو بن الحارث بن شريد بن رياح بن يقظة بن عصية بن خفاف بن امرىء القيس بن بهثة بن سليم-:

فدى للفارس الجشمي نفسي

 

وأفديه بمن لي من حمـيم

أفديه بجل بـنـي سـلـيم

 

بظاعنهم بوالأنس المقـيم

كما من هاشم أقررت عيني

 

وكانت لاتنـام ولاتـنـيم

قال أبو عبيدة: وكان هاشم بن حرملة بن صرمة بن مرة أسود العرب وأشدهم، وله يقول الشاعر:

أحيا أباه هاشم بن حرملـه

 

يوم الهباتين ويم اليعمـلـه

يقتل ذا الذنب ومن لاذنب له

 

إذ الملوك حوله مغربلـه

وسيفه للوالدات مثكـلـه

 

 

حدثني علي بن سليمان الخفش قال: حدثني محمد بن الحسن بن الحرون قال: حدثنا الكسروي عن الأصمعي قال: مررت بأعرابي وهو يخضد شجرة وقد اعجبته سماحتها، وهو يرتجز ويقول:

لوكنت إنسانا لكنت حاتما

 

أو الغلام الجشمي هاشما

قلت: من هاشم هذا؟ قال: أولاتعرفه؟ قالت:لا.قال:هو الذي يقول:

وعاذلة هبت بليل تـلـومـنـي

 

كأني إذا انفقت مالي أضيمهـا

دعيني فإن الجود لن يتلف الفتى

 

ولن يخلد النفس اللئيمة لومهـا

وتذكر أخلاق الفتى، وعظامـه

 

مفرقة في القبر باد رميمـهـا

سلي كل قيس هل أباري خيارها

 

ويعرض عني وغدها ولئيمهـا

وتذكر فتيانيتـي وتـكـرمـي

 

إذا ذم فتيانيهـا وكـريمـهـا

قلت:لاأعرفه. قال:لاعرفت،هوالذي يقول فيه الشاعر:

أحيا أباه هاشم بـن حـرمـلـه

 

يقتل ذا الذنب ومن لاذنب لـه

ترى الملوك حوله مغـربـلة

 

 

تأبد الربع من سلمى بأحفار

 

وأقفرت من سليمى دمنة الدار

وقد تحل بها سلمى تحـدثـنـي

 

تساقط الحلي حاجاتي وأسراري

الشعر للأخطل، والغناء لهمر الوادي، هزج بالسبابة في مجرى الوسطي، وفيهما رمل بالبنصر يقال إنه لابن جامع ويقال إنه لغيره، وفيهما خفيف رمل بالوسطى، ذكر الهشامي أنه لحكم. وذكر حبش أن فيهما لإبراهيم خفيف ثقيل أول بالوسطى.
ومما يغني فيه من هذه القصيدة:

وشارب مربح بالكأس نـادمـنـي

 

لابالحصور ولا فـيهـا بـسـار

نازعته طيب الراح الشمـول وقـد

 

صاح الدجاج وحانت وقعة الساري

لما أتوها بمصباح ومبـزلـهـم

 

سمت إليهم سمو البجل الضاري

الغناء في هذه الأبيات لابن سريج خفيف رمل بالبنصر عن الهشامي. وذكر غيره أنها للدلال. ومنها:

قرد تغنيه ذبان الـرياض كـمـا

 

غنى الغواة بصنج عنـد إسـوار

كأنه من ندى القراص مغتـمـر

 

بالورس أو خارج من بيت عطار

غناه ابن سريج، ولحنه من القدر الأوسط، من الثقيل الول، بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى عن إسحاق وذكر الهشامي أن لملك فيه ثقيلا أولا. ووافقه يونس في نسبته إلى مالك، ولحكم في قوله:

فرد تغنيه دبان الرياض كما

وبعده قوله:

صهباء قد عنست من طول ما حبست

 

في مخدع بين جـنـات وأنـهـار

خفيف ثقيل بالبنصر. ومنها:

لسكنتني قريش في ظلالهـم

 

ومولتني قريش بعد إقتـار

قوم إذا حاربوا شدوا مآزرهم

 

عن النساء ولو باتت بأطهار

ليونس فيها لحن من كتابه ولم يجنسه.
وهذه القصيدة مدح بها الأخطل يزيد بن معاوية لما منع من قطع لسانه حين هجاالأنصار، وكان يزيد هوالذي أمره بهجائهم. فقيل: إن السبب في ذلك كان تشبب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية، وقيل بل حمي لعبد الرحمن بن الحكم.
أخبرني الجوهري قال: حدثنا عمر بن شبة قال: حدثني أبو يحيى الزهري قال: حدثني ابن أبي زريق قال: شبب عبد الرحمن بن حسان برملة بنت معاوية فقال:

رمل هل تذكرين يوم غـزال

 

إذ قطعنا مسيرنا بالتمـنـي

إذ تقولين عمرك الله هل شي

 

ء وإن جل سوف يسليك عني

أم هل اطمعت منكم بابن حسا

 

ن كما قد أراك أطمعت مني

قال: قبلغ ذلك يزيد بن معاوية فغضب، فدخل على معاوية فقال: يا امير المؤمنين، ألا ترى إلى هذا العلج من اهل يثرب، يتهكم بأعراضنا ويشبب بنسائنا؟ قال: ومنهو؟ قال عبد الرحمن بن حسان، وأنشده ماقال، فقال: يايزيد ليست العقوبة من أحد أقبح منها من ذوي القدرة، ولكن امهل حتى يقدم وفد الأنصار ثم ذكرني. قال: فلما قدموا أذكره به ، فلما دخلوا عليه قال: ياعبد الرحمن، ألم يبلغني أنك تشبب برملة بنت أمير المؤمنين؟قال: بلى، ولوعلمت أن احد أشرف به شعري أشرف منها لذكرته. قال: وأين أنت عن أختها هند؟ قال: وإن لها لأختا؟ قال: نعم. قال: وإنما أراد معاوية أن يشبب بهما جميعا فيكذب نفسه. قال: فلم يرض يزيد ما كان من معاوية في ذلك: أن يشبب بهما جميعا، فأرسل إلى كعب بن جعيل فقال: اهج الأنصار. فقال: أفرق من أمير المؤمنين ؛ ولكن أدلك على الشاعر الكافر الماهر. قال: ومن هو؟ قال: الأخطل. قال: فدعا به فقال: اهج النصار. قال: أفرق من أمير المؤمنين! فقال: لاتخف شيئا؛ أنا لك بذلك. قال: فهجاهم فقال:

وإذا نسبت ابن الفريعة خلتـه

 

كالجحش بين حمارة وحمار

لعن الإله من اليهود عصـابة

 

بالجزع بين صليصل وصرار

قوم إذا هدر العصير رأيتهـم

 

حمرا عيونهم من المصطار

خلوا المكارم لستم من اهلهـا

 

وخذوا مساحيكم بني النجـار

إن الفوارس يعلمون ظهوركم

 

أولاد كل مـقـبـح أكـار

ذهب قريش بالمكارم والعـلا

 

واللؤم تحت عمائم النصـار

فبلغ ذلك النعمان بن بشير فدخل على معاوية فحسر عن رأسه عمامته، وقال: ياأمير المؤمنين: أترى لؤما؟ قال: لابل أرى كرما وخيرا، ماذاك؟ قال: زعم الخطل ان اللؤم تحت عمائمنا. قال: أوفعل؟ قال: نعم. قال:لك لسانه. وكتب فيه أن يؤتى به. فلما أتي به سأل الرسول ليدخل إلى يزيد أولا، فأدخله عليه، فقال: هذا الذي كنت أخاف. قال: لاتخف شيئا. ودخل على معاوية فقال: علام أرسل إلي هذا الرجل وهو يرمي من وراء جمرتنا؟ قال: هجا الأنصار. قال: ومن زعم ذلك؟ قال النعمان بن بشير. قال: لاتقبل قوله عليه وهو يدعي لنفسه، ولكن تدعوه بالبينة، فإن ثبت شيئا أخذته به له. فدعاه بالبينة فلم يأت بها، فخلى سبيله، فقال الأخطل:

وإني غداة استعبرت أم مالك

 

لراض منالسلطان أن يتهددا

ولولا يزيد ابنم الملوك وسعيه

 

تجللت حدبارا من الشر أنكدا

فكم انقذتني من خطوب حـبـالـه

 

وخرساء بو يرمى بها الفيل بلـدا

ودافع عني يوج جـلـق غـمـرة

 

وهما ينسيني السلاف الـمـبـردا

وبات نجيا فـي دمـشـق لـحـية

 

إذا عم لم ينم السلـيم فـاقـصـدا

قحافتـه طـورا وطـورا إذا رأى

 

من الوجه إقـبـالا أح وأجـهـدا

واطفات عني نار نعمان بـعـدمـا

 

أعد لـمـر فـاجـر وتـجـردا

ولما رأى النعمان دوني ابن حـرة

 

طوى الكشح إذ لم يستطعني وعردا

حدثنا محمد بن العباس اليزيدي قال: حدثنا احمد بن الحارث الخراز قال: حدثنا المدائني عن أبي عبد الرحمن بن المبارك قال: شبب عبد الرحمن بن حسان باخت معاوية، فغضب يزيد فدخل على معاوية فقال: يا أمير المؤمنين،اقتل عبد الرحمن بن حسان. قال: ولم؟ قال: شبب بعمتي. قال: وما قال؟ قال قال:

طال ليلي وبت كالمجزون

 

ومللت الثواء في جيرون

قال معاوية: يابني وما علينا من طول ليله وحزنه أبعده الله؟ قال: إنه يقول:

فلذاك اغتربت بالشام حتـى

 

ظن أهلي مرجمات الظنون

قال: يابني وما علينا من ظن اهله؟ قال: إنه يقول:

هي زهراء مثل لؤلؤة الغواص ميزت من جوهر مكنون

قال:صدق يابني. قال: غنه يقول:

وإذا ما نسبتها لم تجـدهـا

 

في سناء من المكارم دون

قال: صدق يابني هي هكذا. قال: إنه يقول:

ثم خاصرتها إلى القبة الخض

 

راء تمشي في مرمر مسنون

خاصرتها: اخذت بخصرها وأخذت بخصري. قال: ولا كل هذا يابني! ثم ضحك وقال: أنشدني ما قال أيضا. فانشده قوله:

قبة من مراجل نصبـوهـا

 

عند حد الشتاء في قبطـون

عن يساري إذا دخلت من البا

 

ب وإن كنت خارجا فيميني

تجعل الند والألوة والـعـو

 

د صلاء لها على الكانـون

وقباب قد أشرجت وبـيوت

 

نطقت بالريحان والزرجون

قال: يابني، ليس يجب القتل في هذا، والعقوبة دون القتل، ولكنا نكفه بالصلة له والتجاوز.

هي زهراء مثل لؤلؤة الغـو

 

اص ميزت من جوهر مكنون

وإذا ما نسبتها لـم تـجـدهـا

 

في سناء من المـكـار دون

نسخت من كتاب ابن النطاح: وذكر ابن النطاح: وذكر الهيثم بن عدي عن ابن دأب قال: حدثنا شعيب بن صفوان أن عبد الرحمن بن حسان بن ثابت كان يشبب بابنة معاوية، ويذكرها في شعره، فقال الناس لمعاوية: لو جعلته نكالا؟ فقال: لا،ولكن أداويه بغير ذلك. فأذن له وكان يدخل عليه في أخريات الناس، ثم أجلسه على سريره معه، وأقبل عليه بوجهه وحديثه ثم قال: ابنتي الأخرى عاتبة عليك. قال: في أي شيء؟ قالك في مدحتك أختها وتركك إياها. قال:فلها العتبى وكرامة، انا ذاكرها وممتدحها . فلما فعل وبلغ ذلك الناس قالوا: قد كنا نرى أن نسيب بن حسان بابنة معاوية ليء، فإذا هو عن رأي معاوية وامره. وعلم من كان يعرف أن ليس له بنت أخرى، أنه إنما خدعه ليشبب بها، ولا أصل لها فيعلم الناس أنه كذب على الأولى لما ذكر الثانية.

وقد قيل في حمل يزيد بن معاوية الأخطل على هجاء النصار: إنه فعل ذلك تعصبا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص بن أمية، أخي مروان بن الحكم في مهاجاته عبد الرحمن، وغضبا له، لما ساتعلاه ابن حسان في الهجاء.

خبرهما في التهاجي والسبب في ذلك

أخبرني علي بن سليمان الأخفش قال حدثنا أبو سعيد السكري قال: حدثنا أبو غسان دماذ ، عن أبي عبيدة قال: أخبرني أبو الخطاب الأنصاري قال: كان عبد الرحمن بن حسان خليلا لعبد الرحمن بن الحكم بن العاص مخالطا له، فقيل له: إن ابن حسان يخلفك في أهلك. فراسل امرأة ابن حسان فأخبرت بذلك زوجها وقالت: أرسل إلي: إني أحبك حبا أراه قاتلي! فأرسل ابن حسان إلى امرأة ابن الحكم وكانت تواصله وقال للرسول: إذهب إليها وقل لها: إن امرأتي تزور أهليها اليوم فزوريني حتى نخلو. فزارته فقعد معها ساعة قم قال لها: قد والله جاءت امرأتي. فأدخلها بيتا إلى جنبه وأمر امراته فأرسلت إلى عبد الرحمن بن الحكم: إنك ذكرت حبك إياي وقد وقع ذلك في قلبي، وإن ابن حسان قد خرج اليوم إلى ضيعته فهلم فتهيأ ثن أقبل. فإنه لقاعد معها إذ قالت له: قد جاء ابن حسان فادخل هذا البيت فإنه لايشعر بك. فأدخلته البيت الذي فيه امرأته، فلما رآها أيقن بالسوأة ووقع الشر بينهما وهجا كل واحد منهما صاحبه.

قال أقبو عبيدة: هذه رواية أبي الخطاب الأنصاري، وأما قريش فإنهم يزعمون أن مرأة ابن حسان كانت تحب عبد الرحمن وتدعوه إلى نفسها فيأبى ذلك، حفظا لما بينه وبين زوجها، وبلغ ذلك ابن حسان فراسل امرأة ابن الحكم حتى فضحها، وبلغ ذلك ابن الحكم وقيل له: إنك إذا أتيت ضيعتك أرسلت إلى ابن حسان فكان معها، فأمر ابن الحكم أهله فقال: عالجوا سفرة حتى أطالع مالي بمكان كذا وكذا. فخرج وبعثت امراته إلى ابن حسان فجاء كما كان يفعل، ورجع ابن الحكم حين ظن أن ابن حسان قد صار عندها، فاستفتح فقالت: ابن الحكم والله! وخبأته خلفها في بيت، ودخل عبد الرحمن فبعث إلى امرأة ابن حسان: غنه قد وقعت لك في قلبي مقة ، فأقبلي إلي الساعة، فتهيأت وأقبلت حتى دخلت عليه، فوضعت ثيابها وزوجها ينظر فقال لها: قد كنت أكثرت الإرسال إلي فما شأنك؟ قالت: إني والله هالكة من حبك. قال: وزوجها يسمع، وإنما أراد أن يعلمه أنها قد كانت ترسل إليه ويأبى عليها. وزعم انها هي التي قالت لابن الحكم إن ابن حسان يخلفك في أهلك. فلما فرغ من كلامه وأسمعه زوجها قال لها: قد جاءت امراتي. وأدخلها البيت الذي فيه ابن حسان، فلما جمعهما في مكان واحد خرج عنهما، فخرجا وطلق امرأته.

أخبرني ابن دريد قال: اخبرني الرياشي قال: حدثنا ابن بكير عن هشام بن الكلي عن خالد بن سعيد عن ابيه قال: رأيت مروان بن الحكم يطوف بالبيت ويقول: اللهم أذهب عني الشعر! وأخوه عبد الرحمن يقول: اللهم اني أسألك ما استعاد منه! فذهب الشعر عن مروان، وقاله عبد الرحمن.

وأما هشام بن الكلبي فإنه حدث عن خالد وإسحاق ابنى سعيد بن العاصي، أن سبب التهاجي بينهما آنهما خرجا إلى الصيد بأكلب لهما في غمارة مروان، فقال ابن الحكم لابن حسان:

ازجر كلابك انها قلـطـية

 

بقع ومثل كلابكم لم تصطد

فرد عليه ابن حسان:

من كـان ياكـل مـن فـــريسة صـــيده

 

فالـتـمـر يغـنـينـا عـن الـمـتـصـيد

إنا اناس ريقون وأمكمككلابكم في الولغ والمتر

 

 

حزناكم للضب تحتر شونه

 

والـريف، نـمـنـعـكـم بـكـل مـهـنـد

ثم رجعا إلى المدينة فجعلا يتقارضا، فقال عبد الرحمن بن الحكم في قصيدة:

ومثل أمك أم العبد قد ضربت

 

عندي ولي بفناتي مزهر جرم

وانت عند ذناباهاتـعـاونـهـا

 

على القدور تحسى حائر البرم

فنقضها عبد الرحمن بن حسان عليه بقصيدته التي يقول فيها:

ياأيها الراكب المزجـي مـطـيه

 

إذا عرضت فسائل عن بني الحكم

القـائلـين إذا لاقـوا عـدوهـم

 

فروا فكروا على النسوان والنعم

كم من أمين نصيح الجيب قال لكم

 

ألا نهيتم أخاكم يابني الـحـكـم

عن رجل لابغيض في عشيرتـه

 

ولا ذليل قصير الباع معتـصـم

وقال ابن حسان:

صار الذليل عزيزا والـعـزيزبـه

 

ذل وصار فروع النـاس أذنـابـا

إني لملمس حـتـى يبـين لـكـم

 

فيكم متى كنتم للـنـاس أربـابـا

فارقوا على ظلعكم ثم انظروا وسلوا

 

عنا وعنكم قديم العـلـم نـسـابـا

فسوف يضحك أو تعـتـاده ذكـر

 

يابؤس للدهر لـلإنـسـان ريابـا

ولهما نقائض كثيرة لامعنى لذكر جميعها ههنا.

قال دماذ: وحدثني أبو عبيدة عن أبي الخطاب قال: لما كثر التهاجي بينهما وأفحشا كتب معاوية يومئذ وهو الخليفة، إلى سعيد بن العاص وهوعامله على المدينة، أن يجلد كل واحد منهما مائة سوط. قال: وكان ابن حسان صديقا لسعيد، وما مدح أحدا قط غيره، فكره أن يضربه أو يضرب ابن عمه، فأمسك عنهما، ثم ولي مروان فلما قدم أخذ ابن حسان فضربه مائة سوط ولم يضرب أخاه، فكتب ابن حسان إلى النعمان بن بشير وهو بلشأم، وكان كبيرا مكينا عند معاوية:

ليت شـعـري أغـائب أنـت بـالـــشـــا

 

م خـلـيلـي أم راقــد نـــعـــمـــان

أية مـا يكـن فـقـد يرجـــع الـــغـــا

 

ثب يومـا ويوقـــط الـــوســـنـــان

إن عــمـــرا وعـــامـــرا أوينـــا

 

وحرامـا قـدمـا عـلـى الـعـهـد كـانـوا

أفهم ما نعوك أم قلة المتاب أم أنت عاتب غضبان

 

 

أم جفاءأم أعوزتك القراطي

 

س أم أمـري بـه عـــلـــيك هـــوان

يوم أنـبــئت أن ســـاقـــي رضـــت

 

واتـاكـم بـذلـــك الـــركـــبـــان

ثم قـالـوا إن ابـن عـمـك فـــي بـــل

 

وى أمـور أتـى بـهـا الــحـــدثـــان

فتـئط الأرحــام والـــود والـــصـــح

 

بة فـيمـا اتـى بــه الـــحـــدثـــان

إنـمـا الـرمـح فـاعـلـمـن قـــنـــاة

 

أو كـبـعـض الـعـيدان لـولا الـسـنــان

وهي قصيدة طويلة-فدخل النعمان على معاوية فقال له: يا أمير المؤمنين، إنك أمرت سعيدا أن يضرب ابن حسان وابن الحكم مائة مائة فلم يفعل، ثم وليت مروان فضرب ابن حسان ولم يضرب أخاه. قال: فتريد ماذا؟ قال: أنت تكتب إليه بمثل ما كتبت إلى سعيد. فكتب إلى معاوية يعزم عليه أن يضرب أخاه مائة، وبعث إلى ابن حسان بحلة، فلما قدم الكتاب على مروان بعث إلى ابن حسان: إني مخرجك، وإنما أنا مثل والدك، وما كان ماكان مني إليك إلا على سبيل التأديب لك.واعتذر إليه، فقال حسان: مابدا له في هذا إلا لشيء قد جاءه. وأبى أن يقب منه، فأبلغ الرسول ذلك مروان فوجهه إليه بالحلة فرمى بها في الحش . فقيل له: حلة أمير المؤمنين وترمي بها في الحش؟ قال: نعم وما أصنع بها! وجاءه قومه فاخبروه الخبر فقال: قد علمت أن لم يفعل ما فعل إلا لأمر قد حدث. قال الرسول لمروان: ما تصنع بهذا، قد أبى أن يعفو فهلم أخاك. فبعث مروان إلى الأنصار وطلب إليهم أن يطلبوا إليه أن يضربه خمسين فإنه ضعيف. فطلبوا إليه فأجابهم، فأخرجه فضربه خمسين، فلقي ابن حسان بعض من كان لايهوى ما ترك من ذلك، فقال له: أضربك مائة ويضربه خمسين، بئس ما صنعت إذ وهبتها له. قال: إنه عبد وإنما ضربه ما يضرب العبد نصف ما يضرب الحر! فحمل هذا الكلام حتى شاع بالمدينة وبلغ ابن الحكم فشق عليه، فاتى أخاه مروان فخبره الخبر وقال: فضحتني، لاحاجة لي فيما تركت فهلم فاقتص.
فضرب ابن الحكم خمسين أخرى، فقال عبد الرحمن يهجو ابن الحكم:

دع ذا وعد قريض شعرك في امرىء

 

يهذي ونشد شعـره كـالـفـاخـر

عثمان عمكـم ولـسـتـم مـثـلـه

 

وبنـو أمـية مـنـكـم كـالآمـر

وبنو أبـيه سـخـيفة أحـلامـهـم

 

فحش النفوس لدى الجلـيس الـزائر

أحياؤهم عـار عـلـى أمـواتـهـم

 

والمـيتـون مـسـبة لـلـغـابـر

هم ينـظـرون إذا مـددت إلـيهـم

 

نظر التيوس إلى شفـار الـجـازر

خزر العيون منكـسـي أذقـانـهـم

 

نظر الدليل إلى العزيز الـقـاهـر

فقال ابن الحكم:

لقد أبقى بنو مروان حزنا

 

مبينا عاره لبني سـواد

أطاف به صبيح من مشيد

 

ونادى دعوة: يابني سعاد

لقد أسمعت لوناديت حـيا

 

ولكن لاحياة لمن تنـادي

قال أبو عبيدة: قاعتن أبو واسع أحد بني الاسعر من بني أسد بن خزيمة، لابن حسان دون ابن الحكم، فهجاه وعيره بضرب ابن المعطل أباه حسان على رأسه، وعيرهم بأكل الخصى، فقال:

إن ابن المعطـل مـن شـلـيم

 

أذل قيادة رأسك بالـخـطـام

عمدت إلى الخصى فأكلت منها

 

لقد أخطأت فاكهة الـطـعـام

وما للجار حين يحـل فـيكـم

 

لديكم يا بني الـنـجـار حـام

يظل الجار مـفـتـرشـا يديه

 

مخافتكم لدى ملـث الـظـلام

وينظر نظـرة فـي مـذروية

 

وأخرى في استه والطرف سام

قال:فلما عم بني النجار بالهجاء ولا ذنب لهم دعوا الله عز وجل عليه، فخرج من المدينة يريد أهله فعرض له الأسد فقضقضه ، فقال ابن حسان في ذلك:

أبلغ بني الأسعر إن جئتـم

 

ما بال أبناء بنـي واسـع

والليث يعلـوه بـأنـيابـه

 

معتفراً في دمه النـاقـع

إذ تركوه وهو يدعـوهـم

 

بالنسب الداني وبالشاسـع

لايرفع الرحمن مصروعكم

 

ولا يوهي قوة الصـارع

فقالت له امرأته: مادعا أحد قبلك للأسد بخير قط. قال: ولا نصر أحدا كما نصرني.

وقال ابن الكلبي: كان الأخطل ومسكين الدرامي صديقين لابن الحكم، فاستعان بهما على ابن حسان، فهجاء الأخطل، وقال له مسكين: ما كنت لأهجوا أحدا أو أعذر إليه. فكتب إليه مسكين بقصيدته اللامية يدعوه إلى المفاخرة والمنافرة، فقال في أولها:

ألا إن الشباب ثياب لـبـس

 

وما الأموال إلا كالـظـلال

فإن يبل الشباب فكل شـيء

 

سمعت به سوى الرحمن بال

وهي طويلة جدا، يفخر فيها بماثر بني تميم. فأجابه ابن حسان فقال:

أتاني عنك يا مسكـين قـول

 

بذلت النصف فيه غـير آل

دعوت إلى التناضل غير فحم

 

ولا غمر بطير لدى النضال

وهي أطول من قصيدة مسكين. ثم انقطع التناضل بينهما.

قال دماد: فحدثني أبو عبيدة قال: حدثني أبو حية النميري قال: الفرزدق قال: كنا في ضيافة معاوية، ومعنا كعب بن جعيل الثعلبي، فحدثني أن يزيد بن معاوية قال له: إن ابن حسان فضح عبد الرحمن بن الحكم وغلبه، وفضحنا، فأهج الأنصار. قال: فقلت له: أرادي أنت في الشرك، أأهجو قوما نصروا رسول الله( وآله وآووه؟ ولكني أدلك على غلام منا نصراني لايبالي أن يهجوهم، كان لسانه لسان ثور.

قال: من هو؟ قالت: الأخطل. فدعاه وأمره بهجائهم، فقال: على أن تمنعني؟ قال: نعم.

قال أبو عبيدة: إن معاوية دس إلى كعب وأمره بهجائهم، فدله على الأخطل، فقال الأخطل قصيدته التي هجا فيها الأنصار، وقد مضت ومضى خبرها وخبر النعمان بن بشير.

وزاد أبو عبيدة عن روينا ذلك عنه: أن النعمان بن بشير رد على الخطل فقال:

 

أبلغ قبائل تغلب ابنة وائل

 

من بـــالـــفـــرات وجـــانـــب الـــثـــرثـــــار

فالـــلـــؤم بـــين أنـــوف تـــغـــلـــب بــــــين

 

كالـــرقـــم فـــوق ذراع كـــل حــــــمـــــــار

قال: فخافه الأخطل أن يهجوه، فقال فيه:

عذرت بني الفريعة أن هجوني

 

فما بالي وبال بنـي بـشـير

أفيحج من بني النجـار شءن

 

شديد القصرين من السحـور

ولم يرد على هذين البيتين شيئا في ذكره.
قال أبو عبيدة في خبره أيضا: إن الأنصار لما استعدوا عليه معاوية قال لهم: لكم لسانه إلا أن يكون ابني يزيد قد أجاره. ودس إلى يزيد من وقته: إني قد قلت للقوم كيت وكيت فأجره. فأجاره، فقال يزيد بن معاوية في إجارته إياه:

دعا الأخطل الملهوف بالشر دعوة

 

فأي مجيب كنت لمـا دعـانـيا

ففرج عنه مشهد القوم مشهـدي

 

وألسنة الواشين عنه لـسـانـيا

كان لي ياشقير حـبـك حـينـا

 

كاد يقضي علي لما التـقـينـا

يعلم الـلـه أنـكـم لـو نـأيتـم

 

أو قربتم أحـب شـيء إلـينـا

الشعر لعمر بن أبي ربيعة، والغناء لحبابة جارية يزيد بن عبد الملك، ولحنها ثاني ثقيل بالوسطى، وجعلت مكان”ياشقير”. وفي هذا الشعر للهذلي خفيف ثقيل أول مطلق بالوسطى. وزعم عمرو بن بانة أنه للأبجر. وقال الهشامي: لحن الأبجر ثقيل أول بالبنصر. وفيه للدارمي وابن فروخ خفيف ثقيل، ولحن الدارمي فيهما مطلق في مجرى الوسطى عن إسحاق.