نسب ابن الزبعري وأخباره

نسب ابن الزبعري وأخباره

وقصة غزوة أحد

هو عبد الله بن الزبعري بن قيس بن عدي بن سعد بن سهم بن عمرو بن هصيص بن كعب بن لؤي بن غالب بن فهر بن مالك بن النضر بن كنانة بن خزيمة بن مدركة بن الياس بن مضر بن زار.

وهو أحد شعراء قريش المعدودين. وكان يهجو المسلمين ويحرض عليهم كفار قريش في شعره، ثم أسلم بعد ذلك فقبل النبي صلى الله عليه وسلم إسلامه وأمنه يوم الفتح.

وهذه الأبيات يقولها ابن الزبعري في غزوةأحد.

حدثنا بالخير في ذلك محمد بن جرير الطبري قال حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة عن محمد بن إسحاق قال حدثني محمد بن مسلم بن عبد الله بن شهاب الزهري، ومحمد بن يحيى بن حيان ، وعاصم بن عمرو بن قتادة، والحصين بن عبد الرحمن بن عمروبن سعد بن معاذ وغيرهم من علمائنا، كلهم قد حدث ببعض هذا الحديث، فقد اجتمع حديثهم كلهم فيما سقت من الحديث عن يوم احد. قالوا: لما أصيبت قريش، أو من قاله منهم يوم بدر من كفار قريش، من أصحاب القليب، فرجع فلهم إلى مكة ، ورجع أبو سفيان بن حرب بعيره، مشى عبد الله بن أبي ربيعة، وعكرمة بن أبي جهل، وصفوان بن أمية، في رجال من قريش، ممن أصيب آباؤهم وأبناؤهم وإخوانهم ببدر، فكلموا أبا سفيان بن حرب ومن كان له في تلك العير من قريش تجارة، فقال أبو سفيان: يا معشر قريش، إن محمدا قد وتركم وقتل خياركم، فأعينونا بهذا المال على حربه، لعلنا أن ندرك ثأراً ممن أصيب منا. فعلوا، فاجتمعت قريش لحرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، حين فعل ذلك أبو سفيان وأصحاب العير بأحابيشها ومن أطاعها من قبائل كنانة وأهل تهامة، وكل أولئك قد استغووا على حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم. وكان أبو عزة عمرو بن عبد الله الجمحي قد من عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم يوم بدر، وكان في الأسارى فقال: يار رسول الله، إني فقير ذو عيال وحاجة قد عرفتها، فامنن علي صلى الله عليك فمن عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم،فقال صفوان بن أمية: يا أباعزة، إنك امرؤ شاعر فاخرج معنا فأعنا بنفسك. فقال: إن محمداً قد من علي، فلا أريدأن أظاهر عليه. فقال: بلى فأعنا بنفسك، ولك الله إن رجعت أن أعينك، وإن أصبت أن جعل بناتك مع بناتي، يصيبهن ما أصابهن من عسر أو يسر. فخرج أبو عزة يسير في تهامة ويدعو بني كنانة، وخرج مسافع بن عبدة بن وهب بن حذافة بن جمح إلى بني مالك بن كنانة يحرضهم ويدعوهم إلى حرب رسول الله صلى الله عليه وسلم، ودعا جبير بن مطعمغلاماً يقال له وحشي، وكان حبشياً ثقذف بحربة له قذف الحبشة، قلما يخطيء بها، فقال:اخرج مع الناس ، فإن أنت قتلت عم محمد بعمى طعيمة بن عدي فأنت عتيق. وخرجت قريش بحدها وأحابيشها ومن معها من بني كنانة وأهل تهامة، وخرجوا بالظعن التماس الحفيظة، ولئلا يفروا. وخرج أبو سفيان بن حرب وهو قائد الناس، معههند بنت عتبة بن ربيعة، وخرج عكرمة بن أبي جهل بن هشام بن المغيرة وخرج صفوان بن أمية بن خلف ببرزة-وقيل ببرة من قول أبي جعفر-بنت مسعود بن عمرو بن عمير الثقفية، وهي أم عبد الله بن صفوان. وخرج عمرو بن العاص ، وخرج طلحة بن أبي طلحة عبد الله بن عبد العزى بن عثمان بن عبد الداربسلافة بنت سعد بن شهيل ، وهي أم بني طلحة: مسافع، والجلاس، وكلاب، قتلوا يومئذ وأبوهم. وخرجت خناس بنت مالك بن المضرب إحدى نساء بني مالك بن حسل مع ابنها أبي عزة بن عمير، وهي أم مصعب بن عمير. وخرجت عمرة بنت علقمة إحدى نساء بني الحارث بن عبد مناة بن كنانة. وكانت هند بنت عتبة بين ربيعة إذا مرت بوحشي أو مربها قالت: إيه أبا دسمة اشتف . فنزلوا ببطن السبخة من قناة على شفير الوادي مما يلي المدينة، فلما سمع بهم رسول الله صلى الله عليه وسلم والمسلمون قد نزلواحيث نزلوا، قال رسول الله صلى الله عليه وسلم للمسلمين: إني قد رأيت بقراً تذبح فأولتها خيراً، ورأيت في ذباب سيفي ثلما،ورأيت أني أدخلت يدي في درع حصينة، وهي المدينة ، فإن رأيتم أت تقيموا بالمدينة وتدعوهم حيث نزلوا فإن أقاموا أقاموا بشر مقام، وإن هم دخلوا علينا فيها قاتلناهم.

ونزلت قريش منزلها من أحد يوم الأربعاء، فأقاموا به ذلك اليوم ويم الخميس ويموم الجمعة، وراح رسول الله صلى الله عليه وسلم حين صلى الجمعة فأصبح بالشعب من أحد، فالتقوا يوم السبت للنصف من شوال. وكان رأي عبد الله بن أبي سول مع رأي رسول الله صلى الله عليه وسلم، يرى رأيه في ذلك: أن لايخرج إليهم، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يكره الخروج من المدينة، فقال رجال من المسامين، ممن أكرم الله جل ثناؤه بالشهادة يوم وأحد وغيرهم ممن فاته بدر وحضوره: يا رسول الله صلى الله عليك وسلم اخرج بنا إلى أعدائنا لايرون أنا جبنا عنهم وضعفنا. فقال عبد الله بن أبي بن سلول: يا رسول الله أقم بالمدينة، ولا تخرج إليهم، فوالله ما خرجنا منها إلى عدو قط إلا أصاب منا، ولا يدخلها علينا إلا أصبنا منهم، فدعهم يا رسول الله، فإن أقاموا بشر مجلس، وإن دخلوا قاتلهم الرجال في وجوههم، ورماهم النساء والصبيان بالحجارة من فوق رؤوسهم، وإن رجعوا رجعوا خائبين كما جاءوا. فلم يزل برسول الله صلة الله عليه وسلم الذين كان من أمرهم حب لقاء العدو، حتى دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فلبس لأمته، وذلك يوم الجمعة، حين فرغ رسول الله صلى الله عليه وسلم من الصلاة. وقد مات في ذلك اليوم رجل من الأنصار يقال له مالك بن عمرو، أحد بني النجار فصلى علية رسول الله صلى الله عليه وسلم ثم خرج عليهم، وقد ندم الناس: وقالوا أستكرهنا رسول الله صلى الله عليه وسلم ولم يكن ذلك لنا! فخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم عليهم فقالوا: يا رسول الله اسكرهناك ولم يكن ذلك لنا، فإن شئت فاقعد صلى الله عليك. فقال عليه السلام: ما ينبغي لنبي إذا لبس لأمته أن يضعها حتى يقاتل قال: فخرج رسول الله صلى الله عيه وسلم في ألف رجل من أصحابه، حتى إذا كانوا بالشرط، بين أحد والمدينة، انخزل عنه عبد الله بن أبي بن سلول بثلث الناس، وقال أطاعهم فخرج وعصاني، والله ما ندري علام نقتل أنفسنا ها هنا أيها الناس. فرجع بمن اتبعه من الناس من قومه، من أهل النفاق والريب، واتبعهم عبد الله بن عمرو بن حرام أحد بني سلمة يقول: ياقوم أذكركم الله أن تخذلوا نبيكم وقومكم عندما حضر من عدوهم.فقالوا: لو نعلم أنكم تقاتلون ما أسلمناكم، ولكنا لانرى أنه يكون قتال. فلما استعصوا عليه وأبوا إلا الانصراف قال: أبعدكم الله أعداء الله، فسيغني الله عز وجل عنكم.

وقال محمد بن عمر الواقدي: انخزل عبد الله بن أبي عن رسول الله صلى الله عيه وسلم من الشيخين بثبثمائة، فبقي رسول الله صالى الله عليه وسلم في سبعمائة، وكان المشركون في ثلاثة آلاف، والخيل مائتا فارس، والظعن خمس عشرة امرأة.

قال: وكان في المشركين سبعمائة دارع، ولم يكن معهم من الخيل إلا فرسان: فرس لرسول الله صلى الله عليه وسلم، وفرس لأبي بردة بن نيار الحارثي. فادلج رسول الله صلى الله عليه وسلم من الشيخين حتى طلع الحمراء، وهما أطمان كان يهودي ويهودية أعميان يقومان عليهما فيتحدثان، فلذلك سميا الشيخين، وهما في طرف المدينة.

قال: وعرض رسول الله صلى الله عليه وسلم لمقاتلة بعد المعزب، فأجاز من أجاز، ورد من رد. قال: وكان فيمن ردزيد بن ثابت، وأبو عمرو أسيد بن ظهير، والبراء بن عازب، وعرابة بن أوس. قال: وهو عرابة الذي قال فيه الشماخ:

إذا ما راية رفعت لمجد

 

تلقاها عرابة باليمـين

قال: ورد أبا سعيد الخدري، وأجاز سمرة بن جندب، ورافع بن خديج. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قد استصغر رافعاً، فقام على خفين له فيهما رقاع، وتطاول على أطراف أصابعه، فلما رآه رسول الله صلى الله عليه وسلم أجازه. قال محمد بن جرير: فحدثني الحاث قال: حدثنا ابن سعد قال: أخبرني محمد بن عمر قال: كانت أم سمرة تحت مري بن سنان بن ثعلبة . عم أبي سعيد الخدري، وكان ربيه ، فلما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد وعرض أصحابه فرد من استصغر، رد سمرة بن جندب، واجاز رافع بن خديج، فقال سمرة لربيبه مري بن سنان: أجاز رافعاً وردني وأنا أصرعه! فقال يا رسول الله: رددت ابني واجزت رافع بن خديج وابني يصرعه؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم لرافع وسمرة: اصطرعا. فصرع سمرة رافعاً، فأجازه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فشهدها مع المسلمين، وكان دليل النبي صلى الله عليه وسلم أبو خيثمة الحارثي.

رجع الحديث إلى حديث ابن إسحاق

ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سلك في حرة بني حارثة، فذب فرس بذنبه فأصاب كلاب سيف فاستله ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-وكان يحب الفأل ولا يعتاف- لصاحب السيف: شم سيفك فإني أرى السيوف ستستل اليوم! ثم قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لأصحابه:”من رجل يخرج بنا على القوم من كثب من طريق لايمر بنا عليهم؟”، فقال أبوخيثمة، أخو بني حارثة بن الحارث: انا يا رسول الله. فقدمه فنفذ به في حرة بني حارثة وبين أموالهم، حتى سلكبه في مال المربع بن قيظي، وكان رجلاً منا فقاً ضرير البصر، فلما سمع حس رسول الله صلى الله عليه وسلم ومن معه من المسلمين قالم يحثي التراب في وجوههم ويقول: إن كنت رسول الله فلا أحل لك أن تدخل حائطي. قال: وقد ذكر لي أنه أخذ حفنة من تراب في يده قم قال: لو أني أعلم أني لا أصيب بها غيرك لضربت بها وجهك! فابتدره القوم ليقتلوه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم”لاتفعلوا فهذا الأعمى البصر الأعمى القلب!” وقد بدر إليه سعد بن زيد أخو بني عبد الأشهل حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عنه، فضربه بالقوس في رأسه فشجه، ومضى رسول الله صلى الله عليه وسلم على وجهه حتى نزل السعب من أحد في عدوة الوادي إلى الجبل، فجعل ظهره وعسكره إلى أحد، وقال: لا يقاتلن أحد أحداً حتى نأمره بالقتال. وقد سرحت قريش الظهر والكراع في زروع كانت بالصمعة من قناة للمسلمين، فقال رجل من المسلمين حين نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن القتال: أترعى زروع بني قيلة ولما نضارب! وتعبى رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في سبعمائة رجل، وتعبأت قريش وهم ثلاثة آلاف، ومعهم مائتا فارس قد جنبوا خيولهم، فجعلوا على ميمنة الخيل خالد بن الوليد وعلى ميسرتها عكرمة بن أبي جهل، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم على الرماة عبد الله بن جبير أخا بني عمرو بن عوف، وهو يومئذ معلم بثياب بيض، والرماة خمسمون رجلاً، وقال: انضح عنا الخيل بالنبل لا يأتونا من خلفنا إن كانت لنا أو علينا، فأثبت بمكانك لا تؤتين من قبلك. وظاهر رسول الله صلى الله عليه وسلم بين درعين.

قال محمد بن جرير: فحدثنا هارون بن إسحاق قال: حدثنا مصعب بن المقدام قال: حدثنا أبو إسحاق عن البراء قال: لما كان يوم أحد ولقي رسول الله صلى الله عليه وسلم المشركين أجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم رجالاً بإزاء الرماة، وأمر عليهم عبد الله بن جبير وقال لهم: لاتبرحوا مكانكم وإن رأيتمونا ظهرنا عليهم، وإن رأيتموهم ظهروا علينا فلا تعينونا.

فلما لقي القوم هزم المشركين، حتى رأيت النساء قد رفعن عن سوقهن وبدت خلاخيلهن فجعلوا يقولون: الغنيمة الغنيمة!! فقال عبد الله: مهلاً أما علمتم ما عهد إليكم رسول الله صلى الله عليه وسلم. فأبو فانطلقوا، فلما أتوهم صرفت وجوههم فأصيب من المسلمين سبعون رجلاً.

قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن سعد قال: حدثني أبي قال: حدثني عمي قال: حدثني أبي عن أبيه عن ابن عباس قال: أقبل أبو سفيان في ثلاث ليال خلون من شوال حتى نزل أحداً، وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم فأذن في الناس فاجتمعوا، وأمر الزبير على الخيل، ومعه يومئذ المقداد الكندي، وأعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم الراية رجلاً من قريش يقال له مصعب بن عمير، وخرج حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه بالجيش، وبعث حمزة بين يديه. وأقبل خالد بن الوليد على خيل المشركين، ومعه عكرمة بن أبي جهل، فبعث رسول الله صلى الله عليه وسلم الزبير، وقال: استقبل خالد بن الوليد فكن بإزائه حتى أوذنك. وأمر بخيل أخرى فكانوا من جانب آخر، فقال: لاتبرحن حتى أوذنكم. وأقبل أبو سفيان يحمل الآت والعزى، فأرسل رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الزبير أن يحمل، فحمل على خالد بن الوليد فهزمه الله تعالى ومن معه، فقال جل وعز:(ولقد صدقكم الله وعده إذ تحسونهم بإذنه) إلى قوله تبارك اسمه وتعالى(من بعدما أراكم ما تحبون) وإن الله تعالى وعد المؤمنين النصر وأنه معهم. وإن رسول الله صلى الله عليه وسلم بعث ناساً من الناس فكانوا من ورائهم، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: كونوا ها هنا، فردوا وجه من فرمنا وكونوا حرساً لنا من قبل ظهورنا. وإنه عليه السلام لما هزم القوم هو وأصحابه قال الذين كانوا جعلوا من ورائهم بعضهم لبعض-ورأوا النساء مصعدات في الجبل، ورأو الغنائم-: انطلقوا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأدركوا الغنائم قبل أن تسبقوا إليها. وقالت طائفة أخرى: بل نطيع رسول الله صلى الله عليه وسلم فنثبت مكاننا. فقال ابن مسعود: ما شعرت أن أحداً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يريد الدنيا وعرضها حتى كان يومئذ.

قال محمد بن جرير: حدثني محمد بن الحسين قال: حدثنا أحمد بن الفضل قال حدثنا أسباط عن السدي قال: لما برز رسول الله صلى الله عليه وسلم بأحد إلى المشركين أمر الرماة فقاموا بأصل الجبل في وجوه خيل المشركين وقال لهم:لاتبرحوا مكانكم إن رأيتم قد هزمناهم، فإنا لانزال غالبين ما ثبتم مكانكم. وأمر عليهم عبد الله بن جبير أخا خوات بن جببير. ثم إن طلحة بن عثمان صاحب لواء المشركين قام فقال: يا معاشر أصحاب محمد، إنكم تزعمون أن الله عز وجل تعجلنا بسيوفكم إلى النار، وتعجلكم بسيوفنا إلى الجنة، فهل منكم أحد يعجله الله بسيفي إلى الجنة، أو يعجلني بسيفه إلى النار؟ فقالم إليه علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: والذي نفسي بيده لا أفارقك حتى يعجلك الله عز وجل بسيفي إلى النار، أو يعجلني بسيفك إلى الجنة! فضربه علي فقطع رجله فبدت عورته فقال: أنشدك الله والرحم يا ابن عم. فتركه فكبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال لعلي وأصحابه: ما منعك أن تجهز عليه؟ قال: إن ابن عمي ناشدني حين انكشفت عورته، قاستحييت منه. ثم شد الزبير بن العوام والمقداد بن الأسود على المشركين فهزماهم، وحمل النبي صلى الله عليه وسلم واصحابه فهزموا أبا سفيان، فلما رأى ذلك خالد بن الوليد وهو على خيل المشركين حمل فرمته الرماة فانقمع ، فلما نظر الرماة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه في جوف عسكر المشركين ينتبهونه بادروا الغنيمة فقال بعضهم: لانترك أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم. وانطلق عامتهم فلحقوا بالعسكر، فلما رأى خالد قلة الرماة صاح في خيله، ثم حمل فقتل الرماة، وحمل على أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، فلما رأى المشركون أن خيلهم تقاتل تبادروا فشدوا على المسلمين فهزموهم وقتلوهم.

رجع إلى حديث ابن إسحاق

فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: من يأخذ هذا السيف بحقه؟ فقالم إليه رجال، فأمسكه بينهم، حتى قام إليه أبو دجانة سماك بن خرشة أخو بني ساعدة فقال: وما حقه يارسول الله؟ قال: أن تضرب به في العدو حتى ينحني . فقال: أنا آخذه بحقه يا رسول الله. فأعطاه إياه. وكان أبو دجانة رجلاً شجاعاً يختال عند الحرب إذا كانت، وكان إذا أعلم على رأسه بعصابة له حمراء علم الناس أنه سيقاتل، فلما أخذ السيف من يد رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله أخذ عصابته تلك فعصب بها رأسه، ثم جعل يتبختر بين الصفين. قال محمد بن إسحاق: حدثني جعفر بن عبد الله بن أسلم مولى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، عن رجل من الأنصار من بني سلمة قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين رأى أبا دجانة يتبختر: إنها مشية يبغضها الله إلا في هذا الموطن. وقد أرسل أبو سفيان رسولاً فقال: يا معشر الأوس والخزرج، خلوا بيننا وبين ابن عمنا ننصرف عنكم، فإنه لاحاجة بنا إلى قتالكم. فردوه بما يكره.

وعن محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة أن أبا عمرو بن صيفي بن النعمان بن مالك بن أمية، أحد بني ضبيعة وقد خرج إلى مكة مباعداً لرسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه خمسون غلاماً من الأوس، منهم عثمان بن حنيف-وبعض الناس يقول: كانوا خمسة عشر- فكان يعد قريشاً أن لو قد لقي محمداً لم يختلف عليه منهم رجلان. فلما التقى الناس كان أول من لقيهم أبو عمر في الأحابيش وعبدان أهل مكة، فنادى: يا معشر الأوس، أنا أبو عامر.

قالوا: فلا أنعم الله بك عيناً يا فاسق. وكان أبو عامر يسمى في الجاهلية الراهب، فسماه رسول الله صلى الله عليه وسلم الفاسق. فلما سمع ردهم عليه قال: لقد أصاب قومي بعدي شر! ثم قاتلهم قتالاً شديداً ثم راضخهم بالحجارة . وقد قال أبو سفيان لأصحاب اللواء من بني عبد الدار يحرضهم بذلك على القتال: يا بني عبد الدار، إنكم وليتم لواءنا يوم بدر فأصابنا ما قد رأيتم، وغنما يؤتى الناس من قبل راياتهم، إذا زالت زالوا، فإما أن تكفونا لواءنا، وإما أن تخلوا بيننا وبينه فسنكفيكموه، فهموا به وتوعدوه وقالوا: نحن نسلم إليك لواءنا؟! ستعلم غداً إذا التقينا كيف نصنع! وذلك الذي أراد أبو سفيان. فلما التقى الناس ودنا بعضهم من بعض قامت هند بنت عتبة في النسوة اللواتي معها، وأخذن الدفوف يضربن خلف الرجال، ويحرضنهم، فقالت هند فيما تقول:

إن تقبلوا نعانـق

 

ونفوس النمارق

أو تدبروا تفارق

 

فراق غير وامق

وتقول:

إيهاً بني عبد الدار

 

أيها حماة الأدبار

ضرباً بكل بتار

 

 

واقتل الناس حتى حميت الحرب، وقاتل أبو دجانة حتى أمعن في الناس، وحمزة بن عبد المطلب وعلي بن أبي طالب عليهما السلام في رجال من المسلمين، فأنزل الله نصره، وصدقهم وعده، فحسوهم بالسيف حتى كشفوهم، وكانت الهزيمة.

وعن محمد بن إسحاق عن يحيى بن عباد بن عبد الله بن الزبير عن ابيه عن جده قال قال الزبير: والله لقد رأيتني أنظر إلى هند بنت عتبة وصواحبها مشمرات هوارب، ما دون أخذهن قليل ولا كثير، إذا مالت الرماة إلى الكر حتى كشفنا القوم عنه يريدون النهب، وخلوا ظهورنا للخيل، فأتينا من ادبارنا وصرخ صارخ: ألا إن محمد قد قتل: فانكفأنا وانكفأ علينا القوم بعد أن أصبنا أصحاب اللواء، حتى ما يدنو إليه أحد من القوم.

وعن محمد بن إسحاق عن بعض أهل العلم أن اللواء لم يزل صريعاً حتى أخذته عمرة بنت علقمة الحارثية، فرفعته لقريش فلا ذوابها، وكان اللواء مع صواب غلام لبني أبي طلحة جشي، فكان آخر من أخذه منهم، فقاتل حتى قطعت يداه، فبرك عليه وأخذ اللواء بصدره وعنقه حتى قتل عليه وهو يقول: اللهم قد أعذرت! فقال حسان بن ثابت في قطع يد صواب حين تقادفوا بالشعر:

فخرتم ياللواء وشـر فـخـر

 

لواء حين رد إلـى صـواب

جعلتم فخركم فيهـا لـعـبـد

 

من الأم من وطي عفر التراب

ظننتم والسفـيه لـه ظـنـون

 

وما إن ذاك من أمر الصواب

بأن جلادنـا يوم الـتـقـينـا

 

بمكة بيعكم حمـر الـعـياب

أقر العين إن عـصـبـت يداه

 

وما أن يعصبان على خضاب

قال محمد بن جرير: وحدثنا أبو كريب قال: حدثنا عثمان بن سعيد قال حدثنا حبان بن علي عن محمد بن عبد الله بن أبي رافع، عن أبيه عن جده قال: لما قتل أصحاب الأولوية يوم أحد-قتلهم علي بن أبي طالب عليه السلام- أبصر رسول الله صلى الله عليه وسلم جماعة من مشركي قريش فقال لعلي: احمل عليهم. فحمل علي ففرق جمعهم، وقتل عمرو بن عبد الله بن الجمحي، ثم أبصر جماعةً من مشركي قريش فقال لعلي؛ احمل. فحمل علي ففرق جمعهم، وقتل شيبة بن مالك أحد بني عامر بن لؤي، فقال جبريل عليه السلام: يار رسول الله إن هذه للمواساة . فقال رسول الله صالى الله عليه وسلم”هو مني وأنا منه”، فقال جبريل عليه السلام:وانا منكم! قال: فسمعوا صوتاً:

لاسيف إلا ذو الفقا

 

ر ولا فتى إلا علي

فلما أتي المسلمون من خلفهم انكشفوا، وأصاب منهم المشركون، وكان المسلمون لما أصابهم ما أصابهم من البلاء أثلاثاً: وثلث جريح، وثلث منهزم وقد جهدته الحرب حتى ما يدري ما يصنع. وأصيبت رباعية رسول الله صلى الله عليه وسلم السفلى، وسقت شفته، وكلم في وجنته وجبهته في أصول شعره، وعلاه ابن قمئة بالسيف على شقه الأيمن، وكان الذي أصابه عتبة بن أبي وقاص.

قال محمد بن جرير: وحدثنا ابن يسار قال حدثنا ابن أبي عدي عن حميد عن انس بن مالك قال: لما كان يوم أحد كسرت رباعية رسول الله صلى الله عله وسلم وشج، فجعل الدم يسيل على وجهه، وجعل يمسح الدم عن وجهه ويقول: “كيف يفلح قوم خضبوا وجه نبيهم بالدم، وهو يدعوهم إلى الله تعالى!”. فأنزل الله عز وجل: (ليس لك من الأمر شيء أو يتوب عليهم). الآية. وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم حين غشية القوم: من رجل يشري لي نفسه؟.

قال محمد: فحدثني ابن حميد قال حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني الحصين بن عبد الرحمن بن عمرو بن سعد بن معاذ، عن محمود بن عمرو بن يزيد بن السكن قال: فقام زياد بن السكن في نفر خمسة من الأنصار- وبعض الناس يقول: إنما هو عمارة بن زياد بن السكن- فقاتلوا دون رسول الله صلى الله عليه وسلم رجلاًثم رجلا، يقتلون دونه حتى كان آخرهم زياد بن عمارة بن زياد بن السكن، فقاتل حتى أثبتته الجراحة، ثم فاءت من المسلمين فئة حتى أجهضوهم عنه، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أدنوه مني. فأدنوه منه فوسده قدمه، فمات وخده على قدم رسول الله صلى الله عليه وسلم. وترس من دون النبي صلى الله عليه وسلم أبو دجانة بنفسه، يقع النبل في ظهره وهو منحن عليه حتى كثرت فيه النبل. ورمى سعد بن أبي وقاص دون رسول الله صلى الله عليه وسلم. قال سعد: فلقد رأيته يناولني ويقول: فداكأبي وأمي، حتى إنه ليناولني السهم ما فيه نصل فيقول: ارم به! وعن محمد بن إسحاق قال حدثني عاصم بن عمر بن قنادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رمى عن قوسه حتى اندقت سيتها، فأخذها قتادة بن النعمان فكانت عنده، واصيبت يومئذ عين قنادة حتى وقعت على وجنته. وعن محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قنادة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ردها بيده فكانت أحسن عينيه وأحدهما. وقاتل مصعب بن عمير دون رسول الله صلى الله عليه وسلم ومعه لؤلؤة حتى قتل، وكان الذي أصابه ابن قمئة الليثي وهو يظن أنه رسول الله صلى الله عليه وسلم، فرجع إلى قريش فقال: قد قتلت محمداً! فلما قتل مصعب بن عمير أعطى رسول الله صلى الله عليه وسلم اللواء علي بن طالب عليه السلام. وقاتل حمزة بن عبد المطلب رضي الله عنه حتى قتل أرطاة بن شر حبيل بن هاشم بن عبد مناف بن عبد الدار بن قصي، وكان أحد النفر الذين يحملون اللواء، ثم مر به سباع بن عبد العزى الغبشاني، وكان يكنى أبا نيار، فقال له حمزة : هلم إلي يا ابن مقطعة البظور- وكانت أمه ختانة بمكة مولاة شريق بن عمرو بن وهب الثقفي- فلما التقيا ضربه حمزة عليه السلام فقتله، فقال وحشي غلام جبير بن مطعم: إني لأنظر إلى حمزة يهد الناس بسيفه ما يليق شيئاً يمر به ، مثل الجمل الأورق، إذ تقدمني إليه سباع بن عبد العزى فقال له حمزة: هلم إلي يا ابن مقطعة البظور. فضربه فلما أخطأ رأسه، وهززت حربتي حتى إذا ما رضيت دفعتها عليه فوقعت عليه في لبته حتى خرجت من بين رجليه، وأقبل نحوي فغلب فوقع، فأمهلته حتى إذا مات جئت فأخذت حربتي ثم تنحيت إلى العسكر، ولم يكن لي بشيء حاجة غيره. وقد قتل عاصم بن ثابت بن أبي الأقلح، أحد بني عمرو بن عوف، مسافع بن طلحة وأخاه كلاب بن طلحة، كلاهما يشعره سهما فيأتي أمهفيضع رأسه في حجرها فتقول: يا بني من أصابك؟ فيقول: سمعت رجلاً يقول حين رماني: خذها إليك وأنا ابن أبي الأقلح! فتقول: أقلحي؟! فنذرت لله إن الله أمكنها من رأس عاصم أن تشرب فيه الخمر. وكان عاصم قد عاهد الله عز وجل أن لايمس مشركاً ولا يمسه.

عن ابن إسحاق قال حدثني القاسم بن عبد الرحمن بن رافع، أخو بني عدي بن النجار قال: انتهى أنس بن النضر، عم أنس بن مالك، إلى عمر بن الخطاب وطلحة بن عبيد الله، في رجال من المهاجرين والأنصار، وقد ألقوا بأيديهم، فقال: ما يجلسكم ههنا؟ فقالوا: قتل رسول الله صلى الله عليه وسلم! قال: فما تصنعون بالحياة بعده؟ قوموا فموتوا كراماً على مامات عليه. ثم استقبل القوم فقاتل حتى قتل. وبه سمي أنس بن مالك.

عن ابن إسحاق قال: حدثني حميد الطويل عن أنس بن مالك قال: لقد وجدنا بأنس بن النضر يومئذ سبعين ضربة وطعنة، فما عرفته إلا أخته، عرفته بحسن بنانه.

عن ابن إسحاق قال: كان أول من عرف رسول الله صلى الله عليه وسلم بعد الهزيمة وقول الناس: قتل رسول الله -كما حدثني ابن شهاب الزهري- كعب بن مالك أخو بني سلمة. قال: عرفت عينيه تزهران تحت المغفر، فناديت بأعلى صوتي: يا معشر المسلمين، أبشروا، هذا رسول الله صلى الله عليه وسلم! فأشار إلي عليه السلام: أن أنصت. فلما عرف المسلمون رسول الله صلى الله عليه وسلم نهضوا به، ونهض نحو الشعب معه أبو بكر بن أبي قحافة، وعمر بن الخطاب، وعلي بن أبي طالب، وطلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، والحارث بن الصمة، في رهط من المسلمين رضي الله عنهم أجمعين. فلما أسند رسول الله صلى الله عليه وسلم في الشعب، أدركه أبي خلف وهو يقول: يا محمد لانجوت إن نجوت!فقال القوم: يار سول الله أيعطف عليه رجل منا؟ فقال: دعوه. فلما دنا تناول رسول الله صلى الله عليه وسلم الحربة من الحارثبن الصمة. قال: يقول بعض الناس فيما ذكر لي: فلما أخذها رسول الله صلى الله عليه وسلم انتفض بها انتفاضةً تطايرنا عنه تطايرالشعراء من ظهر البعير إذا انتفض، ثم استقبله فطعنه في عنقه طعنة تدأدأ بها عن فرسهمراراً . وكان أبي بن خلف- كما حدثنا ابن حميد قال حدثنا سلمة عن ابن إسحاق عن صالح عن إبراهيم بن عبد الرحمنبن عوف-يلقى رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فيقول: يامحمد، إن عندي العود اعلفه كل يوم فرقاً من ذرة أقتلك عليه! فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم: بل أنا أقتلك إن شاء الله تعالى. فلما رجع إلى قريش وقد خدشه في حلقه خدشاً غير كبير، فاحتقن الدمقال: قتلني والله محمد! قالوا: ذهب والله فؤادك، والله ما بك بأس. قال: إنه كان بمكة قال لي : أنا أقتلك، فوالله لو بصق علي لقتلني. فمات عدو الله بسرف وهم قافلون به إلى مكة، فلما انتهى رسول الله صلى الله عليه وسلمإلى فم الشعب خرج علي بن أبي طالب حتى ملأ درقته من المهراس ثم جاء به إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فشرب منه وغسل عن وجهه الدم، وصب على رأسه وهو يقول:” اشتد غضب الله عز وجل على من دمى وجه نبيه”.

قال محمد بن إسحاق: حدثني صالح بن كيسان عمن حدثه عن سعد بن أبي وقاص أنه كان يقول: والله ماحرصت على قتل رجل قط ما حرصت على قتل عتبة بن أبي وقاص، وإن كان ما علمت لسيء الخلق مبغضاً في قومه، ولقد كفاني منه قول رسول الله صلى الله عليه وسلم:” اشتد غضب الله على من دمى وجه رسول الله” قال حدثنا محمد بن إسحاق قال: حدثني صالح بن كيسان قال: خرجت هند والنسوة اللواتي معها يمثلن بالقتلى من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم بجدعن الآذان والآنف، حتى اتخذت هند من آذان الرجال وآنفهم خدماً وقلائد ، وأعطت خدمها وقلائدها وقرطها وحشيا غلام جبير بن مطعم، وبقرت عن كبد حمزة عليه السلام، فأخرجت كبده فلاكتها، فلم تستطع أن تسيغها فلفظتها، ثم علت على صخرة مشرفة فصاحت بأعلى صوتها بما قالت من الشعر حين ظفروا بما أصابوا من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم.

قال حدثني صالح بن كيسان أنه حدث أن عمر بن الخطاب رضوان الله عليه قال لحسان: يا ابن الفريعة، لو سمعت ما تقثرل هند ورأيت أشرها قائمة على صخرة ترتجز بنا وتذكر ما صنعت بحمزة؟ قال له حسان: والله إني لأنظر إلى الحربة تهوي وإني على رأس فارع-يعني أطمه- فقلت: والله، إن هذه لسلاح ما هي بسلاح العرب، وكأنها إنما تهوي إلى حمزة ولا أدري، أسمعني بعض قولها أكفكموها. قال: فأنشده عمر بعض ما قالت، فقال حسان يهجو هنداً:

أشرت لكاع وكان عادتهـا

 

لؤماً إذا أشرت من الكفر

لعن الإله وزوجها معهـا

 

هند الهنود طويلة البظـر

أخرجت مرقصة إلى أحد

 

في القوم مقتبةً غلى بكر

بكر ثفـال لاحـراك بـه

 

لاعن معاتـبة ولا زجـر

وعصاك استك تتقين بهـا

 

دقي العجابة منك بالفهـر

قرحت عجيزتها ومشرجها

 

من دأبها نصا على الفتـر

ظلت تداويها زميلـتـهـا

 

بالماء تنضحه والـسـدر

أخرجت ثـائرة مـبـادرةً

 

بأبيك فاتـك يوم ذي بـدر

وبعمك المستوه فـي ردع

 

واخيك منعفرين في الجفر

ونسيت فاحشة أتيت بـهـا

 

ياهند ويحك سيئة الذكـر

فرجعت صاغرة بلا تـرة

 

منا ظفرت بها ولا نصـر

زعم الولائد أنهـا ولـدت

 

ولداً صغيراً كان من عهر

قال محمد بن جرير: ثم إن أبا سفيان بن حرب أشرف على القوم فيما حدثنا هارون بن إسحاق قال:حدثنا مصعب بن المقدام قال حدثنا إسرائيل، وحدثنا ابن وكيع قال: حدثنا أبي عن إسرائيل قال حدثنا ابن إسحاق عن البراء قال: ثم إن أبا سفيان أشرف علينا فقال: أفي القوم محمد؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: لاتجيبوه! مرتين، ثم قال: أفي القوم ابن أبي قحافة؟ ثلاثا. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم:لاتجيبوه! . ثم التفت إلى أصحابه فقال: أما هؤلاء فقد قتلوا، لو كانوا في الأحياء لأجابوا! فلم يملك عمر بن الخطاب رضي الله عنه نفسه أن قال: كذبت ياعدوا الله، قد أبقى الله لك ما يخزيك. فقال: أعل هبل! فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله أعلى وأجل قال أبو سفيان: لنا العزى ولا عزى لكم. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: أجيبوه. قالوا ما تقول؟ قال: قولوا: ما نقول؟ قال: قولوا الله مولانا ولا مولى لكم. قال أبوسفيان: يوم بيوم بدر، والحرب سجال، أما إنكم ستجدون في القوم مثلاً لم أمر بها ولم تسؤني.

لما أجاب عمر رضي الله عنه أبا سفيان قال له أبو سفيانك هلم يا عمر. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ايته فانظر ما شأنه؟ فجاءه فقال له سفيان: أنشدك الله يا عمر أقتلنا محمداً؟ فقال عمر: اللهم لا، وإنه ليسمع كلامك الآن. قال: أنت أصدق عندي من ابن قمئة وأبر؛ لقول ابن قمئة لهم: إني قتلت محمداً. ثم نادى أبو سفيان فقال: إنه قد كان مثل والله ما رضيت ولا سخطت، ولا أمرت ولا نهيت، وقد كان الحليس بن زبان، أخو بني الحارث بن عبد مناة، وهو يومئذ سيد الأحابيش، قد مر بأبي سفيان بن حرب وهو يضرب في شدق حمزة عليه السلام وهو يقول: ذق عقق ! فقال الحليس: يا بني كنانة، هذا سيد قريش يصنع بابن عمه كما ترون لحما ! فقال اكتمها عليفإنها كانت زلة قال: فلما انصرف أبو سفيان ومن معه نادى: ان موعدكم بدر، العام المقبل. فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم وآله لرجل من أصحابه: قل: نعم، هي بيننا وبينك موعد.

خروج علي بن أبي طالب في أثر المشركين: ثم بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب عليه السلام فقال: اخرج في آثار القوم فانظر ماذا يصنعون، فإن كانوا قد جبنوا متطوا الإبل فإنهم يريدون مكة، وإن ركبوا الخيل وساقوا الإبل فهم يريدون المدينة، فوالذي نفسي بيده لئن أرادوها لأسيرن إليهم ثم لأناجزنهم. قال علي: فخرجت في آثارهم أنظر ما يصنعون، فلما جنبوا الخيل وامتطوا الإبل توجهوا إلى مكة، وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال لي: أي ذلك كان فأخفه حتى يأتيني. قال علي: فلما رايتهم قد توجهوا إلى مكة أقبلت أصيح، ما أستطيع أن أكتم الذي أمرني به رسول الله صلى الله عليه وسلم، لما بي من الفرح، إذ رأيتهم انصرفوا إلى مكة عن المدينة،وفرغ الناس لقتلاهم . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم-كما حدثنا ابن حميد قال: حدثنا سلمة قال حدثني محمد بن إسحاق عن محمد بن عبد الله بن عبد الرحمن بن أبي صعصعه المازني أخي بني النجار.

أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال:” من رجل ينظر لي ما فعل سعد بن الربيع-وسعد أخو بني الحارث بن الخزرج-أفي الأحياء هو أم في الأموات؟ ” . فقال رجل من الأنصار: أنا أنظر لك يار رسول الله ما فعل. فنظر فوجده جريحاً في القتلى به رمق. قال: فقلت له: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم أمرني أن انظر له افي الأحياء أنت أم في الأموات؟ قال: فأنا في الأموات. أبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم وقل له: إن سعد بن الربيع يقول لك: جزاك الله خير ما جزى نبياً عن امته، وأبلغ قومك عني السلام وقل لهم: إن سعد بن لاربيع يقول: لاعذر لكم عند الله جل وعز إن خلص إلى نبيكم وفيكم عين تطرف. ثم لم أبرح حتى مات رحمه الله، فجئت رسول الله صلى الله عليه وسلم وأخبرته.

وخرج رسول الله صلى الله عليه وسلم، فيما بلغني، يلتمس حمزة بن عبد المطلب عليه السلام، فوجده ببطن الوادي قد يقر بطنه عن كبده، ومثل به فجدع أنفه وأذناه. وعن ابن إسحاق قالك فحدثني محمد بن جعفر بن الزبير أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال حين رأى بحمزة ما رأى: ” لولا أن تحزن صفية أو تكون سنةً من بعدي لتركته حتى يكون في أجواف السباع ومواصل الطير، ولئن أنا أظهرني الله على قريش في موطن من المواطن لأمثلن بثلاثين رجلاً منهم”. فلما رأى المسلمون حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم وغيظه على ما فعل بعمه قالوا: والله لئن أظهرنا الله عليهم يوماً من الدهر لنمثلن بهم مثلة لم يمثلها أحد من العرب بأحد قط.

وعن محمد بن إسحاق قال: حدثني بريدة بن سفيان بن فروة الأسلمي عن محمد بن كعب القرظي، عن ابن عباس. قال ابن حميدة قال سلمة، وحدثني محمد بن إسحاق قال: فحدثنا الحسن بن عمارة عن الحكم بن عتيبة عن مقسم عن ابن عباس: أن الله عز وجل أنزل في ذلك من قول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( وإن عاقبتم فعاقبوا بمثل ما عوقبتم به ولئن صبرتم لهو خير للصابرين) إلى آخر السورة. فعفا رسول الله صلى الله عليه وسلم وصبر، ونهى عن المثلة.

قال ابن إسحاق فيما بلغني: خرجت صفية بنت عبد المطلب لتنظر إلى حمزة وكان أخاها لأمها، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لابنها الزبير: القها فأرجعها لاترى ما بأخيها. فلقيها الزبير فقال: يا أمه، إن رسول الله صلى الله عليه وسلم يأمر أن ترجعي. فقالت: ولم، فقد بلغني أنه مثل بأخي، وذلك في الله جل وعز قليل، فما أرضانا بما كان من ذلك، لأحتسبن ولأصبرن إن شاء الله تعالى؟ فلما جاء الزبير رسول الله صلى اله عليه وسلم فأخبره بذلك قال: خل سبيلها. فأتته فنظرت إليه وصلت عليه واسترجعت واستغفرت له، ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم به فدفن.

قال: حدثني محمد بن إسحاق قال: حدثني عاصم بن عمر بن قتادة، عن محمود بن لبيد قال: لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى أحد، رجع حسيل بن جابر-وهو اليمان أبو حذيفة بن اليمان-وثابت بن وفش بن زعورا في الآطام مع النساء والصبيان، فقال أحدهما لصاحبه وهما شيخان كبيران: لا أبا لك ما تنتظر، فوالله إن بقي لواحد منا من عمره إلا ظمء حمار ، إنما نحن هامة اليوم أوغد ، أفلا تأخذ أسيافنا ثم نلحق برسول الله صلى الله عليه وسلم لعل الله يرزقنا شهادةً معه. فأخذا أسيافهما ثم خرجا حتى دخلا في الناس، ولم يعلم أحد بهما. فأما ثابت بن وقش فقتله المشركون، وأما حسيل بن جابر اليمان فاختلفت عليه أسياف المسلمين فقتلوه ولم يعرفوه، فقال حذيفة: أبي! قالوا: والله إن عرفناه وصدقوا. قال حذيفة: يغفر الله لكم وهو أرحم الراحمين. فأراد رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يديه ، فتصدق حذيفة بديته على المسلمين، فزادته عند رسول الله صلى الله عليه وسلم خيراً قال حدثني محمد بن إسحاق عن عاصم بن عمر بن قتادة قال: كان فينا رجل أتي لاندري من أين هو، يقال له قزمان، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إذا ذكره:” إنه من أهل النار” فلما كان يوم أحد قاتل قتالاً شديداً فقتل هو وحده ثمانية من المشركين أو تسعة، وكان شهماً شحاعاً ذا بأس، فأثبتته الجراحة فاحتمل إلى دار بني ظفر، قال:فجعل رجال من المسلمين يقولون: والله لقد أبليت اليوم يا قزمان، فأبشر. قال: بم أبشر؟ فوالله أن قاتلت إلا على حساب قومي، لولا ذلك ما قاتلت. فلما اشتدت عليه جراحته أخذ سهماً من كنانته فقطع رواهشه فنزفه الدم فمات، فأخبر رسول الله صلى الله عليه وسلم بذلك فقال: إني رسول الله حقا.

وعن محمد بن إسحاق قال: حدثني حسين بن عبد الله عن عكرمة قال: كان يوم أحد يوم السبت للنصف من شوال، فلما كان الغد من يوم أحد، وذلك يوم الأحد لست عشرة ليلة خلت من شوال، أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم في الناس بطلب العدو، وأذن مؤذنه أن لا يخرجن معنا إلا من حضر يومنا بالأمس. فكلمه جابر بن عبد الله بن عمرو بن حرام الأنصاري فقال: يارسول الله، إن أبي كان خلفني على أخوات لي سبع وقال لي: يا بني، إنه لاينبغي لي ولا لك أن نترك هؤلاء النسوة بلا رجل فيهن، ولست بالذي أوثرك بالجهاد مع رسول الله صلى الله عليه وسلم على نفسي، فتخلف على أخواتك. فتخلفت عليهن. فأذن له رسول الله صلى الله عليه وسلم فخرج معه، وإنما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم مرهباً للعدو، وانهم خرجوا في طلبهم فيظنون أن بهم قوة، وان الذي أصابهم لم يوهنهم عن عدوهم.

عن محمد بن إسحاق: قال فحدثني عبد الله بن خارجة بن زيد بن ثابت، عن أبي السائب مولى عائشة بنت عثمان بن عفان، أن رجلاً من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من بني عبد الأشهل كان شهد أحداً. قال: فشهدت رسول الله صلى الله عليه وسلم أنا واخ لي، فرجعنا جريحين، فلما أذن مؤذن رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخروج في طلب العدو قلت لأخي وقال لي: أتفوتنا غزوة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم، والله ما لنا من دابة نركبها، وما منا إلا جريح ثقيل. فخرجنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وكنت إيسر جرحاً منه، فكنت إذا غلب عليه حملته عقبة حتى انتهينا إلى ما انتهى إليه المسلمون، فخرج إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى انتهينا إلى حمراء الأسد، وهي من المدينة على ثمانية أميال، فأقام بها ثلاثاً: الاثنين والثلاثاء والأربعاء، ثم رجع إلى المدينة.

قال ابن إسحاق عن عبد الله بن ابي بكر بن محمد بن عمرو بن حزم، أنه مر برسول الله صلى الله عليه وسلم معبد الخزاعي، وكان خزاعة مسلمهم ومشركهم عيبة رسول الله صلى الله عليه وسلم لايخفون عليه شيئاً كان بها، ومعبد يومئذ مشرك، فقال: يا محمد لقد عز علينا ما أصابك في أصحابك، ولوددت أن الله قد أعفاك منهم. ثم خرج من عند رسول الله صلى الله عليه وسلم بحمراء الأسد حتى لقي أبا سفيان بن حرب بالروحاء ومن معه، وقد أجمعوا الرجعة إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وقالوا: أصبنا جد أصحابه وقادتهم وأشرافهم، ثم رجعنا قبل أن نستأصلهم، لنكرن على بقيتهم فلنفرغن منهم! فلما رأى أبو سفيان معبداً قال: ما وراءك يا معبد؟ قال: محمد قد خرج في أصحابه يطلبكم في جمع لم أر مثله قط يتحرقون عليكم تحرقاً، قد اجتمع معه من كان تخلف عنه في يومكم، وندموا على ما صنعوا فيهم من الحنق عليكم، شيء لم أر مثله قط. قال: والله ما أراك ترتحل حتى ترى نواصي الخيل. قال: فوالله لقد أجمعناالكرة لنستأصل شأفتهم . قال: فإني أنهاك عن ذلك، فوالله لقد حملني ما رأيت على أن قلت فيه أبياتاً من شعر.
قال: وماذا قلت؟ قال قلت:

كادت تهد من الأصوات راحلتي

 

إذ سالت الأرض بالجرد الأبابيل

فظلت عدواً أظن الأرض مائلة

 

لما سموا برئيس غير مخـذول

فقلت ويل بن حرب من لقائكـم

 

إذا تغطمطت البطحاء بالجـيل

إني نذير لأهل السيل ضـاحـيةً

 

لكل ذي إربه منهم ومعـقـول

من جيش أحمد لاوخش تنـابـلة

 

وليس يوص ما أنذرت بالقـيل

قال: فثنى ذلك أبا سفيان ومن معه، ومر به ركب من عبد القيس فقال: أين تريدون؟ قالوا: نريد المدينة. قال: فلم؟ قالوا: نريد الميرة. قال: فهل أنتم مبلغون عني محمداً رسالة أرسلكم بها إليه، وأحمل لكم إبلكم هذه غداً زبيباً بعكاظ إذا وافيتموها؟ قالوا: نعم. قال: فإذا جئتموه فأخبروه أن قد أجمعنا السير إليهوإلى أصحابه، لنستأصل شأفتهم. فمر الركب برسول الله صلى الله عليه وسلم فأخبروه بالذي قال أبو سفيان، فقال رسول الله صلى عليه وسلم وأصحابه:” حسبنا الله ونعم الوكيل”.

أمن ريحانة الداعي السميع

 

يؤرقني وأصحابي هجوع

براني حب من لا أستطيع

 

ومن هو للذي أهوى منوع

إذا لم تستطع شيئاً فـدعـه

 

وجاوزه إلى ما تستطـيع

الشعر لعمرو بن معد يكرب الزبيدي، والغناء للهذلي، ثقيل أول بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى، منرواية إسحاق. وفيه ثقيل أول على مذهب إسحاق من رواية عمرو بن بانة. وفيه لابن سريج رمل بالوسطى من رواية حماد عن أبيه.