نسب إبراهيم الموصلي وأخباره

نسب إبراهيم الموصلي وأخباره

هو فيما أخبرنا به يحيى بن علي بن يحيى المنجم عن حماد عن أبيه، وأخبرني به عبد الله بن الربيع عن وسواسة، وهو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي عن أبيه عن جده وعن حماد عن أبيه – إبراهيم بن ميمون أو ابن ماهان بن بهمن بن نسك، وكان سبب نسبه إلى ميمون أنه كتب إلى صديق له فعنون كتابه: من إبراهيم بن ماهان؛ فقال له بعض فتيان الكوفة: أما تستحي من هذا الاسم فقال: هو اسم أبي؛ فقال: غيره؛ فقال: وكيف أغير فأخذ الكتاب فمحا ماهان وكتب ميمون، فتقي إبراهيم بن ميمون.

قال إسحاق عن أبيه: وأصلنا من فارس، ولنا بيت شريفٌ في العجم، وكان جدنا ميمون هرب من جور بعض عمال بني أمية، فنزل بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فكان بين إبراهيم وبين ولد نضلة بن نعيم رضاع. وأم إبراهيم امرأةٌ من بنات الدهاقين الذين هربوا من فارس لما هرب ميمون أبو إبراهيم، فنزلوا جميعاً بالكوفة في بني عبد الله بن دارم، فتزوجها ماهان بالكوفة فولدت إبراهيم ومات في الطاعون الجارف، وخلف إبراهيم طفلاً. وكان مولد إبراهيم سنة خمس وعشرين ومائة بالكوفة، وتوفي ببغداد سنة ثمانٍ وثمانين ومائة، وله ثلاث وستون سنة.

قال أحمد بن أحمد بن إسماعيل وسواسة في خبره: ومات ماهان وخلف إبراهيم طفلاً، فكفله آل زيمة بن خازم. وقال يحيى بن علي في خبره: إنه كان لإبراهيم لما مات أبوه سنتان أو ثلاث، وخلف معه أخوين له من غير أمه كبر منه، فأقام إبراهيم مع أمه وأخواله حتى ترعرع، فكان مع ولد خزيمة بن خازم في الكتاب، فبهذا السبب صار ولاؤه لبني تميم. وسأله الرشيد فقال: ما السبب بينك وبين بني تميم. فآقتص عليه قصته، وقال: ربونا يا أمير المؤمنين فأحسنوا تربيتنا، ونشأت فيهم وكان بيننا رضاعٌ، فتولونا بهذا السبب؛ فقال له الرشيد: ويحك فما أراك إذا إلا مولاي؛ فقال: فهذه والله قضتي يا أمير المؤمنين.

قال يحيى بن علي في خبره: وكان سبب قولهم إبراهيم الموصلي أنه لما نشأ واشتد، وأدرك، صحب الفتيان واشتهى الغناء طلبه، واشتد أخواله عليه في ذلك وبلغوا منه، فهرب منهم إلى الموصل، فأقام بها نحواً من سنة، فلما رجع إلى الكوفة قال له إخوانه من الفتيان: مرحباً بالفتى الموصلي، فلقب به. وقال أحمد في خبره: إن سبب طلبه الغناء أنه خرج إلى الموصل، فصحب جماعةً من الصعاليك كانوا يصيبون الطريق ويصيبه معهم، ويجمعون ما يفيدونه فيقصفون ويشربون ويغنون، فتعلم منهم شيئاً من الغناء وشدا، فكان أطيبهم وأحذقهم، فلما أحس بذلك من نفسه اشتهى الغناء وطلبه وسافر إلى المواضع البعيدة فيه. وذكر ابن خرداذبه وهو قليل التحصيل لما يقوله ويضمنه كتبه – أن سبب نسبته إلى الموصل أنه كان إذا سكر، كثيراً ما يغني على سبيل الولع:

أناجت من طرق موصل

 

أحمل قلـل خـمـريا

من شارب الملوك فـلا

 

بد مـن سـكـــريا

وما سمعت بهذه الحكاية إلا عنه، وإنما ذكرتها على غثاثتها لشهرتها عند الناس، وأنها عندهم كالصحيح من الرواية في نسبة إبراهيم إلى الموصل، فذكرته دالاً على عواره.

أخبرني الحسين بن يحيى المرداسي وابن أبي الأزهر قالا حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أسلم أبي إلى الكتاب فكان لا يتعلم شيئاً، ولا يزال يضرب ويحبس ولا ينجع ذلك فيه، فهرب إلى الموصل وهناك تعلم الغناء، ثم صار إلى الري وتعلم بها أيضاً، ومهر وتزوج هناك امرأته دوشار – وتفسير هذا الاسم أسدان وطال مقامه هناك، وأخذ الغناء الفارسي والعربي، وتزوج بها أيضاً شاهك أم إسحاق ابنه وسائر ولده. قال: وفي دوشار هذه يقول إبراهيم، وله فيه غناء من الهزج:

دوشـار يا سـيدتـي

 

يا غايتي ومنـيتـي

ويا سروري من جمي

 

ع الناس ردي سنتي

قال إسحاف وحدثني أبي قال: أول شيء أعطيته بالغناء أني كنت بالري أنادم أهلها بالسوية لا أرزؤهم شيئاً، ولا أنفق إلا من بقية مالٍ كان معي وانصرفت به من الموصل؛ فمر بنا خادم أنفذه أبو جعفر المنصور إلى بعض عماله برسالة، فسمعني عند رجل من أهل الري، فشغف بي وخلع علي دواج سمور، له قيمة، ومضى بالرسالة ورجع وقد وصله العامل بسبعة الاف درهم وكساه كسوةً كثيرة، فجاءني إلى منزلي الذي كنت أسكنه فأقام عندي ثلاثة أيام، ووهب لي نصف الكسوة التي معه وألفي درهم، فكان ذلك أول ما اكتسبته بالغناء، فضلت: والله لا أنفق هذه الدراهم إلا على الصناعة التي أفادتنيها، ووصف لي رجل بالأبلة يقال له جوانويه كان حاذقاً، فخرجت إليه وصحبت فتيانها، فأخذت عنهم وغنيتهم فشغفوا بي.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد عن أبيه عن جده قال: لما أتيت جوانويه لم أصادفه في منزله، فانتظرته حتى جاء، فلما رآني احتشمني وكان مجوسياً، فأخبرته بصناعتي والحال التي قصدته فيها، فرحب بي وأفرد لي جناحاً في داره، ووكل بي أخته، فقدمت إلي ما أحتاج إليه؛ فلما كان العشي عاد إلى منزله ومعه جماعةٌ من الفرس ممن يغني، فنزلت إليه، فجلسنا في مجلس قد صفي لنا فيه نبيذٌ وأعدت لنا فاكهة ورياحين، فجلسنا وأخذوا في شأنهم وضربوا وغنوا، فلم أجد عند أحدٍ منهم فائدةً؛ وبلغت النوبة إلي، فضربت وغنيت، فقاموا كلهم إلي وقبلوا رأسي، وقالوا: سخرت منا، نحن إلى تعليمك لنا أحوج منك إلينا، فأقمت على تلك الحال أياماً، حتى بلغ محمد بن سليمان بن علي خبري، فوجه إلي فأحضرني وأمرني بملازمته، فقلت له: أيها الأمير، إن لست أتكسب بالغناء وإنما ألتذه فلذلك تعلمته، وأريد العود إلى الكوفة، فلم أنتفع بذلك عنده وأخذني بملازمته، وسألني: من أين أنا؟ فانتسبت إلى الموصل، فلزمتني وعرفت بها؛ ولم أزل عنده أثيراً مكرماً حتى قدم عليه خادم من خدم المهدي، فلما راني عنده قال له: أمير المؤمنين أحوج إلى هذا منك، فدافعه عني، فلما قدم الرسول على المهدي سأله عما رأى في طريقه ومقصده، فأخبره بذلك حتى انتهى إلى ذكري فوصفني له؛ فأمره المهدي بالرجوع إلى محمد وإشخاصي إليه، ففعل ذلك وجاء فأشخصني إلى المهدي، فحظيت عنده وقدمني.

قال وسواسة في خبره عن إسحاق فحدثني أبي قال: كان أول هاشمي صحبته علي بن سليمان بن علي أخو جعفر ومحمد، وكان فتاهم ظرفاً ولهواً وسماحةً، ووصفني له جوانويه ومضى بي إليه، فوقعت من قلبه كل موقع. وأول خليفة سمعني المهدي، وصفت له فأخذني من علي بن سليمان، وما سمع قبلي من المغنين أحداً سوى فليح بن أبي العوراء وسياط، فإن الفضل بن الربيع وصلهما به.

فال إسحاق: فحدثني أبي قال: كان المهدي لا يشرب فأرادني على ملازمته وترك الشرب فأبيت عليه، وكنت أغيب عنه الأيام، فإذا جئته جئته منتشياً، فغاظه ذلك مني فضربني وحبسني، فحذقت الكتابة والقراءة في الحبس، ثم دعاني يوماً فعاتبني على شربي في منازل الناس والتبذل معهم، فقلت: يا أمير المؤمنين، إنما تعلمت هذه الصناعة للذتي وعشرتي إخواني، ولو أمكنني تركها لتركتها وجميع ما أنا فيه لله جل وعز، فغضب غضباً شديداً وقال: لا تدخل على موسى وهارون البتة، فوالله لئن دخلت عليهما لأفعلن ولأصنعن؛ فقلت: نعم، ثم بلغه أني دخلت عليهما وشربت معهما، وكانا مستهترين بالنبيذ، فضربني ثلثمائة سوط، وقيدني وحبسني. قال أحمد بن إسماعيل في خبره قال عمي إسحاق فحدثني أبي: أنه كان معهما في نزهة لهما ومعهم أبان الخادم، فسعى بهما وبي إلى المهدي وحدثه بما كنا فيه، فدعاني فسألني فأنكرت، فأمر بي فجردت فضربت ثلثمائة وستين سوطاً؛ فقلت له وهو يضربني: إن جرمي ليس من الأجرام التي يحل لك بها سفك دمي، والله لو كان سر ابنيك تحت قدمي ما رفعتهما عنه ولو قطعتا، ولو فعلت ذلك لكنت في حالة أبان الساعي العبد؛ فلما قلت له هذا ضربني بالسيف في جفنه فشجني به، وسقطت مغشياً علي ساعةً، ثم فتحت عيني فوقعتا على عيني المهدي، فرأيتهما عيني نادم وقال لعبد الله بن مالك: خذه إليك. قال: وقبل ذلك ما تناول عبد الله بن مالك السوط من يد سلام الأبرش فضربني، فكان ضرب عبد الله عندي بعد ضرب سلام عافيةً، ثم أخرجني عبد الله إلى داره وأنا أرى الدنيا في عيني صفراء وخضراء وحمراء من حر السوط، وأمره أن يتخذ لي شبيهاً بالقبر فيصيرني فيه؛ فدعا عبد الله بكبش فذبح وسلخ وألبسني جللى ليسكن الضرب، ودفعني إلى خادم له يمال له أبو عثمان سعيد التركي فصيرني في ذلك القبر، ووكل بي جاريةً له يقال لها جشه؛ فتأذيت ينزكان في ذلك القبر وبالبق، وكان فيه حليٌ أستريح إليه، فقلت لجشة: اطلبي لي آجرة عليها فحم وكندر يذهب عني هذا البق، فأتتني بذلك، فلما دخنت أظلم القبر علي وكادت نفسي تخرج من الغم، فاسترحت من أذاه إلى النز فألصقت به أنفي حتى خف الدخان، فلما ظننت أني قد استرحت مما كنت فيه، إذا حيتان مقبلتان نحوي من شق القبر تدوران حولي بحفيفٍ شديدٍ، فهممت أن آخذ واحدة بيدي اليمنى والأخرى بيدي اليسرى فإما علي وإما لي، ثم كفيتهما، فدخلتا من الثقب الذي خرجتا منه، فمكثت في ذلك القبر ما شاء الله، ثم أخرجت منه؛ ووجهت إلى أبي عثمان الخادم أسأله أن يبيعني جشة لأكافئها عما أولتني ففعل، فزوجتها من حاجبٍ لي، ولم تزل عندنا. قال إسحاق: مكثت عندنا حتى ماتت، وبقيت بنت لها يقال لها جمعة، فزوجتها من مولىً لي في سنة أربع وثلاثين ومائتين.
قال إبراهيم: وقلت في الحبس وأنا مقيداً:

ألا طال ليلي أراعي النجـوم

 

أعالج في الساق كبلاً ثقـيلا

بدار الهـوان وشـر الـديار

 

أسام بها الخسف صبراً جميلا

كثير الأخلاء عند الـرخـاء

 

فلما حبست أراهـم قـلـيلا

لطول بلائي مل الـصـديق

 

فلا يأمنن خـلـيلٌ خـلـيلا

قال: ثم أخرجني المهدي وأحلفني بالطلاق والعتاق وكل يمين لا فسحة لي فيها ألا أدخل على ابنبه موسى وهارون أبداً ولا أغنيهما، وخلى سبيلي. قال: وصنعت، في الحبس لحناً في شعر أبي العتاهية لما حبسه المهدي بسبب عتبة، وهو:

أيا ويح قلبي من نجي الـبـلابـل

 

ويا ويح ساقي من قروح السلاسل

وياويح نفسي ويحها ثـم ويحـهـا

 

ألم تنج يوماً من شباك الحـبـائل

ويا ويح عيني قد أضربها البـكـا

 

فلم يغن عنها طب ما في المكاحل

ذريني أعلل نفسي الـيوم إنـهـا

 

رهينة رمسٍ في ثرىً وجـنـادل

ذريني أعلل بالشراب فـقـد أرى

 

بقية عيشي هـذه غـير طـائل

الشعر لأبي العتاهية، وذكر حماد أنه لجده إبراهيم. والغناء لإبراهيم رملٌ بالوسطى في الثلاثة الأبيات الاول، وله في البيتين الأخيرين ثقيل أول بالوسطى.

قال حماد: فلما ولي موسى الهادي الخلافة استتر جدي منه ولم يظهر له بسبب الأيمان التي حلفه بها المهدي، فكانت منازلنا تكبس في كل وقت وأهلنا يروعون بطلبه حتى أصابوه فمضوا به إليه، فلما عاينه قال: يا سيمي، فارقت أم ولدي وأعز خلق الله علي، ثم غناه لحنه في شعره:

يابن خير الملوك لا تتركني

 

غرضاً للعدو يرمي حيالي

فلقد في هواك فارقت أهلي

 

ثم عرضت مهجتي للزوال

ولقد عفت في هواك حياتي

 

وتغربت بين أهلي ومالـي

الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رملٍ بالوسطى. قال إسحاق: فموله والله الهادي وخوله، وبحسبك أنه أخذ منه في يوم واحد مائةً وخمسين ألف دينار، ولو عاش لنا لبنينا حيطان دورنا بالذهب والفضة. قال حماد قال لي أبي: نظرت إلى ما صار إلى جدك من الأموال والغلات وثمن ما باع من جواريه، فوجدته أربعة وعشرين ألف ألف درهم سوى أرزاقه الجارية، وهي عشرة آلاف درهم في كل شهر، وسوى غلات ضياعه، وسوى الصلات النزرة التي لم يحفظها، ولا والله ما رأيت أكمل مروءةً منه، كان له طعامٌ معد في كل وقت؛ فقلت لأبي: أكان يمكنه ذلك؟ فقال: كان له في كل يوم ثلاث شياهٍ: واحدةٌ مقطعةٌ في القدور، وأخرى مسلوخة ومعلقة، وأخرى حية، فإذا أتاه قومٌ طعموا ما في القدور، فإذا فرغت قطعت الشاة المعلقة ونصبت القدور وذبحت الحية فعلقت وأتي بأخرى فجعلت وهي حية في المطبخ، وكانت وظيفته لطعامه وطيبه وما يتخذ له في كل شهر ثلاثين ألف درهم سوى ما كان يجري وسوى كسوته؛ ولقد اتفق عندنا مرة من الجواري الودائع لإخوانه ثمانون جارية، ما منهن واحدة إلا ويجري عليها من الطعام والكسوة والطيب مثل ما يجري لأخص جواريه، فإذا ردت الواحدة منهن إلى مولاها وصلها وكساها، ومات وما في ملكه إلا ثلاثة آلاف دينار، وعليه من الدين سبعمائة دينار قضيت منها.

أخبرني محمد بن خلف وكيع ويحيى بن علي بن يحيى وابن المرزبان قالوا أخبرنا حماد بن إسحاق قال: كان أبي يحدث أن الرشيد اشترى من جدي جاريةً بستة وثلاثين ألف دينار، فأقامت عنده ليلةً، ثم أرسل إلى الفضل بن الربيع: إنا أشترينا هذه الجارية من إبراهيم، ونحن نحسب أنها من بابتنا وليست كما ظننتها، وما قربتها، وقد ثقل علي الثمن وبينك وبينه ما بينكما، فاذهب إليه فسله أن يحطنا من ثمنها ستة الاف دينار؛ قال: فصار الفضل إليه فاستأذن عليه فخرج جدي فتلقاه؛ فقال: دعني من هذه الكرامة التي لا مؤنة بيننا فيها، لست ممن يخدع، وقد جئتك في أمر أصدقك عنه، ثم أخبره الخبر كله؛ فقال له إبراهيم: إنه أراد أن يبلو قدرك عندي؛ قال: ذاك أراد قال: فمالي كله صدقة في المساكين إن لم أضعفه لك، قد حططتك آثني عشر ألف دينار؛ فرجع الفضل إليه بالخبر، فقال: ويلك ادفع إلى هذا ماله، فما رأيت سوقةً قط أنبل نفساً منه. قال أبي: وكنت قد أتيت جدك فقلت: ما كان لحطيطة هذا المال معنى وما هو بقليل، فتغافل عني وقال: أنت أحمق، أنا أعرف الناس به، والله لو أخذت المال منه كملاً ما أخذته إلا وهو كاره، ويحقد ذلك علي وكنت أكون عنده صغير القدر، وقد مننت عليه وعلى الفضل، انبسطت نفسه ونشط وعظم قدري عنده، وإنما اشتريت الجارية بأربعين ألف درهم، وقد أخذت بها أربعة وعشرين ألف دينار، فلما حمل المال إليه بلا حطيطة دعاني فقال لي: كيف رأيت يا إسحاق من البصير أنا أم أنت؟ فقلت: بل أنت جعلني الله فداءك.

حدثني وكيع قال حدثنا حماد قال حدثني أبي قال: لقي الفضل بن يحيى أبي وهو خارج من عند الفضل بن الربيع، وكانا متجاورين في الشماسية، فقال: من أين يا أبا إسحاق؟ أمن عند الفضل بن الربيع؟ قلت: نعم، غير معتذرٍ من ذلك، فقال: خروج من عند الفضل بن الربيع إلى الفضل بن يحيى هذان والله أمران لا يجتمعان لك فقال: والله لئن لم يكن في ما يتسع لكما حتى يكون الوفاء لكما جميعاً وأحداً ما في خيرٌ، والله لا أترك واحداً منكما لصاحبه، فمن قبلني على هذا قبلني، ومن لم يقبلني فهو أعلم، فقال له الفضل بن يحيى: أنت عندي غير متهم، والأمر كما قلت، وقد قبلتك على ذلك.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال حدثني أبي: أن الرشيد غضب عليه فقيده وحبسه بالرقة، ثم جلس للشرب يوماً في مجلس قد زينه وحسنه، فقال لعيسى بن جعفر: هل لمجلسنا عيبٌ؟ قال: نعم، غيبة إبراهيم الموصلي عنه؛ فأمر بإحضاري فأحضرت في قيودي، ففكت عني بين يديه، وأمرهم فناولوني عوداً وقال: غنني يا إبراهيم؛ فغنيته:

تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت

 

به زينبٌ في نسـوة خـفـرات

فاستعاده وشرب وطرب، وقال: هنأتني يومي وسأهنئك بالصلة، وقد وهبت لك الهنيء والمريء؛ فانصرفت، فلما أصبحت عوضت منهما مائتي ألف لدرهم.

تضوع مسكاً بطن نعمان أن مشت

 

به زينبٌ في نسـوةٍ خـفـرات

مررن بفـخ رائحـاتٍ عـشـيةً

 

يلبين للرحمن مـعـتـمـرات

يخمرن أطراف البنان من التقـي

 

ويقتلن بالألحـاظ مـقـتـدرات

ولما رأت ركب النميري أعرضت

 

وكن من أن يلقـينـه حـذرات

             

الشعر للنميري الثقفي. والغناء لا بن سريج ثاني ثقيل بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق ويحيى المكي وعمرو بن بانة. وذكر حبشٌ أن فيه لعزة الميلاء لحناً من الثقيل الأول.

أخبرني محمد بن مزيد وأحمد بن جعفر جخظة قالا حدثنا حماد بن إسحاق قال، وأخبرني الصولي قال حدثني عون بن محمد جميعاً عن إسحاق عن أبيه قال: رأيت يحيى بن خالد خارجاً من قصره الذي عند باب الشماسية يريد قصره الذي بباب البردان وهو يتمثل:

هوى بتهامةٍ وهوىً بنجدٍ

 

فأبلتني التهائم والنجـود

قال أبي: فزذته عليه:

أقيم بذا وأذكر عهـد هـذا

 

فلي ما بين ذين هوىً جديد

قال: وصنعت فيه لحناً قال الصولي في خبره: وهو من خفيف الثقيل ثم صرت إليه فغنيته إياه؛ فأمر لي بألف دينار وبدابته التي كانت تحته يومئذ بسرجها ولجامها؛ فقلت له: جزاك الله من سيد خيراً، فإنك تأتي الأنفس وهي شوارد فتقزها، والأهواء وهي سقيمة فتصحها؛ فأمر لي بألف دينار أخرى.

قال إبراهيم: ثم ضرب الدهر من ضربه، فبينا أنا أسير معه إذ لقيه العباس بن الأحنف، وكان ساخطاً عليه لشيء بلغه عنه، فترجل له وأنشده:

بالله يا غضبان آل رضيت

 

أذاكرٌ للعهد أم قد نسيت

فقال: بل ذاكرٌ يا أبا الفضل؛ فأضفت إلى هذا البيت:

لو كنت أبغي غير ما تشتهي

 

دعوت أن تبلى كما قد بليت

وصنعت فيه لحناً قال الصولي في خبره: هو ثقيل أول قال: وغنيته به، فأمر لي بألفي دينار وضحك؛ فقلت: من أي شيء تضحك يا سيدي؟ لا زلت ضاحكاً مسروراً فقال: ذكرت ما جرى في الصوت الأول وأنه كان مع الجائزة دابةٌ بسرجه ولجامه، ولن تنصرف الليلة إلا على مثله، فقمت فقبلت يده؛ فأمر لي بألفي دينار آخرين، وقال: تلك الكرة شكرت على الجائزة بكلام فزدناك، والآن شكرت بفعل أوجب الزيادة، ولولا أني مضيقٌ في هذا الوقت لضاعفتها، ولكن الدرهر بيننا مستأنفٌ جديد.
حدثني جخظة قال حدثني هبة الله بن إبراهيم بن المهدي عن أبيه قال: لما نزل الرشيد في طريقه إلى طوس بشنداز جلس يشرب عنده، فكان إبراهيم الموصلي أول من غناه، فايتدأ بهذا الصوت، والشعر له:

رأيت الدين والدنيا

 

مقيمين بشنـداز

أقاما بين حجـاجٍ

 

وغازٍ أيما غـاز

وهو من الثقيل الأول فأمر له بألف دينار، ولم يستحسن الشعر، وقال له: يا إبراهيم صنعتك فيه أحسن من شعرك؛ فخجل وقال: يا سيدي شغل خاطري الغناء فقلت لوقتي ما حضرني؛ فضحك الرشيد من قوله وقال له: صدقت.
أخبرنا يحيى بن علي بن يحيى عن حماد عن أبيه قال: كان جدك محباً للأشراف كثير الأصدقاء منه، حتى إن كان الرشيد لتقول كثيراً: ما أعرف أحداً أكثر أصدقاء من إبراهيم.

قال إسحاق: وما سمعت أحسن غناء من أربعة: أبي، وحكم الوادي، وفليح ابن أبي العوراء، وسياط؛ فقلت له: وما بلغ من حذقهم؟ قال: كانوا يصنعون فيحسنون، ويؤدون غناء غيرهم فيحسنون؛ فقلت: فأيهم كان أحذق؟ قال: كانوا بمنزلة خطيبٍ أو كاتب أو شاعر يحسن صناعته، فإذا انتقل عنها إلى غيرها لم يبلغ منها ما يبلغ من صناعته، وكان جدك كرجل مفوه، إن خطب أجزل، وإن كتب رسالة أحسن، وإن قال شعراً أحسن، ولم يكن فيهم مثله.

أخبرني الحسين بن يحيى فال حدثنا حماد عن أبيه، وأخبرني علي بن عبد العزيز عن ابن خرداذبه، وأخبرني إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبة جميعاً عن إسحاق قال: لم يكن الناس يعلمون الجارية الحسناء الغناء، وإنما كانوا يعلمونه الصفر والسود، وأول من علم الجواري المثمنات أبي، فإنه بلغ بالقيان كل مبلغ، ورفع من أقدارهن. وفيه يقول أبو عيينة بن محمد بن أبي عيينة المهلبي وقد كان هوي جاريةً يقال لها أمان فأغلى بها مولاها السوم، وجعل يرددها إلى إبراهيم وإسحاق ابنة فتأخذ عنهما، فكلما زادت في الغناء زاد في سومه، فقال أبو عيينة:

قلت لما رأيت مولى أمـانٍ

 

قد طغى سومه بها طغيانـا

لا جزى الله الموصلي أبا إس

 

حاق عنا خيراً ولا إحسانـا

جاءنا مرسلا بوحيٍ من الشي

 

طان أغلى به علينا القيانـا

من غناءٍ كأنه سكـرات ال

 

حب يصبي القلوب والآذانا

             

وقال فيه ابن سيابة:

ما لإبراهيم في العل

 

م بهذا الشأن ثانـي

إنما عمر أبـي إس

 

حاق زينٌ للزمـان

جنة الدنيا أبـو إس

 

حاق في كل مكان

فإذا غنى أبو إسحـا

 

ق أجابته المثانـي

منه يجنى ثمر اللـه

 

و وريحان الجنـان

لإبراهيم في هذا الشعر لحنان: خفيف ثقيل بالبنصر، وخفيف رمل بالوسطى عن عمرو والهشامي.
أخبرني عمي عن أحمد بن أبي طاهر عن أبي دعامة قال: كان سلم الخاسر عند أبي العتاهية، فأخبره سلم أن الرشيد حبس إبراهيم الموصلي في المطبق؛ فأقبل عليه أبو العتاهية فقال:

سلـم يا سـلـم لـيس دونـــك ســـتـــر

 

حبـس الـمـوصـلـي فـالـعــيش مـــر

ما اسـتـطـاب الـلـذات مـذ سـكـن الـمـط

 

بق رأس الـلـذات فـي الـنـــاس حـــر

ترك الموصلي من خلق الله جميعاً وعيشهم مقشعر

 

 

حبس اللهو والسرور فما في ال

 

أرض شـيءٌ يلـهـــى بـــه أو يســـر

وأنشدني بعض أصحابنا عن ابن المرزبان عن أحمد بن أبي طاهر عن ابن أبي فنن لأبي العتاهية يخاطب إبراهيم الموصلي لما حبس:

أيا غمي لغمك يا خلـيلـي

 

ويا ويلي عليك ويا عويلـي

يعز علي أنك لا تـرانـي

 

وأني لا أراك ولا رسولي

وأنك في محل أذى وضنكٍ

 

وليس إلى لقائك من سبـيل

وأني لست أملك عنك دفعـاً

 

وقد فوجئت بالخطب الجليل

أخبرني الحسن بن علي الخفاف قال حدثنا محمد بن القاسم بن مهرويه قال حدثنا عبد الله بن عمر قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد عن القطراني المغني عن محمد بن جبر، وكان المهدي رباه، قال حدثني إبراهيم بن المهدي فال: انصرفت ليلةً من الشماسية فمررت بدار إبراهيم الموصلي، وإذا هو في روشن له وقد صنع لحنه:

أل ارب ندمانٍ علـي دمـوعـه

 

تفيض على الخدين سحاً سجومها

وهو يعيده ويلعب به بنغمه ويكرره لتستوي له أجزاؤه، وجواريه يضربن عليه، فوقفت تحت الروشن حتى أخذته ثم انصرفت إلى منزلي، فما زلت أعيده حتى بلغت فيه الغاية، وأصبحت فغدوت إلى الشماسية واجتمعنا عند الرشيد، فاندفع إبراهيم فغناه أول شيء غنى، فلما سمعه الرشيد طرب واستحسنه وشرب عليه، ثم قال له: لمن هذا يا إبراهيم؟ قال: لي يا سيدي، صنعته البارحة، فقلت: كذب يا أمير المؤمنين، هذا الصوت قديمٌ وأنا أغنيه؛ فقال لي: غنه يا حبيبي، فغنيته كما غناه؛ فبهت إبراهيم وغضب الرشيد، وقال له: يابن الفاجرة أتكذبني وتدعي ما ليس لك. قال: فظل إبراهيم بأسوأ حال، فلما صليت العصر قلت للرشيد: يا أمير المؤمنين، الصوت وحياتك له وما كذب، ولكني مررت به البارحة وهو يردده على جارية له فوقفت حتى دار لي واستوى فأخذته منه؛ فدعا به الرشيد ورضي عنه، وأمر له بخمسة آلاف دينار.

ألا رب ندمانٍ علـي دمـوعـه

 

تفيض على الخذين سحاً سجومها

حليمٌ إذا ما الكأس دارت وهرها

 

رجالٌ لديها قد تخف حلومـهـا

الغناء لإبراهيم رملٌ بالسبابة في مجرى البنصر عن إسحاق.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال حدثنا أبي عن طياب بن إبراهيم الموصلي قال: كان إبراهيم بن المهدي يقدم ابن جامع ولا يفضل عليه أحداً، فأخبرني إبراهيم بن المهدي قال: كنا في مجلس الرشيد وقد غلب النبيذ على ابن جامع، فغنى صوتاً فأخطأ في أقسامه؛ فالتفت إلي إبراهيم فقال: قد خري قد خرى أستاذك فيه وفهمت صدقه فيما قال؛ قال: فقلت له: انتبه أيها الشيخ وأعد الصوت، ففطن وأعاده وتحفظ فيه وأصاب؛ فغضب إبراهيم وأقبل علي فقال:

اعلمه الرماية كـل يومٍ

 

فلما استد ساعده رماني

وتنكر لي وحلف الأ يكلمني؛ فقلت للرشيد بعد أيام: إن لي حاجة؛ قال: وما هي. قلت: تأمر إبراهيم الموصلي أن يرضى عني ويعود إلى ما كان عليه؛ فقال: ومن إبراهيم حتى يطلب رضاه فقلت: يا أمير المؤمنين، إن الذي اريده منه لا ينال إلا برضاه؛ فقال: قم إليه يا إبراهيم فقبل رأسه؛ فقام إلي ليقبل رأسي،، فلما أكب علي قال: تعود؟ قلت: لا؛ قال: قد رضيت عنك رضاً صحيحاً، وعاد إلى ما كان عليه. أخبرني أبو الحسن أحمد بن يحيى بن علي بن يحيى قال: سمعت جدي علياً يحدث عن إسحاق قال: قال أبي: خرجت مع الرشيد إلى الحيرة، فساعة نزل بها دعا بالغداء فتغذى ثم نام، فاغتنمت قائلته فذهبت فركبت أدور في ظهر الحيرة، فنظرت إلى بستان فقصدته فإذا على بابه شابٌ حسن الوجه، فاستأذنته في الدخول فأذن لي، فدخلت فإذا جنة من الجنان في أحسن تربة وأغزرها ماءً، فخرجت فقلت له: لمن هذا البستان. فقال: لبعض الأشاعثة، فقلت له: أيباع؟ فقال: نعم وهو على سوم، فقلت: كم بلغ؟ فقال: أربعة عشر ألف دينار، قلت: وما يسمى هذا الموضع؟ قال: شمارى، فقلت:

جنان شمارى ليس مثلك منظرٌ

 

لذي رمدٍ أعيا عليه طـبـيب

ترابك كافورٌ ونورك زهـرةٌ

 

لها أرجٌ بعد الهـدو يطـيب

قال: وحضرتني فيه صنعةٌ حسنة، فلما جلس الرشيد وأمر بالغناء غنيته إياه أول ما غنيت، فقال: ويلك وأين شمارى؟ فأخبرته القصة، فأمر لي بأربعة عشر ألف دينار، وغمزني جعفر بن يحيى فقال: خذ توقيعه بها إلي، وتشاغل الرشيد عني، فأعدت الصوت، فقال: ويلكم! أعطوا هذا دنانيره، فوثبت وقلت: يا سيدي، وقع لي بها إلى جعفر بن يحيى، فقال: أفعل، ووقع لي بها إليه، فلما حصل التوقيع عند جعفر أطلق لي المال وخمسة آلاف دينار من عنده؛ فلما حصل المال عندي كان أحب إلي وأحسن في عيني من شمارى.

أخبرني جعفر بن قدامة قال أخبرني أبو العيناء قال: خرج الفضل بن الربيع يوماً من حضرة الرشيد ومعه رقعةٌ فيها أربعة أبيات، فقال: إن أمير المؤمنين يأمر كل من حضر ممن يقول الشعر أن يجيزها، وهي:

أهدى الحبيب مع الجنوب سلامه

 

فاردد إليه مع الشمال سلامـا

واعرف بقلبك ما تضمن قلبـه

 

وتداولا بـهـواكـمـا الأيامـا

وإذا بكـيت لـه فـأيقـن أنـه

 

ستجود أدمعه عليك رهـامـا

فاحبس دموعك رحمة لدموعـه

 

إن كنت تحفظ أو تحوط ذمامـا

فلم يوجد من يجيزها، فأمر إبراهيم فغنى فيها لحناً من خفيف الثقيل.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني أبو العباس البصري قال حدثني عبد الله بن الفضل بن الربيع قال سمعت أبي يقول: لما خرج الرشيد إلى الرقة أخرج معه إبراهيم الموصلي، وكان به مشغوفاً، ففقده في بعض المنازل أياما وطلبه فلم يخبره أحد بقصته، ثم أتاه، فقال له: ويحك! ما خبرك وأين كانت غيبتك. فقال: يا أمير المؤمنين، حديثي عجيب، نزلنا بموضع كذا وكذا، فوصف لي خمارٌ، من ظرفه ومن نظافة منزله كيت وكيت، فتقدمت أمام ثقلى وأتيته مخفًّا، فوافيت أطيب منزل وأوسع رحل وأطيب طعام وأسخى نفسٍ، من شابٍّ حسن الوجه ظريف العشرة، فأقمت عنده، فلما أردت اللحاق بأمير المؤمنين أقسم علي وأخرج لي من الشراب ما هو أطيب وأجود مما رأيت، فأقمت ثلاثاً، ووهبت له دنانير كانت معي وكسوةً، وقلت فيه:

سقياً لمنزل خمارٍ قصفـت بـه

 

وسط الرصافة يوماً بعد يومـين

مازلت أرهن أثوابي وأشربـهـا

 

صفراء قد عتقت في الدن حولين

حتى إذا نفدت مني بأجمـعـهـا

 

عاودته بالـربـا دنـا بـدنـين

فقال إزل بشين حـين ودعـنـي

 

وقد لعمرك زلنا عنه بالـشـين

– الشعر والغناء لإبراهيم خفيف رمل بالبنصر. قوله: إزل بشين كلمة سريانية، تفسيرها: امض بسلام، دعا له بها لما ودعه- قال إبراهيم: فقال لي الرشيد: غنني هذا الصوت، فغنيته إياه وزمر عليه برصوماً، فوهب لي الرشيد مائة ألف درهم وأقطعني ضيعة، وبعث إلى الحمار فأحضر، وأهدى إلى الرشيد من ذلك الشراب فوصله، ووهب له إبراهيم عشرة آلاف أخبرني الحسين بن يحيى ومحمد بن مزيد ووكيع قالوا جميعاً حدثنا حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال: قال ابن جامع يوماً لأبي: رأيت في منامي كأني وإياك راكبان في محمل، فسفلت حتى كدت تلصق بالأرض، وعلا الشق الذي أنا فيه، فلأعلونك في الغناء، فقال إبراهيم: الرؤيا حق والتأويل باطل، إني وإياك كنا في ميزان، فرجحت بك وشالت كفتك وعلوت فلصقت بالأرض، فلأبقين بعدك ولتموتن قبلي. قال إسحاق: فكان كما قال أبي، علا عليه وأفاد أكثر من فوائده، ومات ابن جامع قبله وعاش أبي بعده. أخبرني عبد الله بن الربيع الربيعي قال حدثتني خديجة بنت هارون بن عبد الله بن الربيع قالت حدثتني خمار جارية أبي وكانت قندهارية، اشتراها جدي عبد الله وهي صبية ريض من آل يحيى بن معاذ بمائتي ألف درهم قالت: ألقى علي إبراهيم الموصلي لحنه في هذين البيتين:

إذا سرها أمرٌ وفيه مسـاءتـي

 

قضيت لها فيما تريد على نفسي

وما مر يومٌ أرتجي فـيه راحةً

 

فأذكره إلا بكيت علـى أمـس

الشعر لأبي حفص الشطرنجي، والغناء لإبراهيم ثقيل أول بالوسطى- فسمعني ابن جامع يوماً وأنا أغنيه، فسألني: ممن أخذته؟ فأخبرته، فقال: أعيديه، فأعدته مراراً، وما زال ابن جامع يتنغم به معي حتى ظننت أنه قد أخذه، ثم كان كلما جاءنا قال لي: يا صبية، غني ذلك الصوت، فكان صوته علي.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال قال مخارق: أذن لنا أمير المؤمنين الرشيد أن نقيم في منازلنا ثلاثة أيام، وأعلمنا أنه مشتغل فيها مع الحرم، فمضى الجلساء أجمعون إلى منازلهم- وأخبرني وسواسة وهو أحمد بن محمد بن إسماعيل بن إبراهيم الموصلي بهذا الخبر فقال حدثني أبي عن أبيه عن مخارق قال: اشتغل الرشيد يوماً واصطبح مع الحرم وقد أصبحت السماء متغيمة، فانصرفنا إلى منازلنا. ولم يذكر في الخبر ما ذكره عمر بن شبة مما قدمت ذكره، واتفقا هاهنا في أكثر الحكايات، واللفظ فأكثره لرواية ابن الموصلي – قال مخارق: وأصبحت السماء متغيمة تطش طشاً خفيفاً، فقلت: والله لأذهبن إلى أستاذي إبراهيم فأعرف خبره ثم أعود، فأمرت من عندي أن يسووا مجلساً لنا إلى وقت رجوعي، فجئت إلى إبراهيم الموصلي فإذا الباب مفتوح والدهليز قد كنس والبواب قاعد، فقلت: ما خبر أستاذي. فقال: ادخل، فدخلت فإذا هو جالس في رواق له وبين يديه قدورٌ تغرغر وأباريق تزهر، والستارة منصوبة والجواري خلفها، وإذا قدامه طستٌ فيه رطلية وكوزٌ وكأس، فدخلت أترنم ببعض الأصوات، وقلت له: ما بال الستارة لست أسمع من ورائها صوتاً. فقال: اقعد ويحك! إني أصبحت على الذي ظننت، فأتاني خبر ضيعة تجاورني، قد والله طلبتها زماناً وتمنيتها فلم أملكها، وقد أعطي بها مائة ألف درهم، فقلت: وما يمنعك منها؟ فوالله لقد أعطاك الله أضعاف هذا المال وأكثر، قال: صدقت، ولكن لست أطيب نفساً أن أخرج هذا المال، فقلت: فمن يعطيك الساعة مائة ألف درهم؟ والله ما أطمع في ذلك من الرشيد، فكيف بمن دونه! فقال: اجلس، خذ هذا الصوت، ونقر بقضيب معه على الدواة وألقى علي:

نام الخليون من هم ومن سـقـم

 

وبت من كثرة الأحزان لـم أنـم

يا طالب الجود والمعروف مجتهداً

 

اعمد ليحني حليف الجود والكرم

– الشعر لأبي النضير، والغناء لإبراهيم الموصلي ثقيل أول بالبنصر – قال: فأخذته فأحكمته، ثم قال لي: امض الساعة إلى باب الوزير يحيى بن خالد، فإنك تجد الناس عليه وتجد الباب قد فتح ولم يجلس بعد، فاستأذن عليه قبل أن يصل إليه أحد، فإنه سينكر عليك مجيئك ويقول: من أين أقبلت في هذا الوقت؟ فحدثه بقصدك إياي وما ألقيت إليك من خبر الضيعة، وأعلمه أني صنعت هذا الصوت وأعجبني، ولم أر أحداً يستحقه إلا فلانة جاريته، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته لتطرحه عليها، فسيدعو بها ويأمر بالستارة أن تنصب ويوضع له كرسي ويقول لك: اطرحه عليها بحضرتي، فافعل وأتني بالخبر بعد ذلك. قال: فجئت باب يحيى فوجدته كما وصف، وسألني فأعلمته ما أمرني به، ففعل كل شيء قاله لي إبراهيم، وأحضر الجارية فألقيته عليها، ثم قال لي: تقيم عندنا يا أبا المهنأ أو تنصرف؟ فقلت: أنصرف أطال الله بقاءك فقد علمت ما أذن لنا فيه، قال: يا غلام، احمل مع أبي المهنأ عشرة آلاف درهم، واحمل إلى أبي إسحاق مائة ألف درهم ثمن هذه الضيعة، فحملت العشرة الآلاف الدرهم إلي، وأتيت منزلي فقلت: اسر يومي هذا وأسر من عندي، ومضى الرسول إليه بالمال، فدخلت منزلي ونثرت على من عندي من الجواري دراهم من تلك البدرة، وتوسدتها وأكلت وشربت وطربت وسررت يومي كله، فلما أصبحت قلت: والله لآتين استاذي ولأعرفن خبره، فأتيته فوجدت الباب كهيئته بالأمس، ودخلت فوجدته على مثل ما كان عليه، فترنمت وطربت فلم يتلق ذلك بما يجب، فقلت له: ما الخبر؟ ألم يأتك المال؟ قال: بلى! فما كان خبرك أنت بالأمس؟ فأخبرته بما كان وهب لي وقلت: ما ينتظر من خلف الستارة، فقال: ارفع السجف فرفعته فإذا عشر بدر، فقلت: وأي شيء بقي عليك في أمر الضيعة؟ قال: ويحك! ما هو والله إلا أن دخلت منزلي حتى شححت عليها فصارت مثل ما حويت قديماً، فقلت: سبحان الله العظيم! فتصنع ماذا! قال: قم حتى ألقي عليك صوتاً صنعته يفوق ذلك الصوت ة فقمت وجلست بين يديه، فألقى علي:

ويفرح بالمولـود مـن آل بـرمـكٍ

 

بغاة الندى والسيف والرمح ذو النصل

وتنبسط الآمـال فـيه لـفـضـلـه

 

ولا سيما إن كان من ولد الفـضـل

الشعر لأبي النضير. والغناء لإبراهيم ثقيلٌ أول بالبنصر عن الهشامي، وذكر عمرو بن بانة أنه لإسحاق، وهو الصحيح. وفيه خفيف ثقيلٍ، أظنه لحن إبراهيم. أخبرني إسماعيل بن يونس عن عمر بن شبة عن إسحاق أن أباه صنع هذا الصوت في طريقة خفيف الثقيل وعرضه على الفضل، فاستحسنه وأمر مخارقاً بإلقائه على جواريه فألقاه على مراقش وقضيب فأخذتاه عنه – قال مخارق: فلما ألقى علي الصوت سمعت ما لم أسمع مثله قط، وصغر عندي الأول فأحكمته، ثم قال: انهض الساعة إلى الفضل بن يحيى، فإنك تجده لم يأذن لأحد بعد، وهو يريد الخلوة مع جواريه اليوم، فاستأذن عليه وحدثه بحديثنا أمس، وما كان من أبيه إلينا وإليك، وأعلمه أني قد صنعت هذا الصوت وكان عندي أرفع منزلةً من الصوت الذي صنعته بالأمس، وأني ألقيته عليك حتى أحكمته ووجهت بك قاصداً لتلقيه على فلانة جاريته، فصرت إلى باب الفضل فوجدت الأمر على ما ذكر، فاستأذنت فوصلت، وسألني: ما الخبر؟ فأعلمته بخبري في اليوم الماضي وما وصل إلي وإليه من المال، فقال: أخزى الله إبراهيم فما أبخله على نفسه!، ثم دعا خادماً فقال: اضرب الستارة فضربها، فقال لي: ألقه، فلما غنيته لم أتمه حتى أقبل يجر مطرفه، ثم قعد على وسادة دون الستارة، وقال: أحسن والله أستاذك وأحسنت أنت يا مخارق، فلم أخرج حتى أخذته الجارية وأحكمته، فسر بذلك سروراً شديداً، وقال: أقم عندي اليوم! فقلت: يا سيدي إنما بقي لنا يومٌ واحد، ولولا أني احب سرورك لم أخرج من منزلي، فقال: يا غلام احمل مع أبي المهنأ عشرين ألف درهم واحمل إلى إبراهيم مائتي ألف درهم، فانصرفت إلى منزلي بالمال، ففتحت بدرة فنثرت منها على الجواري وشربت وسررت أنا ومن عندي يومنا، فلما أصبحت بكرت إلى إبراهيم أتعرف خبره واعرفه خبري، فوجدته على الحال التي كان عليهاأولاً وآخراً، فدخلت أترنم واصفق، فقال لي: ادن، فقلت: ما بقي؟ فقال: اجلس وارفع سجف هذا الباب فإذا عشرون بدرة مع تلك العشر، فقلت: ما تنتظر الآن؟ فقال: ويحك! ما هو والله إلا أن حصلت حتى جرت مجرى ما تقدم؛ فقلت: والله ما أظن أحداً نال في هذه الدولة ما نلته! فلم تبخل على نفسك بشيء تمنيته دهراً وقد ملكك الله أضعافه! ثم قال: اجلس فخذ هذا الصوت، وألقى علي صوتاً أنساني والله صوتي الأولين:

أفي كل يوم أنت صبٌ ولـيلةٍ

 

إلى أم بكر لا تفيق فتقصـر

أحب على الهجران أكناف بيتها

 

فيالك من بيتٍ يحب ويهجـر

إلى جعفرٍ سارت بنا كل جسرةٍ

 

طواها سراها نحوه والتهجـر

إلى واسعٍ للمجتـدين فـنـاؤه

 

تروح عطاياه عليهم وتبـكـر

– الشعر لمروان بن أبي حفصة يمدح به جعفر بن يحيى. والغناء لإبراهيم، ولم تقع إلينا طريقته- قال مخارق: ثم قال لي إبراهيم: ها! سمعت مثل هذا؟ فقلت: ما سمعت قط مثله. فلم يزل يردده علي حتى أخذته، ثم قال لي: امض إلى جعفر فافعل به كما فعلت بأخيه وأبيه، قال: فمضيت ففعلت مثل ذلك وخبرته ما كان منهما وعرضت عليه الصوت، فسر به ودعا خادماً فأمره بضرب الستارة وأحضر الجارية وقعد على كرسي، ثم قال: هات يا مخارق، فاندفعت فألقيت الصوت عليها حتى أخذته، فقال: أحسنت والله يا مخارق وأحسن أستاذك، فهل لك في المقام عندنا اليوم؟ فقلت: يا سيدي هذا آخر أيامنا، وإنما جئت لموقع الصوت مني حتى ألقيته على الجارية، فقال: يا غلام احمل معه ثلاثين ألف درهم وإلى الموصلي ثلثمائه ألف درهم، فصرت إلى منزلي بالمال، فأقمت ومن معي مسرورين نشرب بقية يومنا ونطرب، ثم بكرت إلى إبراهيم فتلقاني قائماً وقال لي: أحسنت يا مخارق، فقلت: ما الخبر؟ فقال: اجلس فجلست، فقال لمن خلف الستارة: خذوا فيما أنتم فيه، ثم رفع السجف فإذا المال، فقلت: ما خبر الضيعة؟ فأدخل يده تحت مسورة هو متكىء عليها فقال: هذا صك الضيعة، سئل عن صاحبها فوجد ببغداد، فاشتراها منه يحيى بن خالد، وكتب إلى: قد علمت أنك لا تسخو نفساً بشراء الضيعة من مال يحصل لك ولو حيزت لك الدنيا كلها، وقد ابتعتها لك من مالي ووجهت لك بصكها، ووجه إلي بصكها وهذا المال كما ترى، ثم بكى وقال لي: يا مخارق إذا عاشرت فعاشر مثل هؤلاء، وإذا خنكرت فخنكر لمثل هؤلاء، هذه ستمائة ألف وضيعةٌ بمائة ألف وستون ألف درهم لك، حصلنا ذلك أجمع وأنا جالس في مجلسي لم أبرح منه، فمتى يدرك مثل هؤلاء!.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال أخبرني أبي عن إسحاق قال: كان موسى الهادي شكس الأخلاق صعب المزاج، من توقاه وعرف أخلاقه أعطاه ما أمل، ومن فتح فاه فاتفق له أن يفتحه بغير ما يهواه أقصاه واطرحه، فكان لا يحتجب عن ندمائه ولا عن المغنين، وكان يكثر جوائزهم وصلاتهم ويواترها، فتغنى أبي عنده يوماً، فقال له: يا إبراهيم غنني جنساً من الغناء ألذ به وأطرب له ولك حكمك، فقال: يا أمير المؤمنين، إن لم يقابلني زحل ببرده رجوت أن أصيب ما في نفسك. قال: وكنت لا أراه يصغي إلى شيء من الأغاني إصغاءه إلى النسيب والرقيق منه، وكان مذهب ابن سريج عنده أحمد من مذهب معبد، فغنيته:

وإني لتعروني لـذكـراك هـزةٌ

 

كما انتفض العصفور بلله القطر

فضرب بيده إلى جيب دراعته فحطها ذراعاً، ثم قال: أحسنت والله! زدني، فغنيت:

فيا حبها زدني جوى كل لـيلةٍ

 

ويا سلوة الأيام موعدك الحشر

فضرب بيده إلى دراعته فحطها ذراعا آخر أو نحوه، وقال: زدني ويلك! أحسنت والله، ووجب حكمك يا إبراهيم؟ فغنيت:

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

 

وزرتك حتى قيل ليس له صبـر

فرفع صوته وقال: أحسنت، لله أبوك! هات ما تريد، قلت: يا سيدي، عين مروان بالمدينة، فدارت عيناه في رأسه حتى صارتا كأنهما جمرتان، وقال: يا بن اللخناء أردت أن تشهرني بهذا المجلس فيقول الناس: أطربه فحكمه، فتجعلني سمراً وحديثاً! يا إبراهيم الحراني: خذ بيد هذا الجاهل إذا قمت، فأدخله في بيت مال الخاصة، فإن أخذ كل ما فيه فخله وإياه، فدخلت فأخذت خمسين ألف دينار.

عجبت لسعي الدهر بيني وبينها فلما انقضى ما بيننا سكن الدهر

فيا حبها زدني جـوًى كـل لـيلة

 

ويا سلوة الأيام موعدك الحشـر

ويا هجر ليلى قد بلغت بي المدى

 

وزدت على ما ليس يبلغه الهجر

وإني لتعروني لـذكـراك هـزةٌ

 

كما انتفض العصفور بلله القطر

هجرتك حتى قيل لا يعرف الهوى

 

وزرتك حتى قيل ليس له صبـر

أما والذي أبكي وأضحك والـذي

 

أمات وأحيا والذي أمـره أمـر

لقد تركتني أحسد الوحش أن أرى

 

أليفين منها لا يروعهما الـذعـر          

الشعر لأبي صخر الهذلي. والغناء لمعبد، وأول لحنه و يا هجر ليلى وبعده الثاني ثم الأول من الأبيات ثاني ثقيل بالبنصر عن عمرو. ولابن سريج في السادس والسابع والرابع والخامس ثقيلٌ أول عن الهشامي ولعريب في السادس والسابع والرابع والخامس ثقيلٌ أول أيضاً، وللواثق فيها رمل، وهو مما صنعه الواثق قبلها فعارضته بلحنها. وقد نسب قومٌ لحن معبد إلى ابن سريج ولحن ابن سريج إلى معبد.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: اشترى جدك إبراهيم لجعفر بن يحيى جارية مغنية بمال عظيم، فقال جعفر: أي شيء تحسن هذه الجارية حتى بلغت بها هذا المال كله؟ قال: لو لم تحسن شيئاً إلا أنها تحكي قولي:

لمن الديار ببرقة الروحان

لكانت تساويه وزيادةً، فضحك جعفر وقال: أفرطت!

لمن الديار ببرقة الروحـان

 

إذ لا نبيع زماننا بـزمـان

صدع الغواني إذ رمين فؤاده

 

صدع الزجاجة ما لذاك تدان

إن زرت أهلك لم أنول حاجةً

 

وإذا هجرتك شفني هجراني

الغناء لمعبد، فيما ذكره الهشامي وأحمد بن المكي، ثقيل أول بالوسطى، ونسبه غيرهما إلى حنين، وقال آخرون: إنه للغريض، وذكر حبش أنه ليزيد حوراء. وفيه لإبراهيم خفيف رملٍ بالبنصر.

أخبرني الحسين عن حماد قال قال لي أبي: صنع جدك تسعمائة صوتٍ، منها دينارية، ومنها درهمية، ومنهما فلسية، وما رأيت أكثر من صنعته، فأما ثلثمائةٍ منها فإنه تقدم الناس جميعاً فيها، وأما ثلثمائةٍ، فشاركوه وشاركهم فيها، وأما الثلثمائةٍ الباقية، فلعبٌ وطرب، قال: ثم أسقط أبي الثلثمائة الآخرة بعد ذلك من غناء أبيه، فكان إذا سئل عن صنعة أبيه قال: هي ستمائة صوت.

وقال أحمد بن حمدون قال لي إسحاق: من غناء أبي الذي أكرهه وأستزريه صوته في شعر العباس بن الأحنف:

أبكي ومثلي بكى من حب جاريةٍ

فما أعلم له فيه معنًى إلا استحسانه للشعر، فإن العباس أحسن فيه جداً.

أبكي ومثلي بكى من حب جاريةٍ

 

لم يخلق الله لي في قلبها لـينـا

هل تذكرين وقوفي عند بابـكـم

 

نصف النهار وأهل الدار لا هونا

الشعر للعباس بن الأحنف، والغناء لإبراهيم خفيف رملٍ بالوسطى.
أخبرني جحظة قال أخبرني حماد بن إسحاق قال: قال رجل لأبي: أخبرني عنك، لم طعنت على أبيك في صنعته:

قال لي فيها عشيق مقالاً

 

فجرت مما يقول الدموع

قال: لأنه تعرض لابن عائشة وله في هذا الشعر صنعةٌ، وابن عائشة ممن لا يعارض فلم يقاربه، وعلى أن صنعة أبي من جيد الغناء لو كان صنعها في غير هذا الشعر، ولكنها اقترنت بصنعة ابن عائشة فلم تقاربها، فسقط عندي لذلك.

قال لي فيها عتيقٌ مقـالاً

 

فجرت مما يقول الدموع

قال لي ودع سليمى ودعها

 

فأجاب القلب لا أستطيع

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. والغناء لمعبد ثقيلٌ أول بالوسطى عن عمرو، وقيل: إنه لابن عائشة. وفيه ثاني ثقيلٍ ينسب إلى الهذلي. وفيه خفيف ثقيلٍ ينسب إلى ابن عائشة وإلى إبراهيم.

أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق عن أبيه قال: دخلت الري فكنت آلف فتياناً من أهل النعم بها وهم لا يعرفونني، فطال ذلك علي إلى أن دعاني أحدهم ليلةً إلى منزله فبت عنده، فأخرج جاريةً له ومد لها ستارةً فتغنت خلفها، فرأيتها صالحة الأداء كثيرة الرواية، فشوقتني إلى العراق وذكرتني أيامي بها، فدعوت بعود، فلما جيء به اندفعت فغنيت صوتي في شعري:

أنا بالـري مـقـيم

 

في قرى الري أهيم

وقد كنت صنعت هذا اللحن قديماً بالري، فخرجت الجارية من وراء الستارة مبادرةً إلي، فأكبت على رأسي وقالت: أستاذي والله!، فقال لها مولاها: أي أستاذيك هذا. قالت: إبراهيم الموصلي؛ فإذا هي إحدى الجواري اللاتي أخذن عني وطال العهد بها، فأكرمني مولاها وبرني وخلع علي، فأقمت مدة بغد ذلك بالري وانتشر خبري بها، ثم كتب بحملي إلى والي البلد فأشخصت أخبرني الحسن قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أبو توبة صالح بن محمد قال حدثني القطراني عن محمد بن جبر عن يحيى المكي قال: كنا يوماً بين يدي المهدي وقد حبس إبراهيم الموصلي وضربه وأمر بأن يلبس جبة صوف، وكان يخرج على تلك الحال فيطرح على الجواري، فكتب إلينا ذات يوم، ونحن مصطبحون وقد جادت السماء بمطر صيف، وبحضرتنا شيء من ورد مبكر:

ألا من مبلغٌ قـومـاً

 

من أخواني وجيراني

هنيئاً لكم الـشـرب

 

على وردٍ وتهـتـان

وأني مفـردٌ وحـدي

 

بأشجاني وأحزانـي

فمن جف له جـفـنٌ

 

فجفـنـاي يسـيلان

قال: فوقف المهدي على رقعته وقرأها فرق له وأمر بطلبه في الوقت، ثم أطلقه بعد بأيام.
أخبرني الحسن قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك قال حدثني ابن المكي عن أبيه قال: كانت لعليٍّ اليماني جاريةٌ فهويها إبراهيم واستهيم بها زماناً، وقال فيها:

كنت حرًا فصرت عبد اليماني

 

من هوى شادنٍ هواه برانـي

هو نصفان من قضيبٍ ودعصٍ

 

زان صدر القضيب رمانتـان

اللحن لإبراهيم في هذين البيتين ثاني ثقيلٍ بالبنصر عن عمرو. وقد زعم قوم أن الشعر للحسين بن الضحاك.
أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة عن إسحاق قال: كان بعض أهل نهيك قد تعاطى الغناء، فلما ظن أنه قد أحكمه شاورني وأبي حاضرٌ، فقلت له: إن قبلت مني فلا تغن فلست فيه كما أرضى، فصاح أبي علي صيحةً شديدةً ثم قال لي: وما يدريك يا صبي! ثم أقبل على الرجل فقال: أنت يا حبيبي بضد ما قال، وإن لزمت الصناعة برعت فيها، فلما خلا بي قال لي: يا أحمق! ما عليك أن يخزي الله مائة ألف مثل هذا! هؤلاء أغنياء ملوك، وهم يعيروننا بالغناء، فدعهم يتهتكوا به ويعيروا ويفتضحوا ويحتاجوا إلينا فننتفع بهم، ويبين فضلنا لدى الناس بأمثالهم. قال: ولزمه النهيكي يأخذ عنه ويبره فيجزل، فكان إذا غنى فأحسن قال له: بارك الله فيك، وإذا أساء قال: بارك الله عليك، وكثر ذلك منه حتى عرف النهيكي معناه فيه، فغنى يوماً وأبي ساهٍ عنه فسكت ولم يقل له شيئاً، فقال له: جعلت فداك، يا أستاذي، أهذا الصوت من اصوات فيك أم عليك؟ فضحك أبي ولم يكن علم أنه قد فطن لقوله، ثم قال له: والله لأقبلن عليك حتى تصير كما تشتهي، فإنك ظريفٌ أديب، وعني به حتى حسن غناؤه وتقدم. وفيه يقول أبي:

أوجب الله لـك الـح

 

ق على مثلي بظرفك

لن تراني بعـد هـذا

 

ناطقاً إلا بوصـفـك

وترى القـوة فـيمـا

 

تشتهيه بعد ضعفـك

أخبرني إسماعيل قال حدثني عمر بن شبة عن إسحاق، أخبرني به الصولي عن عون بن محمد عن إسحاق قال: غنى مخارقٌ بين يدي الرشيد صوتاً فأخطأ في قسمته، فقلت له: أعد فأعاده، وكان الخطأ خفياً، فقلت للرشيد: يا سيدي، قد أخطأ فيه، فقال لإبراهيم بن المهدي: ما تقول فيما ذكره إسحاق؟ قال: ليس الأمر كما قال، ولا ها هنا خطأ، فقلت له: أترضى بأبي؟ قال: إي والله، وكان أبي في بقايا علة، فأمر الرشيد بإحضاره ولو محمولاً، فجيء به في محفة، فقال لمخارق: أعد الصوت، فأعاده: فقال: ما عندك يا إبراهيم في هذا الصوت؟ فقال: قد أخطأ فيه، فقال له: هكذا قال ابنك إسحاق، وذكر أخي إبراهيم أنه صحيح، فنظر إلي ثم قال: هاتوا دواةً، فأتي بها وكتب شيئاً لم يقف عليه أحد ثم قطعه ووضعه بين يدي الرشيد، وقال لي: اكتب بذكر الموضع الفاسد من قسمة هذا الصوت، فكتبته وألقيته فقرأه وسر، وقام فألقاه بين يدي الرشيد، فإذا الذي قلناه جميعا متفق، فضحك وعجب، ولم يبق أحدٌ في المجلس إلا قرظ وأثنى ووصف، ولا أحدٌ خالف إلا خجل وذل وأذعن. وقال أبي في ذلك:

ليت من لا يحسن العل

 

م كفانا شر علـمـه

فاخبر الحق ابـتـداءً

 

وقس العلم بفهـمـه

طيب الريحان لا تع

 

رفـه إلا بـشـم

             

حدثني جحظة قال حدثني هبة الله، وحدثني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: غنى أبى يوماً بحضرة الرشيد:

سلي هل قلاني من عشيرٍ صحبته

 

وهل ذم رحلي في الرفاق رفيق

فطرب واستعاده وأمر له بعشرين ألف درهم، فلما كان بعد سنين، خطر ببالي ذلك الصوت وذكرت قصته، فغنيته إياه، فطرب وشرب، ثم قال لي: يا إسحاق، كأني في نفسك ذكرت حديث أبيك وأني أعطيته ألف دينار على هذا الصوت فطمعت في الجائزة!، فضحكت ثم قلت: والله يا سيدي ما أخطأت، فقال: قد أخذ ثمنه أبوك مرةً فلا تطمع، فعجبت من قوله، ثم قلت: يا سيدي، قد أخذ أبي منك أكثر من مائتي ألف دينار ما رأيتك ذكرت منها غير هذا الألف على بختي أنا، فقال: ويحك! أكثر من مائتي ألف دينار؟! قلت: إي والله!، فوجم وقال: أستغفر الله من ذلك، ويحك! فما الذي خلف منها؟ قلت: خلف علي ديوناً مبلغها خمسة آلاف دينار قضيتها عنه، فقال: ما أدري أينا أشد تضييعاً! والله المستعان.

سلي هل قلاني من عشيرٍ صحبته

 

وهل ذم رحلي في الرفاق رفيق

وهل يحتوي القوم الكرام صحابتي

 

إذا اغبر مخشي الفجاج عمـيق

ولو تعلمين الغيب أيقنت أنـنـي

 

لكم والهدايا المشعرات صـديق

الشعر ينسب إلى مضرس بن قرط الهلالي وإلى قيس بن ذريح، وفيه بيت يقال: إنه لجرير. والغناء مختلطٌ في أشعار الثلاثة المذكورين، ونسبته تأتي في أخبار قيس بن ذريح، إلا أن الغناء في هذه الثلاثة الأبيات لمعبد ثقيلٌ أول بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق.
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثتني نشوة الأشنانية قالت أخبرني أبو عثمان يحيى المكي قال: تشوق يوماً إبراهيم الموصلي إلى سرداب له، وكانت فيه بركة ماء تدخل من موضع إليه وتخرج إلى بستان، فقال: أشتهي أن أشرب يومي وأبيت ليلتي في هذا السرداب ففعل ذلك، فبينا هو نائم في نصف الليل فإذا سنورتان قد نزلتا من عرجة السرداب، بيضاء وسوداء، فقالت إحداهما: أتراه نائماً؟ فقالت السوداء: هو نائم، فاندفعت السوداء فغتت بأحسن صوت:

عفا مزج إلى لـصـقٍ

 

إلى الهضبات من هكر

إلى قاع النقـير إلـى

 

قرار حلال في حـدر

قال: فمات إبراهيم فرحا وقال: يا ليتهما أعاداه! فأعاداه مراراً حتى أخذه، ثم تحرك فقامت السنورتان، وسمع إحداهما تقول للأخرى: والله لا طرحه على أحد إلا جن، فطرحه من غٍد على جارية له فجنت. الغناء فيه لمالكٍ ثقيلٌ أول بالوسطى عن يحيى المكي وعمرو بن بانة.

أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال: حدثني أبو محمد إسحاق بن إبراهيم عن أبيه قال: أتيت الفضل بن يحيى يوماً، فقلت له: يا أبا العباس، جعلت فداك! هب لي دراهم فإن الخليفة قد حبس يده، فقال: ويحك يا أبا إسحاق! ما عندي مال أرضاه لك، ثم قال: هاه، إلا أن ها هنا خصلةً أتانا رسول صاحب اليمن فقضينا حوائجه، ووجه إلينا بخمسين ألف دينار يشتري لنا بها محبتنا، فما فعلت ضياء جاريتك. قلت: عندي، جعلت فداك!، قال: فهو ذا، أقول لهم يشترونها منك فلا تنقصها من خمسين ألف دينار، فقبلت رأسه ثم انصرفت، فبكر علي رسول صاحب اليمن ومعه صديق لي، فقال: جاريتك فلانة عندك؟ فقلت: عندي، فقال: اعرضها علي، فأخرجتها، قال: بكم؟ قلت: بخمسين ألف دينار ولا أنقص منها ديناراً واحداً، وقد أعطانيبها الفضل بن يحيى أمس هذه العطية، فقال لي: أريدها له، فقلت له: أنت أعلم، إذا اشتريتها فصيرها لمن شئت، فقال لي: هل لك في ثلاثين ألف دينار مسلمةٍ لك؟ قال: وكان شراء الجارية على أربعمائة دينار، فلما وقع في أذني ذكر ثلاثين ألفاً أرتج علي ولحقني زمعٌ، وأشار علي صديقي الذي معه البيع، وخفت والله أن يحدث بالجارية حدثٌ أو بي بالفضل بن يحيى، فسلمتها وأخذت المال، ثم بكرت على الفضل بن يحيى، فإذا هو جالس وحده ة فلما نظر إلي ضحك، ثم قال لي: يا ضيق الحوصلة! حرمت نفسك عشرين ألف دينارة، فقلت له: جعلت فداك، دع ذا عنك، فوالله لقد دخلني شيء أعجز عن وصفه وخفت أن تحدث بي حادثة أو بالجارية أو بالمشتري أو بك، أعاذك الله من كل سوء، فبادرت بقبول الثلاثين ألف دينار، فقال: لا ضير، يا غلام جيء بالجارية، فجاء بجاريتي بعينها، فقال: خذها مباركاً لك فيها، فإنما أردنا منفعتك ولم نرد الجارية، فلما نهضت، قال لي: مكانك، ونفذنا كتبه، وذكر أنه قد جاءنا بثلاثين ألف دينار يشتري لنا بها ما نحب، فاعرض عليه جاريتك هذه ولا تنقصها من ثلاثين ألف دينار، إن صاحب إرمينية قد جاءنا فقضينا حوائجه فانصرفت بالجارية وبكر إلي رسول صاحب إرمينية ومعه صديقٌ، لي آخر، فقاولني بالجارية، فقلت: لست أنقصها من ثلاثين ألف دينار، فقال لي: معي على الباب عشرون ألف دينار تأخذها مسلمة، بارك الله لك فيها، فدخلني والله مثل الذي دخلني في المرة الأولى وخفت مثل خوفي الأول، فسلمتها وأخذت المال، وبكرت على الفضل بن يحيى فإذا هو وحده ة فلما رآني ضحك وضرب برجله الأرض وقال: ويحك! حرمت نفسك عشرة آلاف دينار، فقلت: أصلحك الله، خفت والله ما خفت في المرز الأولى ة قال: لا ضير، أخرج يا غلام جاريته ة فجاء بجاريتي بعينها، فقال: خذها، ما أردناها ولا أردنا إلا منفعتك، فلما ولت الجارية صحت بها: ارجعي فرجعت، فقلت: أشهدك، جعلت فداك، أنها حرة لوجه الله وأني قد تزوجتها على عشرة آلاف درهم، كسبت لي في يومين خمسين ألف دينار، فما جزاؤها إلا هذا، فقال: وفقت إن شاء الله.

أخبرني الحسن بن علي قال أخبرني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق قال قال لي أبي: كنت في شبابي ألازم أصحاب قطربل وباري وبنى وما أشبه هذه المنازل، فأتخذ فيهم الخمار اللطيف، يحسبوني بالشراب الجيد ويخبؤه لي، فجئت إلى باري يوماً فلقيني خماري، فقال لي: يا أبا إسحاق عندي شيء من بابتك، وقد كنت عملت لحني هذا:

اشرب الراح وكن في

 

شربك الراح وقورا

فاشرب الراح رواحاً

 

وظلامـاً وبـكـورا

الشعر والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالسبابة في مجرى الوسطى. وفيه لمنصور زلزل الضارب خفيف رملٍ عن حبش- قال: فدخلت بيته وبزلت دنه وجعلت أرجع الصوت، فبهت ينظر إلي والنبيذ يجرى حتى امتلأ الإناء وفاض، فقلت له: ويحك! شراب! قد فاض، فقال: دعني من شرابي، بالله مات لك إنسان في هذه الأيام؟ فقلت: لا، قال: فما بال حلقك هذا حزيناً أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني حماد بن إسحاق عن عمه طياب بن إبراهيم قال: دخلت على أبي يوماً وعنده مخارق وأبي يلقي عليه هذا الصوت:

طربت وأنت معـنـيٌّ كـئيب

 

وقد يشتاق ذو الحزن الغـريب

وشاقك بالموقـر أهـل خـاخ

 

فلا أممٌ هـنـاك ولا قـريب

وكم لك دونها من عرض أرضٍ

 

كأن سرابها الجاري سـبـيب

لعمرك إننـي بـرقـيم قـيس

 

وجارة أهلها لأنـا الـحـريب

– الشعر للأحوص، والغناء لإبراهيم ماخوريٌ بالبنصر عن عمرو- قال: فلما أخذه مخارق جعل أبي يبكي، ثم قال له: يا مخارق، نعم وسيلة إبليس أنت في الأرض، أنت والله بعدي صاحب اللواء في هذا الشأن.
أخبرني الحسن بن علي وعمي قالا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك عن إسحاق قال: لما صنع أبي لحنه في:

ليت هنداً أنجزتنا ما تعد

 

وشفت أنفسنا مما تجد

خاصمته وعنته في صنعته، وقلت له: أما بإزائك من ينتقد أنفاسك ويعيب محاسنك وأنت لا تفكر، تجيء إلى صوت قد عمل فيه ابن سريج لحناً فتعارضه بلحن لا يقاربه والشعر أوسع من ذلك! فدع ما قد اعتورته صناعة القدماء وخذ في غيره، فغضب، وكنت لا أزال أفاخره بصنعتي وأعيب ما يعاب من صنعته، فإن قبل مني فذلك، وإن غضب داريته وترضيته، فقال لي: ما يعلم الله أني أدعك أو تفاخرني بخير صوتٍ صنعته في الثقيل الثاني في طريقة هذا الصوت، فلما رأيت الجد منه اخترت صنعتي في هذا اللحن:

قل لمن صد عاتبا

 

ونأى عنك جانبـا

قد بلغت الذي أرد

 

ت وإن كنت لاعبا

وكان ما تجاريناه ونحن نتساير خارجين إلى الصحراء نقطع فضلة خمار بنا، فقال: من تحب أن يحكم بيني وبينك. فقلت: من ترى أن يحكم ها هنا. قال: أول من يطلع علينا، أغنيه لحني وتغنيه لحنك، فطمعت فيه وقلت نعم، فأقبل شيخ نبطيٌ يحمل شوكاً على حمار له، فأقبل عليه أبي فقال: إني وصاحبي هذا قد تراضينا بك في شيء، قال: وأي شيء هو؟ فقلنا: زعم كل واحد منا أنه أحسن غناءً من صاحبه، فتسمع مني ومنه وتحكم، فقال: على اسم الله، فبدأ أبي فغنى لحنه، وتبعته فغنيت لحني، فلما فرغت أقبل علي فقال لي: قد حكمت عليك عافاك الله ومضى، فلطمني أبي لطمةً ما مر بي مثلها منه قط، وسكت فما أعدت عليه حرفاً لا راجعته بعد ذلك في هذا المعنى حتى افترقنا.

ليت هنداً أنجزتنا ما تـعـد

 

وشفت أنفسنا ممـا تـجـد

واستـبـدت مـرة واحـدةً

 

إنما العاجز من لا يستـبـد

زعموها سألت جاراتـهـا

 

ذات يوم وتعرت تبـتـرد

أكما ينعتني تبصـرنـنـي

 

عمركن الله أم لا يقتـصـد

فتضاحكن وقد قلـن لـهـا

 

حسن في كل عين من تود

حسداً حملنه من أجـلـهـا

 

وقديماً كان في الناس الحسد

الشعر لعمر بن أبي ربيعة. ولحن إبراهيم فيه ثاني ثقيل بالوسطى. وفيه لابن سريج رمل بالخنصر في مجرى البنصر. وفيه لمالك خفيف ثقيلٍ بالخنصر والبنصر عن يحيى المكي، وذكره إسحاق في هذه الطريقة ولم ينسبه إلى أحد، وقال الهشامي: أدل شيء على أنه لمالك شبهه للحنه:

اسلمي يا دار من هند

وفيه لمتيم ثقيلٌ أول. وأما لحن إسحاق الذي فاخر به صنعة أبيه، فقد كتب شعره والصنعة فيه- وهما جميعاً لإسحاق، ولحنه ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن عمرو- في أخبار إسحاق.
وذكر أحمد بن أبي طاهر أن حماد بن إسحاق حدثه عن أبيه قال: كان الرشيد قد وجد على منصور زنزل لشيء بلغه عنه، فحبسه عشر سنين أو نحوها، فقام الرشيد يوماً لحاجته، فجعل إبراهيم يغني صوتاً صنعه في شعر كان قاله في حبس زلزل، وهو:

هل دهرنا بك راجعٌ يا زلـزل

 

أيام يبغينا العدو الـمـبـطـل

أيام أنت من المـكـاره آمـنٌ

 

والخير متسعٌ علينا مـقـبـل

يا بؤس من فقد الإمام وقربـه

 

ماذا به من ذلة لـو يعـقـل

ما زلت بعدك في الهموم مردداً

 

أبكي بأربعةٍ كأني مـثـكـل

– الشعر والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالوسطى عن عمرو- قال: ودخل الرشيد وهو في ذلك فجلسى في مجلسه، ثم قال: يا إبراهيم، أي شيء كنت تقول؟ فقال: خيراً يا سيدي، فقال: هاته فتلكأ، فغضب الرشيد وقال: هاته فلا مكروه عليك، فرد الغناء، فقال له: أتحب أن تراه؟ فقال: وهل ينشر أهل القبور. فقال: هاتوا زلزلاً، فجاءوا به وقد ابيض رأسه ولحيته فسر به إبراهيم، وأمره فجلس، وأمر إبراهيم فغنى وضرب عليه فزلزلا الدنيا، وشرب الرشيد على ذلك رطلاً وأمر بإطلاق زلزل وأسنى جائزتهما ورضي عنه وصرفه إلى منزله. قال: وزلزلٌ أول من أحدث هذه العيدان الشبابيط، وكانت قديماً على عمل عيدان الفرس، فجاءت عجباً من العجب. قال: وكانت أخت زلزل تحت إبراهيم، وقد ولدت منه.

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: أول من تعلمت منه الغناء مجنونٌ، كان إذا صيح به: يا مضر، يهيج ويرجم، فبلغني أنه يغني أصواتاً فيجيدها، أخذها عن قدماء أهل الحجاز، فكنت أدخله إلي فأطعمه وأسقيه وأخدعه حتى آخذ عنه، وكان حاذقاً، فأول صوت أخذته عنه:

أرسلي بالسلام يا سـلـم إنـي

 

منذ علقتكـم غـنـيٌ فـقـير

فالغنى إن ملكت أمرك والفـق

 

ر بأنـي أزور مـن لا يزور

ويح نفسي! تسلو النفوس ونفسي

 

في هوى الريم ذكرها ما يحور

من لنفس تتوق أنـت هـواهـا

 

وفـؤاد يكـاد فـيك يطــير

ثم مكثت زماناً آخذ عنه، وكان إذا عاد إليه عقله من أحذق الناس وأقومهم على ما يؤديه، ثم غاب عني فما أعرف خبره.
وهذا الشعر للوليد بن يزيد. والغناء ليونس خفيف رمل مطلق في مجرى البنصر عن إسحاق، وذكر غيره أنه لعمر الوادي، وفيه لوجه القرعة ثاني ثقيلٍ بالوسطى عن حبش.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده قال: خرجت مع الرشيد إلى الشأم لما غزا، فدعاني يوماً فدخلت إليه إلى مجلس لم أر أحسن منه مفروشٍ بأنواع الرخام، فأكل وأمرني فأكلت معه، وجعلت أتولى خدمته إلى العصر، ثم دعا بالنبيذ فشرب وسقاني معه، ثم خلع علي خلعة وشى من ثيابه وأمر لي بألف دينار، ثم قال: انظر يا إبراهيم، كم من يدٍ أوليتك إياها اليوم! نادمتني مفرداً، وآكلتني، وخلعت عليك ثيابي من بدني، ووصلتك، وأجلستك في إيوان مسلمة بن عبد الملك تشرب معي، فقلت: يا سيدي، ما ذهب علي شيء من تفضلك، وإن نعمك عندي لأكثر من أن تحصى، وقبلت رجله والأرض بين يديه.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا أحمد بن زهير قال قال دعبل بن علي: لما ولى الرشيد الخلافة وجلس للشرب بعد فراغه من إحكام الأمور ودخل عليه المغنون، كان أول من غناه إبراهيم الموصلي بشعره فيه، وهو:

إذا ظلم البلاد تجـلـلـتـنـا

 

فهارون الإمام لـهـا ضـياء

بهارون استقام العـدل فـينـا

 

وغاض الجور وانفسح الرجاء

رأيت الناس قد سكنوا إليه كما

 

سكنت إلى الحرم الـظـبـاء

تبعت من الرسول سبيل حـقٍّ

 

فشأنك في الأمور به اقتـداء

فقال له الخادم من خلف الستارة: أحسنت يا إبراهيم في شعرك وغنائك، وأمر له بعشرين ألف درهم. لحن إبراهيم في هذا الصوت ثقيلٌ أول بالسبابة والوسطى عن أحمد بن المكي.

أخبرني الحسن بن علي قال حدثني يزيد بن محمد المهلبي قال حدثني أبي قال: كنت أنا وأبو سعيد النهدي وهاشم بن سليمان المغني يوماً مجتمعين في بستان لنا ونحن نشرب وهاشم يغنيناة فلما توسطنا أمرنا إذا نحن برجل فد دخل علينا البستان جميل الهيئة حسن الزي، فلما بصرنا به من بعيد، وثب هاشمٌ يعدو حتى لقيه، فقبل يده وعانقه، ولم يعرفه أحدٌ منا، فجاء وسلم سلام الصديق على صديقه، ثم قال: خذوا في شأنكم، فإني اجتزت بكم فسمعت غناء أبي القاسم فاستخفني وأطربني، فدخلت إليكم واثقاً بأنه لا يعاشر إلا فتى ظريفاً يستحسن هذا الفعل ويسره، ولي في هذا إمام وهو عبد الله بن جعفر بن أبي طالب عليه السلام، فإنه سمع غناء عند قوم فدخل بغير إذن ثم قال: إنما أدخلني عليكم مغنيكم لما غنى:

قل لكرام بـبـابـنـا يلـجـوا

 

ما في التصابي على الفتى حرج

وأنا أعلم أن نفوسكم متعلقة بمعرفتي، فمن عرفني فقد اكتفى، ومن جهلني فأنا إبراهيم الموصلي، فقمنا فقبلنا رأسه وسررنا به أتم سرور، وانعقدت بيننا وبينه يومئذ مودة، ثم غاب عنا غيبةً طويلة، وإذا هاشم قد أنفذ إلينا منه رقعةً فيها:

أهاشم هل لي من سبيل إلى التي

 

تفرق هم النفس في كل مذهب

معتقة صرفاً كأن شعـاعـهـا

 

تضرم نار أو توقـد كـوكـب

ألا رب يوم قد لـهـوت ولـيلةٍ

 

بها والفتى النهدي وابن المهلب

ندير مداماً بـينـنـا بـتـحـية

 

وتفديةٍ بالنـفـس والأم والأب

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان لي وأنا صبي عقعق قد ربيته وكان يتكلم بكل شيء سمعه، فسرق خاتم ياقوت كان لأبي قد وضعه على تكأته ودخل الخلاء ثم خرج ولم يجده، فطلبه وضرب غلامه الذي كان واقفاً، فلم يقف له على خبر، فبينا أنا ذات يوم في دارنا إذ أبصرت العقعق قد نبش ترابا فأخرج الخاتم منه ولعب به طويلًا، ثم رده فيه ودفنه، فأخذته وجئت به إلى أبي، فسر بذلك وقال يهجو العقعق:

إذا بارك الله فـي طـائرٍ

 

فلا بارك الله في العقعق

طويل الدنابى قصير الجناح

 

متى ما يجد غفلةً يسـرق

يقلب عينـين فـي رأسـه

 

كأنهما قطـرتـا زئبـق

أخبرني الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن المكي، وذاكرت أبا أحمد بن جعفر جحظة بهذا الخبر فقال حدثني به محمد بن أحمد بن يحيى المكي المرتجل عن أبيه عن جده، ووجدت هذا الخبر في بعض الكتب عن علي بن محمد بن نصر عن جده حمدون بن إسماعيل فجمعت الروايات كلها: أن الرشيد قال يوماً لجعفر بن يحيى: قد طال سماعنا هذه العصابة على اختلاط الأمر فيها فهلم أقاسمك إياها وأخايرك، فاقتسما المغنين، على أن جحلاً، بإزاء كل رجل نظيره، وكان ابن جامع في حيز الرشيد وإبراهيم في حيز جعفر بن يحيى، وحضر الندماء لمحنة المغنين، وأمر الرشيد ابن جامع فغنى صوتاً أحسن فيه كل الإحسان وطرب الرشيد غاية الطرب، فلما قطعه قال الرشيد لإبراهيم: هات يا إبراهيم هذا الصوت فغنه، فقال: لا والله يا أمير المؤمنين ما أعرفه، وظهر الانكسار فيه، فقال الرشيد لجعفر: هذا واحد، ثم قال لإسماعيل بن جامع: إن يا إسماعيل، فغنى صوتاً ثانياً أحسن من الأول وأرضى في كل حال، فلما استوفاه قال الرشيد لإبراهيم: هاته يا إبراهيم، قال: ولا أعرف هذا، فقال: هذان اثنان، غن يا إسماعيل، فغنى ثالثاً يتقدم الصوتين الأولين ويفضلهما، فلما أتى على آخره، قال: هاته يا إبراهيم، قال: ولا أعرف هذا أيضاً، فقال له جعفر: أخريتنا أخزاك الله. قال: وأتم ابن جامع يومه والرشيد مسرور به، وأجازه بجوائز كثيرةٍ وخلع عليه خلعاً فاخرة، ولم يزل إبراهيم منخذلاً منكسراً حتى انصرف. قال: فمضى إلى منزله، فلم يستقر فيه حتى بعث إلى محمد المعروف بالزف، وكان محمد من المغنين المحسنين، وكان أسرع من عرف في أيامه في أخذ صوت يريده أخذه، وكان الرشيد قد وجد عليه في بعض ما يجده الملوك على أمثاله فألزمه بيته وتناساه، فقال إبراهيم للزف: إني اخترتك على من هو أحب إلي منك، لأمر لا يصلح له غيرك، فانظر كيف تكون! قال: أبلغ في ذلك محبتك إن شاء الله تعالى، فأدى إليه الخبر وقال: أريد أن تمضي الساعة إلى ابن جامع، فتعلمه أنك صرت إليه مهنئاً بما تهيأ له علي، وتنقصني وثثلبني وتشتمني، وتحتال في أن تسمع منه الأصوات وتأخذها منه، ولك ما تحبه من جهتي من عرض من الأعراض مع رضا الخليفة إن شاء الله. قال: فمضى من عنده وآستأذن على ابن جامع فأذن له، فدخل وسلم عليه وقال: جئتك مهنئاً بما بلغني من خبرك، والحمد لله الذي أخزى ابن الجرمقانية على يدك، وكشف الفضل في محلك من صناعتك، قال: وهل بلغك خبرنا؟ قال: هو أشهر من أن يخفى على مثلي، قال: ويحك، إنه يقصر عن العيان، قال: أيها الأستاذ، سرني بأن أسمعه من فيك حتى أرويه عنك، وأسقط بيني وبينك الأسانيدة قال: أقم عندي حتى أفعل، قال: السمع والطاعة، فدعا له ابن جامع بالطعام فأكلا ودعا بالشراب، ثم ابتدأ فحدثه بالخبر حتى انتهى إلى خبر الصوت الأول، فقال له الزف: وما هو أيها الأستاذ؟ فغناه ابن جامع إياه، فجعل محمد يصفق وينعر ويشرب وابن جامع مجتهد في شأنه حتى أخذه عنه. ثم سأله عن الصوت الثاني، فغناه إياه، وفعل مثل فعله في الصوت الأول، ثم كذلك في الصوت الثالث ة فلما أخذ الأصوات الثلاثة كلها وأحكمها قال له: يا أستاذ، قله بلغت ما أحب، فتأذن لي في الانصراف. قال: إذا شئت، فانصرف محمد من وجهه إلى إبراهيم، فلما طلع من باب داره قال له: ما وراءك. قال: كل ما تحب، ادع لي بعود، فدعا له به، فضرب وغناه الأصوات، قال إبراهيم: وأبيك هي بصورها وأعيانها، رددها علي الآن، فلم يزل يرددها حتى صحت لإبراهيم، وانصرف الزف إلى منزله، وغدا إبراهيم إلى الرشيد، فلما دعا بالمغنين دخل فيهم، فلما بصر به قال له: أو قد حضرت! أما كان ينبغيلك أن تجلس في منزلك شهراً بسبب ما لقيت من ابن جامع قال: ولم ذلك يا أمير المؤمنين؟ جعلني الله فداءك! والله لئن أذنت لي أن أقول لأقولن، قال: وما عساك أن تقول؟ قل، فقال: إنه ليس ينبغي لي ولا لغيري أن يراك نشيطاً لشيء فيعارضك، ولا أن تكون متعصباً لحيزٍ وجنبةٍ فيغالبك، وإلا فما في الأرض صوتٌ لا أعرفه، قال: دع ذا عنك، قد أقررت أمس بالجهالة بما سمعت من صاحبنا، فإن كنت أمسكت عنه بالأمس على معرفة كما تقول فهاته اليوم، فليس هاهنا عصبية ولا تمييز، فاندفع فأمر الأصوات كلها، وابن جامع مصغٍ يسمع منه، حتى أتى على آخرها، فاندفع ابن جامع فحلف بالأيمان المحرجة أنه ما عرفها قط ولا سمعها ولا هي إلا من صنعته، ولم تخرج إلى أحد غيره. فقال له: ويحك! فما أحدثت بعدي. قال: ما أحدثت حدثاً، فقال: يا إبراهيم بحياتي اصدقني! فقال: وحياتك لأصدقنك، رميته بحجره، فبعثت له بمحمد الزف وضمنت له ضماناتٍ، أولها رضاك عنه، فمضى فاحتال لي عليه حتى أخذها عنه ونقلها إلي، وقد سقط الآن اللوم عني بإقراره، لأنه ليس علي أن أعرف ما صنعه هو ولم يخرجه إلى الناس، وهذا باب من الغيب، وإنما يلزمني أن يعرف هو شيئاً من غناء الأوائل وأجهله أنا، وإلا فلو لزمني أن أروى صنعته للزمه أن يروى صنعتي، ولزم كل واحد منا لسائر طبقته ونظرائه مثل ذلك، فمن قصر عنه كان مذموماً ساقطاً، فقال له الرشيد: صدقت يا إبراهيم، ونضحت عن نفسك، وقمت بحجتك، ثم أقبل على ابن جامع فقال له: يا إسماعيل، أتيت أتيت! دهيت دهيت! أبطل عليك الموصلي ما فعلته به أمس وانتصف اليوم منك، ثم دعا بالزف فرضي عنه.

قال علي بن محمد: سألت خالي أبا عبد الله بن حمدون وقد تجارينا هذا الخبر: هل تعرف أصوات ابن جامع هذه؟ فأخبرني أنه سمع إسحاق يحكى هذه القصة، وذكر أن الصوت الأول منها:

بكيت نعم بكيت وكل إلفٍ

 

إذا بانت قرينته بكاهـا

وما فارقت لبنى عن تقالٍ

 

ولكن شقوةٌ بلغت مداها

الشعر لقيس بن ذريح. والغناء لابن جامع ثاني ثقيلٍ بالوسطى. وفيه ليحيى المكي ثاني ثقيل آخر بالخنصر والبنصر من كتابه. وفيه لإبراهيم ثقيل أول عن الهشامي.
قال: والثاني منها.

عفت دار سلمى بمفضى الرغام

 

رياح تعاقـبـهـا كـل عـام

خلاف الحلول بتلك الطـلـول

 

وسحب الذيول بذاك المـقـام

وأنس الديار وقرب الـجـوار

 

وطيب المزار ورد الـسـلام

ودهر غرير وعيش السـرور

 

ونأى الغيور وحسن الـكـلام

الشعر لحماد الراوية. والغناء لابن جامع ثقيل أول بالبنصر، ذكر ذلك الحزنبل عن عمرو بن أبي عمرو، قال ابن حمدون: وهذا الصوت عجيب الصنعة، كثير النغم، محكم العمل، من صدور أغاني ابن جامع ومتقدم صنعته، وكان المعتصم معجباً به، وكثيراً ما كان يسكت المغنين إذا غني بحضرته فلا يسمع سائر يومه غيره.
قال: والثالث منها:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر

 

عينا لغيرك دمعهـا مـدرار

من ذا يعيرك عينه تبكي بـهـا

 

أرأيت عيناً للبـكـاء تـعـار

الشعر للعباس بن الأحنف. والغناء لابن جامع ثقيلٌ أول بالوسطى، وقال ابن حمدون: وعارضه إبراهيم بعد ذلك في هذا، الشعر، فصنع فيه لحناً من الرمل بالبنصر في مجراها، فلم يلحقه ولا قاربه. قال: وقد صنع أيضاً في هذا الشعر لحنٌ خفيف فاسد الصنعة محدث ليس ينبغي أن يذكر هاهنا.
حدثني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني أبو عبد الله الحزنبل قال حدثني أحمد بن إبراهيم بن إسماعيل عن أبيه قال: أنشد بشارٌ قول العباس بن الأحنف:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر

 

عينا لغيرك دمعهـا مـدرار

فقال بشار: لحق والله هذا الفتى بالمحسنين، وما زال يدخل نفسه معنا ونحن نخرجه حتى قال هذا الشعر.
حدثني محمد بن يحيى قال حدثني ميمون بن هارون عن إسحاق قال: أنشد الرشيد قول العباس:

من ذا يعيرك عينه تبكي بها

 

أرأيت عيناً للبكاء تـعـاو

فقال: يعيره من لا حاطه الله ولا حفظه.
ومما يغنى فيه من قصيدة العباس بن الأحنف الرائية التي هذا الصوت الأخير منها قوله:

الحب أول ما يكون لجاجةً

 

تأتي به وتسوقه الأقـدار

حتى إذا سلك الفتى لجج الهوى

 

جاءت أمورٌ لا تطاق كبـار

           

غناه ابن جامع ثاني ثقيل بالبنصر. وفيه لشاطره امرأة منصورٍ زلزلٍ ثقيلٌ أول بالوسطى عن الهشامي. وذكر ابن المكي المرتجل أن هذه الأصوات الثلاثة المسروقة من ابن جامع:

يا قبر بين بيوت آل محرقٍ

 

عفا طرف القرية فالكثيب

وأسقط منها قوله:

نزف البكاء دموع عينك فاستعر

 

وبكيت نعم بكيت وكـل إلـف

يا قبر بين بيوت آل مـحـرق

 

جادت عليك رواعد وبـروق

أما البكاء فقل عنـك كـثـيره

 

ولئن بكيت فالبكـاء حـقـيق

الشعر لرجل من بني أسد يرثي خالد بن نضلة ورجلاً آخر من بني أسد كانا ندمين للمنذر بن ماء السماء، فقتلهما في سخطه عليهما، وخبر ذلك مشهور في أبخار ابن جامع. والغناء لابن جامع، وله فيه لحنان: ثقيل أول بالوسطى، ورمل بالبنصر، وقيل: إن الرمل لابن سريج. وذكر حبش أن لمحمد صاحب البرام فيه لحناً من الثقيل الثاني بالوسطى.
ومنها:

عفا رسم القرية فالكـثـيب

 

إلى ملحاء ليس بها عـريب

تأبد رسمها وجرى علـيهـا

 

سفي الريح والترب الغريب

فإنك واطراحك وصل سعدى

 

لأخرى في مودتها نكـوب

كثاقبةٍ لحليٍ مـسـتـعـار

 

بأذنيها فشأنهما الـثـقـوب

فردت حلي جارتها إلـيهـا

 

وقد بقيت بأذنـيهـا نـدوب

الشعر لابن هرمة. والغناء لابن جامع ثاني ثقيلٍ بإطلاق الوتر في مجرى الوسطى. عن إسحاق، وفيه للغريض ثاني ثقيل آخر بالبنصر عن عمرو. وقال عمرو: فيه لحن للهذلي، ولم يجنسه.

أخبرني محمد بن خلف وكيع قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني عيسى بن أيوب القرشي قال حدثني غيث بن عبد الكريم عن فليح بن إسماعيل عن إسماعيل بن جعفر الفقيه مولى حرب عن أبيه قال: مررت بابن هرمة وهو جالس على دكان في بني زريق، فقلت له: يا أبا إسحاق، ما يجلسك ها هنا؟ قال: بيت كنت قلته ثم انقطع علي الروي فيه وتعذر علي ما أشتهيه، فأبغضته وتركته، قلت: ما هو؟ قال:

فإنك واطراحك وصل سعدى

 

لأخرى في مودتها نكـوب

قال: قلته ثم انقطع لي فيه، فمرت بي جويرية صفراء مليحة كنت أستحسنها أبداً وأكلمها إذا مرت بي، فمرت اليوم فرأيتها وقد ورم وجهها وتغير خلقها، أعما أعرف، فسألتها عن خبرها فقالت: كان في بني فلان عرسٌ أردت حضوره، فاستعار لي أهلي حلياً وثقبوا أذني لألبسه فورم وجهي وأذناي كما ترى، فردوه ولم أشهد العرس، قال ابن هرمة: فاطرد لي الشعر فقلت:

كثاقبةٍ لحلي مستـعـارٍ

 

بأذنيها فشأنهما الثقوب

فردت حلي جارتها إليها

 

وقد بقيت بأذنيها ندوب

أخبرني الحسين بن القاسم قال حدثني العباس بن الفضل قال حدثني أبي قال: قال الرشيد لإبراهيم بن المهدي وإبراهيم الموصلي وابن جامع وابن أبي الكنات: باكروني غداً، وليكن كل واحد قد قال شعراً إن كان يقدر أن يقوله، وغنى فيه لحنا، وإن لم يكن شاعراً غنى في شعر غيره. قال إبراهيم بن المهدي: فقمت في السحر وجهدت أن أقدر على شيء أصنعه فلم يتفق لي، فلما خفت طلوع الفجر دعوت بغلماني وقلت لهم: إني أريد أن أمضي إلى موضع ولا يشعر بي أحد حتى أصير إليه، وكانوا يبيتون على باب داري، فقمت فركبت وقصدت دار إبراهيم الموصلي، وكان قد حدثني أنه إذا أراد الصنعة لم ينم حتى يدبر ما يحتاج إليه، وإذا قام لحاجته في السحر اعتمد على خشبة له في المستراح، فلم يزل يقرع عليها حتى يفرغ من الصوت ويرسخ في قلبه، فجئت حتى وقفت تحت مستراحه، فإذا هو يردد هذا الصوت:

إذا سكبت في الكأس قبل مزاجهـا

 

ترى لونها في جلدة الكأس مذهبا

وإن مزجت راعت بلون تخـالـه

 

إذا ضمنته الكأس في الكأس كوكبا

أبوها نجاء المزن والكرم أمـهـا

 

فلم أر زوجاً منه أشهى وطـيبـا

فجاءتك صفراً أشبهت غير جنسها

 

وما أشبهت في اللون أما ولا أبـا

قال: فما زلت واقفاً أستمع منه الصوت حتى أخذته، ثم غدونا إلى الرشيد، فلما جلسنا للشرب خرج الخادم إلي فقال: يقول لك أمير المؤمنين: يا بن أم غنني، فاندفعت فغنيت هذا الصوت والموصلي في الموت حتى فرغت منه، فشرب عليه وأمر لي بثلثمائة ألف درهم، فوثب إبراهيم الموصلي فحلف بالطلاق وحياة الرشيد أن الشعر له قاله البارحة وغنى فيه، ما سبقه إليه أحدٌ، فقال إبراهيم: يا سيدي، فمن أين هو لي أنا لولا كذبه وبهته! وإبراهيم يضطرب ويضج، فلما قضيت أرباً من العبث به قلت للرشيد: الحق أحق أن يتبع، وصدقته، فقال للموصلي: أما أخي فقد أخذ المال ولا سبيل إلى رده، وقد أمرت لك بمائة ألف درهم عوضاً مما جرى عليه، فلو بدأت أنت بالصوت لكان هذا حظك، فأمر له بها فحملت إليه.

أخبرني الحسين بن يحيى عن حماد بن إسحاق عن مخارق قال: أتى إبراهيم الموصلي محمد بن يحيى بن خالد في يوم مهرجان، فسأله محمدٌ أن يقيم عنده، فقال: ليس يمكنني لأن رسول أمير المؤمنين قد أتاني، قال: فتمر بنا إذا انصرفت ولك عندي كل ما يهدى إلي اليوم؟ فقال: نعم، وترك في المجلس صديقاً له يحصي ما يبعث به، إليه، قال: فجاءت هدايا عجيبةٌ من كل ضرب، قال: وأهدي إليه تمثال فيلٍ من ذهب عيناه ياقوتتان، فقال محمد للرجل: لا تخبره بهذا حتى نبعث به إلى فلانة ففعل، وانصرف إبراهيم إليه فقال: أحضرني ما أهدي لك، فأحضره ذلك كله إلا التمثال، وقال: لا بد من صدقك، كان من الأمر كذا وكذاة فقال: لا! إلا على الشريطة وكما ضمنت، فجيء بالتمثال، فقال إبراهيم: أليس الهدية لي فأعمل فيها ما أريد. قال: بلى، قال: فرد التمثال على الجارية، وجعل يفرق الهدايا على جلساء محمد شيئاً شيئاً وعلى جميع من حضر من إخوانه وغلمانه وعلى من في دور الحرم من جواريه حتى لم يبق منها شيء، ثم أخذ من المجلس تفاحتين لما أراد الانصراف وقال: هذا لي، وانصرف، فجعل محمد يعجب من كبر نفسه ونبله.

 

وقال أحمد بن المرزبان حدثني بعض كتاب السلطان: أن الرشيد هب ليلة من نومه، فدعا بحمار كان يركبه في القصر أسود قريبٍ من الأرض فركبه، وخرج في دراعة وشيٍ متلثماً بعمامة وشيء ملتحفا بإزار وشي، بين يديه أربعمائة خادم أبيض سوى الفراشين، وكان مسرورٌ الفرغاني جريئاً عليه لمكانه عنده، فلما خرج من باب القصر قال: أين يريد أمير المؤمنين في هذه الساعة. قال: أردت منزل الموصلي. قال مسرورٌ: فمضى ونحن معه وبين يديه حتى انتهى إلى منزل إبراهيم، فخرج فتلقاه وقبل حافر حماره وقال له: يا أمير المؤمنين، أفي مثل هذه الساعة تظهر! قال: نعم، شوقٌ طرق لك بي، ثم نزل فجلس في طرف الإيوان وأجلس إبراهيم، فقال له إبراهيم: يا سيدي أتنشط لشيء تأكله؟ فقال: نعم، خاميز ظبي، فأتي به كأنما كان معداً له، فأصاب منه شيئاً يسيراً، ثم دعا بشراب حمل معه، فقال الموصلي: يا سيدي، أؤغنيك أم تغنيك إماؤك؟ فقال: بل الجواري، فخرج جواري إبراهيم فأخذن صدر الإيوان وجانبيه، فقال: أيضربن كلهن أم واحدة؟ فقال: بل تضرب اثنتان اثنتان وتغني واحدة فواحدة، ففعلن ذلك حتى مر صدر الإيوان وأحد جانبيه والرشيد يسمع ولا ينشط لشيء من غنائهن، إلى أن غنت صبية من حاشيته:

يا موري الزند قد أعيت قوادحـه

 

اقبس إذا شئت من قلبي بمقباس

ما أقبح الناس في عيني وأسمجهم

 

إذا نظرت فلم أبصرك في الناس

قال: فطرب لغنائها واستعاد الصوت مراراً وشرب أرطالاً، ثم سأل الجارية عن صانعه فأمسكت، فاستدناها فتقاعست، فأمر بها فاقيمت حتى وقفت بين يديه، فأخبرته بشيء أسرته إليه، فدعا بحماره فركبه وانصرف، ثم التفت إلى إبراهيم فقال: ما ضرك ألا تكون خليفة!، فكادت نفسه تخرج، حتى دعا به وأدناه بعد ذلك. قال: وكان الذي خبرته به أن الصنعة في الصوت لأخته علية بنت المهدي، وكانت الجارية لها وجهت بها إلى إبراهيم يطارحها، فغار الرشيد. ولحن الصوت خفيف رمل.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان أبي يألف خمارةً بالرقة يقال لها بشرة تنزل الهنىء والمريء، وكانت لها بنت من أحسن الناس وجهاً فكان أبي يتحلاها، ثم رحل الرشيد عن الرقة إلى بلاد الروم في بعض غزواته، فقال أبي فيها:

أيا بنت بشرة ما عاقنـي

 

عن العهد بعدك من عائق

نفى النوم عني سنا بـارق

 

وأشهقني في ذرى شاهق

           

قال: وفيها يقول أيضاً من أبيات له، وله فيها صنعة من الرمل الأول:

وزعمت أني ظالم فهجرتنـي

 

ورميت في قلبي بسهمٍ نافـذ

ونعم ظلمتك فاغفري وتجاوزي

 

هذا مقام المستجـير الـعـائذ

ذكر حماد في هذا الخبر أن لحن جده من الرمل. ووجدت في كتاب أحمد بن المكي أن له فيهما لحنين: أحدهما ثقيل أول والآخر ثاني ثقيل.
حدثني عيسى بن الحسين الوراق قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك الخزاعي قال: حبس الرشيد إبراهيم الموصلي عند أبي العباس يعني أباه عبد الله بن مالك فسمعناه ليلةً وقد صنع هذا اللحن وهو يكرره حتى يستوي له:

يا أخلاء قد مللت مـكـانـي

 

وتذكرت ما مضى من زماني

شربي الراح إذ تقوم علـينـا

 

ذات دلٍّ كأنها غصـن بـان

قال: وغنى في الحبس أيضاً:

ألا طال ليلي أراعي النجوم

 

أعالج في الساق كبلاً ثقيلا

حدثني عيسى قال حدثني عبد الله قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني علويه الأعسر قال: دخلت على إبراهيم الموصلي في علته التي توفى فيها وهو في الأبزن وبه القولنج الذي مات فيه، وهو يترنم بهذا الصوت:

تغير مني كل حـسـنٍ وجـدةٍ

 

وعاد على ثغري فأصبح أثرما

ومحل أطرافي فزالت فصوصها

 

وحتى عظامي عوجها والمقوما

قال محمد: فحدثت بهذا الحديث إسحاق الموصلي، فقال: كذب ابن الزانية! والله ما كان يجترىء أن يدخل إلى أبي إسحاق وهو جالس للناس إلا بعد جهد، فكيف يدخل إلى أبي إسحاق وهو جالس في الأبزن.

الشعر والغناء لإبراهيم، وله فيه لحنان ماخوري بالوسطى عن عمرو، وثاني ثقيلٍ عن ابن المكي.

حدثني جحظة قال: كان المقتدر يدعونا في الأحايين، فكان يحضر من المغنين إبراهيم بن أبي العبيس وكنيز وإبراهيم بن قاسم وأنا ووصيف الزامر، وكان أكثر ما ندعى له أن جواريه كن يطالبنه بإحضارنا ليأخذن منا أصواتاً قد عرفتها ويسمعننا. فنغني فيأخذن ما يستحسنه، فإذا انصرفنا أمر لكل واحد من إبراهيم وكنيز دبة وإبراهيم بثلاثمائة دينار، ولي بمائتي دينار، ولوصيف بمائتي دينار، ولسائر من لعله أن يحضر معنا بمائتين إلى المائة الدينار إلى الألف الدرهم، فيكون إذا حضرنا من وراء ستارة وهو جالس مع الجواري، فإذا أراد اقتراح شيء جاءنا الخدم فأمرونا أن نغنيه، وبين يدي كل واحد منا قنينةٌ فيها خمسة أرطال نبيذٍ وقدحٌ ومغسلٌ وكوز ماءٍ، فغنت يوماً صلفة جارية زرياب بصنعة إبراهيم الموصلي:

تغير مني كل حـسـن وجـدةٍ

 

وعاد على ثغري فأصبح أثر ما

فشربت عليه، فاستعاده المقتدر مراراً وأنا أشرب عليه، فأخذ إبراهيم بن أبي العبيس بكتفي وقال: يا مجنون! إنما دعيت لتغني لا لتغني وتطرب وتشرب، فلعلك تسكر، حسبك!، فأمسكت طمعاً أن ترده بعد ذلك، فما فعلت ولا اجتمعنا بعدها، وما سمعت قبل ذلك ولا بعده أحداً غنى هذا الصوت أحسن مما غنته. قال: وكان المقتدر ابتاعها من زرياب.
أخبرني عمي قال حدثني عبد الله بن أبي سعد قال حدثني أحمد بن القاسم بن جعفر بن سليمان بن علي قال: حدثني إسحاق الموصلي عن أبيه قال: بينا أنا بمكة أجول في سككها إذا أنا بسوداء قائمةٍ ساهيةٍ باكيةٍ، فأنكرت حالها وأدمنت النظر إليها، فبكت وقالت:

أعمرو علام تجنبـتـنـي

 

أخذت فؤادي وعذبتـنـي

فلو كنت يا عمرو وخبرتني

 

أخذت حذاري فما نلتنـي

فقلت لها: يا هذه، من عمروٌ؟ قالت: زوجي، قلت: وما شأنه؟ قالت: أخبرني أنه يهواني وما زال يطلبني حتى تزوجته، فلبث معي قليلاً ثم مضى إلى جدة وتركني، فقلت لها: صفيه لي؟ قالت: أحسن من أنت رأئيه سمرةً وأحلاهم حلاوةً وقداً، فركبت رواحلي مع غلماني وصرت إلى جدة، فوقفت في موضع المرفأ أتبصر من يحمل من السفن، وأمرت من يصوت: يا عمرو يا عمرو، وإذا أنا به خارجاً من سفينة على عنقه صنٌ فيه طعامٌ، فعرفته بصفتها ونعتها إياه، فقلت:

أعمرو غلام تجنبتنـي

 

أخذت فؤادي وعذبتني

فقال: هيه أرأيتها وسمعت منها؟ فقلت: نعم، قأطرق هنيهةً يبكي، ثم اندفع فغنى به أملح غناءٍ سمعته، وردده علي حتى أخذته منه، وإذا هو أحسن الناس غناءً، فقلت له: ألا ترجع إليها؟ فقال: طلب المعاش يمنعني؟ فقلت: كم يكفيك معها في كل سنةٍ، فقال: ثلثمائة درهم – قال إسحاق: قال لي أبي: فوالله يا بني لو قال ثلثمائة دينارٍ لطابت نفسي بها – فدعوت به فأعطيته ثلاثة الآف درهم، وقلت له: هذا لعشر سنين على أن تقيم معها، فلا تطلب المعاش إلا حيث هي مقيمةٌ معك، ويكون ذلك فضلاً، ورددته معي إليها.

أخبرني حبيب بن نصر المهلبي قال حدثنا علي بن محمد النوفلي قال حدثنا صالح بن علي يعني الأضخم عن إبراهيم الموصلي – قال: وكان صالح جاره – قال: بينا أنا عشيةً في منزلي إذ أتاني خادم من خدم الرشيد فاستحثني بالركوب إليه فخرجت شبيهاً بالراكض، فلما صرت إلى الدار عدل بي عن المدخل إلى طرق لا أعرفها، فانتهي بي إلى دارٍ حديثة البناء، فدخلت صحناً واسعاً، وكان الرشيد يشتهي الصحون الواسعة، فإذا هو جالس على كرسي في وسط ذلك الصحن، ليس عنده أحد إلا خادمٌ يسقيه، وإذا هو في لبسته التي كان يلبسها في الصيف: غلالةٌ رقيقة متوشح عليها بإزار رشيدي عريض العلم مضرج فلما رآني هش لي وسر، وقال: يا موصلي، إني اشتهيت أن أجلس في هذا الصحن فلم يتفق لي إلا اليوم، وأحببت ألا يكون معي ومعك أحدٌ، ثم صاح بالخدام، فوافاه مائة وصيفٍ، وإذا هم بالأزقة مستترون بالأساطين حتى لا يراهم، فلما ناداهم جاءوا جميعاً، فقال: مقطعة لإبراهيم، وكان هو أول من قطع، المصليات، فأتيت بمقعد فألقي لي تجاه وجهه بالقرب منه، ودعا بعود فقال: بحياتي أطربني بما قدرت، قال: ففعلت واجتهدت في ذلك ونشطت ورجوت الجائزة في عشيتي، فبينا أنا كذلك إذ جاءه مسرورٌ الكبير، فقام مقامه الذي كان إذا قامه علم الرشيد أنه يريد أن يساره بشيء، فأومأ إليه بالدنو، فدنا، فألقى في أذنه كلمةً خفيفةً ثم تنحى، فاستشاط غضباً واحمرت عيناه وانتفخت أوداجه، ثم قال: حتام أصبر على آل بني أبي طالب! والله لأقتلنهم ولأقتلن شيعتهم ولأفعلن ولأفعلن!، فقلت: إنا لله! ليس عند هذا أحد يخرج غضبه عليه، أحسبه والله سيوقع بي، فاندفعت أغني:

نعم عوناً على الهموم ثـلاث

 

مترعاتٌ من بعدهن ثـلاث

بعدها أربعٌ تتـمة عـشـرٍ

 

لا بطاءٌ لكنـهـن حـثـاث

فإذا ناولـتـكـهـن جـوارٍ

 

عطراتٌ بيض الوجوه خناث

تم فيها لك الـسـرور ومـا

 

طيب عيشاً إلا الخناث الإناث

قال: ويلك! اسقني ثلاثاً لا أمت همًا، فشرب ثلاثاً متتابعة، ثم قال: غن فغنيت، فلما قلت: ففعل، فوالله ما استوفى آخرهن حتى سكر، فنهض ليدخل، ثم قال: قم يا موصلي فانصرت، يا مسرور، أقسمت عليك بحياتي وبحقي إلا سبقته إلى منزله بمائة ألف درهم، لا أستأمر فيها ولا في شيء منها، فخرجت والله وقد أمنت خوفي وأدركت ما أملت، ووافيت منزلي وقد سبقتني المائة الألف الدرهم إليه.

ثلاث مترعات من بعدهن ثلاث قال: هات ويلك ثلاثاً، ثم قال لي: غن، فلما غنيته قال: حث علي بأربع تتمة العشر،

أخبرني عمي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني يحيى بن الحسن بن عبد الخالق قال حدثني عبد الله بن العباس بن الفضل بن الربيع قال: خرج رسول، الرشيد ذات ليلةً إلى المغنين فقال: غنوا:

يا خليلي قد مـلـلـت ثـوائي

 

بالمصلى وقد سئمت البقيعـا

بلغاني ديار هنـدٍ وسـعـدى

 

وارجعاني فقد هويت الرجوعا

قال: فغناه ابن جامع، فلما فرغ منه طرب الرشيد وشرب، فقال له إبراهيم الموصلي: يا سيدي، فاسمعه من نبيطيك فغناه، فجعل ابن جامع يزحف من أول البيت إلى آخره، وطرب هارون فقال: ارفعوا الستارة، فقال له ابن جامع: مني والله أخذه يا أمير المؤمنين، فأقبل على إبراهيم فقال: بحياتي صدق؟ قال: صدق وحياتك يا سيدي، قال: وكيف أخذته وهو أبخل الناس إذا سئل شيئاً؟ قال: تركته يغنيه وكان إذا سكر يسترسل فيه فيغنيه مستوياً ولا يتحرز مني، فأخذته على هذا منه حتى وفيت به.

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان برصوماً الزامر وزنزلٌ الصارب من سواد أهل الكوفة من أهل الخشنة والبذاذة والدناءة، فقدم بهما أبي معه سنة حج، ووقفهما على الغناء العربي وأراهما وجوه النغم وثقفهما حتى بلغا المبلغ الذي بلغاه من خدمة الخليفة، وكان أطبع أهل دهرهما في صناعتهما، فحدثني أبي قال: كان لزلزل جارية قد رباها وعلمها الضرب وسألني مطارحتها فطارحتها، وكانت مطبوعةً حاذقة، قال: فكان يصونها أن يسمعها أحدٌ، فلما مات بلغني أنها تعرض في ميراثه للبيع، فصرت إليها لأعترضها، فغنت:

أقفر من أوتـاره الـعـود

 

فالعود للأوتار معـمـود

وأوحش المزمار من صوته

 

فما له بـعـدك تـغـريد

من للمزامير وعـيدانـهـا

 

وعامر اللذات مـفـقـود

الخمر تبكي في أباريقهـا

 

والقينة الخمصانة الـرود

قال: وهذا شعر رثاه به صديق له كان بالرقة، قال: فأبكت والله عيني وأوجعت قلبي. فدخلت على الرشيد فحدثته بحديثها، فأمر بإحضارها فحضرت، فقال لها: غني الصوت الذي حدثني إبراهيم عنك أنك غنيته، فغنته وهي تبكي، فرق الرشيد لها وتغرغرت عيناه، وقال لها: أتحبين أن أشتريك؟ فقالت: يا أمير المؤمنين، لقد عرضت علي ما يقصر عنه الأمل، ولكن ليس من الوفاء أن يملكني أحد بعد سيدي فينتفع بي، فازداد رقةً عليها، وقال: غني صوتاً آخر، فغنت:

العين تظهر كتماني وتبـديه

 

والقلب يكتم ما ضمنته فـيه

فكيف ينكتم المكتوم بينهمـا

 

والعين تظهره والقلب يخفيه

فأمر بأن تبتاع وتعتق، ولم يزل يجري عليها إلى أن ماتت.

أخبرنا محمد قال حدثنا حماد عن أبيه عن جده قال: قال لي الرشيد يوماً: يا إبراهيم، بكر علي غداً حتى نصطبح، فقلت له: أنا والصبح كفرسي رهانٍ، فبكرت فإذا أنا به خالياً، وبين يديه جاريةٌ كأنها خوط بان أو جدل عنان، حلوة المنظر، دمثة الشمائل، وفي يدها عودٌ، فقال لها: غنى، فغنت في شعر أبي نواس وهو:

توهمه قلبي فـأصـبـح خـده

 

وفيه مكان الوهم من نظري أثر

ومر بفكري خاطراً فجرحـتـه

 

ولم أر جسماً قط يجرحه الفكر

وصافحه قلبـي فـآلـم كـفـه

 

فمن غمز قلبي في أنامله عقر

قال إبراهيم: فذهبت والله بعقلي حتى كدت أن أفتضح، فقلت: من هذه يا أمير المؤمنين؟ فقال: هذه التي يقول فيها الشاعر:

لها قلبي الغداة وقلبهـا لـي

 

فنحن كذاك في جسدين روح

ثم قال لها: غنى، فغنت:

تقول غداة البين إحدى نـسـائهـم

 

لي الكبد الحري فسر ولك الصبـر

وقد خنقتها عبـرةٌ فـدمـوعـهـا

 

على خدها بيضٌ وفي نحرها صفر

– الشعر لأبي الشيص، والغناء لعمرو بن بانة، خفيف رمل بالوسطى من كتابه وفيه لمتيم ثاني ثقيلٍ وخفيف رمل آخر- قال: فشرب وسقاني ثم سقاها، ثم قال: غن يا إبراهيم، فغنيت حسب ما في قلبي غير متحفظٍ من شيءٍ:

تشرب قلبي حبهـا ومـشـى بـه

 

تمشي حميا الكأس في جسم شارب

ودب هواها في عظامي فشفـهـا

 

كما دب في الملسوع سم العقارب

قال: ففطن بتعريضي، وكانت جهالةً مني، قال: فأمرني بالانصراف، ولم يدعني شهراً ولا حضرت مجلسه، فلما كان بعد شهر دس إلي خادماً معه رقعةٌ، فيها مكتوب:

قد تخوفت أن أموت من الوج

 

د ولم يدر من هويت بما بي

يا كتابي فأقر السلام على من

 

لا أسمي وقل له يا كتابـي

إن كفاً إليك قد بعـثـتـنـي

 

فى شقاءٍ مواصلٍ وعـذاب

فأتاني الخادم بالرقعة، فقلت له: ما هذا؟ قال: رقعة الجارية فلانة التي غنتك بين يدي أمير المؤمنين، فأحسست القصة فشتمت الخادم ووثبت عليه وضربته ضرباً شفيت به نفسي وغيظي، وركبت إلى الرشيد من فوري فأخبرته القصة وأعطيته الرقعة، فضحك حتى كاد يستلقى، ثم قال: على عمدٍ فعلت ذلك بك لأمتحن مذهبك، وطريقتك، ثم دعا بالخادم! فلما خرج رآني فقال لي: قطع الله يديك ورجليك، ويحك! قتلتني، فقلت: القتل والله كان بعض حقك لما وردت به علي، ولكن رحمتك فأبقيت عليك، وأخبرت أمير المؤمنين ليأتي في عقوبتك بما تستحقه. فأمر لي الرشيد بصلةٍ سنية، والله يعلم أني ما فعلت الذي فعلت عفافاً ولكن خوفاً.

أخبرني محمد بن خلف بن المرزبان قال حدثني حماد بن إسحاق قال: أخبرني أبي أنه سمع الرشيد وقد سأل جدي إبراهيم كيف يصنع إذا أراد أن يصوغ الألحان، فقال: يا أمير المؤمنين، أخرج الهم من فكري وأمثل الطرب بين عيني، فتسوغ لي مسالك الألحان التي أريد، فأسلكها بدليل الإيقاع، فأرجع مصيباً ظافراً بما أريد، فقال: يحق لك يا إبراهيم أن تصيب وتظفر، وإن حسن وصفك لمشاكل حسن صنعتك وغنائك.

أخبرني ابن المرزبان قال حدثني حماد عن أبيه عن جده قال: أدركت يونس الكاتب وهو شيخ كبير فعرضت عليه غنائي، فقال: إن عشت كنت مغني دهرك.

قال حماد قال لي محمد بن الحسن: كان لكل واحد من المغنين مذهب في الخفيف والثقيل، وكان معبد ينفرد بالثقيل، وابن سريج بالرمل، وحكمٌ بالهزج، ولم يكن في المغنين أحد يتصرف في كل مذهب من الأغاني، إلا ابن سريج وإبراهيم جدك وأبوك إسحاق.

حدثني عمي قال حدثني أحمد بن الطيب السرخسي قال حدثني أحمد بن ثابت العبدي عن أبي الهذيل العلاف رأس المعتزلة عن ثمامة بن أشرس قال: مررت بإبراهيم الموصلي ويزيد حوراء وهما مصطبحان، وقد أخذا بينهما صوتاً يغنيانه: هذا بيتاً وهذا بيتاً، وهو:

أيا جبلي نعمان بـالـلـه خـلـيا

 

سبيل الصبا يخلص إلي نسيمهـا

فإن الصبا ريحٌ إذا ما تنسـمـت

 

على نفسى مهمومٍ تجلت همومها

أخبرنا محمد بن مزيد قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه عن جده إبراهيم قال: سألت الرشيد أن يهب لي يوماً في الجمعة لا يبعث فيه إلي بوجه ولا بسبب، لأخلو فيه بجواري وإخواني، فأذن لي في يوم السبت، وقال لي: هو يوم أستثقله، فاله فيه بما شئت، فأقمت يوم السبت بمنزلي وتقدمت في إصلاح طعامي وشرابي بما احتجت إليه، وأمرت بوابي فأغلق الأبواب وتقدمت إليه ألا يأذن علي لأحد، فبينا أنا في مجلس والخدم قد حفوا بي وجواري يترددن بين يدي، إذا أنا بشيخ في هيئة وجمال، عليه خفان قصيران وقميصان ناعمان، وعلى رأسه قلنسوة لاطئة، وبيده عكازة مقمعة بفضة، وروائح المسك تفوح منه حتى ملأ البيت والدار، فداخلني بدخوله علي مع ما تقدمت فيه غيظٌ ما تداخلني قط مثله، وهممت بطرد بوابي ومن حجبني لأجله، فسلم علي أحسن سلام فرددت عليه، وأمرته بالجلوس فجلس، ثم أخذ بي، في أحاديث الناس وأيام العرب وأحاديثها وأشعارها حتى سلى ما بي من الغضب، وظننت أن غلماني تحروا مسرتي بإدخالهم مثله علي لأدبه وظرفه، فقلت: هل لك في الطعام. فقال: لا حاجة لي فيه، فقلت: هل لك في الشراب. فقال: ذلك إليك، فشربت رطلا وسقيته مثله، فقال لي: يا أبا إسحاق، هل لك أن تغني لنا شيئا من صنعتك وما قد نفقت به عند الخاص والعام. فغاظني قوله، ثم سهلت على نفسي أمره فأخذت العود فجسسته ثم ضربت فغنيت، فقال: أحسنت يا إبراهيم، فازداد غيظي وقلت: ما رضي بما فعله من دخوله علي بغير إذن واقتراحه أن أغنيه حتى سماني ولم يكنني ولم يجمل مخاطبتي!. ثم قال: هل لك أن تزيدنا. فتذممت فأخذت العود فغنيت، فقال: أجدت يا أبا إسحاق! فأتم حتى نكافئك ونغنيك، فأخذت العود وتغنيت وتحفظت وقمت بما غنيته إياه قياماً، تاماً ما تحفظت مثله ولا قمت بغناء كما قمت به له بين يدي خليفة قط ولا غيره، لقوله لي: أكافئك، فطرب وقال: أحسنت يا سيدي، ثم قال: أتأذن لعبدك بالغناء. فقلت: شأنك، واستضعفت عقله في أن يغنيني بحضرتي بعد ما سمعه مني، فأخذ العود وجسه وحبسه، فوالله لخلته ينطق بلسانٍ عربي لحسن ما سمعته من صوته، ثم تغنى:

ولي كبد مقروحةٌ من يبيعني

 

بها كبد ليست بذات قروح

أباها علي الناس لا يشترونهـا

 

ومن يشتري ذاعلةٍ بصـحـيح

 

أئن من الشوق الذي في جوانبي

 

أنين غصيصٍ بالشراب جريح

           

قال إبراهيم: فوالله لقد ظننت الحيطان والأبواب وكل ما في البيت يجيبه ويغني معه من حسن غنائه، حتى خلت والله أني أسمع أعضائي وثيابي تجاوبه، وبقيت مبهوتاً لا أستطيع الكلام ولا الجواب ولا الحركة لما خالط قلبي، ثم غنى:

ألا يا حمامات اللوى عدن عودةً

 

فإني إلى أصواتكـن حـزين

فعدن فلما عدن كدن يمتنـنـي

 

وكدت بأسراري لهـن أبـين

دعون بترداد الهدير كـأنـمـا

 

سقين حمياً أو بهـن جـنـون

لم ترعيني مثلهن حـمـائمـاً

 

بكين ولم تدمع لهـن عـيون

لم أعرف في هذه الأبيات لحناً ينسب إلى إبراهيم، والذي عرفته لمحمد بن الحارث بن بسخنر خفيف رمل فكاد، والله أعلم، عقلي أن يذهب طرباً وارتياحاً لما سمعت، ثم غنى:

ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجـد

 

لقد زادني مسراك وجداً على وجد

أأن هتفت ورقاء في رونق الضخى

 

على فننٍ غض النبات من الرنـد

بكيت كما يبكي الحـزين صـبـابةً

 

وذبت من الحزن المبرح والجهـد

وقد زعموا أن المـحـب إذا دنـا

 

يمل وأن النأى يشفي من الـوجـد

بكلٍّ تداوينا فلـم يشـف مـا بـنـا

 

على أن قرب الدار خيرٌ من البعد

ثم قال: يا إبراهيم، هذا الغناء الماخوري فخذه وانح نحوه في غنائك وعلمه جواريك، فقلت: أعده علي، فقال: لست تحتاج، قد أخذته وفرغت منه، ثم غاب من بين يدي، فارتعت وقمت إلى السيف فجردته، وعدوت نحو أبواب الحرم فوجدتها مغلقةً، فقلت للجواري: أي شيء سمعتن عندي؟ فقلن: سمعنا أحسن غناءٍ سمع قط، فخرجت متحيراً إلى باب الدار فوجدته مغلقاً، فسألت البواب عن الشيخ، فقال لي: أي شيخ هو؟ والله ما دخل إليك اليوم أحد، فرجعت لأتأمل أمري، فإذا هو لد هتف بي، من بعض جوانب البيت: لابأس عليك يا أبا إسحاق، أنا إبليس وأنا كنت جليسك ونديمك اليوم، فلا ترع. فركبت إلى الرشيد وقلت: لا أطرفه أبدا بطرفة مثل هذه، فدخلت إليه فحدثته بالحديث، فقال: ويحك! تأمل هذه الأصوات، هل أخذتها؟ فأخذت العود أمتحنها، فإذا هي راسخة في صدري كأنها لم تزل، فطرب الرشيد عليها وجلس يشرب ولم يكن عزم على الشراب، وأمر لي بصلةٍ وحملانٍ وقال: الشيخ كان أعلم بما قال لك من أنك أخذتها وفرغت منها، فليته أمتعنا بنفسه يوماً واحمداً كما أمتعك.
أما الصوت الأول فالذي أعرفه فيه خفيف رمل لمحمد بن الحارث بن بسخنر، ولم يقع إلي فيه صنعة لإبراهيم. والصوت الثاني الذي أوله:

ألا يا صبا نجدٍ متى هجت من نجد

فشعره ليزيد بن الطثرية، والغناء لإبراهيم خفيف ثقيل بالبنصر عن عمرو. وفيه لمحمد بن الحسن بن مصعب ثاني ثقيل بالوسطى عن الهشامي وعمرو. وذكر إبراهيم أن فيه لحنا لدحمان ولحناً لابنه الزبير، ولم يذكر في أي طيقةٍ هما.

هكذا حدثنا أبن أبي الأزهر بهذا الخبر، وما أدري ما أقول فيه، ولعل إبراهيم صنع هذه الحكاية ليتنفق بها، أو صنعت وحكيت عنه. إلا أن للخبر أصلًا الأشبه بالحق منه ما حدثني به أحمد بن عبد العزيز الجوهري وأحمد بن عبيد الله بن عمار قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثنا إسحاق ين إبراهيم الموصلي عن أبيه قال: صنعت لحناً فأعجبني، وجعلت أطلب شعراً فعسر ذلك علي، ورأيت في المنام كأن رجلًا لقيني فقال: يا إبراهيم، أأعياك شعر لغنائك هذا الذي تعجب به. قلت نعم، قال: فأين أنت من قول في الرمة حيث قال:

ألا يا اسلمى يا دارمي عن البلى

 

ولا زال منهلاً بجرعائك القطر

وإن لم تكوني غير شام بقفـرةٍ

 

تجربها الأذيال صيفـية كـدر

قال: فانتبهت وأنا فرحٌ بالشعر، فدعوت من ضرب علي وغنيته فإذا هو أوفق ما خلق الله، فلما علمت ذلك، وعلمت، هذا الغناء في شعر في الرمة، تنبهت عليه وعلى شعره فصنعت فيه ألحاناً ماخوريةً، منها:

أمنزلتي ميٍّ سـلامُ عـلـيكـمـا

 

هل الأزمن اللائي مررن رواجع

وهل يرجع التسليم أو يكشف العمى

 

ثلاث الأثافي أو رسـومٌ بـلاقـع

صنعة إبراهيم في هذين الشعرين جميعاً من الماخوري بالوسطى، وهو خفيف الثقيل الثاني. وأخباره كلها في هذا المعنى تأتي في أخبار ذي الرمة مشروحةً.

حدثني محمد بن، مزيد قال حدثني حماد عن أبيه قال قال لي، أبي: قال لي، جعفر بن يحيى يوماً وقد علم أن الرشيد أذن لي وللمغنين في الانصراف يومئذ: صر إلي حتى أهب لك شيئا حسناً فصرت إليه فقال لي: أيما أحب إليك: أهب لك الشيء الحسن الني وعدتك به، أم أرشدك إلى شيء تكسب به ألف ألف درهم. فقلت: بل يرشدني الوزير – أعزه الله – إلى هذا الوجه فإنه يقوم مقام إعطائه إياي هذا الحسن، فقال: إن أمير المؤمنين يحفظ شعر في الرمة حفظ الصبا ويعجبه ويؤثره، فإذا سمع فيه غناءً، أطربه أكثر مما يطربه غيره مما لا يحفظ شعره، فإذا غنيته فأطربته وأمر لك بجائزة، فقم على رجليك قائماً وقبل الأرض بين يديه وقل له: لي حاجة غير هذه الجائزة أريد أن أسألها أمير المؤمنين، وهي حاجة تقوم عندي مقام كل فائدة ولا تضره ولا ترزؤه، فإنه سيقول لك: أي شيء حاجتك. فقل: قطيعةٌ تقطعنيها سهلةٌ عليك لا قيمة لها ولا منفعة فيها لأحد، فإذا أجابك إلى ذلك، فقل له: تقطعني شعر ذي الرمة أغني فيه ما أختاره وتحظر على المغنين جميعاً أن يداخلوني فيه، فإني أحب شعره وأستحسنه فلا أحب أن ينغصه علي أحدٌ منهم، وتوثق منه وني ذلك، فقبلت ذلك القول منه، وما انصرفت من عنده بعد ذلك إلا بجائزة، وتوخيت وقت الكلام في هذا المعنى حتى وجدته، فقمت فسألت كما قال! لي، وتبينت السرور في وجهه، وقال: ما سألت شططاً، قد أقطعتك سؤلتك، فجعلوا يتضاحكون من قولي ويقولون: لقد استضخمت القطيعة وهو ساكت، فقلت: يا أمير المؤمنين، أتأذن لي في التوثق؟ قال!: توثق كيف شئت، فقلت: بالله وبحق رسوله وبتربة أمير المؤمنين المهدي إلا جعلتني على ثقة من ذلك بأنك تحلف لي أنك، لا تعطي أحدا من المغنين جائزة على شيء يغنيه في شعر في الرمة فإن ذلك وثيقتي، فحلف مجتهداً لهم لئن غناه أحد منهم في. شعر في الزقة لا أثابه بشيء ولا بره ولا سمع غناءه، فشكرت فعله وقبلت الأرض بين يديه وانصرفنا. فغنيت مائة صوت وزيادة في شعر في الرمة، فكان إذا سمع منها صوتاً طرب وزاد طربه ووصلني فأجزل، ولم ينتفع به أحدٌ منهم غيري، فأخذت منه والله بها ألف ألف درهم وألف ألف درهم.

أخبرني جعفر بن قدامة بن زياد الكاتب قال حدثني هارون بن محمد بن عبد الملك الزيات قال حدثني أبو خالد الأسلمي قال حدثني محمد بن عمر الجرجاني قال: قال إبراهيم الموصلي: أرتج علي فلم أجد شعراً أصوغ فيه غناء أغني فيه الرشيد، فدخلت إلى بعض حجر في داري مغموماً، فأسبلت الستور علي وغلبتني عيني، فتمثل لي في البيت شيخٌ أشوه الخلقة، فقال لي: يا موصلي، مالي أراك مغموماً، قلت: لم أصب شعراً أغني فيه الرشيد الليلة، قال: فأين أنت عن قول في الرمة:

ألا يا اسلمي يا دارمي على الـبـلـى

 

ولا زال منهلاًّ بجرعائك الـقـطـر

وإن لم تكوني غـير شـام بـقـفـرةٍ

 

تجـربـهـا الأذيال صـيفـيةٌ كـدر

أقامت بها حتى ذوي العود في الثـرى

 

وساق الثريا في ملاءتـه الـفـجـر

وحتى اعتلى البهمى من الصيف نافضٌ

 

كما نفضت خيلٌ نواصـيهـا شـقـر

قال: وغناني فيه بلحن وكرره حتى علقته فانتبهت وأنا أديره، فناديت جاريةً لي وأمرتها بإحضار عود، ومازلت أترنم بالصوت وهي تضرب حتى أستوى لي، ثم صرت إلى هارون فغنيته إياه، فأسكت المغنين، ثم قال: أعد فأعدت، فما زال ليلته يستعيدنيه، فلما أصبح أمر لي بثلاثين ألف درهم وبفرش البيت الذي كنا فيه، وقال: عليك بشعر ذي الرمة فغن فيه، فصنعت فيه غناءً كثيراً، فكنت أغنيه به فيعجبه، ويجزل صلتي.

أخبرني عمي وابن المرزبان والحسن بن علي قالوا حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثنا محمد بن عبد الله السلمي قال حدثنا أبو غانم مولى جبلة بن يزيد السلمي قال: اجتمع إبراهيم الموصلي وزلزل وبرصوما بين يدي الرشيد، فضرب زلزلٌ وزمر برصوماً وغنى إبراهيم:

صحا قلبي وراع إلي عقلـي

 

وأقصر باطلي ونصيت جهلي

رأيت الغانيات وكـن صـوراً

 

إلي صرمنني وطعن حبلـي

فطرب هارون حتى وثب على رجليه وصاح: يا آدم، لو رأيت من يحضرني من ولدك اليوم لسرك! ثم جلس وقال: أستغفر الله.
الشعر الذي غنى فيه إبراهيم لأبي العتاهية. والغناء لإبراهيم خفيف ثقيلٍ بالبنصر.
حدثني جحظة قال حدثني حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كان الرشيد يجد بماردة وجداً شديداً، فغضبت عليه وغضب عليها، وتمادى بينهما الهجر أياماً، فأمر جعفر بن يحيى العباس بن الأحنف فقال:

راجع أحبتك الذين هجرتهم

 

إن المتيم قلما يتـجـنـب

إن التجنب إن تطاول منكما

 

دب السلو له فعز المطلب

وأمر إبراهيم الموصلي فغنى فيه الرشيد، فلما سمعه بادر إلى ماردة فترضاها، فسألت عن السبب في ذلك فعرفته، فأمرت لكل واحد من العباس وإبراهيم بعشرة آلاف درهم، وسألت الرشيد أن يكافئهما عنها، فأمر لهما بأربعين ألف درهم.

أخبرني جعفر بن قدامة عن حماد عن أبيه قال: أول جائزة خرجت لشاعر من الرشيد لما ولي الخلافة جائزةٌ لإبراهيم، فإنه قال يمدحه لما ولي:

ألم تر أن الشمس كانت مريضةً

 

فلما ولي هارون أشرق نورها

فألبست الدنيا جمالاً بوجـهـه

 

فهارون واليها ويحيى وزيرها

وغنى فيه، فأمر له بمائة ألف درهم، وأمر له يحيى بخمسين ألف درهم.

أخبرنا الحسن بن علي قال حدثنا عبد الله بن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله بن مالك قال حدثني إسحاق الموصلي: أن أباه لعب يوماً مع الرشيد بالنرد في الخلعة التي كانت على الرشيد والخلعة التي كانت عليه هو، فتقامر للرشيد، فلما قمره قام إبراهيم فنزع ثيابه، ثم قال للرشيد: حكم النرد الوفاء به، وقد قمرت ووفيت لك، فألبس ما كان علي، فقال له الرشيد: ويلك! أنا ألبس ثيابك! فقال: إي والله إذا أنصفت، وإذا لم تنصف قدرت وأمكنك، قال: ويلك! أو أفتلي منك؟ قال: نعم ة قال: وما الفداء. قال: قل أنت يا أمير المؤمنين فإنك أولى بالقول ة فقال: أعطيك كل ما علي، قال: فمر به يا أمير المؤمنين وأنا أستخير الله في ذلك، فدعا بغير ما عليه فلبسه ونزع ما كان عليه فدفعه إلى إبراهيم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني علي بن عبد الكريم قال: زار ابن جامع إبراهيم الموصلي، فأخرج إليه ثلاثين جاريةً فضربن جميعاً طريقةً واحدة وغنين، فقال ابن جامع: في الأوتار وترٌ غير مستوٍ، فقال إبراهيم: يا فلانة شدي مثناك، فشدته فاستوى، فعجبت أولاً من فطنة ابن جامع لوتر في مائة وعشرين وتراً غير مستو، ثم ازداد عجبى من فطنة إبراهيم له بعينه.

أخبرني إسماعيل بن يونس وحبيب بن نصر المهلبي، قالا حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق بن إبراهيم قال حدثني أبي قال: كنا مع الرشيد بالرقة وكان هناك خمار أقصده أشتري منه شراباً حسناً طيباً، وربما شربت في حانته، فأتيته يوماً فبزل لي دناً في باطية له، فرأيت لونه حسناً صافياً، فاندفعت أغني:

اسقني صهباء صرفاً

 

لم تدنس بـمـزاج

اسقني واللـيل داجٍ

 

قبل أصوات الدجاج

يا أبا وهب خليلـي

 

كل همٍّ لا نفـراج

حين توهت بقلبـي

 

في أعاصير الفجاج

– الغناء في هذه الأبيات لإبراهيم هزجٌ بالوسطى عن عمرو. وفيها لسياط ثاني ثقيلٍ بالخنصر في مجرى البنصر عن إسحاق- قال: فدهش الخمار يسمع صوتي، فقلت له: ويحك! قد فاض النبيذ من الباطية، فقال: دعني من النبيذ يا أبا إسحاق، مالي أرى صوتك حزيناً حريقاً، مات لك بالله إنسان؟، فلما جئت إلى الرشيد حدثته بذلك فجعل يضحك.

وذكر أحمد بن أبي طاهر أن المدائني حدث قال: قال، إبراهيم الموصلي قال لي الرشيد يوماً: يا إبراهيم، إني قد جعلت غداً للحريم، وجعلت ليلتهللشرب مع الرجال، وأنا مقتصرٌ عليك من المغنين، فلا تشتغل غداً بشيء ولا تشرب نبيذاً، وكن بحضرتي في وقت العشاء الآخرة، فقلت: السمع والطاعة لأمير المؤمنين، فقال: وحق أبي لئن تأخرت أو اعتللت بشيء لأضربن عنقك، أفهمت. فقلت: نعم، وخرجت فما جاءني أحد من إخواني إلا احتجبت عنه ولا قرأت رقعة لأحد، حتى إذا صليت المغرب ركبت قاصداً إليه، فلما قربت من فناء داره مررت بفناء قصر، وإذا زنبيلٌ كبير مستوثق منه بحبال وأربع عرى أدم وقد دلي من القصر، وجاريةٌ قائمة تنتظر إنساناً قد وعد ليجلس فيه، فنازعتني نفسي إلى الجلوس فيه، ثم قلت: هذا خطأ، ولعله أن يجري سبب يعوقني عن الخليفة فيكون الهلاك، فلم أزل أنازع نفسي وتنازعني حتى غلبتني، فنزلت فجلست فيه، ومد الزنبيل حتى صار في أعلى القصر، ثم خرجت فنزلت، فإذا جوار كأنهن المها جلوسٌ، فضحكن وطربن، وقلن: قد جاء والله من أردناه ة فلما رأينني من قريب تبادرن إلى الحجاب وقفن: يا عدو الله، ما أدخلك إلينا. فقلت: يا عدوات الله، ومن الذي أردتن إدخاله؟ ولم صار أولى بهذا مني؟ فلم يزل هذا دأبنا وهن يضحكن وأضحك معهن، ثم قالت إحداهن: أما من أردناه فقد فات، وما هذا إلا ظريف، فهلم نعاشره عشرة جميلة، فأخرج إلي طعام ودعيت إلى أكله، فلم يكن في فضلٌ إلا أني كرهت أن أنسب إلى سوء العشرة، فأصبت منه إصابة معذر، ثم جيء بالنبيذ فجعلنا نشرب، وأخرجن إلي ثلاث جوارٍ لهن فغنين غناء مليحاً، فغنت إحداهن صوتاً لمعبد، فقالت إحدى الثلاث من وراء الستر: أحسن إبراهيم، هذا له، فقلت: كذبت ليس هذا له، هذا لمعبد، فقالت: يا فاسق، وما يدريك الغناء ما هو، ثم غنت الأخرى صوتاً للغريض، فقالت تلك: أحسن إبراهيم، هذا له أيضاً، فقلت: كذبت يا خبيثة، هذا للغريض، فقالت: اللهم أخزه، ويلك! وما يدريك! ثم غنت الجارية صوتاً لي، فقالت تلك: أحسن ابن سريج، هذا له، فقلت: كذبت هذا لإبراهيم، وأنت تنسبين غناء الناس إليه وغناءه إليهم، فقالت: ويحك! وما يدريك!، فقلت: أنا إبراهيم، فتباشرن بذلك جميعاً وطربن كلهن وظهرن كلهن لي وقلن: كتمتنا نفسك وقد سررتنا، فقلت: أنا الآن أستودعكن الله، فقلن: وما السبب. فأخبرتهن بقصتي مع الرشيدة فضحكن وقلن: الآن والله طاب حبسك، علينا وعلينا إن خرجت أسبوعاً، فقلت: هو والله القتل، قلن: إلى لعنة الله. فأقمت والله عندهن أسبوعاً لا أزول فلما كان بعد الأسبوع ودعنني وقلن: إن سلمك الله فأنت بعد ثلاث عندنا، قلت نعم، فأجلسنني في الزنبيل وسرحت، فمضيت لوجهي حتى أتيت دار الرشيد، وإذا النداء قد أشيع ببغداد في طلبي وأن من أحضرني فقد سوغ ملكي وأقطع مالي، فاستأذنت فتبادر الخدم حتى أدخلوني على الرشيد، فلما رآني شتمني وقال: السيف والنطع! إيهٍ يا إبراهيم، تهاونت بأمري وتشاغلت بالعوام عما أمرتك به وجلست مع أشباهك من السفهاء حتى أفسدت علي لذتي!، فقلت: يا أمير المؤمنين، أنا بين يديك، وما أمرت به غير فائت، ولي حديث عجيب ما سمع بمثله قط وهو الذي قطعني عنك ضرورةً لا اختياراً، فاسمعه، فإن كان عذراً فاقبله وإلا فأنت أعلم، قال: هاته فليس ينجيك، فحدثته، فوجم ساعةً ثم قال: إن هذا لعجب، أفتخضرني معك هذا الموضع؟ قلت: نعم، وأجلسك معهن إن شئت قبلي حتى تحصل عندهن، وإن شئت فعلى موعد، قال: بل على موعد، قلت: أفعل، فقال: انظر، قلت: ذلك حاصلٌ – إليك متى شئت، فعدل عن رأيه في وأجلسني وشرب وطرب، فلما أصبحت أمرني بالانصراف وأن أجيئه من عندهن، فمضيت إليهن في وقت الوعد، فلما وافيت الموضع إذا الزنبيل معلق، فجلست فيه ومده الجواري فصعدت، فلما رأينني تباشرن وحمدن الله على سلامتي، وأقمت ليلتي، فلما أردت الانصراف قلت لهن: إن لي أخاً هو عدل نفسي عندي، وقد أحب معاشرتكن ووعدته بذلك، فقلن: إن كنت ترضاه فمرحباً به، فوعدتهن ليلة غدٍ وانصرفت وأتيت الرشيد وأخبرته، فلما كان الوقت خرج معي متخفياً حتى أتينا الموضع، فصعدت وصعد بعدي ونزلنا جميعاً، وقد كان الله وفقني لأن قلت لهن: إذا جاء صديقي فاستترن عني وعنه ولا يسمع لكن نطقة، وليكن ما تختزنه من غناء أو تقلنه من قولٍ مراسلةٍ فلم يتعدين ذلك وأقمن على أتم ستر وخفر، وشربنا شرباً كثيراً، وقد كان أمرني ألا أخاطبه بأمير المؤمنين، فلما أخذ مني النبيذ قلت سهواً: يا أمير المؤمنين،فتواثبن من وراء الستارة حتى غابت عنا حركاتهن، فقال لي: يا إبراهيم لقد أفلت من أمر عظيم، والله لو برزت إليك واحدة منهن لضربت عنقك، قم بنا، فانصرفنا، وإذا هن له، قد كان غضب عليهن فحبسهن في ذلك القصر، ثم وجه من غد بخدم فردوهن إلى قصره، ووهب لي مائة ألف درهم، وكانت الهدايا والألطاف تأتيني بعد ذلك منهن، أخبرني جعفر بن قدامة قال حدثنا حماد بن إسحاق عن أبيه قال حدثني أبي قال: دخلت على الرشيد يوماً فقال لي: أنا اليوم كسلان خاثر، فإن غنيتني صوتاً يوقظ نشاطي أحسنت صلتك، فغنيته:

ولم ير في الدنيا محبـان مـثـلـنـا

 

على ما نلاقي من ذوي الأعين الخزر

صفيان لا نرضى الوشـاة إذا وشـوا

 

عفيفان لا نغشى من الأمر ما يزري

فطرب، ودعا بالطعام فأكل وشرب، وأمر لي بخمسين ألف درهم.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثنا عمر بن شبة قال حدثني إسحاق قال قال! لي أبي قال لي يحيى بن خالد: إن ابنتك دنانير قد عملت صوتاً أعجبني وأعجبت أيضاُ هي به، فقلت لها: لا تعجبي به حتى أعرضه على أبيك أبي إسحاق، فقلت له: والله ما في معرفة الوزير – أعزه الله – به ولا بغيره من الصنائع مطعن، وإنه لأصح العالم تمييزاً وأثقبه فطنةً، وما أعجبه إلا وهو صحيح حسن، فقال: إن كنت كما تقول أيضاً، فإن أهل كل صناعة يمارسونها أفهم بها ممن يعلمها عن عرض من غير ممارسة، ولو كنا في هذه الصناعة متساويين لكان الاستظهار برأيك أجود، لأن ميلي إلى صانعة الصوت ربما حسن عندي ما ليس بالحسن، وإنما يتم سروري به بعد سماعك إياه واستحسانك له على الحقيقة، فمضيت فوجدت ستارةً منصوبة وأمراً قد تقدم فيه قبلي، فجلست فسلمت علي الجارية، وقلت لها: تغنيني الصوت الذي ذكره لي الوزير أعزه الله، فقالت: إن الوزير قال لي: إن استجاده فعرفيني ليتم سروري به، وإلا فاطو الخبر عني لئلا تزول رتبته عندي، فقلت: هاتيه حتى أسمعه، فغنت تقول:

نفسي أكنت عليك مدعياً أم حين أزمع بينهم خنت

 

إن كنت هائمة بذكرهم

 

فعـلـى فـراقـهـــم ألا حـــمـــت

قال: فأحسنت والله وما قصرت، فاستعدته لأطلب فيه موضعاً لأصلحه فيكون لي فيه معنى فما وجدت، قلت: أحسنت والله يا بنية ما شئت، ثم عدت إلى يحيى فحلفت له بأيمان رضيها أن كثيراً من حذاق المغنين لا يحسنون أن يصنعوا مثله، ولقد استعدته لأرى فيه موضعاً يكون لي فيه عملٌ فما وجدت، فقال: وصفك لها من أجله يقوم مقام تعليمك إياها، فقد والله سررتني وسأسرك، فلما انصرفت أتبعني بخمسين ألف درهم.

حدثني عمي وابن المرزبان قالا حدثنا ابن أبي سعد قال حدثني محمد بن عبد الله السلمي قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني إسحاق، ولم يقل عن أبيه، قال: والله إني لفي منزلي ذات يوم وأنا مفكرٌ في الركوب مرةً وفي القعود مرةً، إذا غلامي قد دخل ومعه خادم الرشيد يأمرني بالحضور من وقتي، فركبت وصرت إليه ة فقال لي: اجلس يا إبراهيم حتى أريك عجباً، فجلست، فقالت: علي بالأعرابية وابنتها، فأخرجت إلي أعرابية ومعها بنية لها عشر أو أرجح، فقال: يا إبراهيم، إن هذه الصبية تقول الشعر، فقلت لأمها: ما يقول أمير المؤمنين؟ فقالت: هي هذه قدامك فسلها، فقلت: يا حبيبة، أتقولين الشعر. فقالت نعم، فقلت: أنشديني بعض ما قلت ة فأنشدتني:

تقول لأتراب لها وهـي تـمـتـري

 

دموعاً على الخدين من شدة الـوجـد

أكـل فـتـاةٍ لا مـحـالة نـــازلٌ

 

بها مثل ما بي أم بلـيت بـه وحـدي

براني له حبٌ تنشب في الـحـشـى

 

فلم يبق من جسمي سوى العظم والجلد

وجدت الهـوى حـلـوا لـذيذاً بـديئه

 

وآخره مرةٌ لـصـاحـبـه مـردي

قال الشبي في خبره: قال إسحاق: وكان أبي حاضراً، فقال: والله لا تبرح يا أمير المؤمنين أو نصنع في هذه الأبيات لحناً، فصغت فيها أنا وأبي وجميع من حضر. وقال الآخرون: قال إبراهيم: فما برحت حتى صنعت فيه لحناً وتغنيت به وهي حاضرة تسمع. قال ابن المرزبان في خبره، ولم يذكره عمي، فقالت: يا أمير المؤمنين، قد أحسن رواية ما قلت، أفتأذن لي أن أكافئه بمدح أقوله فيه. قال: افعلي، فقالت:

ما لإبراهيم في العل

 

م بهذا الشأن ثانـي

إنما عمر أبـي إس

 

حاق زينٌ للزمـان

منه يجنى ثمر اللـه

 

و وريحان الجنـان

جنة الدنيا أبـو إس

 

حاق في كل مكان

قال: فأمر لها الرشيد بجائزة، وأمر لي بعشرة آلاف درهم، فوهبت لها شطرها اللحن الذي صنعه إبراهيم في شعر الأعرابية ثقيلٌ أول بالوسطى. وفيه لعلويه ثاني ثقيل. وأما الشعر الثاني فهو لابن سيابة لا يشك فيه. ولإبراهيم فيه لحن من خفيف الثقيل.

أخبرني محمد بن مزيد عن حماد بن إسحاق عن أبيه قال: كنت أخذت بالمدينة من مجنون بها هذا الصوت، وغنيته الرشيد وقلت:

هما فتاتان لما تعرفـا خـلـقـي

 

وبالشباب علـى شـيبـي تـدلان

رأيت عرسي لما ضمني كبـرى

 

وشخت أزمعتا صرمي وهجراني

كل الفعال الذي يفعلنـه حـسـنٌ

 

يصبي فؤادي ويبدي سر أشجاني

بل احذرا صولةً من صول شيخكما

 

مهلاً على الشيخ مهلاً يا فتاتـان

فطرب وأمر لي بظبية كانت ملقاة بين يديه، فيها ألف دينار مسيفة، وكان ابن جامع حاضراً، فقال: اسمع يا أمير المؤمنين غناء العقلاء ودع غناء المجانين، وكان أشد خلق الله حسداً، فغناه:

ولقد قالت لأتراب لـهـا

 

كالمها يلعبن في حجرتها

خذن عني الظل لا يتبعني

 

ومضت سعياً إلى قبتهـا

فطرب وشرب، وأمر له بألف وخمسمائة دينار. ثم تبعه محمد بن حمزة وجه القرعة فغنى،:

يمشون فيها بـكـل سـابـغةٍ

 

أحكم فيها القتير والـحـلـق

يعرف إنصافهم إذا شـهـدوا

 

وصبرهم حين تشخص الحدق

فاستحسنه وشرب عليه، وأمر له بخمسمائة دينار. ثم غنى علويه:

يجحدن ديني بالنهار وأقتضـي

 

ديني إذا وقدا النعاس الرقـدا

وأرى الغواني لا يواصلن، امراً

 

فقد الشباب وقد يصلن الأمردا

فدعا به الرشيد وقال له: يا عاض بظر أمه! أتغني في مدح المرد وذم الشيب وستارتي منصوبة وقد شبت وكأنك تعرض بي! ثم دعا مسروراً فأمره أن يأخذ بيده فيضربه ثلاثين درة ويخرجه من مجلسه، ففعل، وما انتفعنا به بقية يومنا ولا أنتفع بنفسه، وجفا علويه شهراً، ثم سألناه فيه فأذن له.

قال أبو الفرج: لإبراهيم أخبار مع خنث المعروفة بذات الخال، وكان يهواها، جعلتها في موضع آخر من هذا الكتاب، لأنها منفردة بذاتها مستغنية عن إدخالها في غمار أخباره. وله في هذه الجارية شعر كثير فيه غناء له ولغيره، وقد شرطت أن الشيء من أخبار الشعراء و، المغنين إذا كانت هذه سبيله أفرده، لئلا يقطع بين القرائن والنظائر مما تضاف إليه وتدخل فيه.

أخبرني محمد بن يحيى الصولي قال حدثني الحسين بن يحيى قال: سمعت إسحاق الموصلي يقول: لما دخلت سنة ثمان وثمانين ومائة اشتد أمر القولنج على أبي ولزمه، وكان يعتاده أحياناً، فقعد عن خدمة الخليفة وعن نؤبته في داره، فقال في ذلك:

مل والله طـبـيبـي

 

من مقاساة الذي بـي

سوف أنعى عن قريب

 

لعـدو وحـبــيب

وغنى فيه لحناً من الرمل، فكان آخر شعر قاله وآخر لحن صنعه.
أخبرني الصولي عن محمد بن موسى عن حماد بن إسحاق عن أبيه: أن الرشيد ركب حماراً ودخل إلى إبراهيم يعوده وهو في الأبزن جالس، فقال له: كيف أنت يا إبراهيم؟ فقال: أنا والله يا سيدي كما قال الشاعر:

سقيمٌ مل منه أقـربـوه

 

وأسلمه المداوي والحميم

فقال الرشيد: إنا لله! وخرج، فلم يبعد حتى سمع الواعية عليه.

أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال: مات إبراهيم الموصلي سنة ثمان وثمانين ومائة، ومات في ذلك اليوم الكسائي النحوي والعباس بن الأحنف الشاعر وهشيمة الخمارة، فرفع ذلك إلى الرشيد، فأمر المأمون أن يصلي عليهم، فخرج فصفوا بين يديه ة فقال: من هذا الأول؟ قيل: إبراهيم، فقال: أخروه وقدموا العباس بن الأحنف، فقدم فصلى عليهم، فلما فرغ وانصرف، دنا منه هاشم بن عبد الله بن مالك الخزاعي فقال: يا سيدي، كيف آثرت العباس بالثقدمة على من حضر؟ قال: لقوله:

وسعى بها ناسٌ فقالوا إنهـا

 

لهي التي تشقى بها وتكابد

فجحدتهم ليكون غيرك ظنهم

 

إني ليعجبني المحب الجاحد

ثم قال: أتحفظها؟ قلت نعم، فقال: أنشدني باقيها. فأنشدته:

لما رأيت الليل سد طريقـه

 

عني وعذبني الظلام الراكد

والنجم في كبد السماء كأنـه

 

أعمى تحير ما لـديه قـائد

ناديت من طرد الرقاد بصده

 

عما أعالج وهو خلوٌ هاجـد

يا ذا الذي صدع الفؤاد بهجره

 

أنت البلاء طريفه والتـالـد

ألقيت بين جفون عيني حرقةً

 

فإلى متى أنا ساهرٌ يا راقد

فقال المأمون: أليس من قال هذا الشعر حقيقاً بالتقدمة؟ فقلت: بلى والله يا سيدي.

أخبرني يحيى بن علي بن يحيى قال قال حدثني حماد بن إسحاق قال حدثني أبي قال: قال لي برصوماً الزامر: أما في حقي وخدمتي وميلي إليكم وشكري لكم ما أستوجب به أن تهب لي يوماً من عمرك تفعل فيه ما أريد ولا تخالفني في شيء. فقلت: بلى ووعدته بيوم، فأتاني فقال: مر لي بخلعة، ففعلت وجعلت فيها جبة وشى، فلبسها ظاهرةً وقال: امض بنا إلى المجلس الذي كنت آتي أباك فيه، فمضينا جميعاً إليه وقد خلقته وطيبته، فلما صار على باب المجلس رمى بنفسه إلى الأرض فتمرغ في التراب وبكى وأخرج نايه وجعل ينوح في زمره ويدور في المجلس ويقبل المواضع التي كان أبو إسحاق يجلس فيها ويبكي ويزمر حتى قضى من ذلك وطراً، ثم ضرب بيده إلى ثيابه فشقها، وجعلت أسكته وأبكي معه، فما سكن إلا بعد حين، ثم دعا بثيابه فلبسها وقال: إنما سألتك أن تخلع علي لئلا يقال: إن برصوما إنما خرق ثيابه ليخلع عليه ما هو خير منها، ثم قال: امض بنا إلى منزلك فقد اشتفيت مما أردت، فعدت إلى منزلي وأقام عندي يومه، وانصرف بخلعة مجدد أخبرني إسماعيل بن يونس قال حدثني عمر بن شبة قال حدثني القاسم بن يزيد قال: لما مات إبراهيم الموصلي دخلت على إبراهيم بن المهدي وهو يشرب وجواريه يغنين، فذكرنا إبراهيم الموصلي وحذقه وتقدمه، فأفضنا في ذلك وإبراهيم مطرق، فلما طال كلامنا وقال كل واحد منا مثل ما قاله صاحبه، اندفع إبراهيم بن المهدي يغني في شعر لابن سيابة يرثي به، إبراهيم- ويقال: إن الأبيات لأبي الأسد -:

تولى الموصلي فقد تولـت

 

بشاشات المزاهر والقـيان

وأي بشاشةٍ بقيت فتبـقـى

 

حياة الموصلي على الزمان

ستبكيه المزاهر والملاهـي

 

وتسعدهن عاتقة الـدنـان

وتبكيه الغـوية إذ تـولـى

 

ولا تبكيه تالـية الـقـرآن

قال: فأبكى من حضر، وقلت أنا في نفسي: أفتراه هو إذا مات من يبكيه: ألمحراب أم المصحف؟! قال: وكان كالشامت بموته.
أخبرني يحيى بن علي قال قال أنشدني حماد قال: أنشدني أبي لنفسه يرثي أباه، وأنشدها غير يحيى وفيها زيادة على روايته:

أقول له لـمـا وقـفـت بـقـبـره

 

عليك سلام الله يا صاحب الـقـبـر

أيا قبر إبـراهـيم حـييت حـفـرةً

 

ولا زلت تسقى الغيث من سبل القطر

لقد عزني وجدي عـلـيك فـلـم يدع

 

لقلبي نصيباً من عـزاء ولا صـبـر

وقد كنت أبكي مـن فـراقـك لـيلة

 

فكيف وقد صار الفراق إلى الحشـر

أخبرني أحمد بن محمد بن إسماعيل أبن إبراهيم الموصلي الملقب بوسواسة قال: أنشدني حماد لأبيه إسحاق يرثي أباه إبراهيم الموصلي:

سلام على القبر الذي لايجيبـنـا

ونحن نحيي تربه ونخـاطـبـه

ستبكيه أشراف الملـوك إذا رأوا

محل التصابي قد خلا منه جانبة

ويبكيه أهل الطرف طراً كما بكى

عليه أمير المؤمنين وحـاجـبـه

ولما بدا لي اليأس منه وأنـزفـت

 عيون بواكيه ومـلـت نـوادبـه

وصار شفاء النفس من بعض ما بها

 إفاضة دمع تستهـل سـواكـبـه

جعلت على عيني للصبح عـبـرة

 ولليل أخرى ما بدت لي كواكبـه        

قال: وأنشدني أيضاً حماد لأبيه يرثي أباه:

عليك سلام الله من قبر فـاجـع

 

وجادك من نوء السماكين وابـل

هل أنت محيي القبر أم أنت سائل

 

وكيف تحـيا تـربة وجـنـادل

أظل كأني لم تصبنـي مـصـيبة

 

وفي الصدر من وجد عليك بلابل

وهون عندي فقده أن شخـصـه

 

على كل حال بين عيني مـاثـل

أخبرنا يحيى بن علي قال حدثني أبو أيوب المديني قال أنشدني إبراهيم بن علي بن هشام لرجل يرثي إبراهيم الموصلي:

أصبح اللهو تحت عفر التراب

 

ثاوياً في محـلة الأحـبـاب

إذ ثوى الموصلي فأنقرض الله

 

و بخير الإخوان والأصحاب

بكت المسمعات حزنا عـلـيه

 

وبكاه الهوى وصفو الشراب

وبكت آلة المجالـس حـتـى

 

رحم العود دمعة المضـراب

أخبرني محمد بن مزيد قال حدثنا حماد عن أبيه قال: دخلت إلى الرشيد بعقب وفاة أبي، وذلك بعد شهر من يوم وفاته، فلما جلست ورأيت موضعه الذي كان يجلس فيه خاليا دمعت عيني، فكففتها وتصبرت؛ ولمحني الرشيد فدعاني إليه وأدناني منه، فقبلت يده ورجله والأرض بين يديه، فاستعبر، وكان رقيقاً؛ فوثبت قائما ثم قلت:

في بقاء الخليفة المـيمـون

 

خلف من مصيبة المحـزون

لا يضير المصاب رزء إذا ما

 

كان ذا مفزع إلى هـارون

فقال لي: كذاك والله هو، ولن تفقد